السلام عليكم ورحمة الله وبركاته....
كنت قرأت رسالة قديمة للشيخ عبدالله البخاري وهي تتحدث عن دخول المستأمنين للجزيرة وما هي حدود الجزيرة ومن الذي يلزمه إخراجهم..الخ وذكر في الرسالة ما سأنقله قريبا من كلام الأئمة حول حدودها واقتنعت حينها بأن اليمن ليست من الجزيرة الداخلة في اللفظ الشرعي لما حصل من الصحابة من الإتفاق على عدم إخراج من كان في اليمن من أهل الكتاب وتعاقبهم على هذا ومشى على هذا من بعدهم من الخلفاء ..ثم قرأت كلام الشيخ بكر أبوزيد في رسالته حول جزيرة العرب فلم أجد ما يغير قناعتي وكذلك عند ذكر العلماء للمسألة مثل الشيخ الألباني وابن باز والعثيمين وحتى من سمعت لهم من مشايخنا هنا في اليمن لا يتعرضون لهذه النكته وهي عدم إخراج الخلفاء لأهل الكتاب من اليمن وإجلائهم ولم تسنح الفرصة بطرح هذا عليهم فلعل أن يتيسر ذلك قريباً...وحتى ذلك الوقت فأنا أطرح عليكم النقول ولعلكم إن وجدتم ما يرجح خلافه من الأدلة أو توجيه فعل الخلفاء رضي الله عنهم فلتتحفونا به....ولي بعد النقول ملاحظات لعلها تكون نافعة:
1- ذكر الإمام البخاري في (الجامع الصحيح) (كتاب الجهاد/ باب جوائز الوفد) (6/ص170-فتح) عقب حديث ابن عباس المتقدم :" قال يعقوب بن محمد: سألت المغيرة ابن عبدالرحمن عن جزيرة العرب؟ فقال: مكة والمدينة واليمامة واليمن".
2- و أسند أبو داود في (السنن) (كتاب الخراج) (باب فيإخراج اليهود من جزيرة العرب) (3/رقم 3033/425) عن سعيد بن عبدالعزيز أنَّه قال:"جزيرة العرب: ما بين الوادي إلى أقصى اليمن إلى تُخوم العراق إلى البحر".
وقال أبو داود - عقبه- قرئ على الحارث بن مسكين وأنا شاهدٌ: أخبرك أشهب بن عبدالعزيز قال: قال مالك: عمرُ أجلى أهل نجران ولم يُجلوا من تيماء؛ لأنها ليست من بلاد العرب،فأما الوادي فإني أرى إنما لم يُجل من فيها من اليهود أنهم لم يروها من أرضالعرب".
3- وبوَّب الإمام الحافظ أبو محمد البغوي (ت516هـ) في (شرح السنة) (11/180) لحديث ابن عباس (باب إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب) ثم قال:" قال يعقوب ابن محمد..- ثم نقل قوله المتقدم وقول سعيد بن عبدالعزيز السابق، وزاد- و قال أبو عبيد: جزيرة العرب: ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول، وأما العرض فما بين رمل بيرين إلى منقطع السماوة..- ونقل قول مالك السابق أيضاً".
4- قال الإمام الحافظ أبو جعفر الطحاوي (ت321هـ) في (مشكلالآثار)(5/669) :" فتأملنا هذا الحديث، فاحتجنا إلى العلم بجزيرة العرب ما هي؟فوجدنا محمد بن الحسن فيما قاله لنا محمد بن العباس الرازي - ثم أسنده إلى محمد بن الحسن- أنَّه قال: فأما أرض العرب يعنى التي لا يترك فيها اليهود والنصارى يقيمون فيها إلا مقدار ما يقضون حوائجهم من بيع تجاراتهم التي قدموا بها فمثل مكة والمدينةوالطائف والربذة، ووادى القُرى،هذا كلُّه من أرض العرب.
ثم نقل قول أبي عبيدالمتقدم ونحوه قول الأصمعي وغيرهما، ثم أسند إجلاء النبيصلى الله عليه وسلملبعض اليهود - وهو حديثابن عمر المتقدم- ثم بين سبب الإجلاء من خيبر؛ بأن النبي صلى الله عليه وسلم صالحهم على شطر ما يخرج منها ، فلما كانوا زمن عمر بن الخطاب غالوا في المسلمين و غشوهم،ورموا ابن عمر من فوق بيت، ففدعوا يديه، فقال عمر: من كان له سهم من خيبر فليخرصحتى نقسمها بينهم...فهذا الذي روي مما تناهى إلينا في السبب الذي به أجلى عمر منأجلى من يهود خيبر".
5- قال العلاَّمة الفقيه يحيى بن أبي الخير العمرانيالشافعي (ت558هـ) في كتابه (البيان) وهو شرح لكتاب (المهذب) للشيرازي (12/289)(كتاب السير/ باب صفة عقد الذمة):"و لا يجوز لأحدٍ من الكفار الإقامة في الحجاز، و لايجوز للإمام أن يصالحهم على ذلك؛ فإن فعل..كان الصلحُ فاسداً، لما روى ابنعباس..- فذكر حديثه المتقدم- و روى عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لأخرجناليهود من جزيرة العرب)، وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يجتمع دينان في جزيرة العرب).
والمراد بجزيرة العرب في هذه الأخبار: الحجازُ، وهي: مكة والمدينة واليمامة ومخالفيها - ثم ذكر سبب التسمية بذلك، وقال: والحجاز بعض جزيرة العرب؛ فإن جزيرة العرب في قول الأصمعي..- ثم نقل بعض الأقوال المتقدمة في ذلك ثم قال- والدليل على أن المراد بهذه الأخبار الحجاز لا غير: ما روى أبو عبيدة بن الجراح: إن آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم أن قال: ( أخرجوا اليهود من الحجاز، وأهل نجران من جزيرة العرب) لـ (أنَّه صالحهم على ترك الربا،فنقضوا العهد)، وروي أن عمر رضي الله عنه أجلى أهل الذمة من الحجاز فلحق بعضهمبالشام، وبعضهم بالكوفة)، وأجلى أبو بكر رضي الله عنه قوماً من اليهود من الحجاز، فلحقوا بخيبر، وأجلى عمر رضي الله عنه قوماً فلحقوا بخيبر أيضاً، وأُقروا فيها، وهي من جزيرة العرب.
وما روي أنَّ أحداً من الخلفاء الراشدين أجلى مَن في اليمن من أهل الذمة و إن كانت من جزيرة العرب، فدل على ما ذكرناه، وروي أيضا أن نصارى نجرانأتوا علياً رضي الله عنه فقالوا له: إن الكتاب بيدك والشفاعة على لسانك، وإن عمر أخرجنا من أرضنا، فرُدَّنا إليها، فقال علي رضي الله عنه: إن عمر كان رشيداً فيفعله، وإن لا أُغيِّرُ شيئاً فعله عمر.
ونجران ليست من الحجاز، وإنما لنقضهم الصُّلح الذي صالحهم النبي صلى الله عليه و سلم على ترك الربا.
فإن دخل داخلٌمنهم الحجاز بغير إذن الإمام، أخرجه وعزره إن كان عالماً أن دخوله لا يجوز، و إناستأذن الإمام بعضهم في الدخول، نظر الإمام: فإن كان في دخوله مصلحة للمسلمين،إمَّا لأداء رسالةٍ أو عقد ذمَّة أو هدنةٍ أو حمل ميرةٍ، أو متاع فيه منفعة للمسلمين، جاز له أن يأذن له في الدخول؛ لقول تعالى)وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه(، فأجاز: أن يُسمع المسلمون المشركَ القرآن، وذلك يتضمن الدخول...
ولا يجوز لمن دخل منه الحجاز بإذن الإمام أن يُقيمفي موضعٍ أكثر من ثلاثة أيام، لما روى أن عمر رضي الله عنه أجلى اليهود والنصارى من الحجاز، وأذن لمن دخل منهم تاجراً أن يقيم ثلاثاً) و لأنه لا يصير مقيماً بالثلاث،ويصير مقيماً بما زاد.
فإن أقام في موضع ثلاثة أيام ثم انتقل منه إلى موضع و أقام فيه ثلاثة أيام، ثم كذلك يقيم في كل موضعٍ ثلاثاً فما دون؛ جازَ؛ لأنه لم يصر مقيماً في موضعٍ.
فإن كان له دين في موضع و لم يمكنه أن يقبضه في ثلاثٍ، لم يُمكَّن من الإقامة أكثر من ثلاث، بل يوكِّل من يقبضه له.
و إن دخل الحجاز بإذن الإمام ومرضَ جازَ لَه أن يقيم في موضعٍ حتى يبرأ، وإن زادت إقامته على ثلاثٍ؛ لأن المريض يشق عليه الانتقال..
فرعٌ: قال الشافعي - رحمه الله تعالى- (و لا يُمنعُ أهل الذمة من ركوب بحر الحجاز و الاجتياز فيه؛ لأنَّه لا حُرمةَ للبحار، ولهذا لميُبعث أحدٌ من الأنبياء صلوات الله عليهم إلى البحار، ويمنعون من الإقامة في سواحلبحر الحجاز وجزائره؛ لأنَّ لها حرمة أرض الحجاز).
6- قال العلاَّمة الحافظالنووي (ت676هـ) في (شرح مسلم)(10/212) عند شرحه لحديث عمر وقول النبي صلى الله عليه وسلم ليهود خيبر:"نقركم بها على ذلك ما شئنا، فقروا بها حتى أجلاهم عمر إلى تيماء و أريحاء، قال: في هذا دليلٌ على أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العربإخراجهم من بعضها، وهو الحجاز خاصَّة؛ لأن تيماء من جزيرة العرب لكنها ليست منالحجاز، والله أ علم".
ونقل أيضاً في (شرحه لمسلم)(11/93) الأقوال التي حكاها البغوي وقال: "و حكى الهروي عن مالك: أن جزيرة العرب هي: المدينة، والصَّحيحالمعروف عن مالك أنها: مكة والمدينة و اليمامة واليمن، و أخذ بهذا الحديث مالكوالشافعي وغيرهما من العلماء، فأوجبوا إخراج الكفار من جزيرة العرب، وقالوا: لايجوز تمكينهم من سكناها، ولكن الشافعي خصَّ هذا الحكم ببعض الجزيرة وهو الحجاز، وهوعنده مكة والمدينة واليمامة و أعمالها دون اليمن وغيره مما هو من جزيرة العرب،بدليل آخر مشهور في كتبه وكتب أصحابه.
قال العلماء: لا يمنع الكفار من التردد مسافرين في الحجاز، ولا يمكنون من الإ قال الشافعيوموافقوه: إلا مكة وحرمها، فلا يجوز تمكين كافر من دخوله بحال، فإن دخله في خفيةوجب إخراجه، فإن مات ودُفن فيه نبش وأخرج ما لم يتغير، هذا مذهب الشافعي وجماهير الفقهاء قامة فيه أكثر من ثلاثة أيام..
وجوَّز أبو حنيفة دخولهم الحرم، وحجة الجماهير قول الله تعالى(إنماالمشركون نجس..) الآية".
وقال أيضاً في (المنهاج) وهو في فقه الشافعية (9/397- مع شرحه النجم الوهاج) :" ويُمنعُ كلُّكافرٍ من استيطان الحجاز، وهي مكة و المدينة واليمامة وقراها. وقيل: له الإقامة فيطرقه الممتدة، ولو دخل بغير إذن الإمام أخرجه وعزره إن علم أنه ممنوع، فإن استأذنأذنَ له إن كان مصلحة للمسلمين كرسالة و حمل ما يحتاج إليه، فإن كان لتجارة ليس فيها كبير حاجة لم يأذن له إلا بشرط أخذ شيء منها، ولا يقيم إلا ثلاثة أيام، ويمنع من دخول حرم مكة، فإن كان رسولا خرج إليه الإمام أو نائبه يسمعه".
7- قالالإمام ابن قدامة (ت620هـ) في (المغني) (13/242- ط التركي): " فصل: و لا يجوز لأحدٍ منهم سُكنى الحجاز، وبهذا قال مالكٌ و الشافعي؛ إلاَّ أنَّ مالكاً قال: أرى أنيُجلوا من أرض العرب كلِّها...... ..- ثم نقل أقوالاً بنحو مما تقدَّمفي تحديدها وسبب تسميتها، ومما نقله قول- أحمد: جزيرة العرب المدينة وما والاها، يعني أنَّ الممنوع من سُكنى الكفار به المدينة و ما والاها، وهو مكة و اليمامة وخيبر وينبع وفدك ومخالفيها وما والاها، وهذا قول الشافعي؛ لأنهم لم يُجْلوا منتيماء ولا من اليمن، وقد روى أبو عبيدة بن الجراح أنه قال: إن آخر ما تكلم به النبيصلى الله عليه وسلم أن قال: ( أخرجوا اليهود من الحجاز)، فأما إخراج أهل نجران منه؛ فلأن النبي صلى الله عليه و سلم صالحهم على ترك الربا، فنقضوا عهده، فكأن جزيرة العرب في تلك الأحاديث أُريدَ بها الحجازُ، وإنَّما سُمِّي حجازاً لأنه حجز بين تهامة ونجد، ولا يمنعون من أطراف الحجاز، كتيماء وفيد ونحوهما.
8- قال الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني (ت 728هـ) كما في (مجموع الفتاوى) (28/630) وقد سئلهل المدينة من الشام؟ فأجاب:" مدينة النبي صلى الله عليه وسلم من الحجاز باتفاق أهل العلم، ولم يقل أحد من المسلمين و لا غيرهم إن المدينة النبوية من الشام، وإنما يقول هذا جاهلٌ بحدِّ الشام والحجاز، جاهل بما قاله الفقهاء و أهل اللغة و غيرهم، ولكن يقال المدينة شامية، ومكة يمانية: أي المدينة أقرب إلى الشام، ومكة أقرب إلىاليمن، وليست مكة من اليمن ولا المدينة من الشام.
وقد أمر النبي صلى الله عليهوسلم في مرض موته: أن يخرج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وهي الحجاز؛ فأخرجهم عمر رضي الله عنه من المدينة وخيبر وينبع واليمامة ومخاليف هذه البلاد، ولم يخرجهم من الشام؛ بل لما فتح الشام أقر اليهود والنصارى بالأردن وفلسطين وغيرهما،كما أقرهم بدمشق وغيرها".
9- قال العلاَّمة الفقيه كمال الدين الدَّميري (ت808هـ) في (النجم الوهاج شرح المنهاج)(9/397-402) شارحاً كلام النووي المتقدم في (المنهاج): قال الجويني والقاضي حسين: الجزيرة هي الحجاز.
والمشهور: أن الحجاز بعضالجزيرة، فلما مات النبيصلى الله عليه وسلم لم يتفرغ أبو بكر لإخراجهم، فأجلاهم عمر، وهم زهاءأربعين ألفاً، ولم ينقل أن أحداً من الخلفاء أجلاهم من اليمن مع أنها من الجزيرة،فدل على أن المراد: الحجاز فقط...
قال (وهي مكَّة والمدينة واليمامة وقراها) كذا فسَّرها الشافعي، فالطائف مع واديها وهو وج من قرى مكة، وخيبر من قرىالمدينة"
10- قالالحافظ ابن حجر (ت852هـ) في (الفتح)(6/171) بعد ذكر الأقوال التي نقلها البغويوغيره مما تقدم في (جزيرة العرب) :" وسميت جزيرة العرب: لإحاطة البحار بها، يعنيبحر الهند وبحر القلزم و بحر فارس وبحر الحبشة، وأضيفت إلى العرب لأنها كانت بأيدهمقبل الإسلام وبها أوطانهم ومنازلهم، لكن الذي يمنع المشركون من سكناه منها الحجاز خاصة، وهو مكة والمدينة واليمامة و ما والاها لا فيما سوى ذلك مما يطلق عليه اسم جزيرة العرب؛ لاتفاق الجميع على أن اليمن لا يمنعون منها مع أنها من جملة جزيرةالعرب، هذا مذهب الجمهور .وعن الحنفية: يجوز مطلقاً إلا المسجد . وعن مالك: يجوز دخولهم الحرم للتجارة.)) ا.هــ النقل



الملاحظة الأولى:
1- ما ذكره الشيخ الفاضل عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وكلامه هنا واضح إلا أن الشيخ بكر أبوزيد حفظه في خصائص جزيرة العرب والكتاب ليس عندي الآن نقل ما يظهر خلاف ما سبق..وكنت وقفت على كلام أيضا يظهر منه خلاف ما نقله الشيخ من أن اليمن ليست من جزيرة العرب فقال في ج5-152 ((فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جَمَعَهُمْ عَلَى إمَامٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أبي بْنُ كَعْبٍ الَّذِي جَمَعَ النَّاسَ عَلَيْهَا بِأَمْرِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - . وَعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هُوَ مِنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ حَيْثُ يَقُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي . عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ } يَعْنِي الْأَضْرَاسَ ؛ لِأَنَّهَا أَعْظَمُ فِي الْقُوَّةِ . وَهَذَا الَّذِي فَعَلَهُ هُوَ سُنَّةٌ ؛ لَكِنَّهُ قَالَ نِعْمَت الْبِدْعَةُ هَذِهِ فَإِنَّهَا بِدْعَةٌ فِي اللُّغَةِ لِكَوْنِهِمْ فَعَلُوا مَا لَمْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَهُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْنِي مِنْ الِاجْتِمَاعِ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ وَهِيَ سُنَّةٌ مِنْ الشَّرِيعَةِ . وَهَكَذَا إخْرَاجُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَهِيَ الْحِجَازُ وَالْيَمَنُ وَالْيَمَامَةُ وَكُلُّ الْبِلَادِ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْهُ مُلْكُ فَارِسَ وَالرُّومِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَمَصْرِ الْأَمْصَارِ : كَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ))ا.هــ
فهذا النقل يحتمل أمرين وفي كلاهما بعض الإشكال فالأول:
1- أنه يقرر مذهبه فيكون للشيخ قولان فيها أو أن كلامه السابق نقله في قوله ((: أن يخرج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وهي الحجاز)) وإن كان ظاهر الخطاب الحصر لكن نقول لعل المقام لم يكن موضع بسط وإلا نقول له قولان فالأول أنها الحجاز فقط والثاني أنها تشمل اليمن.
2- أنه يذكر ما سنه الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم لا مذهبه- ولكن حتى مع هذا فإن كان يقره فيلزمه اتباعه حيث السنة لا تخالفه فيكون حينئذ مذهبه فنرجع للوجه الأول-وهذا يحتمله السياق جداً ولكن فيه إشكال أن المنقول عنهم عدم إخراج اليهود من اليمن...أو أنه يريد أصل الفعل وهو إخراجهم لبعض أهل الكتاب من جزيرة العرب ولا يلزم إخراج كل أهل الكتاب من جزيرة العرب لسبب عارض مع تقريره أن اليمن منها.

الملاحظة الثانية:
ما قاله الحافظ رحمه الله فيما نقل الشيخ فقال ((لاتفاق الجميع على أن اليمن لا يمنعون منها مع أنها من جملة جزيرة))ا.هــ
وما استغربه من الحافظ أن البخاري رحمه الله نقل كما في الصحيح وذكر في الأعلى " قال يعقوب بن محمد: سألت المغيرة ابن عبدالرحمن عن جزيرة العرب؟ فقال: مكة والمدينة واليمامة واليمن" وهذا صريح أن هناك من قال أن اليمن داخلة في الجزيرة على المسمى الشرعي...فكيف خفي ذلك على الحافظ وكذلك ما ذكر في الأعلى عن سعيد بن عبدالعزيز فقال "جزيرة العرب: ما بين الوادي إلى أقصى اليمن إلى تُخوم العراق إلى البحر" وكذلك "- و قال أبو عبيد: جزيرة العرب: ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول، وأما العرض فما بين رمل بيرين إلى منقطع السماوة" ا.هــ وهذا في ظني لم يخف على الحافظ وخاصة النقل الأول وهو في صحيح البخاري الذي هو لعله من أعلم الناس فيه بعد البخاري إن لم يكن أعلمهم به بعده.
بل إن ما ذكره الحافظ من الإتفاق ذكره مباشرة بعد شرح كلام يعقوب وذكر من وصله فقال: قَوْله : ( وَقَالَ يَعْقُوب بْن مُحَمَّد )
أَيْ اِبْن عِيسَى الزُّهْرِيِّ ، وَأَثَره هَذَا وَصَلَهُ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي فِي كِتَاب أَحْكَام الْقُرْآن عَنْ أَحْمَد بْن الْمُعَدَّل عَنْ يَعْقُوب" ا.هــ
والذي يظهر لي والله أعلم أن الحافظ يحمل ما ورد عن الإئمة خلاف هذا أن المراد به التعريف بالجزيرة من الناحية الجغرافية اللغوية لا الجزيرة المرادة بالحديث والتي أمرنا بإخراج المشركين منها وإن كان صنيع البخاري في إيراد هذا الأثر بعد الحديث يدل على أنه يريد تفسير الحديث بالأثر المذكور فحينئذ لا يسلم للحافظ بهذا الفهم والإجماع إلا إن أراد إتفاق الصحابة فهذا ليس عندنا مما ننازعه به لكن إن أراد اتفاق التابعين أو من بعدهم فهذا قد ينازع في فهم تلك الآثار وأنهم أرادوا تفسير هذا الحديث لا التعريف بالجزيرة العربية من الناحية الجغرافية اللغوية...والله أعلم.
هذا ما يظهر لي للتوفيق بين الاتفاق المنقول وما نقل من الخلاف.
ولعل من عند علم فيها يشاركنا بالفائدة وأرجو إن نقل الإخوة بعض النقول أن تكون منصبة في بيان ما ذكرت من عدم إخراج الصحابة رضوان الله عليهم لأهل الكتاب من اليمن وغيرها...لا أن تكون نقول في تقرير أن اليمن من الجزيرة دون التعرض لموضوعنا وإلا فالنقول كثيرة عن المشايخ وما ذكرت من تلك النقول في الأعلى وإن كانت في غير محل الموضوع إلا لأثبت أولاً: من قال بهذا من العلماء من السلف وكذلك من حيث الإنصاف وذكر من خالف ...وهم السلف وأما النقل عن المعاصرين وإن كان مفيدا ونستنير بفهمهم لكن ليس هو بمؤثر في في ما نريد إلا إن كان في محل النقاش ...وأعتذر عن الإطالة لكن رأيت الكثير من النقاشات تكثر فيها النقول والحواشي والفتاوى لأهل العلم ولا تكون في صلب المسألة والله أعلم.