شبهة والجواب عنها:

هل يُسأل العبد في قبره ويوم القيامة عن جرح المجروحين؟
للشيخ أبي بكر بن ماهر بن عطية المصري

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه في: "كتاب الكسوف" (1053):
"حدثنا عبد الله بنُ يوسُفَ قال: أخبرنا مالكٌ, عن هشامِ بن عُرْوةَ عن امرأتِهِ فاطمةَ بِِنْتِ المنذر, عن أسماءَ بنتِ أبىِ بكرٍ - رضي الله عنهما - أنها قالت:
أتيت عائشةَ رضي الله عنها, زوجَ النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -, حين خَسَفَتِ الشمسُ, فإذا الناسُ قيامٌ يُصَلُّونَ, وإذا هي قائمةٌ تصلي, فقلت: ما للناسِ؟ فأشارت بيدها إلى السماءِ, وقالت: سبحان الله. فقلت: آيةٌ؟ فأشارت:أَيْ نعم. قالت: فَقُمتُ حتى تَجَلاّني الغَشْيُ(1), فجعلت أَصبُّ فوق رأسي الماءَ, فلما انصرف رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - حَمِدَ اللهَ وأثنى عليه, ثم قال: "ما من شيءٍ كنتُ لم أَرَهُ إلا قد رأيته في مقامي هذا, حتى الجنةَ والنارَ, ولقد أوحي إلىَّ أنكم تُفتنون في القبور, مِثْلَ أو قريبًا, من فتنة الدجال, لا أدري أيَّتَهُما قالت أسماءُ, يُؤْتَى أحدُكم فيقالُ له: ما عِلْمُكُ بهذا الرجلِ؟ فأما المؤمنُ, أو الموقِنُ، لا أدري أَيَّ ذلك قالت أسماءُ, فيقولُ: محمد رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جاءنا بالبينات والهدى, فأجبنا وآمنا واتبعنا, فيقال له: نم صالحًا, فقد علمنا إن كنت لموقنًا, وأما المنافقُ, أو المرتابُ, لا أدري أيَّتَهما قالت أسماءُ, فيقولُ: لا أدري, سمعت الناس يقولون شيئًا فَقُلْتُهُ".
الحديث رواه البخاري - رحمه الله تعالى - في عدةِ مواضعَ من صحيحه بألفاظٍ متقاربةٍ, وقد رواه مسلم - رحمه الله - في صحيحه في "كتاب الكسوف" برقم (11-905) بنحوه.
قلت: فأنت ترى في هذا الحديث أن العبد في قبره يُؤتى فَيُسألُ عن علمه بهذا الرجل - ألا وهو النبيَ صلى الله عليه وعلى آله وسلم - فيقول المؤمن أو الموقن: هو محمد رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -, جاءنا بالبينات والهدى, فأجبنا وآمنا واتبعنا, فيقال له: نم صالحًا, فقد علمنا إن كنت لموقنًا, والآن أقول: إن جرح الكفار, والمبتدعين, والفاسقين هو من العلم الذي جاءنا به رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-, ومن البينات, والهدى الذي جاءنا به رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- , فالمؤمن أو الموقن أجاب وآمن واتبع ما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -, وإن الله - عز وجل - قد كَفَّر في كتابه الكافرين من اليهود والنصارى وغيرهم, وذمَّ الكافرين في غير ما موضع من كتابه, ويَدْخلُ المبتدعةُ في مثل قوله تعالى: ((أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) وفي غير ذلك من الآيات, وكذلك ذَمَّ النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم الخوارجَ, في غير ما حديث, وذَمَّ اللهُ الفاسقين في كتابه, وقال في الذين يقذفون المحصنات العفيفات ((وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ . إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)) وقال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)). والفاسق قد يكون كافرًا إذا كان فسقه فسقًا أكبر, مخرجًا من الملة, كفسق إبليس الذي قال فيه الله عز وجل ((وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ)) وقد يكون الفاسق مسلمًا إذا كان فسقه فسقًا أصغر, أو فسقًا غيرَ مخرج من الملة، أو فسقًا دون فسق, كما في قاذف المحصنات مثلاً فالقاذف يمكن أن يكون مسلمًا, ولكنه يكون فاسقًا لاقترافه إحدى السبع الموبقات, وإحدى الكبائر, وقال تعالى في كتابه: ((قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)) فسبيل الغي بَيِّنٌ كما أن سبيل الرشد بين، وقال تعالى: ((وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ)) فسبيل المجرمين بجميع أصنافهم بينة واضحة، وقال تعالى: ((وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ)) والهداية في الآية هداية البيان والإيضاح، فكما أن الله عز وجل بين طريق الخير لاتباعه فقد بين طريق الشر لاجتنابه.
قال ابن كثير – رحمه الله تعالى – في تفسير قوله تعالى ((وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ)) قال: (الطريقين.)(2)
فبان بذلك, وبغيره من الأدلة أن جرح المجروحين هو من العلم الذي جاءنا به رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وبلَّغه إلينا، وأن العبد يسأل في قبره عن علمه بالنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وقد علمت أن جرح المجروحين من العلم الذي جاءنا به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم, فيكونُ داخلاً ضمن سؤال العبد في قبره عن علمه برسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -, وأن هذا العلمَ - أعني علمَ الجرح للمجروحين – هو من البينات والهدى, وأنه يجب على المؤمن أو الموقن أن يقبلَ هذا العلم وغَيْرَه من العلوم التي جاء بها رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -, وبلَّغها البلاغَ المبينَ, وأن يجيبَ ويُؤمنَ ويتبعَ, ما أوجبه الله عز وجل عليه, أما ما يتعلق بالسؤال عن هذا يوم القيامة، فإنا نحتج بقول الله تعالى: ((فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ)) فنقول: إن الله عز وجل أكد أنه سيسأل الذين أُرسِلَ إليهم رُسُلُهم بالبينات والهدى, وبلغوهم البلاغَ المبينَ, ولا شك في أن جرح المجروحين هو من العلم والهدى والبلاغ والبينات التي جاء بها المرسلون, والتي سيسأل عنها العبد يوم القيامة, فدل ذلك على أنه سيسأل عن جرح المجروحين يوم القيامة, فكما يُسأَلُ المرسلون يوم القيامة عن إبلاغ رسالات ربهم, بما فيها من جرح المجروحين وذمهم وعيبهم، فكما يُسأل هؤلاء المرسلون يُسْأَلُ كذلك مَنْ أُرسل إليهم هؤلاء المرسلون عن تلك الرسالات بما فيها من جرح هؤلاء المجروحين وذمهم وعيبهم.
فسحقًا للتلبيس وأهله الذين يلبسون على الناس أمر دينهم بشبههم الزائفة.
وسحقًا للبدع وأهلها الذين يصدون عن سبيل الجرح للمجروحين، سبيل السلف الصالحين، سبيل كتاب رب العالمين وسنة خاتم النبيين، الذي أرسله ربه ببيان السبيلين سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين من منافقين وزنادقةٍ وملاحدةٍ، وكفارٍ، ومشركين ومبتدعين، وفاسقين.
وبعدًا للجهل وأهله الحيارى في ظلمات الجهالة، فهم يَخْبِطُون خَبْطَ عَشْواءَ(3)، ويركبون متن عمياء.
إذا علمت ما سبق – فاعلم أن من يحلف ويقسم ويتألى على الله بأن الله لن يَسْأَلَ عبدَهُ يوم القيامة وأنه لن يُسأل في قبره: لِمَ لمْ تكفرْ أو تبدعْ أو تفسقْ فلانًا؟ وأنه إنما يُسْاَلُ لم كفرتَ أو بدعتَ أو فسقتَ فلانًا؟ - اعلم أن من تألى على الله بذلك فإنه كذابٌ مفترٍ جريءٌ على الله عز وجل، فتبًا لمن هذا حاله أو مقاله. إذ قد علمت فساد مقاله وضلال حاله، وَلْيُعْلَمْ أني لم أَعْمِدْ إلى استقصاء الأدلة في جواب تلك الشبهة ودحضها وردها لأني رأيت أن فيما ذكرتُ كفاية وذكرى إن شاء الله، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، والموفق يكفيه القليل، والضال المتهوك(4) الحيران العنيد لا ينفعه الكثير. قال تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ . وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ)). وقال: ((وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ)). وقال: ((وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ)).
((سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ . وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ . وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ))

وكتبه
أبو بكر بن ماهر المصري
السبت الموافق الثامن والعشرين من ربيع الأول لسنة 1426 هجرية






الحاشية:

(1) في القاموس: (غُشِيَ على, ... غَشيًا وغَشَيانًا: أُغْمِيَ) اهـ. قال النووى رحمه الله:
(قولُها: "تَجَلاّني الغَشْيُ" ... وهو معروف يحصل بطول القيام في الحر وفي غير ذلك من الأحوال, ولهذا جعلت تصُب عليها الماء, وفيه أن الغَشيَ لا ينقض الوضوء ما دام العقل ثابتًا.) اهـ. صحيح مسلم بشرح النووي المجلد الثالث ج6 ص192. دار التقوى للنشر والتوزيع.
(2) تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير رحمه الله المجلد الرابع/ ج8/ ص316. المكتبة التوفيقية للنشر والتوزيع.
(3) (والعَشْواءُ: الناقةُ لا تُبْصِرُ أمامها.) اهـ من القاموس.
(4) (والمُتَهَوِّك: المُتَحَيِّرُ) اهـ من القاموس.
*********************************


المصدر http://www.abu-bkr.com/makalat/makalat05.html