ابحث في شبكة الإمام الآجري ابحث في المواقع السلفية

شكر شكر:  0
النتائج 1 إلى 5 من 5
  1. #1

    افتراضي خطب مختارة بمناسبة الدخول المدرسي الجديد




    عنوان الخطبة الأولى :

    واجب المعلم والمتعلم ووليه
    مؤلف الخطبة :
    محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
    عناصر الخطبة :
    1/ أمور ينبغي توفرها في المعلم 2/ نصيحة موجهة للمتعلمين 3/ نصيحة موجة للمدراء 3/ نصيحة موجهة للأولياء


    نص الخطبة :

    الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم: (الرَّحْمَنُ*عَلَّمَ الْقُرْآنَ*خَلَقَ الْأِنْسَانَ*عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) [الرحمن:1-4] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الفضل والعفو والإحسان وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي بعثه الله بالهدى ودين الحق ليمحو الباطل بالحجة والبرهان صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما.

    أما بعد:

    أيها الناس: فإننا في هذه الأيام نلج أبواب عام دراسي جديد توافق مع العام الهجري الجديد نسأل الله تعالى أن يجعله علينا وعلى المسلمين عام خير وبركة، وعلى المجرمين والكافرين عام ذل وهوان.

    إن الناس في هذه الأيام يستقبلون نشاطهم؛ فيا ليت شعري ماذا أعدوا لهذا العام.

    أيها الناس: إنني لا أدري إلى من أوجه خطبتي هل أوجهها إلى العموم أو أوجهها إلى أصناف معينين إنني أقول إن أحق من أوجه خطبتي هذه إليهم ثلاث أصناف من الناس المعلمون والمتعلمون وأولياء أمور المتعلمين..

    أما المعلمون فإن من أهم ما يتعلق بهم أن يدركوا العلوم التي يلقونها إلى الطلبة إدراكاً جيداً مستقراً في نفوسهم قبل أن يقفوا أمام الطلبة حتى لا يقع الواحد منهم في حيرة عند سؤال التلاميذ له ومناقشتهم إياه؛ فإن من أعظم مقومات الشخصية لدى الطلبة أن يكون المعلم قويًّا في علمه وملاحظته.

    إن قوة المعلم العلمية في تقويم شخصيته لا تقل عن قوة ملاحظته إن المعلم إذا لم يكن عنده علم ارتبك عند السؤال فينحط قدره في أعين تلاميذه، وإن أجاب بالخطأ فلن يثقوا به بعد ذلك، وإن انتهرهم عند السؤال والمناقشة فلن ينسجموا معه.. إذاً فلابد للمعلم من إعدادِ واستعدادِ وتحملِ وصبرِ المعلم عند توجيه السؤال له إن كان عنده علم راسخ في ذهنه مستقر في نفسه أجاب بكل سهولة وانطلاقة وإلا إنه لا يخلو بعد ذلك من هذه الأمور الثلاثة الارتباك أو الخطأ أو الانتهار وكل ذلك ينافي الآداب التي ينبغي أن يكون المعلم عليها..

    وإذا كان على المعلم أن يدرك العلم الذي سيلقيه أمام الطلبة - فإن عليه أن يحرص على حسن إلقائه إليهم؛ بأن يسلك أسهل الطرق في إيضاح المعاني، وضرب الأمثال، ومناقشة الطلبة فيما ألقاه عليهم سابقا؛ ليكونوا على صلة بالماضي ويعلموا أن هناك متابعة من المعلم.. أما أن يأتي يقرأ عليهم الشيء قراءة لا يدري من فهم ومن لم يفهم ولا يناقش فيما مضى - فإن هذه الطريقة طريقة عقيمة جداً لا تثمر ثمرة ولا تنتج نتيجة طيبة.

    وإذا كان على المعلم أن يجتهد في الأمور العلمية تحصيلاً وعرضاً - فعليه أن يجتهد في الأمور العملية التعبدية ..

    عليه أن يكون حسن النية والتوجيه؛ فينوي بتعليمه الإحسان إلى طلبته وإرشادهم إلى ما ينفعهم في أمور دينهم ودنياهم، وليجعل نفسه لهم بمنزلة الأب الشفيق الرفيق؛ ليكون لتعليمه أثر بالغ في نفوسهم.

    وعلى المعلم أن يظهر أمام طلبته بالمظهر اللائق من الأخلاق الفاضلة والآداب العالية التي أساسها التمسك بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ ليكون قدوة لتلاميذه في العلم والعمل؛ فإن التلميذ ربما يتلقى من معلمه من الأخلاق والآداب أكثر مما يتلقى منه العلم من حيث التأثر؛ لأن أخلاق المعلم وآدابه صورة مشهودة معبرة عما في نفسه ظاهرة في سلوكه، فتنعكس هذه الصورة تماماً على إرادة التلاميذ واتجاههم.

    إن على المعلم أن يتقِ الله تعالى في نفسه وفي من ولّاهم الله عليه من التلاميذ، وأن يحرص غاية الحرص على أن يمثل أمامهم بالآداب والأخلاق حتى يكون قدوة صالحة "ومن سنة في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة".

    وإنني أقول للمعلمين: إن عند التلاميذ ملاحظة دقيقة عجيبة على صغر سنهم إن المعلم إذا أمرهم بشيء ثم رأوه يخالف ما أمرهم به فإنهم سوف يضعون علامة الاستفهام أمام وجه هذا المعلم كيف يعلمنا بشيء ويأمرنا به وهو يخالف ما كان يعلمنا ويأمرنا به لا تستهن -يا معلم- لا تستهن بالتلاميذ -ولو كانوا صغاراً- فعندهم من الملاحظات أمر عجيب.

    أيها المتعلمون: ابذلوا غاية الجهد في تحصيل العلم من أول العام حتى تدركوا المعلومات إدراكاً حقيقياً ثابتاً في قلوبكم راسخاً في نفوسكم؛ لأنكم إذا اجتهدتم من أول العام أخذتم العلوم شيئاً فشيئاً، فسهلت عليكم، ورسخت في نفوسكم، وسيطرتم عليها سيطرة تامة، وإن أنتم أهملتم وتهاونتم في أول العام واستبعدتم آخره - انطوى عنكم الزمن، وتراكمت عليكم الدروس، فأصبحتم عاجزين عن تصورها فضلاً عن تحقيقها، فندمت حين لا تنفع الندامة، وبئتم بالفشل والملامة.

    أيها الناس أيها المدراء: إذا كان على المعلمين والمتعلمين واجبات تجب مراعاتها فإن على إدارة المدرسة أو المعهد أو عمادة الكلية أن ترعى من تحت مسئوليتها من مدرسين وطلاب ومراقبين؛ لأنها مسئولة عنهم أمام الله عز وجل، ثم أمام المسئولين فوقهم، ثم أمام عامة الأمة بمقتضى الأمانة التي تحملوها نحوهم.

    أيها الأولياء: وإذا كان على المدرسة معلميها ومديريها وعمدها واجبات فإن على أولياء الطلبة من الآباء وغيرهم واجبات يلزمهم القيام بها.. عليهم أن يتفقدوا أولادهم وأن يراقبوا سيرهم ونهجهم العلمي والفكري والعملي، وأن لا يتركوهم هملاً لا يبحثون معهم، ولا يسألونهم عن طريقتهم وأصحابهم ومن يعاشرونهم ويصادقونهم.

    إن إهمال الأولاد ظلم وضياع ومعصية لما أمر الله به في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم :6].

    فاتقوا الله -عباد الله-، وليقم كل منكم بما أوجب الله عليه من حقوق الله وحقوق لعباد الله؛ لتفوزوا بالمطلوب كما قال ربكم وإلهكم: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) [الأحزاب :70-71].

    أيها الناس: إن ما قلناه في حق الأولاد لا نقصد به الأبناء فقط وإنما نقصد به الأبناء والبنات؛ لأن الأولاد في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يراد بهم الذكور والإناث كما قال الله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) [النساء : 11] وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" فما كان في حق البنين من رعاية ومن رعاية وحماية فإنه في حق البنات كذلك.

    أسال الله تعالى أن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين صالحين مصلحين.

    وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

  2. #2

    افتراضي رد: خطب مختارة بمناسبة الدخول المدرسي الجديد

    عنوان الخطبة الثانية :

    إصلاح التعليم
    مؤلف الخطبة :
    عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله
    عناصر الخطبة :
    1 /أقسام العلوم النافعة 2/ خطورة الاهتمام بالعلوم الدنيوية وإهمال الدين 3/ حال المدارس المنحرفة حين أهملت الدين 4/ بطلان افتراء من زعم أن العلوم تتقوم بغير الدين 5/ نصيحة لمن يقوم على أمر التعليم 6/ اقتراح طريقة مثلى لتلقي العلم النافع


    نص الخطبة :
    الحمد لله الذي أمرنا أن نأتي البيوت من أبوابها، وأن نسير في طريق مصالحنا بتعرف مناهجنا وأسبابها، وأشهد أن لا إله إلا الله الذي أخرجنا من بطون أمهاتنا, لا نعلم من العلوم قليلاً ولا كثيراً، وجعل لنا الأسماع والأبصار والأفئدة؛ لنشكره بصرفها إلى المعارف النافعة, وكان ربك قديراً, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, الذي أرسل إلى جميع الثقلين بشيراً ونذيراً, وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، اللهم صل وسلم على محمد, وعلى آله وأصحابه صلاة وسلاماً كاملاً كثيراً.

    أما بعد:

    أيها الناس, اتقوا الله بمعرفة الخير واتباعه، ومعرفة الشر وتركه واجتنابه، واعلموا أن العلم هو الأساس الذي يستقيم عليه البنيان، وبه الصلاح والفساد والكمال والنقصان؛ فليكن تأسيسكم على علوم نافعة صحيحة، ومعارف قوية صادقة رجيحة.


    فالعلوم النافعة كلها تنقسم إلى: مقاصد, ووسائل.


    فالمقاصد: هي الأصول المصلحة للعقائد والأخلاق والفضائل، وهي العلوم الدينية التي بينها الرسول، وحث عليها، وهي التي لا تنفع العلوم كلها إلا إذا أُبنيت عليها.


    فوجهوا -رحمكم الله- وجوهكم, ووجوه المتعلمين إلى علوم الدين، واغرسوا هذا الغراس الجميل, الباقي في أذهان الناشئين؛ فبذلك تصلح الأحوال، وتزكو الأعمال، وبذلك يتم النجاح في الحال والمآل، وبذلك تصلح العقائد والأخلاق، وبه يسير التعليم إلى كل خير وينساق، ولا يتم ذلك إلا بتخير الأساتذة الفضلاء الناصحين، وملاحظتهم التامة لأخلاق المتعلمين.


    وأن يعلق النجاح والشهادات الراقية لمن جمع بين العلم والدين؛ فإن العلم الخالي من الدين, لا يزكي صاحبه, وإنما هو صنعة من الصناعات، ولا بد أن يهبط بأصحابه إلى أسفل الدركات.


    أما رأيتم حالة المدارس المنحرفة, حين أهمل فيها تعليم الدين كيف انساق أهلها إلى الشر والإلحاد؟
    وكيف كان الكبر ملأ قلوب أهلها, وأعرضوا عن رب العباد؟

    فالعلوم العصرية, إذا لم تُبْن على الدين شرها طويل، وإذا بنيت على الدين, أينعت بكل ثمرة جميلة, وعمل جليل.


    لقد افترى من زعم أن العلوم تتقوم بغير الدين، ولقد خاب من توسل بعلوم المادة المحضة، وحصلوا على كل خصلة رذيلة.


    أما ترونهم يسعون خلف أغراض النفوس, وخسيس الشهوات؟ أما تشاهدون أحوالهم فوضى, قد مرجت فيهم المعنويات والصفات؟ أما ترونهم حين عرفوا شيئاً من علوم الطبيعة. أعجبوا بأنفسهم, فهم مستكبرون، فنعوذ بالله من علم لا ينفع, ونفس لا تشبع, ودعاء لا يجاب ويشفع، قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ) [النحل: الآية125].


    قال تعالى: (وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) [آل عمران: الآية79].


    لقد أرشدنا ربنا إلى الطريقة المثلى في تعليم المتعلمين، وأن تسلك أقرب طريق يوصل المعارف إلى أذهان المشتغلين؛ فلا نزحمها بكثرة الفنون؛ فإن الأذهان لا تتحملها، ولا تلقي عليها من المسائل ما لا تطيقها, ولا تحفظها، بل تلقي على كل أحد ما يتحمله ذهنه, وما يشتاق إليه، وتتعاهد بالدرس والإعادة, وكثرة المرور عليه، فالقيل الثابت الراسخ البنيان، خيرٌ من الكثير الذي هو عرضة للزوال والنسيان، فتزاحم العلوم, يضيع بعضها بعضاً, وتوجب الكسل والملل، وذلك من أعظم الأضرار والاخلال, وشدة الخلل.


    فكم من تلميذ على هذا الوصف مكث المدة الطويلة بغير معرفة صحيحة ونجاح؟ وكم من تلميذ سلك الطريق النافعة, ففاز بكل خير وفلاح؟ فكما أن القُوى لا تكلف من الأعمال والأشغال إلا ما تطيق وتستطيع, فكيف بالأذهان الصغيرة, إذا زحمت بما لا طاقة لها به؟

    وذلك عبء ثقيل مريع، قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) [آل عمران:187].

  3. #3

    افتراضي رد: خطب مختارة بمناسبة الدخول المدرسي الجديد

    عنوان الخطبة الثالثة :
    رســــالة المعـــــلم
    ملق الخطبة :
    سماحة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ أطال الله في عمره في طاعته .
    ملخص الخطبة :
    1- حلول الدخول المدرسي. 2- ضرورة استشعار المعلمين لعظم الأمانة.3- أهمية العناية بتربية النشء.4- تعرّض شباب الأمة لحملات تغريبية وأخرى تضليلية. 5- المعلّم قدوة.6- تحصين الشباب من الأفكار الدخيلة.7- تحسيس الشباب بنعمة الأمن.8- الرد على الطاعنين في المناهج.9- أهمية الدعوة إلى الله تعالى في العملية التعليمية.



    نص الخطبة :

    أمّا بعد: فيا أيّها الناس، اتّقوا الله تعالى حقَّ التّقوَى.
    عبادَ الله، غَدًا السّبت السّادِس مِن شهرِ شعبَان لعام ستٍّ وعشرين وأربعمائة وألف، يستقبل أبناؤنا وبناتُنا عامًا دراسيًّا جديدًا، أسأل الله أن يكونَ عام خيرٍ وبركة، وأن يزوِّد الجميع بالتقوى، ويجعل العمل خالصًا لوجهه الكريم، إنّه على كل شيءٍ قدير.
    أيّها المسلم، ليس الحديثُ عن العلم وفضلِه وعلوِّ مرتبتِه ومرتبةِ أهله، فذاك أمر مستقرّ في نفس كلّ مسلم، ولكن الحديث اليوم موجّهٌ إلى شريحةٍ من شرائح مجتمعنا، هي شريحة المعلِّمين والمعلّمات، أتحدَّث مع إخواني المعلِّمين ومع أخواتي المعلّمات ابتداءً من الحضانةِ وانتهاءً بالتعليمِ العالي إلى غير ذلك.
    هذا الحديث معَهم حديثٌ حمل عليه قولُ النبيّ : ((الدين النصيحة))، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: ((لله ولكتابِه ولرسوله ولأئمّة المسلمين وعامَّتهم))[1]، يقول جَرير بن عبد الله رضي الله عنه: بايعتُ رسولَ الله على إقامِ الصّلاة وإيتاءِ الزّكاة والنّصح لكلّ مسلم[2].
    أيّها المعلّم، أيّتها المعلمة، أتحدَّث معكم اليومَ في أمورٍ:
    أوّلاً: أن يكونَ لدَى كلِّ معلّم ومعلّمة يقين بأنّ الأمانةَ كبيرةٌ والمسؤوليّة جسيمة، كيف لا وهي أمانةُ تربيّةِ النّشء وتعليمهم وتوجيههم؟! هذا النشء الذين هم اليوم صغار غَدًا سيكونون كبارا، وهم اليوم طلاَّب وغدًا معلِّمون وخبراء ومهندِسون وأطبّاء وأهل عِلمٍ وفضل، وهم الذين سَينزلون في ميادينِ العَمل. هذه الفئةُ الكبيرة من أبنائنا وبناتِنا لا بدّ أن يعتنيَ المعلّم وأن تعتنيَ المعلمة بها، فيعتني المعلِّم بتربيةِ أبنائنا تربيةً صالحة.
    أيّها المعلّم، أيّتها المعلمة، ليس الهدَف أن نحضرَ مبكِّرًا، وأن نسجِّلَ الحضورَ في الساعة الأولى، وليس المهمّ أن أقضِيَ حصَصَ التعليم ثم أغادِر الفصلَ وأغادر المدرسةَ إلى يومٍ آخر. هذا هدفٌ من الأهداف وغاية من الغاياتِ، ليس الهدف مجرّدَ أن أعتنيَ بالمنهج وأحاولَ إكمالَه أو أخذ معظَمِه، وذاك أيضًا غاية ومقصود، لكن هنا أمرٌ مهمّ فوق هذا كلِّه، فمَطلوبٌ من المعلّم ومطلوب من المعلمة الاعتناء بالوقت، مطلوبٌ الاعتناء بالحصصِ الدّراسيّة، مطلوب العنايةُ بالمناهِج، مطلوب إيصال المعلومةِ إلى أذهان الطلاب والطّالِبات. هذا أمر مهِمّ ومسؤولية مهمّة، ولكن فوقَ هذا كلِّه العنايةُ بالتّربِية، بالسلوك والأخلاق، بالمعتقد والفِكر، أن نعتنيَ بأفكارِ أبنائِنا وبناتنا، ثم نعتني بالأخلاق والسّلوكِ، أن نربِّيَ الجميعَ تربيةً إسلاميّة صالحة، أن نخرجَ جيلاً متربِّيًا على القيَم والفضائل وحبِّ الخير والتمسّك بالإسلام قولاً وعملاً.
    أيّها المعلّم، أيّتها المعلّمة، غيرُ خافٍ على الجميع الحملاتُ الشّرِسة على الإسلامِ وأهله، على الإسلام ومبادئه، على قِيَمه وفضائله، على آدابه وأخلاقِه، حملاتٌ انطلَقَت من خلال قنواتٍ فضائيّة متعدِدة متنوِّعةِ المشارب، كثيرٌ مِنهم يسعَون في هدم الإسلام، إمّا مباشرةً أو من وراءِ الستار، فقَنواتٌ توجِّه سِهامَها نحوَ ثوابِتِ الأمّة، نحو عقيدتِها، نحوَ إسلامها؛ لتشكِّك نشأَنا في عقيدَتهم الخالِصةِ وإسلامهم الحقّ. تحارِب الإسلامَ ومبادئه وفضائله وأخلاقَه، تَطعن في الثوابتِ لهذه الأمّة، في توحيدِ الله وفي طاعةِ رسوله ، تريد أن تقطَعَ الصّلةَ بين نشئِنا وبين دينِهم، بينهم وبين ماضيهِم المجيدِ وبين أسلافهم الذين مضَوا على الأخلاقِ والفضائلِ.
    قنواتٌ أخرى توجِّه سِهامَها على الأخلاق والفضائل والسّلوك، تريد أن تصبَغَ شبابنا وفتياتِنا بصبغاتٍ خارِجَة عن مبدأ الإسلام وفضائله ومبادئه.
    أيّها المعلم، أيّتها المعلمة، إذًا ما الواجب؟ الواجبُ أداءُ الوظيفةِ حقًّا ومحاولةُ توصيل المعلوماتِ إلى الطالب والطالبةِ، ثم مع هذا فلا تنسَ ـ أيّها المعلم ـ ولا تنسي ـ أيتها المعلمة ـ أنَّ المعلِّم إن صدَقت نيتُه فهو داعٍ إلى الله، هو داعٍ إلى الله وإلى دينه، وإن صدقَت نيّة المعلِّمة فهي إذًا داعيَة إلى الله وإلى دينه، وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33].
    أيّها المعلِّم، أيّتها المعلِّمة، إن النّشءَ ينظرون إلى معلِّمهم وإلى معلِّمَتهم، يتكرَّر عليهم في اليومِ عددٌ من المعلّمين، وعلى الفتَيات عدَد من المعلمات، وإنَّ أفكارَ شبابنا تتوجَّه إلى ذلك المعلّم، وقُلوب الفَتَيات إلى تلك المعلّمة، فأقوال المعلِّم تثبت في القلبِ، وأقوال المعلّمة تثبت في القلب.
    إذًا أخي المعلم وأختي المعلّمة، لا بدّ من تصوّرٍ حقيقيّ لهذه المسؤولية الكبيرةِ، أن نحرصَ مع أدائِنا لمنهَجِنا الدراسيّ أن نكونَ دعاةً إلى الخير، نرشِد هذا النشءَ إلى الطريق المستقيم، نحذِّرُهم من سلوكِ الطريق غيرِ السوِيّ، نرشِدهم للقِيَم والفضائل، نحاوِل غَرزَ محبّةِ الإسلام في قلوبِهم، محبّة الله ومحبّة رسولِه، نعرِز في نفوسهم حبَّ الإسلامِ، حبَّ فرائضه وواجباتِه، حبَّ فضائله وآدابِه، حبَّ أخلاقه وقِيَمه، يَرونَ ذلك المعلّمَ وهو إن تكلَّم تكلّمَ بخير، مهذَّبَ اللّسان، لا ينطق إلا بخيرٍ، فليس بالسّبّاب ولا باللَّعّان ولا بالفاحِش ولا بالبذيء، بل خلُقٌ كريم وقَول حسَن وتربِية صَالحة. إن نَظروا إلى مظهَرِه فمَظهَر تمسَّك بالإسلام؛ ذلك المعلّم، فيقتدِي به ذلك النّشء، إن سمِعوا أقوالَه فأقوال حقّةٌ لا باطلَ فيها.
    أيّها المعلم، وأيّتها المعلّمة، يعلَم الجميع ماذا يعاني منه بعضُ شبابِنا الذين انخَدَعوا بالأفكارِ الضالّة والآراءِ المنحرِفَة، زيَّن لهم الباطلَ من لا فِقهَ ولا بصيرةَ عنده، وزجّوا بهم في هاوِيَة سحيقةٍ، حسَّنوا لهم الباطلَ، أبعدوهم عن العلم والدّروس، زهَّدوهم في التعليم، قضَوا على قِيَمهم وفضائلهم.
    شبابٌ في أوّل أعمارهم، زلَّت بهم القدَم نتيجة لمن لا فِقهَ ولا بصيرةَ عنده، فحذِّروا أبناءَنا وحذِّري ـ أيّتها المعلّمة ـ بناتِنا من تلكم الأفكارِ المنحرفة والآراءِ الضالّة والتصوُّرات الخاطِئة التي أهلَكَت بعضَ شبابنا، فصارت سببًا لوقوعِهم في الشّرِّ، فأساؤوا إلى أنفسِهم وإلى دينِهم وللآبَاء والأمّهات وإلى مجتَمَعهم المسلِمِ الفاضل.
    فحذِّروا شبابَنا وفتياتنا من هذه الأفكارِ الغَريبة، متى ما شممتَ ـ أيّها المعلِّم ـ فِكرًا سيِّئًا فحاوِل إقناعَ الشّباب بالرجوع عن تِلكم الأفكارِ، حاول حِوارَهم وإقناعهم؛ عسى أن توفَّق لذلك، فإنَّ هذا النشءَ بحاجةٍ إلى معلِّم فاضل، يحمِل فكرًا صَالحًا وتربيّة حسنة وحبًّا لهذا النشءِ أن تزلَّ قدمُه فيما لا خيرَ فيه.
    عِندَما تسمَع منهم اغتِرارًا وانخِداعًا ببعضِ المسلسَلات الهابِطة أو البرامِجِ الفاسِدة فحاول تصحيحَ الوضع، وأرشِدهم إلى الخير، وأبعِدهم عن الشّرّ قدرَ مستطاعِك. عِندَما ترَى من هؤلاء الطلاّب أو ترَى المعلِّمةُ من هؤلاء الطّالبات تخلّفًا عن الدّراسةِ وتسكّعًا في الطرقاتِ وأن يمضي على الشابّ أو الفتاةِ وقتٌ ما حضَرَ الطالب ولا الطالِبة فلا بدّ للمعلِّم مِن موقفٍ، ليسأَل عن ذلك الطالِبِ، ولتَسأَل المعلّمةُ عن تلكم الطالبة: ما الذي أخَّرهم عن الدّراسة؟! حتى نأمَن بتوفيقِ الله على قِيَمهم وأخلاقهم، ونقطَعَ خطَّ الرجعة عن المتربِّصين بأبنائنا وبناتِنا ومَن يحاولون إيقاعَهُم في المهالك والزّجّ بهم في الترهاتِ التي لا خيرَ فيها لدينٍ ولا دُنيا.
    أيّها المعلم، إنّك قدوةٌ بأفعالِك، كما أنّك قدوة بأقوالك، فاتَّق الله، وادعُ إلى الخير، ورَبِّ التربيةَ الصالحة، واربِط حاضِرَهم بماضيهم، بما تبثُّه من وعيٍ إسلاميّ بعيدٍ عن الغلوّ والجفاء.
    أيّتها المعلّمة، اتَّقي اللهَ في بنات المسلمين، وكوني مثالاً صالحًا وقدوةً لهنّ في الخير؛ في ملبَسك، في مظهَرِك، فيما تقولين وفيما تتصوّرين.
    أيّها المعلم، أيّتها المعلمة، كم من أبنائِنا من قَضوا إجازَتهم خارجَ البلاد الإسلاميّة، وقد يرجِع بعضُهم منخدِعًا بفكرٍ أو متصوّرًا لأمرٍ هو خاطئ ضدّ الإسلام؛ لما يسمعه من تلكم الحملاتِ الشّرِسة، فلا بدَّ مِن تصحيحِ الوضع، ولا بدّ من إقامة ما اعوجَّ من الأخلاق، ولا بدّ من ردِّ الشباب والشابّات إلى سبُل الخير وتحذيرِهم من الانخِداع بالباطِل وأهلِه.
    أيّها المعلّم، أيّتها المعلمة، بلادُنا ولله الحمدُ تعيش أمنًا واستِقرارًا ورَغَدًا من العيش، فلا بدّ للمعلِّم وللمعلِّمة أن يشعِروا أبناءَنا أنَّ هذه النعمةَ العظيمة التي نعيشها إنما هِي توفيقٍ من الله قبل كلّ شيء سببُها تحكيم هذه الشريعة واجتماع الأمّة بقيادتها على خيرٍ وتعاونٍ فيما يسعِد الأمّةَ في حاضرها ومستقبلها، بيِّنوا لهم فضائلَ الأمن وآثارَه الطيّبة، بيِّنوا لهم فضلَ اجتِماعِ الكلمة واتِّحادِ الصفّ، حذِّروهم من أن تخدَعهم الدعاياتُ المضلِّلة الذينَ الأمّة في أمنِها واستقرارها.
    أيّها المعلّم، أيّتها المعلِّمة، أبناؤُنا قد اعتُنِي بتعليمِهم، هيِّئَت لهم المدارس والمعلِّمون، هيِّئ لهم أسبابُ الخير، فأرشِدوهم إلى شكرِ الله على هذه النعمة، أرشِدوهم إلى بِرِّ الأبوين وصلَة الرحم، أرشدوهم إلى التعامُل فيما بينَهم بالأخلاق والسِّيَر الفاضلة، كونوا ـ أيّها المعلم وأيّها الإداريّ ـ عيونًا ساهرةً على أخلاق أبنائِنا، ولتَكن المعلِّمة والإداريّة عَينًا ساهِرَة على أخلاقِ فَتَياتنا؛ لأنَّ الواجبَ على الجميع تحصينُ هذا النشء من أن تتسرَّب إليه المبادئُ والأفكار الضالّة والتصوّرات الخاطِئة والدِّعايات المضلِّلة ضدَّ الإسلام وأهله. وعلى رِجال الصّحافةِ أن يتَّقوا الله فيما يكتُبون، فلا يكتبوا إلاّ خيرًا، ولا يدعوا إلاّ خيرًا.
    أيّها المعلّم، أيّتها المعلمة، إنَّ الأمّةَ المسلمة بأمَّسِ الحاجة إلى أن يُربَطَ حاضرُها بماضيها، وأن تُقوَّى الصّلَة بين الماضِي والحاضر، فمن يريد الفَصلَ بين نشئِنا وبين ماضِيه فإنما يريد إفسادَ أخلاقِه وإبعادِه عن الخير.
    كَم نسمَع من أفكار سيّئةٍ تجعل مناهجَنا الطيّبة سببًا من أسبابِ الفسادِ والشّرّ، وتريد أن تدمِّرَ مناهجَنا، ويقولون: إنَّ مناهِجَنا انغلاقيّة عن العالم، لماذا؟! لا يريدون لشبابِنَا أن يفهَمَ شيئًا من دينِه، ولا يريدون لشبابِنا أن يتعلّمَ مبادئَ إسلامه. نحن لا نحارب العلمَ، ونحن ندعو إلى العلوم المختلفةِ التي فيها مصالح الأمّةِ مهما تكن العلوم ما لم يصادِم الشرعَ، فكلّ علمٍ نافعٍ للأمّة فإنّا ندعو إليه ونطالِب بِوضعِه في مناهِج تعليمنا، لكن لا على حسابِ مبادِئنا وقِيَمنا، فمناهِجُنا يجب أن تلقِّن نشأَنا من الصّغَر مبادئَ الإسلام وأخلاقَه وفضائلَه وواجباتِه، إضافةً إلى العلومِ المختلفة، والأمّة إنما توزَن بوجودِ العِلم فيها، والعِلم في بلادنا شقَّ طريقَه، فتعدَّدَتِ المدارس والجامعات، نسأل الله أن يكونَ الجميع خالصًا لوجه الكريم، وأن يؤدّيَ كلاًّ مهمَّته على ما يرضِي الله.
    رِجالَ الصحافةِ، [أناشِدكم] أن تتَّقوا الله في أنفسكم، ولا تسمَحوا لأيِّ كاتبٍ أن يكتبَ مقالاً يضادّ فيه الأخلاقَ والقِيَم، ويدعو إلى حَربِ المنهاج الطيّبة، لا بدّ أن يَتعاون الجميعُ في سبيل مصالح الأمّة، فالمعلِّمون والمعلماتُ ورجال الصحافة والإعلام لا بدّ من تعاون الجميع فيما يسعِد هذا النشءَ ويرتقي به إلى معالِي الأمورِ؛ لأنّا سنكون غَدًا إن شاء الله نجني ثمارَ علومِ أبنائنا وبناتِنا، ونجِد منهم إن شاءَ الله من يسُدّ الثّغرَ ومن يقوم بالمهمَّة في جميعِ ميادين التعليم، لكن مع هذا كلِّه لا بدّ أن يكونَ لأخلاق الإسلام دورٌ هامّ في مناهجنا؛ حتى يجمَعَ أبناؤنا بين خَيرَيِ الدنيا والآخرة بتوفيقٍ من الله.
    فالمناهج الحقّةُ وتعاليم الإسلامِ الحقّة هي سبب تعين نشأَنَا لأَن يتزوَّدوا من العلم؛ لأنَّ دينَنا يدعو إلى العِلم والتزوّدِ من كلّ علمٍ نافع للأمّة على اختلافِ فنونِ العِلم، لكن ينبغي للمسلِمين أن يكونَ بين علومِهم المختلِفة وبين علومِ شريعتهم ارتباط وثيقٌ؛ لأنّ العلمَ الشرعيّ ضرورةٌ للإنسان أعظَم من ضرورتِه للطّعام والشّراب. إنّه العلم الذي يتخَلّص به العبدُ من ظلُماتِ الجهل والضّلالِ، ويدخل إلى نورِ العلم والهدى.
    فشبابُنا لا بدّ لهم [من علمٍ] شرعيّ، وأن تكونَ المناهج كذلك، ولا تنافيَ بين منهجِنا الإسلاميَ وبين العلوم المتعدِّدة، فإنَّ الجمع بين هذا ممكِنٌ؛ أن يكونَ لدى الطالب معرفةٌ ولو يسيرة بعلوم شريعته، بما بَعَث الله به نبيَّه محمّدًا ، أن يغرسَ في قلبِه حبّ الإسلامِ وأهلِه واعتقاد كمالِ هذه الشريعة وتمامِها، ولنحذِّر أبناءَنا من الأفكارِ الغريبَةِ والآراء الضالّة ومن يحمِلون فكرًا سيِّئًا ضدَّ الأمة وضدَّ أمنها وضدَّ اجتماع كلِمتها، لنحذِّرهم من هذا الباطِلِ.
    ولا بدَّ أن تربِطَ المدرسةُ العلاقةَ بين أولياءِ الأمور وبين الطالِبات والطلاّب؛ لنضمنَ لأبنائنا الانتظامَ، ونبعِدَهم عمّن يريد إفسادَ عقولهم وأفكَارِهم، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6].
    بارَك الله لي ولَكم في القرآنِ العَظيم، ونفعَني وإيّاكم بما فيهِ منَ الآياتِ والذّكر الحكيم، أقول قولي هَذا، وأستَغفر الله العظيمَ الجليلَ لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفِروه وتوبوا إليه، إنّه هو الغفور الرحيم.
    ـــــــــــــــــ

    [1] رواه مسلم في كتاب الإيمان (55) من حديث تميم بن أوس الداري رضي الله عنه.

    [2] أخرجه البخاري في الإيمان (57)، ومسلم في الإيمان (56).







    الخطبة الثانية :


    الحمدُ لله حمدًا كَثيرًا طيِّبًا مبَاركًا فيهِ كمَا يحبّ رَبّنا ويَرضَى، وأشهَد أن لا إلهَ إلا الله وَحدَه لا شريكَ له، وأشهَد أنّ محمّدًا عبده ورَسوله، صلَّى الله علَيه وعلى آله وصحبِه، وسلِّم تسلِيمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
    أمّا بعد: فيَا أيّها النّاس، اتَّقوا الله تعالى حقَّ التقوَى.
    عبادَ الله، يقول : ((مَن دَعا إلى هدًى كان له من الأجر مثلُ أجور من تبِعَه إلى يوم القيامة لا ينقُص ذلك من أجورِهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالةٍ كان عليه من الوِزر مثلُ أوزار من تبِعَه إلى يوم القيامة لا ينقُص ذلك من أوزارِهم شيئًا))[1].
    فكن ـ أيّها المعلّم ـ داعيًا إلى الله، وكوني ـ أيّتها المعلِّمة ـ داعيةً إلى الله، وكن ـ أيّها المدير وأيّها المفتِّش وأيّها المسؤول ـ داعيًا إلى الله.
    إنَّ الدعوةَ إلى الله تكون بالتربيةِ الصالحة، بالقدوة الحسنةِ، بالكلِمات المؤثِّرة، بالنصيحة الهادفة؛ حتى يستقيمَ أبناؤنا. حذِّروا أبناءنا من دعاةِ الضلالِ، حذِّروهم ممّن يدعونهم إلى ترويجِ المخدِّرات والمسكراتِ، حذِّروهم ممّن يدعونهم إلى اجتِماعاتٍ مشبوهة لا يُعلم حقيقتُها، حذِّروهم مِن جلساءِ السّوء ومجالسِ الرّذيلةِ، الذين يحاوِلون الاختلاءَ بشبابنا ليُلقُوا في قلوبهم الشّرَّ والبلاء، يستخدِمونَهم ليروِّجوا المخدِّرات أو المسكرات، يستخدِمونهم ليبثُّوا السّمومَ المختَلِفة، فكونوا رُقَباءَ على أبنائنا وبناتنا.
    وأيّها الآباء، وأيّتها الأمهات، لا بدَّ من حفاظٍ على أخلاقِ الأبناءِ والبنات، لا بدّ من الاحتياط دائمًا، والتوفيقُ بيَد الله، لكن من عمل صالحًا وجدَّ واجتهد فالله يعينُه ويوفِّقُه.
    أسأل اللهَ أن يجعلَه عامَ خير وبركةٍ، وأن يزوِّد الجميعَ بالتقوى، وأن يحفظَ الجميعَ بالإسلام، إنّه على كل شيءٍ قدير.
    واعلَموا ـ رحمكم الله ـ أنّ أحسنَ الحديثِ كِتاب الله، وخيرَ الهديِ هدي محمّد ، وشرَّ الأمورِ محدَثاتها، وكلَّ بدعةٍ ضلالَة، وعليكم بجَماعةِ المسلمين، فإنَّ يدَ الله علَى الجماعةِ، ومَن شذَّ شذَّ في النّار.
    وصَلّوا ـ رحمَكم الله ـ على نبيِّكم محمّد كمَا أمَركم بذَلِك ربّكم، قال تعَالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].
    اللَّهمَّ صلِّ وسلِّم وبَارِك على عَبدِك ورَسولِك محَمّد، وَارضَ اللَّهمّ عَن خلَفائه الرّاشِدين...

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    [1] أخرجه مسلم في العلم، باب: من سن سنة حسنة أو سيئة (2674) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.


    المصدر: موسوعة خطب المنبر

  4. #4

    افتراضي رد: خطب مختارة بمناسبة الدخول المدرسي الجديد

    وقفات ونصائح مع الدخول المدرسي

    من جمع الفقير إلى الله شعيب العلمي غفر الله له

    عناصر الخطبة :
    1/تعزية لمن أضاع الإجازة وتهنئة لمن استغلها 2/الاهتمام بمواعيد الدراسة والغفلة عن مواعيد العبادة 3/المحافظة على صلاة الفجر في الشتاء 4/وقاية الأولاد من النار 5/رعاية الأبناء لا يقتصر على توفير الغذاء 5/حماية الأولاد من الاختلاط 6/ مراقبة وملاحظة تصرفات الأولاد من غير تجسس 7/تحذير الأبناء قرناء السوء ومن إضاعة الصلاة 8/محاربة ظاهرة الشباب المتسكعين عند أبواب المدارس ، وغيرها من الوقفات .


    الخطبة الأولى:


    الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم: (عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)[الرحمن: 2-3].
    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الفضل والإحسان، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله الذي بعثه الله بالهدى ودين الحق ليمحو الباطل بالحجة والبرهان، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان.

    عباد الله: وتدور الأيام دورتها، وتعود الحياة إلى عادتها، ليَغدُو بعد غدٍ إِلى المَدَارِسِ آلافٌ مِنَ الطُّلاَّبِ وَالطَّالِبَاتِ وَالمُعَلِّمِينَ وَالمُعَلِّمَاتِ، يَحدُو كُلاًّ مِنهُم إِلى النَّجَاحِ أَمَلٌ كَبِيرٌ، وَيَدفَعُهُم إِلَيهِ شَوقٌ عَظِيمٌ ها هم يعودون، والعَوْدُ أحمَدُ، لنستقبل مع عودهم عامًا دراسيًا جديدًا، -نسأل الله بمَنِّهِ وكرمه أن يجعله عام خير وبركة وسؤدد-.

    ولنا مع عودةِ الطّلابِ عودةٌ، ومع بدايةِ العامِ الدّراسيِ وقفةٌ، بل وقفات:

    عباد الله: اسمحوا لي أن يكون أوّل ما نبتدئ به وقفاتنا: تعزية، لكن لمن؟ لمن فقد قريبا؟ لا، لمن أضاع مالا؟ لا، تعزيتنا نقدّمها اليوم لكل من ضاعت منه الإجازة الصيفية أن يغنم فيها شيئا من الأعمال الدنيوية النافعة، أو الأعمال الأخروية الصالحة، بل اغتال فيها إيمانه، وهلك إحسانه، وخان الله ورسوله، سافر خارج البلاد، لمعصية رب العباد، أرخى العنان لجوارحه، وأطلق في الحرام الزمام لهواه، فهذا الصنف معاقب على سوء نيته، ومحاسب على خبث طويته، قال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) [المؤمنون: 115].

    وحق علينا بعد التعزية تهنئنة نهنئ بها من حسن فيها إيمانه، وزاد فيها تقواه، فقضى وقته أوجلّه في التفقه في الدين وحفظ القرآن، أو في الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصلة الأرحام، أو في ترفيه وترويح عن النفس بريء، وغير ذلك من الأعمال الصالحة، أو المباحة، فهذا الصنف من الناس مثاب على خير أفعاله، ومأجور على حسن أعماله.

    عباد الله: ومع صبيحة أول يوم من أيام الدراسة تزدحم الشوارع بالسيارات، وتكتظ السبل بالمشاة، من جميع أصناف العباد والفئات: آباء وأبناء، رجال ونساء، طلبة وطالبات، وهنا يطرح السؤال نفسه بنفسه: كيف ومن أجل ماذا استيقظ هؤلاء؟ وقد كانوا قبل أيام في هذا الوقت نياما؟

    الجواب واضح: لقد استيقظوا من أجل الدراسة، وهذا في حدّ ذاته أمر حسن لا إشكال فيه، ولكن أين هذه الجموع من الشباب والرجال عن حضور الصّلوات، وأين هم من المحافظة على الجمع والجماعات؟ أصارت الدراسة عند من هذا حاله أعظم من الصلاة، أم صارت المدارس أعظم من بيوت الله، أم صار مستقبل الأولاد الدنيوي أعظم من المستقبل الأهم والأبعد والأدوم: المستقبل الأخروي؟

    إن الأمر -أيها الأحبة- يحتاج منّا إلى تفكر وتأمل، فإن الله يمهل ولا يهمل، لماذا لا نحرص على ديننا ودين أبنائنا كما نحرص على دنيانا ودراسة أبنائنا؟ ولماذا يتغير وجه الأب غضبا إذا جاءه الخبر أن أحد أولاده قد رسب أو أخفق في دراسته، ولا يتمعّر وجهه، بل ولا يهمّه أن يرى أبناءه يشاهدون فلماً خليعاً، أو مسلسلاً ماجناً، أو يشاهدون مباراة لكرة القدم، فيؤذن المؤذن للصلاة فيصلي المسلمون ويعودون، بل ربما خرج الوالد بنفسه وصلى مع الناس، وأولاده كالأصنام لم يتحركوا؟

    عباد الله: سيأتي الشتاء، ويتقدم موعد الدخول المدرسي ويكون بكورا، ولكن هذا سوف لن يمنع حرص الآباء والأمهات على إيقاظ أبنائهم وبناتهم مبكرين؛ لأداء صلاة الفجر في وقتها؟ كلا وألف كلا -إلّا ممن رحم الله- ولكن؛ لئلا يتخلفوا عن مقاعد الدراسة، فهلا عقل الآباء والأمهات خطورة هذا الأمـر؟، قد قال نبيكم -صلى الله عليه وسلم-: "أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر".

    وقال أيضا: "من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فيدركه فيكبّه في نار جهنّم"[أخرجه مسلم].

    فاستيقنوا -يا رعاكم الله- هذا الفضل العظيم لمن أدى صلاة الصبح جماعة واستقيموا عليه، فبصلاة الصبح جماعة يوفق الآباء والأبناء والبنات، ويكونون في كنف ربهم -تعالى- وفي حفظه ورعايته وعنايته، فاهتموا بهذه الشعيرة العظيمة، وربوا أبناءكم عليها فلا خير في تربية لا تقوم على تعظيم الصّلاة في قلوب الأبناء.

    أيها الآباء: لا تظنوا أن واجب التربية يقتصر على تسجيلهم في المدارس فحسب، بل إنّ لكم في التربية النصيب الأكبر، وفي تعليمهم ومتابعتهم الحظ الأوفر، فالوالد هو المخاطب بقول الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم: 6].

    قال علي -رضي الله عنه- عن هذه الآية: (قُوا أَنْفُسَكُمْ) أي: "علموهم وأدبوهم"[رواه الحاكم وصححه].

    وقال السعدي -رحمه الله-: "ووقاية الأنفس بإلزامها أمرَ الله، والقيام بأمره امتثالاً، ونهيه اجتنابًا، والتوبة عما يسخط الله ويوجب العذاب، ووقاية الأهل والأولاد، بتأديبهم وتعليمهم، وإجبارهم على أمر الله، فلا يسلم العبد إلا إذا قام بما أمر الله به في نفسه، وفيمن يدخل تحت ولايته من الزوجات والأولاد وغيرهم ممن هو تحت ولايته وتصرفه" ا. هـ.

    والوالد هو المخاطب بقوله -تعالى-: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى)[طـه: 132].

    والوالد هو المخاطب بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر".

    نقول هذا -أيّها الكرام-: في ظلّ الواقع المرير الذي تشهد به أعين الناظرين، وتعترف به ألسنة القائمين على المدارس نفسها من والمدراء المعلمين، وغيرهم من المسؤولين: أن المدرسة في الوقت الراهن قد بعدت بعدا سحيقا عن التربية، وهذا أمر لا يُحتاج معه إلى تعليل، كما لا يَحتاج النهار إلى دليل.

    أيها الآباء: لا تظنوا أن واجب رعاية الأبناء في موسم الدراسة ينتهي بشراء الكراريس والأقلام وبقية مستلزمات الدراسة من الملابس والمآزر وتسديد حقوق التسجيل.

    نعم جميلٌ منك -أيها الأب المبارك-: أن تنفق على عيالك، بل هذا واجب تؤجر عليه متى احتسبت ذلك عند الله، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "أفضل دينار ينفقه الرجل دينارٌ ينفقه على عياله" ولكن كما قلنا قبل ونردد من بعد، ونزيد ترديدا:

    يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته *** أتعبت جسمك فيما فيه خسران
    أقبل على الروح فاستكمل فضائلها *** فأنت بالروح لا بالجسم إنسان

    والله -جل وعلا- يقول: (وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ) [البقرة: 197].

    وحينما نذكر المستلزمات والأدوات المدرسية يحسن بنا أن ننبه آباءنا الكرام على مسائل:

    الأولى: أن يحذر الآباء عند شراء مستلزمات المدارس؛ من طرفي الإفراط والتفريط، وكونوا من الذين قال الله فيهم: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) [الفرقان: 67].

    فلا تسرف في الشراء، فإن الله لا يحب المسرفين، والله جعل المبذرين إخوانا للشياطين.

    ولا تبخل على أبناءك، فقد جاء في الحديث الصحيح: "أن كل نفقة تنفقها تبتغي بها وجه الله يكتب الله لك بها حسنة".

    المسألة الثانية: احذر -أيها الأب الكريم- من شراء الأدوات التي تشتمل على بعض المحرمات؛ كصور لذوات الأرواح: فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب أو صورة"[متفق عليه من حديث أبي طلحة].

    فهل ترضى أن تحرم من دخول الملائكة إلى بيتك؟!

    وبعض هذه الصور تحمل صورا لأهل الشرك أحيانا، وإذا بابن الإسلام يحمل فوق حقيبته أو دفتره صورة لمشرك، أو عقيدة من عقائدهم.

    نعم الأمر صعب التحرز، لكن نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) [الطلاق: 2].

    المسألة الثالثة: أيها الأب المبارك: تذكر وأنت تشتري لأبناءك مستلزمات الدراسة، أن هناك طلاباً وطالبات قد دخلوا مع الفقر معتركا، ودارت بهم رحى الفاقة، وجذبتهم عاصفة الحاجة، فكونوا خير معين لهم، واعلموا أنه قد ثبت ذلك عنه صلى الله عليه وسلم، حيث قال: "أفضل الأعمال أن تدخل على أخيك المؤمن سرورا، أو تقضي عنه دينا، أو تطعمه خبزا".


    الخطبة الثانية:

    أيها الآباء: اعلموا -وفقني الله وإياكم- أن من أعظم واجبتكم: حماية أولادكم من المفاسد الموجودة في المدرسة، وعلى رأس تلك المفاسد: الاختلاط بين الجنسين، فلابد من تحذير الأولاد ذكورا وإناثا من تكوين العلاقات المحرمة بينهم، قد قال نبيكم -صلى الله عليه وسلم-: "مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ" [متفق عليه].

    ممن واجبكم مراقبتهم ومتابعتهم في هذا الشأن قدر المستطاع، وخاصة البنات: مراقبتهن في أخلاقهن، وفي مخالطتهن وفي لباسهن، وإياكم ثم إياكم أن ترخوا لهن عنان التبرج والسفور، والخروج متعطرات متطيبات، فشر نسائكم المتبرجات، ومن خرجت متعطرة ليجد الناس ريحها فهي زانية، قاله نبيكم -صلى الله عليه وسلم-.

    من واجبكم -أيها الآباء-: أن تتفقدوا أولادكم، وأن تراقبوا سيرهم، ونهجهم العلمي والعملي، وأن لا تتركوهم هملاً، لا تبحثون عنهم، ولا تسألونهم عن طريقهم وأصحابهم، ومن يعاشرونهم ويصادقونهم.

    من واجبكم -أيها الآباء-: توجيه أولادكم إلى الرفقة الصالحة: "فالطبع سراق" و"المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل".

    وعَنْ أَبِي مُوسَى -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ؛ فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً"[رواه البخاري ومسلم].

    ومن واجبكم -أيها الآباء-: تحذير أولادهم ذكورا وإناثا من تضييع الصلاة بحجة الدراسة، فالصلاة أهم وأعظم: (إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا)[النساء: 103].

    ومن واجب الجميع -أيها المباركون-: محاربة ظاهرة الشباب المتسكعين عند أبواب المدارس، الشباب البطالين المشكوك في رجولتهم، وهذه الظاهرة تدل غياب الرقابة، وعلى ضعف الدين والخلق، وعلى الفراغ الذي يعيشه هؤلاء الشباب.

    فيجب علينا جميعاً التعاون في إزالتها بنصح هؤلاء الجهلة، وبحفظ بناتنا من التبرج، وتحذيرهن باستمرار من هؤلاء.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ)[التوبة: 71].

    وختاما -أيها المسلمون-: إنه ليس من نافلة القول أن نذكر الجميع بالإخلاص لله في عمل من أعظم الأعمال، وأشرفها ألا وهو طلب العلم، وأن ننوي بهذا العلم نفع الإسلام والمسلمين، وليراجع كلّ واحد منّا نيّته ومقصده في طلب هذا العلم.

    واعلموا أن ما جاء في القرآن والسنة من النصوص في فضل العلم من مثل قول الله -تعالى-: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)[المجادلة: 11].

    وقوله صلى الله عليه وسلم: "طلب العلم فريضة".

    وغيرها من النصوص كثير، إنما هي في العلم بالله وبرسوله وبدينه، فإنه العلم الذي يمدح بإطلاق، وليست في علوم الدنيا التي إن خلت عن مراقبة شرع الله -تعالى- كانت مذمومة بإطلاق، قال الله -تعالى- عن أهلها: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ)[الروم: 7].

    وإنما تكون علوم الدنيا من رياضياتٍ وفيزياءَ، وغيرها، نافعة في الآخرة، بل وتكون عبادة لمن خلصت نيته، وأراد الخير لأمته ولأهله، وقد كان سلفنا يحتسبون الأجر في النوم والطعام، فكيف لا نحتسب الأجر في هذه العلوم مع كثرة ما ننفق فيها من أوقات وأموال، ومع كثرة ما فيها من منافع وفوائد، فمن كانت نيته إعزاز أمة الإسلام، وإعداد القوة لمواجهة فراعنة العصر، فهذا إن شاء الله من المحسنين، مأجور على نيته وعمله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو سمعة يكسبها، فهجرته إلى ما هاجر إليه.

    ولا تكن -أيها الأب ولا أنت أيتها الأم- من يفسد نيات الأبناء، بأن تغرسوا فيهم التعلم لأجل المنصب والمال.

    فالعلوم العصرية، إذا لم تُبْن على الدين شرها طويل، وإذا بنيت على الدين، أينعت بكل عرف: ثمرا جميلا، وعملا جليلا.

    وليحذر الآباء أن يجعلوا من موسم الدخول المدرسي موعدا الانقطاع عن المسجد، وعن الدراسة المسجدية، فإن ذلك من أعظم الأغلاط، ومظاهر الجناية على الأولاد، وعلى مستقبلهم في الدنيا والآخرة، فإن من أعظم مظاهر التربية الصالحة، ومن أسباب التفوق الدراسي؛ ربط الأبناء بالقرآن الكريم، حفظًا وتلاوة وتدبرًا، عن عائشة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة، ومثل الذي يقرأه وهو يتعاهده، وهو عليه شديد فله أجران"[رواه البخاري ومسلم].

  5. #5

    افتراضي رد: خطب مختارة بمناسبة الدخول المدرسي الجديد

    خطبة للشيخ عبد الرزاق البدر حفظه الله : العام الدراسي الجديد وكيف نستقبله
    عناصر الخطبة :
    1/ استقبال العام الدراسي الجديد 2/ مسؤولية المعلم والطالب أمام الله تعالى 3/ إخلاص التعلم لله عز وجل 4/ الهمة العالية في طلب العلم 5/ مسؤولية المعلمين في الاعتناء بالنشء 6/ المعلم قدوة لتلاميذه 7/ ضرورة احترام التلاميذ لمعلمهم
    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وسلم تسليمًا كثيرًا.


    أما بعد:


    أيها المؤمنون عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله؛ فإن من اتقى الله وقاه، وهداه إلى أرشد أمور دينه ودنياه، والمتقون من عباد الله هم أهل السعادة والفلاح، والفوزِ والغنيمة في الدنيا والآخرة، والعاقبةُ دائمًا وأبدًا لأهل التقوى، فعلينا -عباد الله- أن نراعي في أمورنا كلها وأحوالنا جميعها تقوى الله -عزّ وجل-، بمراقبته في السر والعلانية، والغيب والشهادة؛ يقول -صلى الله عليه وسلم-: "اتّقِ الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن".


    عباد الله: إن المؤمن في كل وقت وحين، وفي جميع شؤونه وأحواله، وفي كل ما يستقبل من أموره، يبني ذلك ويؤسسه على تقوى الإله العظيم ومراقبتِه في السر والعلانية، ونسأل الله -جلّ وعلا- أن يزوّدنا وإياكم التقوى، وأن يجعلنا دائمًا وأبدًا من عباده المتقين.


    عباد الله: إننا جميعًا نستقبل غدًا بداية عامٍ دراسي جديد، يتوافد غدًا جموعُ الطلاب كبارًا وصغارًا إلى المدارس، منهم من يخطو مرحلة جديدة في التعليم، ومنهم من قطع فيه شوطًا، ومنهم من هو متجه إلى المدارس لمراحله النهائية فيها، الكل يتوافد، والكل يُيمم المدارس ويقصد إليها غدًا لمِاَ أُسِّست له وأنشئت لأجله، ألا وهو التعليم، ثم يتفاوت الناس في الاستعداد لهذه الغاية العظيمة، والتهيؤ لهذا الهدف النبيل، يتفاوتون في ذلك تفاوتًا عظيمًا، بحسب ما ييسر الله -تبارك وتعالى- لكلٍ فيما يعينه الله ويوفقه له.


    عباد الله: وإني لأسأل الله -جل وعلا- بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أن يجعل هذا العام الذي نستقبله، عامَ يُمنٍ وإيمان، وسلامة وإسلام، وعلم وطاعة للرحمن، وأن يوفق أبناءنا في جميع مراحلهم، لكل خير وفضيلة، وعلم وغنيمة، وأن يجنبهم السوء، وأن يحفظهم من الشرور، إنه ولي ذلك والقادر عليه.


    عباد الله: ومع تجدد الأعوام الدراسية، تتجدد المسؤولية، يقول -صلى الله عليه وسلم-: "كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته"، إن المسؤولية أمام الله -تبارك وتعالى- عظيمة، مسؤولية كبيرة، فالكل يُسأل أمام الله -عز وجل-، يُسأل عمَّا ما خُوِّلَ له وائتُمن عليه، ووكل إليه من أمر المسلمين، ولهذا على كل واحد منا أن يراقب الله -عز وجلّ- تمام المراقبة، فيما تحمّله من مسؤولية في هذه المدارس التي تفتح أبوابها غدًا، فهناك المدير، وهناك المسئول، وهناك المعلم، وهناك الطالب، وكل له مسؤولية مسؤول عنها أمام الله -تبارك وتعالى-، ولهذا على كل واحد منا أن يعلم أن الذي يغنيه في هذا الباب وينجيه أمام الله -تبارك وتعالى-، هو المراقبة لله -جل وعلا- فيما يأتي ويذر، في جميع شؤونه وأعماله ومهامه التي يقوم بها في مجاله الذي وُكِلَ به.


    فعلينا -عباد الله- أن نستشعر هذه المسؤولية العظيمة أمام الله -تبارك وتعالى-، إنَّ المدارس أُنشئت لتكون مناراتٍ للهدى، وأبوابًا للخير، ومجالاً للصلاح، وتأسيسًا للفضيلة، ونماءً للعلم، وزكاءً للخير، ومجتمعًا للفضل والرفعة وطاعة الله -تبارك وتعالى-، فينبغي أن نعمل جميعًا لهذه الأهداف العظيمة التي أُسست لأجلها المدارس، ولهذا إذا أدرك كل واحد منا هذه المسؤولية العظيمة، وأدرك هذا الهدف العظيم والغاية النبيلة التي أسست المدارس لأجلها، فإنه -بإذن الله تبارك وتعالى- سيعمل وسيكون عمله إلى خير وطاعة ورفعة بإذن.


    عباد الله: إن علينا أن نستشعر في هذا الأمر العظيم وفي كل أمر من الأمور، إخلاص العمل لله -جلّ وعلا-، الواجبُ على كل واحد منا أن يكون مخلصًا لله -تبارك وتعالى-، فالعلم أمر يحبه الله، وأمر عباده به، ورغّبهم فيه، وهو طاعة لله -جلّ وعلا-، والطاعة يجب أن تُؤسَّس على الإخلاص لله، وأن تكون قائمة على هذا الأساس العظيم، ولهذا يقول الإمام أحمد -رحمه الله-: العلم لا يعدله شيء إذا صَلُحت النية. فلابد من إصلاح النية، وكل واحد منا، لابد أن يُصلِح نيته بينه وبين الله، أتعلَّمُ أحكام الدين، أتعلم أوامر الله، أتعلم دين الله، أتفقه في دينه -تبارك وتعالى-، أتعلم من أمور الدنيا ما يكون لي عونًا على دين الله -تبارك وتعالى-، وعلى طاعة الله -جلّ وعلا-، أدخل المدرسة بنية صادقة، وقصد عظيم، وهدف نبيل، وهو ابتغاء رضا الله -تبارك وتعالى-، أدخل لأتعلم دين الله -عزّ وجلّ-؛ لأتفقه في دين الله، لأزكي نفسي، لأصلح شأني، لأرفع من مكانتي في العلم الذي أمرني الله -تبارك وتعالى- به، فيبدأ الإنسان دراسته وعامه المبارك بإخلاص لله -تبارك وتعالى-.


    ثم -عباد الله- لابد في ذلك كله من همة عالية، همة عالية تسوق الإنسان إلى قمم الفضيلة، وأماكن النُبلِ، وسمو المكانة ورفعتِها، همة عالية تُرَقِّي الإنسان في دروب الفضيلة، قد يتعلم الكثيرون ويتزوّدون علومًا كثيرة، لكنهم يقصّرون في باب الهمة، فالهمة والعزيمة لابد أن تكون مصاحبة لطالب العلم، همّة ترقيه في دروب الخير، هذه الهمة عندما تكون مع طالب العلم تسوقه إلى كل فضيلة، وتحجزه عن كل رذيلة؛ لأنه يتعلم ويزداد علمًا، ومعه همة ترقيه في دروب الخير، فيكون علمه نماءً له وزكاءً وصلاحًا في شؤونه كلها، بينما إذا قصرت همته، وضعفت عزيمته، فإنه يتوانىَ ويكسل، ويكون علمه حجة عليه أمام الله -تبارك وتعالى-؛ لأنه يتعلم ويتعلم ولكنه لا يعمل بما يعلم، ولهذا -عباد الله- لابد من الهمة العالية، فهذان أمران عظيمان لابد منهما، بهما صلاح الدين والدنيا وزكاة الناس أجمعين، علم يهدي الإنسان، وهمة ترقي الإنسان في دروب الخير.


    ثم -عباد الله- لابد -لاسيما على المعلمين والمعلمات- لابد من العناية بالنشء، لابد من العناية بهم عناية عظيمة، ولاسيما في هذا الزمان الذي كثرت فيه الفتن، وتنوعت فيه الشرور، وكثرت فيه المغريات للفساد، وهنا تعظم مسؤولية المعلم والمعلمة أمام هؤلاء الأبناء، فأصبح الأبناء والبنات يتلقون من وسائلَ كثيرةٍ، ومن قنوات شتى، ومن مجالات مختلفة، ثم إذا قدم إلى المدرسة لابد أن يجد معلمًا مربيًا ناصحًا دالاًّ على الخير، وكذلك الطالبة إذا قدمت إلى المدرسة يجب أن تجد معلمةً ناصحة، تدلها على الخير، وتأخذ بيدها إلى أبواب الهداية، وتحرص على حجزها عن أبواب الرذيلة والفساد، لابد من التواصي والتعاون، ولابد من التآزر، ولابد من القيام بالمسؤولية، وإلا فإن الله -عز وجلّ- يحاسب من يفرط على تفريطه.


    إن واجب المعلم في كل مجال يعلمه -سواء أكان معلمًا لمواد الدين أم مواد الدنيا- أن يكون قدوة في الخير، مربيًا للنشء، حريصًا على تأديبهم وتعليمهم طاعة الله -عز وجلّ-، وتحذيرهم من الشر والفساد، وأن يكون هو قدوةً لهم في كل خير، هكذا ينبغي أن يكون المعلم، ناصحًا لطلابه، مؤدِّبًا لهم، معلمًا لهم، يدلهم على كل فضيلة، وينشر بينهم الخير، ويتقنص الفرص والمناسبات لينصح لأبنائه ويوجه تلاميذه، وهكذا المعلمة في مدرستها، ينبغي أن تكون ناصحة لطالباتها، موجهة لهن، متفقدة لمشاكلهن، ناصحة لهن، وأن تكون قدوةً لهن في الخير، ثم الطالب وكذلك الطالبة، ينبغي أن يحترم معلمه، وأن يحترم المدرسة التي يقدم عليها، وأن يحرص في نفسه أن يكون طالبًا مبارَكًا، طالب خير وفضيلة، طالب علم وإيمان، وأن يلقي عن نفسه من بداية عامه أي أسلوب لا يليق بطالب العلم، وأي حركات لا تليق بطالب العلم، يلقيها عن نفسه، ويدخل مدرسته بخلق جمّ، وأدب رفيع، ومعاملة حسنة، واحترام وتأدب، وقد قيل قديمًا: لا يُحصِّل العلم من لا يحترم أساتذته.


    فالطالب يدخُل مدرسته بالأدب والاحترام والتوقير والتقدير، ويدخل بهمة عالية، وعزيمة صادقة، ورغبة أكيدة، وسعي حثيث ليحصِّل العلم، وكلما تعلم فضيلة أو أُرشد إلى أدب وخير وغنيمة، بادر إلى العمل وجاهد نفسه على طاعة الله -تبارك وتعالى-، والله –عزّ وجل- يقول: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت: 69]، وينبغي على الطالب الناصح لنفسه أن يتخير لنفسه الجلساء والزملاء، فليس للمؤمن أن يمشي مع من شاء، وإنما يحرص على مصاحبة الأخيار، ومرافقة من يعينونه على العلم والفضيلة والطاعة والعبادة، ويسددونه في أعماله وأقواله، وهو بذلك يكون هو ورفيقه متعاونين في الخير، متعاضدين في طاعة الله -تبارك وتعالى-، وإذا علم الطالب عن رفيق له فيه خلةً مشينةً أو خصلة ذميمة، فليبادره بالنصيحة، وليكن موجِّها له ودالاً على الخير، وليرشِد إخوانَه الطلابَ الناصحين إلى التوجه إلى ذلك الطالب بالنصيحة والتسديد، وقد قيل قديمًا: إذا لم تدعُ تُدعَى. فإذا لم يكن الطالب داعيًا إخوانه، ناصحًا لهم، مسددًا لهم، معينًا لهم على الخير، فإنهم يبادرونه إلى الدلالة إلى الشر والفساد، ولهذا ينبغي أن تكون المدارس مبنية على التعاون على البرّ والتقوى، والتآزر على طاعة الله -تبارك وتعالى-، والتعاون على الفلاح، فيشعّ منها الخير، وتنتشر منها الفضيلة، وتكون مناراتٍ للهُدَى والخير.


    أسأل الله -جلّ وعلا- بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، أن يبارك في مدارسنا كلها، مدارس البنين والبنات، وأن يجعلها منارات للخير، وأن يبارك في المعلمين والمعلمات، والطلاب والطالبات، وأن يجعل عامنا هذا عامًا مباركًا، وأن يوفقنا فيه لكل خير، وأن يهدينا جميعًا سواء السبيل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.






    الخطبة الثانية:




    الحمد لله عظيم الإحسان، واسع الفضل والجود والامتنان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وسلم تسليمًا كثيرًا.


    أما بعد:


    فقد ثبت في صحيح مسلم عن علي بن طالب -رضي الله عنه- أنه قال: قال لي النبي -صلى الله عليه وسلم-: "قل: اللهم إني أسألك الهدى والسداد"، وفي رواية قال: "قُلِ: اللَّهُمَّ اهْدِنِى وَسَدِّدْنِى، وَاذْكُرْ بِالْهُدَى هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ، وَالسَّدَادِ سَدَادَ السَّهْمِ".


    عباد الله: هذه دعوة عظيمة، دعوة مباركة أرشد إليها النبي -صلى الله عليه وسلم- علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، وهي دعوة ينبغي أن يحافظ عليها المسلم في كل وقت وحين، وأن يعتني بها، فإنك -أخي المسلم- إذا رزقت الهداية والسداد، وفقت في أمور دينك ودنياك، وهُديت إلى كل خير، وسددت في كل ما تأتي وتذر؛ لأنك أصبحت في هداية الله -تبارك وتعالى- وتسديده، ومن يهده الله فلا مضل له، ولهذا -عباد الله- علينا أن نقبل على الله -عز وجلّ- بقلوب صادقة. نسأله -سبحانه وتعالى- أن يهدينا ويسددنا، أن يهدينا ويهدي أبناءنا وبناتنا، وأن يسددنا جميعًا لكل خير.


    ينبغي علينا أن نكون على صلة بالله -تبارك وتعالى-، نسأله الهداية، ونلتمس منه السداد، ونرجوه -تبارك وتعالى- الفلاح، وكلما كان العبد على صلة بالله -تبارك وتعالى-، يُقبل على الله -عز وجلّ- إقبالاً صادقًا، ويرجو ربه -تبارك وتعالى- ويطمع فيما في يده سبحانه، فإنه يُسدَّد ويُوَفَّق ويُعانُ على كل خير في الدنيا والآخرة، ونسأل الله -جلّ وعلا- أن يهدينا وإياكم، وأن يسدد خطانا وخطاكم، وأن يوفقنا جميعًا لكل خير، وأن يهدينا سواء السبيل.


    وصلوا وسلموا على محمد بن عبد الله كما أمركم الله بذلك في كتابه فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) [الأحزاب: 56]، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "من صلى علي واحدة، صلى الله عليه بها عشرًا"، اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين، الأئمة المهديين: أبى بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.


    اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلّ الشرك والمشركين، ودمّر أعداء الدين، واحم حوزة الدين يا رب العالمين. اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى، وأعنه على البرّ والتقوى، وسدده في أقواله وأعماله، وألبسه ثوب الصحة والعافية يا ذا الجلال والإكرام، اللهم وفق جميع ولاة أمر المسلمين للعمل بكتابك، واتباع سنة نبيك -صلى الله عليه وسلم-، واجعلهم رأفة ورحمة على عبادك المؤمنين.


    اللهم آت نفوسنا تقواها، زكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إنا نسألك من الخير كله، عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله، عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل، ونسألك -يا ذا الجلال والإكرام- أن تجعل كلَّ قضاء قضيته لنا خيرًا.


    اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفة والغنى، اللهم اغفر لنا ذنبنا كله: دقه وجله، أوله وآخره، سره وعلنه، اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنَّا، وما أنت أعلم به منا، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت، اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، اللهم اغفر ذنوب المذنبين، وتب على التائبين، واكتب الصحة والسلامة والعافية والغنيمة لعموم المسلمين يا ذا الجلال والإكرام.


    اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموت راحةً لنا من كل شر، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.


    عباد الله: اذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •