التحذير من إيذاء أهل المدينة

للشيخ أبي بكر بن ماهر بن عطية المصري

بسم الله الرحمن الرحيم


ويل لمن كاد أهل المدينة وبخاصة أهل العلم منهم



اعلموا –رحمنا الله وإياكم، ووقانا وإياكم شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا– أنه لا يجوز لأحد أن يؤذي أحدًا بغير وجه حق، إذا علم ذلك فليعلم أنه لا يجوز لأحدٍ أن يؤذي مؤمنًا من باب أولى، قال تعالى:
((وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً)) (الأحزاب : 5
فإذا كان الإيذاءُ واقعًا على أهل المدينة، زاد الخطبُ، وعَظُم الجرم، فإذا كان الإيذاء واقعًا على علمائهم، زادتِ البليةُ، وعَظُمتِ الرزيَّةُ، ذلك لأن المرء كلما ازدادت تقواه، وازداد علمه، عظمت حرمته، وعظم إثم منتهك هذه الحرمة.

من فضائل المدينة

قال الإمام البخاري – رحمه الله تعالى – في صحيحه برقم (1876) ، في أبواب فضائل المدينة:
[بابٌ: الإيمانُ يأْرِزُ إلى المدينة]:
حدثنا إبراهيمُ بن المُنْذِر، حدثنا أنسُ بنُ عِيَاضٍ قال: حدثني عبيد الله، عن خُبَيْبِ بن عبد الرحمنِ ، عن حَفْصِ بن عاصمٍ ، عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أنَّ رسولَ الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – قال:
((إنَّ الإيمانَ لَيأْرِزُ إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها)). اهـ
الحديثُ أخرجه الإمام مسلم – رحمه الله – في صحيحه في "كتاب الإيمان" برقم [233-(147)]
قال صاحب القاموس – رحمه الله -:
أَرَزَ يَأْرِزُ ، مثلثة الراء(1)، أُروزًا: انقبض ، وتَجَمَّعَ ، وثَبَتَ ، فَهُوَ آرِزٌ وأَروزٌ ، و ... الحيَّةُ: لاذت بِجُحْرِها ، ورجعت إليه ، وثبتت في مكانها.) اهـ.

من كاد أهل المدينة ذاب وانماع

قال الإمام البخاري – رحمه الله تعالى – في صحيحه ، في (أبواب فضائلِ المدينة) أيضًا ، (بابُ إثم من كاد أهلَ المدينة) ، رقم الحديث (1877):
حدثنا حسين بنُ حُرَيْث ، أخبرنا الفضل ، عن جُعَيْدٍ ، عن عائشة – هي: بنت سعد(2) – قالت: سمعت سعدًا – رضي الله عنه – قال: سمعت رسولَ الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – يقول:
((لا يَكيدُ أهلَ المدينةِ أحدٌ إلا انْمَاع كما يَنْمَاعُ المِلْحُ في الماء.)) اهـ
الحديث رواه الإمام مسلم – رحمه الله تعالى – في صحيحه ، كما في "كتاب الحج" برقم [492-(1386)] ، [493-(1386)] ، عن أبي هريرة – رضي الله عنه – بنحوه ، ورواه برقم [494-(1387)] عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه – بنحوه أيضًا ، ثم رواه برقم: [495-(1387)] عن أبي هريرة وسعد – رضي الله عنهما – بنحوه أيضًا ، وهذا لفظ حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – عند الإمام مسلم – رحمه الله – بالرقم الأول وهو: [492-(1386)] حيث قال رحمه الله:
حدثني محمدُ بنُ حاتمٍ ، وإبراهيمُ بنُ دينارٍ قالا: حدثنا حَجَّاجُ بن محمدٍ ح وحدثني محمد بن رافعٍ ، حدثنا عبد الرزاق ، كلاهما عن ابن جُرَيْجٍ ، أخبرني عبدُ اللهِ بنُ عبد الرحمنِ بنِ يُحَنَّسَ ، عن أبي عبد الله القرَّاظ أنه قال: أَشْهَدُ على أبي هريرة – رضي الله عنه – أنه قال: قال أبو القاسم – صلى الله عليه وعلى آله وسلم -:
((مَنْ أراد أهل هذه البلدة بسوء [يعني المدينة] أذابه الله كما يذوب الملح في الماء)).
قلت: وأما حديث سعد – رضي الله عنه – فقد قال مسلم – رحمه الله تعالى -: [494-(1387)]
حدثنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ ، حدثنا حاتِمٌ (يعني ابنَ اسماعيلَ) ، عن عُمَرَ بنِ نُبَيْهٍ ، أخبرني دينارٌ القرَّاظُ ، قال: سمعتُ سعدَ بنَ أبي وقاصٍ – رضي الله عنه – يقول: قال رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم -:
((مَنْ أراد أهل المدينة ...)) الحديث بمثل حديث أبي هريرة – رضي الله عنه -.

قلتُ: فللظَلَمة الذين يظلمون أهل المدينةِ في الأمور الدنيوية ، نصيبٌ من هذا الوعيد الذي في هذا الحديث ، فكيف بمن يظلمهم من أجل دينهم ؟! وكيف بالمبتدعة الذين يطعنون في علمائهم ، ويذمونهم ، ويَعيبونهم ، وينبزونهم بألقاب السوء ، ويسيئون إليهم ، ويحتقرونهم ، ويُسَفِّهونَهم ، ويَكْذبون عليهم ، ويُكَذِّبونهم ، ويُنَفِّرُون الناس عنهم ، ويُحَذِّرونَ منهم ، إلى غير تلكم القبائح ، كيف بهؤلاء الذين يفعلون ذلك أو بعضه ؟!
إن لهم نصيبًا كبيرًا وحظًا وافرًا من الوعيد المذكور في هذا الحديث ، بلا شكٍّ ولا مِرْيَةٍ ، ألا فليتقوا الله ، وليرحموا أنفسهم ، وليصطلحوا مع علماء أهل المدينة من قبل أن يذوبوا – إن لم يكونوا قد ذابوا -.

الأحد الرابع من جُمادَى الآخرة لسنةِ ستٍ وعشرين وأربعمائة وألف من الهجرة النبوية

المراجع:
1 - صحيح البخاري، اعتنى به أبو صهيب الكرمي، بيت الأفكار الدولية للنشر والتوزيع.
2 - صحيح مسلم ، طبعة دار ابن رجب.




الحاشية:
(1)أي بفتح الراء وكسرها وضمها.

(2) صحيح البخاري مع الفتح ، طبعة دار مصر للطباعة.

****************************************

المصدر http://www.abu-bkr.com/makalat/makalat04.html