ابحث في شبكة الإمام الآجري ابحث في المواقع السلفية

شكر شكر:  0
النتائج 1 إلى 2 من 2
  1. #1

    افتراضي خطبة قوتُ القُلوب ! للشيخ دغش العجمي

    بسم الله الرحمن الرحيم


    فهذه خطبة جمعة كنتُ لقيتها قبل فترة من الزمان ، وأحببت نشرها رجاء أن يعم نفعها ، وهي في موضوع مهم للغاية وهو ( ذكر الله عز وجل ) أسأل الله العلي القدير أن ينفع بها قراءها وسامعها


    كتبه دغش العجمي
    غفر الله له ولوالديه


    قوتُ القُلوب !

    الحمد لله الواحِدِ القهَّارِ ، العَزِيزِ الغَفَّارِ، مُكَوِّرِ اللَّيْلِ على النَّهَارِ، تَذْكِرَةً لأُلِي القُلُوبِ والأبْصَارِ، وتَبْصِرَةً لِذَوِي الأَلْبَابِ والاعْتِبَارِ . الَّذي أيقَظَ مِنْ خَلْقِهِ مَنِ اصْطَفَاهُ فَزَهَّدَهُمْ في هَذِهِ الدَّارِ، وشَغَلَهُمْ بِمُرَاقَبَتِهِ وإِدَامَةِ الأَفْكَارِ والأذْكار ، ومُلازَمَةِ الاتِّعَاظِ والادِّكَارِ، ووفَّقَهُمْ للدَّأبِ في طَاعَتِهِ والتَّأَهُّبِ لِدَارِ القَرارِ، والحَذَرِ مِمَّا يُسْخِطُهُ ويُوجِبُ دارَ البَوَارِ، والمُحَافَظَةِ على ذلِكَ مَعَ تَغَايُرِ الأَحْوَالِ والأَطْوَارِ .
    أَحْمَدُهُ أَبْلَغَ حَمْدٍ وأَزْكَاهْ، وأشْمَلَهُ وأَنْمَاهْ .

    وأَشْهَدُ أنْ لا إِلَهَ إلاَّ اللهُ البَرُّ الكَريمُ، الرَّؤُوفُ الرَّحِيمُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحمداً عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، وحَبِيبُهُ وخَلِيلُهُ، الهَادِي إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، والدَّاعي إلى دينٍ قَوِيمٍ . صَلَوَاتُ اللهِ وسَلاَامُهُ عليهِ، وعلى سَائرِ النَّبِيِّينَ، وآلِ كُلٍّ، وسائِرِ الصَّالِحِينَ .

    أمَّا بعدُ : فقدْ قالَ اللهُ تعالى : ( وما خلقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلا ليَعْبُدُونِ ما أُريدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُريدُ أن يُطْعِمُون ) وهذا تصريحٌ بأَنَّهُم خُلِقُوا للعِبَادةِ ، فَحَقٌّ عَلَيْهِمُ الاعْتِنَاءُ بِمَا خُلِقُوا لهُ والإعْرَاضُ عن حُظُوظِ الدُّنْيَا بالزَّهَادَةِ فيها ، فإنَّها دارُ نَفَادٍ لا مَحَلُّ إِخْلادٍ، ومَرْكَبُ عُبُورٍ لا مَنْزِلُ حُبُورٍ، ومَشْرَعُ انْفِصَامٍ لا مَوْطِنُ دَوَامٍ . فَلِهَذا كانَ الأيْقَاظُ مِنْ أهْلِهَا هُمُ العُبَّادَ، وأعقَلُ النَّاسِ فيها هُمُ الزُّهَّادَ، قال الله تعالى : ( إِنَّمَا مَثَلٌ الحَياةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فاخْتَلَطَ بهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ والأَنْعَامُ حتى إذا أَخَذَتِ الأرضُ زُخْرُفَهَا وازَّيَّنَتْ وظَنَّ أهْلُها أنهم قادِرونَ عليها أتاها أَمْرُنا ليلاً أو نَهاراً فجَعَلْنَها حصيداً كأنْ لم تغنَ بالأمسِ كذلكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقومٍ يتَفَكَّرونَ ) والآيات في هذا المعنى كثيرةٌ . ولقد أحسن القائل :

    إنَّ للهِ عِبَـاداً فُـطَنـَا طَلَّقُوا الدُّنيا وخَافُوا الفِتَنَا
    نَظَرُوا فيهـا فَلَمَّا عَلِمُوا أَنـَّها لَيْسَتْ لِحَيٍّ وَطَنَا
    جَعَلُوها لُجَّـةً واتَّخَذُوا صالِحَ الأعْمَالِ فيها سُفُنَا


    أيُّها الإِخْوَةُ المُؤْمِنُون : الحِصْنُ الحَصينُ ، والدرعُ الواقي ، والسِّلاحُ الذي لا يُثْلَمْ : ذِكْرُ الله . والمَرْءُ – يا عِبادَ الله – في هذهِ الحَيَاةِ مُحاطٌ بِالأَعْدَاءِ مِنْ كُلِّ جانِبٍ ، نفسُهُ الأَمَّارةُ بالسوء تُورِدُهُ مَوَارِدَ التَّلَف، وكذلك هَوَاهُ والشيطان ، فهو في حاجَةٍ إلى ما يَعْصِمُهُ ويُسَكِّنُ مَخَاوِفَهُ ويُهَدِّئُ نَفْسَهُ ، ويُطَمْئِنُ قَلْبَهُ وليسَ له إلاَّ ذِكرُ الله ( أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ ) .

    وقَدْ أَمَرَنَا اللهُ عز وجل بِذِكْرِهِ فقال : ( يا أيها الذين آمنوا اذْكُروا اللهَ ذِكْراً كثيراً. وسبِّحُوهُ بُكرةً وأصيلاً ) . وقد جاءت الآيات في القرآن في بيان أهمية الذكر في صور كثيرة فمن ذلك : النَّهْيُ عَنِ الغَفْلَةِ وهي ضِدُّ الذكر فقال سبحانه : ) ولا تكن من الغافلين ) . وعلَّق اللهُ الفَلاحَ باستدامَةِ الذِّكرِ وكثرتهِ فقال سبحانه : ( واذكروا الله كثيراً لعلكم تُفْلِحون ) . وأثنى عَلى أهلهِ وأَخْبَرَ بما أعدَّ لهم من الجنة والمغفرةِ فقال : ( إنَّ المسلمين والمسلمات ) إلى قوله تعالى : ( والذَّاكرين اللهَ كثيراً والذاكرات أعدَّ اللهُ لهم مغفرةً وأجراً عظيماً ) . وفي المُقَابِلِ أَخْبَر عن خُسرانِ من لَهَا عن الذِّكرِ بِغَيْرِهِ فقال عز وجل : ( يا أيها الذين آمنوا لا تُلْهِكُم أموالكم ولا أولادُكُم عن ذِكْرِ اللهِ ومَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فأولئكَ هُمُ الخاسرون ) . وجَعَلَ اللهُ ذِكْرَهُ للذَّاكرين جزاءً لِذِكرِهم له فقال :( فاذكروني أذكركم ) . وَأَخْبَرَ أَنَّ ذِكْرَهُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شيء فقال ) ولَذِكْرُ اللهِ أكبر ) . وجَعَلَهُ خَاتِمَةَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ كَمَا كان مِفتاحَهَا ، فَخَتَمَ به الحج في قوله ( فإذا قضيتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فاذْكُرُوا اللهَ كذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أشدَّ ذِكراً ( وختم به الصلاة فقال : ( فإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُم ) . ومَدَحَ المؤْمِنِينَ المُتَّصِفِينَ بِهِ فقال : ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآياتٍ لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ) .
    أيُّها الأَحِبَّة : هذا وقد حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم على الإكثار من ذكر الله وبَيَّنَ مَا فيهِ مِنَ الفوائد الجسام والأُجُورِ العِظَامْ في أحاديثَ كثيرةٍ ؛ فَمِنْ ذَلِكَ : قوله صلى الله عليه وسلم : (( ألاَ أُنبِّئُكم بخيرِ أعمالكم وأزكاها عندَ مَلِيكِكُم ، وأرْفَعِهَا في درجاتِكُمْ ، وخيرٌ لكم مِنْ أنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبوا أعناقهم ويَضْرِبوا أعناقكم ؟ قالوا : بلى . قال : ذِكْرُ اللهِ تعالى )) . رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم وصحَّحه . وعن الحارث الأشعري رضي الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال : (( إنَّ الله أوحى إلى يحي بنِ زكريا بخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهِنَّ ، وَيَأْمُرَ بني إسرائيلَ أن يعْمَلُوا بِهِنَّ فجمعَ بني إسرائيل فقال : إن اللهَ أوحى إليَّ بخمسِ كلمات أن أعمل بهن ، وآمُرَ بني إسرائيل أن يعملوا بهنَّ .. قال : وآمُرُكُم بِذِكرِ اللهِ كثيراً ، ومَثَلُ ذِكْرِ اللهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ طَلَبَهُ العَدُوُّ سِراعاً في أَثَرِهِ حتىَّ أتى حِصناً حصيناً فأحرَزَ نفسَهُ فيه ، وكذلك العبدُ لا ينجو من الشَّيطان إلاَّ بِذِكرِ اللهِ ..)) رواه الترمذي وقال : حسن صحيح . وصحّحه الألباني .
    قال الإمام ابن القيم – تعليقاً على هذا الحديث - : (( ولو لم يكن في الذِّكْر إلاَّ هذه الخَصْلَةِ الوَاحِدَةِ لَكَانَ حَقِيقاً بالعَبْدِ ألاَّ يَفْتُرَ لِسَانُهُ مِنْ ذِكْرِ الله تعالى ، وأن لا يَزَالُ لَهِجاً بذِكْرِهِ ، فإنَّهُ لا يَحْرِزُ نَفْسَهُ من عدُوِّه إلاَّ بالذكر ، ولا يَدْخُلُ عَلَيْهِ العَدُوّ إلا من بابِ الغفلة ، فهو يَرْصُدُه ، فإذا غَفَلَ وثبَ عليهِ وافتَرَسَهُ ، وإذا ذَكَرَ الله انخنسَ عَدُوُّ اللهِ وتَصَاغَر ، وانْقَمَعَ ، حتى يكون كالذُّباب ، ولهذا سُمّيَ الوسواس الخنَّاس ، أيْ : يوسوس في الصدور ، فإذا ذُكِر الله خنس أي : كفَّ وانقبضَ )) .
    ومِمَّا جاء في فضيلة الذكر أنهُ وصِيَّةُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فعن عبدالله بن بُسر رضي الله عنه أن رجُلاً قال : يا رسول الله ، إنَّ شرائع الإسلامِ قَدْ كَثُرتْ عليَّ فأخبرني بشيء أتَشَبَّثُ به . قال : (( لا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطِباً مِنْ ذِكْرِ اللهِ )) رواه الترمذي .
    وعن مُعاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أخَذَ بِيَدِهِ وقال : (( يا مُعاذُ واللهِ إنِّي لأُحِبُّكَ . فقال : أوصيكَ يا معاذُ ، لا تَدَعَنَّ في دُبُرِ كُلِّ صلاةٍ أن تقول : اللهم إني أعنيِّ على ذكركَ وشُكْرِكَ وحُسْنِ عِبادَتِكَ )) رواه أبو داود وصححه الألباني .
    ومِمّا جاء في فضيلةِ الذِّكر عَظيمُ أَجْرِ الذَّاكر فمن ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : (( إنَّ للهِ مَلائِكَةً يَطُوفُونَ في الطُّرُقِ يلتَمِسُونَ أهلَ الذِّكرِ ، فإذا وجَدوا قَوْماً يذكرون الله تنادَوا هَلُمُّوا إلى حاجتكم ، قال : فَيَحُفُّونهم بأجْنِحَتِهِم إلى السماءِ الدُّنيا …
    وفي آخِرِ الحديث يقولُ الله : فأُشْهِدُكُم أنِّي قد غَفَرْتُ لهم . قال يقول مَلَكٌ من الملائكة : فيهم فلانٌ ليسَ مِنهُم ، إنما جاءَ لحاجةٍ . قال : هُمُ الجُلَسَاءُ ، لا يَشْقَى جليسهم )) .
    وعنه رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( ثلاثةٌ لا يَرُدُّ اللهُ دُعاءَهُمْ : الذاكِرُ اللهَ كثيراً، ودعوة المظلومِ ، والإمام المُقْسِطُ )) رواه البيهقي وحَسَّنه الألباني [ في سلسلته الصحيحة ] .
    وجاء في الحديث أن اللهَ يُبَاهي بالذاكرين الملائكة ، عن معاويةَ بنِ أَبي سفيان - خالُ المؤمنين – رضي الله عنه أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ على حَلَقَةٍ مِنْ أصحابهِ فقال : ما أجلَسَكُمْ ؟ قالوا : جلسنا نَذْكُرُ اللهَ ونَحْمَدُهُ على مَا هَدَانا للإسْلام ، ومَنَّ بهِ علينا . قال : آللهِ ، مَا أَجْلَسَكُم إِلاَّ ذَاك ؟ قالوا : واللهِ ما أجلسنا إلاَّ ذاكَ . قال : أمَا إني لم أستَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لكم ، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أنَّ اللهَ عز وجل يُبَاهي بِكُم الملائكة )) رواه مسلم .
    وقد ضَرَبَ النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً للذي يذكر ربَّه والذي لا يذكره فقال فيما رواه البخاري ومسلم : (( مثَلُ الذي يَذْكُرُ ربَّهُ والذي لا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الحيِّ والميتِ )) وفي هذا المعنى يقولُ شيخُ الإسلام ابنُ تَيْمِيَّةَ رحمه الله : (( الذِّكْرُ للقَلبِ مِثْلُ الماءِ للسَّمَكِ ، فكيفَ يكونُ حالُ السَّمَكِ إذا فارقَ الماءَ )) ؟!. ( وتلكَ الأمثالُ نضربها للناسِ وما يعقِلُها إلاَّ العالِمون ) .
    وروى مُسْلِمٌ عن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال : (( لا يقعدُ قَوْمٌ يَذْكُرونَ اللهَ عز وجل إلاَّ حفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ، وغشيتْهُمُ الرَّحمَةُ، ونَزَلَتْ عليهم السَّكِينةُ ، وذَكَرَهُمُ اللهُ فيمَنْ عِنْدَهُ )) .
    عبدا الله : ذِكْرُ اللهِ مَنْشُورُ الوِلايَةِ الذي مَنْ أُعْطِيَهُ اتَّصَلَ، ومَنْ مُنِعَهُ عُزِلَ، وهو قوتُ القلوبِ الذي متى فارَقَهَا صارتِ الأجْسَادُ لها قُبُوراً ، وعِمَارَةُ الدِّيَارِ التي إِذَا تَعَطَّلَتْ عَنْهُ صَارتْ بُوراً ؛ وهوَ سِلاحُهُمُ الذي يُقَاتِلُونَ بهِ قُطَّاعَ الطَّريقِ ، ومَاؤُهُمُ الَّذِي يُطْفِئُونَ بِهِ الْتِهَابَ الحريقْ؛ أَهْلُ الذِّكْرِ يَسْتَدْفِعُونَ بِذِكْرِ اللهِ الآفاتْ، ويَسْتَكْشِفُونَ الكُرُبَاتْ، وتَهُونُ عليْهِمْ بِهِ المُصِيبَاتْ، إِذَا أَظَلَّهُمُ البَلاءُ فَإِلَيْهِ مَلْجَؤُهُمْ ، وإذا نَزَلَتْ بِهِمُ النَّوَازِلُ فَإِلَيْهِ مَفْزَعُهُمْ ، فهوَ رِيَاضُ جَنَّتِهِمْ التي فيها يَتَقَلَّبُونْ .. يَدَعُ القَلْبَ الحزِينَ ضاحِكاً مَسْرُوراً ، ويُوصِّلُ الذَّاكِرَ إلى المَذْكُورِ بَلْ يَدَعُ الذَّاكِرَ مَذْكُوراً.
    والخيرُ كُلُّهُ في ذِكرِ اللهِ كما روى البيهقي في شُعب الإيمان عن خيرِ هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصدِّيق رضي الله عنه أنه قال : (( ذَهَبَ الذَّاكرونَ اللهَ بالخيرِ كُلِّهِ )) .
    : ((?فالذِّكْر : يُرْضِي الرحمن ، ويطرُدُ الشيطان . قال ابن عباس الشيطان جاثِمٌ على قلبِ ابنِ آدمَ ، فإذا سها وغَفَلَ وسوسَ ، فإذا ذَكَرَ اللهَ تعالى خَنَسَ )) . ويُزيلُ الهَمَّ والغَمَّ عن القَلْبْ ، وَيَجْلِبُ لَهُ الفَرَحَ والسُّرُورَ والبَسْطَ ، ويُقَوِّي ويُنَوِّرُ القَلْبَ والبدنَ والوَجْهَ ، ويجلِبُ الرِّزْقَ ، ويَكْسُو الذَّاكِرَ المَهَابَةَ والحَلاوَةَ والنُّضْرَةَ ، ويُورِثُ المحبَّةَ التي هِيَ رُوحُ الإِسْلام ، ويُورِثُ المُراقَبَةَ حتى يُدْخِلَ العَبْدَ في بَابِ الإِحْسَان فَيَعْبُدُ الله كَأَنَّهُ يراه ، ويُورث الإنابَةَ وهي الرجوع إلى الله .
    ومن فوائد الذكر : أنه يُقرِّب العبد من الله ويفتح له باباً عظيماً مِن أبوابِ المَعْرِفة ، ويورث الهيبة لربِّه وإجلاله لِشِدَّةِ استيلائِهِ على قَلْبِهِ وحُضورِهِ مع اللهِ تعالى ، بِخلاف الغافل فإنَّ حجاب الهيبة رقيقٌ في قلبهِ . والذِّكْرُ يحطُّ الخَطَايَا ويُذْهِبُهَا ويُنجي من عذاب الله ،وهو سببُ تنـزيلِ السَّكِينةِ وغشيان الرحمة وحفوف الملائكة بحلقات الذكر ، ومجالس الذكر مجالس الملائكة ، ومجالس اللغو والغفلة مجالس الشياطين ، فليتخيَّر العبدُ أعْجَبَهُما إليه وأَوْلاهُمَا بِهِ ، فهو مع أَهْلِهِ في الدُّنيا والآخرة !. وذكر الله سببٌ لاشْتِغَالِ اللِّسَانِ عَنِ الغِيبَةِ والنَّميمة والكذب والفُحشِ والباطل ، والذكر يُؤَمِّنُ العبد مِنَ الحسرةِ يومَ القيامةِ .
    وأَنَّهُ مَعَ البُكاءِ في الخَلْوَةِ سَبَبٌ لإظْلالِ اللهِ العبدَ? يَوْمَ الحَرِّ الأكبرِ في ظِلِّ عَرْشِهِ ، وهذا الذَّاكِرُ مُستظِلٌّ بظل عرش الرحمن ، وأنه أيسرُ العبادات وهو مِنْ أَجَلِّها وأَفْضَلِها ، وأنه غِرَاسُ الجنَّةِ ، وأنَّ الذكر شجرةٌ تُثمِر المعارف والأحوال التي شَمَّرَ إليها السَّالِكُون ، وأنَّ الذاكر قريبٌ من الله ، وما استجلِبَتْ نِعَمُ اللهِ عز وجل واسْتُدْفِعَتْ نِقَمُهُ بِمِثلِ ذكرِ الله . والذكر رأس الشكر .

    وكثرة الذِّكْرِ بَرَاءةٌ مِنَ النِّفَاقِ كما قال كعبُ بن مالك رضي الله عنه : (( مَنْ أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ الله برئَ مِنَ النِّفاقِ )) .
    باركَ اللهُ لي ولكم في القُرآن العظيم …


    الخطبة الثانية :

    عباد الله : وليسَ المُرادُ بالذِّكْرِ مُجَرَّدَ ذِكْرِ اللسَانِ ، بل الذِّكْرَ القَلْبِيَّ واللِّسانيَّ.

    وذِكرُ اللهِ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ أسْمَائِهِ وصِفَاتِهِ ، وذِكْرَ أمْرِهِ ونَهْيِهِ وذِكْرَهُ بِكَلامِهِ ، وذلِكَ يَسْتَلْزِمُ مَعْرِفَتَهُ والإيمَانَ بهِ وبِصِفاتِ كَمَالِهِ ونُعُوتِ جَلالِهِ والثَّنَاءَ عليهِ بأنْوَاعِ المَدْحِ ، وذِكْرِ نِعَمِهِ وآلائِهِ وإِحْسَانِهِ إلى خلْقِهِ وذلِكَ لا يَتِمُّ إلاَّ بِتَوْحِيدِهِ سبحانه وتعالى .
    فَذِكْرُهُ الحقيقي ذو دائِرَةٍ واسِعَةٍ لا تُحَدُّ مجَالاتُها .. في ميادينَ عَريضَةٍ مِنَ القَوْلِ والعَمَلِ والاعْتِقَادْ ، الذِّكر ليسَ ساعةُ مُناجاةٍ محدودةٍ في الصَّباحِ أو المَسَاءْ ، في المسجد أو في المِحْرَاب .. لينْطَلِقَ العَبْدُ بعدَهَا في أرْجَاءِ المَعْمُورةِ يَعْبَثُ كَمَا يَشاء ويفعلُ ما يُريد . الذَّاكِرُ الحيّ والمُتَدَيِّن الحقُّ يَرْقُبُ رَبَّهُ في كُلِّ حالٍ وحَيثُمَا كان ، ويَنْضَبِطُ مَسْلَكُهُ ونَشَاطُهُ بأَوَامِرِ رَبِّهِ ونَواهِيهِ .. يَشْعُرُ بِضَعْفِهِ البَشَري فيَسْتَعِينُ بِرَبِّهِ في ما يعْتَريهِ أو يُهِمُّهُ .
    وفي هذا يقول سعيد بن جبير رحمه الله : (( كُلُّ عامِلٍ بِطاعةِ اللهِ فهوَ ذاكِرٌ لله تعالى )) . ويقول عطاءُ : (( مَجَالِسُ الذِّكْرِ : الصَّلاةُ والصَّيامُ والحجُّ ، ومَجَالِسُ الحلالِ والحرامِ : البيعِ والشراءِ ، والنِّكاح والطلاقِ )) .
    المُسلم منذُ بُزُوغِ الفجر أو قُبيل ذلك وهو في ذكر مِن صلاةٍ وذكرٍ وحِلق العلم حتى يأوي إلى فِراشِهِ في آخر المساء .
    أيها الإِخْوَةُ في الله : الذينَ جَهِلُوا ربَّهُم ، ونَسُوا الذكر ، ومَا كانُوا إلاَّ قوماً بُوراً يتَصَرَّفُونَ بغير هديٍ ، ويتقلبون في هذه الأرض بدوافع الهوى والغفلَةِ عن الله وعن ذِكرهِ . ماذا جَنَوْا وماذا كَسَبُوا ؟ أصابهم شُؤْمُ الغفلة والإعراضِ عن ذِكرِ الله فأصبحوا في حالةِ اضطرابٍ وخوفٍ وحيرة وشقاءٍ وبُؤس ( ولعذاب الآخرةِ أشَدُّ وأبقى ) .
    وصدَقَ الله إذ يقول : ( ومَنْ أعرضَ عن ذِكري فإِنَّ لهُ مَعِيشَةً? ضَنْكاً ونَحْشُرُهُ يومَ القِيَامَةِ أعمى ) وهذا عذَابُ دارِ البَوَارِ ، ولهُ الضَّنَكُ والضِّيقُ في الحياة الدُّنيا ، ومَنْ أَعْرَضَ عن الله أعْرَضَ الله عنهُ ، وعلى قَدْرِ غَفْلَةِ العَبْدِ عن الذِّكْرِ يَكُونُ بُعْدُهُ عنِ اللهْ ، والغافل بَيْنَهُ وبينَ اللهِ عز وجل وَحْشَةٌ لا تَزُولُ إلا بِذِكرِ الله .
    اللهم اجْعلنا لك شاكرين ، لكَ ذاكرين ، لكَ أوَّابين ، لك مخبتين ، اللهم زيِّنا بزينة الإيمان واجعلنا هداةً مهتدين …

  2. افتراضي رد: خطبة قوتُ القُلوب ! للشيخ دغش العجمي

    اللهم اجْعلنا لك شاكرين ، لكَ ذاكرين ، لكَ أوَّابين ، لك مخبتين ، اللهم زيِّنا بزينة الإيمان واجعلنا هداةً مهتدين …
    اللهم آمين

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •