قاعدة شيخ الإسلام في الهجر الشرعي


قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله :
(( الهجر الشرعي نوعان :

أحدهما : بمعنى الترك للمنكرات .
والثاني : بمعنى العقوبة عليها .

فالنوع الأول :
هو المذكور في قوله تعالى : { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين } وقوله : { وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم } فهذا يراد به أنه لا يشهد المنكرات لغير حاجة مثل قوم يشربون الخمر لا يجلس عندهم ، وقوم دعوا إلى وليمة فيها خمر وزمر لا يجيب دعوتهم وأمثال ذلك، بخلاف من حضر عندهم للإنكار عليهم أو حضـر بغير اختياره ، ولهذا يقال حاضر المنكر كفاعله .

وفي الحديث : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يشرب عليها الخمر ) وهذا الهجر من جنس هجر الإنسان نفسه عن فعل المنكرات كما قال : المهاجر من هجر ما نهى الله عنه ) .
ومن هذا الباب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام والإيمان فإنه هجر للمقام بين الكافرين والمنافقين الذين لا يمكنونه من فعل ما أمر الله به ومن هذا قوله تعالى : { والرجز فاهجر } .

النوع الثاني :
الهجر على وجه التأديب وهو هجر من يظهر المنكرات ، يهجر حتى يتوب منها كما هجر النبي صلى الله عليه وسلم الثلاثة الذين خلفوا حتى أنزل الله توبتهم ، حين ظهر منهم ترك الجهاد المتعين عليهم بغير عذر . ولم يهجر من أظهر الخير وإن كان منافقا ، فهنا الهجرة بمنزلة التعزير ، والتعزير يكون لمن ظهر منه ترك الواجبات وفعل المحرمات كترك الصلاة والتظاهر بالمظالم والفواحش والداعي إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة التي ظهر أنها بدع وهذا حقيقة قول من قال من السلف والأئمة أن الدعاة إلى البدع لا تقبل شهادتهم ولا يصلى خلفهم ولا يؤخذ عنهم العلم ولا يناكحون فهذه عقوبة لهم حتى ينتهوا . ولهذا يفرقون بين الداعية وغير الداعية ، لأن الدعاة أظهروا المنكرات فاستحقوا العقوبة بخلاف الكاتم فإنه ليس شرا من المنافقين الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله عز وجل مع علمه بحال كثير منهم .
ولهذا جاء في الحديث أن المعصية إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها ولكن إذا أعلنت فلم تنكر ضرت العامة وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه ) . فإن المنكرات الظاهرة يجب إنكارها بخلاف الباطنة فإن عقوبتها على صاحبها خاصة .

وهذا الهجر يختلف بإختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم فأن المقصود به زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعا ، وإن كان المهجور وغيره لا يرتدع بذلك بل يزيد الشر والهاجر ضعيف بحيث تكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر ، والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف .

ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتألف قوما ويهجر قوما آخرين ، وقد تكون المؤلفة قلوبهم أشر حالا في الدين من المهجورين ، كما أن الثلاثة الذين خلفوا كانوا خيرا من أكثر المؤلفة قلوبهم ولكن أولئك كانوا سادة مطاعين في عشائرهم فكانت المصلحة الدينية في تأليف قلوبهم . وهؤلاء كانوا مؤمنين ، والمؤمنون سواهم كثير فكان في هجرهم تأييد الدين وتطهيرهم من ذنوبهم ، وهذا كما أن المشروع في العدو القتال تارة والمهادنة تارة وأخذ الجزية تارة ، كل ذلك بحسب الأحوال والمصالح .

وجواب الأئمة كأحمد وغيره في هذا الباب مبني على هذا الأصل ولهذا كان يفرق بين الأماكن التي كثرت فيها البدع وبين ما ليس كذلك ويفرق بن الأئمة المطاعين وغيرهم . وإذا عرف مقصود الشريعة سلك في حصوله أوصل الطرق إليه ، وإذا عرف هذا فالهجرة الشرعية هي الأعمال التي أمر الله بها ورسوله صلى الله عليه وسلم فالطاعة لابد أن تكون خالصة لله وأن تكون موافقة لأمره ، فتكون خالصة لله صوابا ، فمن هجر لهوى نفسه أو هجر هجرا غير مأمور به كان خارجا عن هذا وما أكثر ما تفعل النفوس ما تهواه ظانة أنها تفعله طاعة لله .

والهجر لأجل حظ الإنسان لا يجوز أكثر من ثلاث كما جاء في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان يصد هذا ويصد هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام ) . فلم يرخص في هذا الهجر أكثر من ثلاث . وفي الصحيح عنهصلى الله عليه وسلم أنه قال : ( تفتح أبواب الجنة كل اثنين وخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كان بينه وبين أخيه شحناء فيقال انظروا هذين حتى يصطلحا ) . فهذا الهجر لحق الإنسان حرام ، وإنما رخص في بعضه ، كما رخص للزوج أن يهجر امرأته في المضجع إذا نشزت وكما رخص في هجر الثلاث فينبغي أن يفرق بين الهجر لحق لله وبين الهجر لحق نفسه فالأول مأمـور به والثاني منهي عنه لأن المؤمنين إخوة ، وهذا لأن الهجر من العقوبات الشرعية فهو من جنس الجهاد في سبيل الله وهذا يفعل لأن تكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله .

والمؤمن عليه أن يعادي في الله ويوالي في الله فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه وإن ظلمه فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية ، قال الله تعالى : { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فاصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين . إنما المؤمنون إخوة } فجعلهم اخوة مع وجود القتال والبغي وأمر بالإصلاح بينهم.

فليتدبر المؤمن الفرق بين هذين النوعين فما أكثر ما يلتبس أحدهما بالآخر ، وليعلم أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك ، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك فإن الله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله فيكون الحب لأوليائه والبغض لأعدائه والإكرام لأوليائه والإهانة لأعدائه والثواب لأوليائه والعقاب لأعدائه ، وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر وتقى وفجور وطاعة ومعصية وسنة وبدعة استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير واستحق من المعاداة والعقاب بقدر ما فيه من الشر فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة فيجتمع له من هذا وهذا كاللص الفقير تقطع يده ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته . هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة )). أهـ. [من مجموع الفتاوى: (28/203)]

قال العلاّمة التويجري رحمه الله بعد هذا النقل وذكر كلاماً للعلماء في الهجر قبله:
انتهى كلامه رحمه الله تعالى ملخصا وفيه فوائد جليلة ليست في كلام غيره من العلماء الذين تقدم ذكرهم فليتأمل من أوله إلى آخره فما أحسنه وأنفعه في هذا الباب .