مفهوم الشموع


(الجزء رقم : 38، الصفحة رقم: 247)

مفهوم الشموع : -

حتى يكون الفرد في البيئة الإسلامية بعيدا عما يخالف منهج دينه فإن عليه أن يتجافى عن أسلوب حياة وأعمال أهل الملل الأخرى المغايرة لدين الإسلام عقيدة وعملا وما ذلك إلا أن الركون إلى صغائر الأمور ، مما يجري على عظائم الأشياء ، فيتبلد الإحساس ، ويخفى ميزان تعاليم الدين ثم يبدأ من هـذا نزع عرى الإسلام واحدة بعد أخرى . حيث أبان صلى الله عليه وسلم بأن بني إسرائيل لم يتسع فيهـم نطاق الشر إلا بعد التساهـل في الصغائر وتهـاون العلماء في الإبانة عما كان سببا في إفساد الملة .

ومن هـنا نرى أوربا في نهـضتهـا الحديثة عندما اتجهـت للعلمانية وكان شعارهـم مادياً مع مضمون الكلمة : دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله ، ثم لما نقمت الطبقة المتعلمة على تسلط رجال الكنيسة بعد الثورة الفرنسية ، كانت الحرب على رجال الكنيسة شديدة بالسخرية ، والإشاعة ، ثم تضافرت الجهـود لتقلص دور الكنيسة ، ولما قامت الثورة البلشفية بعد الحرب العالمية الأولى عام 1917م الموافق لعام 1336 هـ اشتد الصراع بين الشيوعيين ، ومنهـم موسوليني في إيطاليا ، وبين البابا بيوس الثاني عشر لأن الشيوعية كانت ضد كل دين مهـما كان ، والدين الإسلامي في الدرجة الأولى حيث ناصبته العداء ، واستعملت ضده الحيل والمكائد فكان من نتيجة ذلك الصراع الذي قصد منة الحد من سلطة الكنيسة ، باعتبارهـا رمزاً

(الجزء رقم : 38، الصفحة رقم: 24

للتخلف كما قال أحد كبار المفكرين الغربيين في العصر الحاضر ( ديكارت ) في حكمه على رجال الدين في الكنيسة : ماذا نفعل بهذه الرءوس النخرة ، التي عشعش فيها التخلف ؟ .

فلجأ المتعصبون لمعتقدهم إلى ربط الناس في الصغر ومع النساء بالذات ، لأنهن أكثر تأثراً في الناشئة بأمور ذات جذور في العقيدة التي يدينون لها ، وحرص المبشرون منهم - الأصح أن يقال المنصرون -إلى نقلها لديار الإسلام على هيئات شتى : ضمن عادات وتقاليد وطقوس في مناسبات عديدة .

وهذا مدخل يحسن بكل مسلم الحذر منه ، حتى لا يكون بداية لدلالة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا بد أن يقع ، لأنه خبر من الصادق المصدوق ، الذي يعلمه ربه أموراً هي من المعجزات ودلائل النبوة ، حيث يقول عليه الصلاة والسلام : لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة ، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ، قيل يا رسول الله اليهود والنصارى ؟ قال فمن . . وحديثنا الآن عن الشموع التي أصبحت تقليداً لدى كثير من المسلمين ، هي عادة من العادات التي يجب الحذر منها ، الصغائر التي يحسن عدم الركون إليها لأن وراءها أموراً عظيمة ، ذلك أننا نلمس اتجاهاً بدأت تكبر دائرته في بعض المجتمعات الإسلامية ، وذلك بإشاعة عادة إطفاء الشموع وإشعالها في أعياد

(الجزء رقم : 38، الصفحة رقم: 249)

ميلاد الأبناء والبنات ، حيث يهيأ احتفال على مائدة طعام أو حلوى ، ويوقد في وسطها شموع ، في الغالب تكون ثلاث شمعات ، وهذه تكون في الموائد الكبيرة ، والحفلات الرسمية أما في أعياد ميلاد الأبناء فإن الشموع التي تهيأ تكون بعدد سنوات من يراد الاحتفال بعيد ميلاده ، ليختار زميلاً له يشعلها ، ويأتي هو لينفخها واحدة بعد الأخرى ليطفئها ، ويشعل شمعة جديدة ، بمثل هذا الاعتقاد إطفاء عدد ما مضى من السنوات وإضاءة السنة الجديدة في حياته التي بدأت من ذلك اليوم ، أما الشمعات الثلاث المتصدرة للمائدة فتبقى مشتعلة ، كما هي العادة أيضاً في الحفلات الرسمية والفندقية ذات البال .

وهذا الأمر معتقد نصراني كما هو معتقد بوذي ، ولست أدري أيهما الأقدم ولا أيهما أخذ من الآخر ، وإن كان لكل منهما دلالة معينة .

وفي أسفاري لاحظت عند البوذيين ، وفي أكبر معابدهم في نيبال حيث منشأ البوذية ومعقلها أن اعتقاد إشعال ثلاث الشمعات المستمر ، يرمز إلى حربة بوذا التي قتل بها الوحوش في الأدغال وجاء بها إلى معبده - قبل ستة آلاف سنة كما يقولون - على ظهر الفيل ، فاعترضه أسد فقتله بها أيضا حتى وصل إلى مدينة ( تلهوا ) ، فاستقبله الناس ، وأقام بها فترة يتعبد تحت شجرة فارتبطت العقيدة عندهم بالرمز الثلاثي في الحربة ، ثم

(الجزء رقم : 38، الصفحة رقم: 250)

في الشموع في معابدهم ، لاقترانه ببوذا ، وما تعلق به في أسطورة القوة التي لا تقهر .

والباحثون في أصول المعتقدات يرون أن البوذية قد وجدت قبل الميلاد بما يقارب خمسة قرون ، أما لدى النصارى فإن الشموع الثلاث التي تتصدر الموائد والمناسبات فإنما هو رمز لمعتقد راسخ في ديانتهم : الأب والابن وروح القدس وهو التثليث الذي مقتهم الله به ، وأبان جل وعلا كفرهم بسبب ذلك فقال عز من قائل : .

فإيقاد الشموع في هاتين الملتين يرمز إلى تأصيل العقيدة : الأولى للربط ببوذا والثانية لتمكين عقيدة التثليث ، وكلتا العقيدتين فاسدتان ، وتتباينان مع منهج الإسلام وعقيدة الوحدانية مع الله عز وجل .

وبين النصرانية والبوذية تقارب من حيث التعلق بشخصية بوذا ، وأن لديه قدرة فوق قدرات الناس ، وأنه يخلص البشر ويتحمل عنهم ، وأن لديه معجزات خارقة ، والنصرانية تؤله يسوع الذي هو الأقنوم الثاني من الثالوث ، من حيث رفع مكانته عن البشر ، وأنه جاء لتخليص البشرية من الشرور والفداء بنفسه ، علاوة على ما جاء به من معجزات خارقة للمألوف

(الجزء رقم : 38، الصفحة رقم: 251)

كإحياء الموتى ، وإيجاده من الطين على هيئة الطير بإذن الله ، وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله .

ولفساد عقائدهم ولاتباعهم علماء الضلال ، فإنهم لم يربطوا هذا الأمور بالله جل وعلا ، بل زين لهم الغلو فيهم ، ورفعوا عيسى عليه السلام إلى درجة الألوهية .

ويأتي وضع الشموع ، وتقديمها كقرابين في المعابد عند هاتين الملتين كجزء من المعتقد الديني للقربات التي تقدم للآلهة التي يميلون إليها ، ورمز لطرد الشرور ، قال تعالى : .

ولذا كانت صناعة الشموع ، والاتجار فيها بجوار المعابد البوذية ، والكنائس النصرانية ، وغيرها ، تحظى بازدهار كبير ، ويغالي رجال الكنيسة في الشموع : تلويناً وحجماً حيث توقد في المناسبات وفي ذكرى الوفيات ، فيوقد عن كل شخص ذكراً كان أو أنثى من الشموع بعدد الأيام التي كانت المناسبة من أجلها ولو حكم الإنسان عقله وفحص الأمر بمنظور مادي حسب واقعهم ، فإنها أموال تهدر ، ولا ينال الفقير منها شيء ، يمكن الانتفاع به .

وما الشموع التي جاء ذكرها في الشروط العمرية التي أخذها عمر بن الخطاب رضي الله عنه على نصارى الشام بالامتناع عنها

(الجزء رقم : 38، الصفحة رقم: 252)

وسميت بالسرج على القبور والمعابد إلا من هذا المعتقد ، كما أنها هي الشعانين التي نبه إليها ابن كثير رحمه الله في تاريخه ، وأنها تتخذ في الكنائس ، وتغيير الاسم لا يغير المسمى ، وإنما يرتبط الأمر بما يرمي إليه من اعتقاد .

ذلك أن كثيراً من الأمور التي يعملها أهل الكتاب وغيرهم ، في مآتمهم وموالدهم ومناسباتهم ، قد سرت لكثير من المجتمعات الإسلامية ، واتخذها بعض أبناء المسلمين تقليداً عندهم ، بحكم الاختلاط لشعوب تدين بغير الإسلام ، وتسير على طقوس لم تكن من تعاليم دين الإسلام ، ولا ضمن منهجه الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ، وحرص على تحذير الأمة منه ، في مثل قوله الكريم خالفوا اليهود ، عندما رآهم يصومون يوم عاشوراء ، فأمر بصوم يوم قبله أو يوم بعده لمخالفتهم ، كما أمر بالصلاة في النعال ، إذا تأكد الإنسان من طهارتها ، مخالفة لليهود .

وما اتخاذ الشموع في المعابد والمناسبات ، وما يتصدر الولائم من شموع مثلثة ، إلا منهج يرمز لمعتقد لدى أصحاب تلك الديانات ، هو من المخالفات لما تدعو إليه تعاليم الإسلام : سلامة في العقيدة وتعلقا بالقلب إذ الشموع تعني قداسة دينة ، ترتبط بوجدانيات عقدية مستمدة من دلالة النور والظلمة لدى

(الجزء رقم : 38، الصفحة رقم: 253)

الديانة المنوية القديمة ، المرتبطة بالزرادشتية .

أما في الإسلام فإنها تعني منفعة من المنافع كجزء من مخلوقات الله المسخرة للانتفاع ومصلحة الإنسان في حياته ، لأن الإنسان لا يقدسه إلا عمله الصالح .

والنصارى عند الساعة الثانية عشرة ، من ليلة رأس السنة الميلادية يقومون بإطفاء شمعة ترمز للسنة الماضية المنتهية وإشعال شمعة جديدة تمثل السنة الجديدة ، والتي أقبلت بعد إطفاء الماضية ، ويتبع ذلك إطفاء الأنوار في الفترة بين الحالتين .

وأساس هذا الاعتقاد ، كما لوحظ في واحدة من كبريات كنائسهم ، ذات الشهرة أن ما يعتقدونه قبراً لعيسى عليه السلام ، يكون فيه شخص مختف ، وعند إطفاء الأنوار في الساعة الثانية عشرة ، حيث يصبح ما حول هذا الموقع في ظلام دامس ، وبحركة تمثيلية لا يدريها المحيطون بالمكان ، يفتح ذلك المختفي شباكين في غرفة القبر ، يميناً وشمالاً ، ليضيء شمعة بحركة خاطفة يبتهج لها من في هذا المكان ، لأنه قد وقر بأذهانهم ، حسب المعتقد الذي يرسخه أحبارهم ورهبانهم ، بأن المزعوم يقوم من قبره في تلك اللحظة ، ليسلم عليهم ، ويشملهم بغفرانه عن خطايا السنة الماضية ، ويبارك لهم سنتهم الجديدة ، وهذا يرتبط باعتقادهم أن يسوع قدم نفسه فداء للبشرية ولخلاصها .



(الجزء رقم : 38، الصفحة رقم: 254)

ولذا فإن كثيرين ممن يرون نور الشمعة التمثيلي يغمى عليهم ، لما علق بأذهانهم من أمور تأصلت جذورها منذ الصغر ، خاصة وأن تقليد إطفاء الأنوار ، وإضاءة شمعة سرى أثره في البيوت وتعود عليه الصغار عقيدة وترسيخاً .

ولكي يكون المسلم بعيداً عن هذه المعتقدات ، ولو قال عن نفسه إنني لا أرمي لما يرمون إليه فإنه مدعو لنبذ كل خصلة ليس عليها توجيه رسالة الإسلام ، ولا خاتم تعاليمه ، ومأمور بنبذ كل أمر يرمز لتوجيه عقدي لدى الأمم الأخرى ، سواء أحاط المرء بما يرمون إليه ، أو لم يحط به ، لأن من تشبه بقوم فهو منهم ، حيث جاء في حديث الذبابة أن رجلاً قيل له : قرّب ، قال ماذا أقرب ؟ - أي ليس عندي شيء أقربه - قيل : قرب ولو ذباباً ، فقرب ذباباً ، فدخل النار .

وارتياح القلب لأي أمر هو من معتقد الأمم المناوئة لمبادئ الإسلام والمخالف لما يدعو إليه يدخل في حكم الرضا ، والتقريب القليل ، وهو من المحادة لله ، وهذا من اطمئنان القلب لما يعتقده المحادون لله ، والركون إليه من الإحداث في الدين الذي اعتبره رسول الله صلى الله عليه وسلم مردوداً على صاحبه عندما قال : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد .

والمسلم لكي يستبرئ لدينه ، عليه أن يحذر ما فيه شبهة

(الجزء رقم : 38، الصفحة رقم: 255)

ويكون الانتباه والحذر أشد عندما يكون الأمر عليه دلاله واضحة من معتقد ، وفيه رمز للولاء والاتباع ، ألم يقل سبحانه : قال بعض العلماء ومن الموادة راحة القلب بما يفعله المحادون لله ولرسوله .


يوم عاشوراء - حكم الاكتحال ليوم عاشوراء

أسباب انحراف المبتدعة

: أسباب انحراف المبتدعة .

يتعلق المبتدعون بحجج أوهى من بيت العنكبوت ؛ إذ يتعلقون في الاستدلال بأدلة يستدلون بها على خصوصات مسائلهم ، وهذه الأدلة قد تكون قطعية الثبوت قطعية الدلالة ولكنهم يحرفونها عن مواضعها ، وقد تكون هذه الأدلة أحاديث ضعيفة أو موضوعة ، وقد يتعلقون بآثار لا أصل لها ، كما أن بعضهم يكون الوازع له على هذا هو اتباع الظن والهوى

(الجزء رقم : 14، الصفحة رقم: 186)

والتشهي ؛ فلهذا وقعوا فيما وقعوا فيه من انحراف عن صراط الله السوي فاستحقوا غضب الله والبعد عن مرضاته وسنتحدث بإيجاز عن أهم الأسباب التي جعلت هؤلاء المبتدعة يحيدون عن الجادة :

1 - اعتمادهم على الأحاديث الواهية الضعيفة والمكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي لا يقبلها أهل صناعة الحديث في البناء عليها . كحديث الاكتحال يوم عاشوراء وإكرام الديك الأبيض وأكل الباذنجان بنية ( معينة ) . وأن النبي صلى الله عليه وسلم تواجد واهتز عند السماع حتى سقط الرداء عن منكبيه . وما أشبه ذلك فإن أمثال هذه الأحاديث- على ما هو معلوم- لم ينقل الأخذ بشيء منها عمن يعتد به في طريقة العلم ولا طريقة السلوك ، ومعلوم أيضا أن الأحاديث الضعيفة الواهية الإسناد لا يغلب على الظن أن النبي صلى الله عليه وسلم قالها ، فلا يمكن أن يسند إليها حكم ، فما الظن بالأحاديث المعروفة الكذب ، فالذي حمل هؤلاء المبتدعة على العمل بها هو اتباع الهوى ، أو الجهل بالشريعة وأصولها .

2 - اعتمادهم على تحكيم عقولهم والسير على قواعد قعدوها مما حملهم على رد أحاديث صحيحة ؛ لأنها غير موافقة لأغراضهم ومذهبهم فيجب ردها ، كالمنكرين لعذاب القبر والصراط والميزان ورؤية الله عز وجل في الآخرة ، وكذلك حديث الذباب إذا وقع في الإناء وأن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء .

وحديث المبطون الذي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أخاه بأن يسقيه العسل . وما أشبه ذلك من الأحاديث الصحيحة المنقولة نقل العدول .

وربما قدحوا في الرواة من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم وكذا من اتفق الأئمة من المحدثين على عدالتهم وإمامتهم ، كل ذلك ليردوا به

(الجزء رقم : 14، الصفحة رقم: 187)

على من خالفهم في المذهب حتى بلغ بهم الأمر أن جعلوا القول بإثبات الصراط والميزان والحوض قولا بما لا يعقل وقد سئل بعضهم : هل يكفر من قال برؤية الباري في الآخرة فقال : لا يكفر ؛ لأنه قال ما لا يعقل ، ومن قال ما لا يعقل فليس بكافر .

كل هذا إمعانا منهم في الضلالة حيث ردوا ما صح من النصوص وحرفوا ما لم يوافق مذاهبهم الباطلة ظلما وعدوانا .

3 - قولهم في القرآن والسنة بالخرص والتخمين مع جهلهم بعلم العربية الذي يفهم به عن الله ورسوله ، فيفتاتون على الشريعة بما فهموا ويدينون به ويخالفون الراسخين في العلم .

وإنما فعلوا هذا من جهة تحسين الظن بأنفسهم واعتقادهم أنهم من أهل الاجتهاد والاستنباط وليسوا كذلك . كقول بعضهم في قوله سبحانه : أي : ألقينا فيها . كأنه عندهم من قول العرب : ( ذرته الريح ) وذلك لا يجوز لأن ( ذرأنا ) مهموز و( ذرته ) غير مهموز .

ومثل قول ابن عربي في تفسير قوله تعالى : قال ما نصه : واذكر اسم ربك الذي هو أنت أي : اعرف نفسك ولا تنسها فينساك الله . . إلخ وهذا التفسير مبني على اعتقاده من القول بوحدة الوجود . ومثل هذا تفسير بعض الشيعة : ( الجبت والطاغوت ) بأبي بكر وعمر . قاتلهم الله أني يؤفكون على هذا التأويل المنحرف .



(الجزء رقم : 14، الصفحة رقم: 18

فمثل هذه الاستدلالات لا يعبأ بها ولا يعد خلاف قائليها خلافا وما استدلوا عليه من الأحكام الفرعية أو الأصولية فهو عين البدعة ؛ إذ هو خروج عن طريقة كلام العرب إلى اتباع الهوى ، وصدق عمر رضي الله عنه حين قال : ( إنما هذا القرآن كلام فضعوه مواضعه ولا تتبعوا به أهواءكم ) .

أي : فضعوه على مواضع الكلام ولا تخرجوه عن ذلك فإنه خروج عن الطريق المستقيم إلى اتباع الهوى .

4 - الانحراف عن الأصول الواضحة إلى اتباع المتشابهات والأخذ بها تأويلا كما أخبر سبحانه في كتابه : .

والذي عليه العلماء أن كل دليل فيه اشتباه وإشكال ليس بدليل في الحقيقة حتى يتبين معناه ويظهر المراد منه . ويشترط في ذلك ألا يعارضه أصل قطعي . فإذا لم يظهر معناه لإجمال أو اشتراك أو عارضه قطعي . فليس بدليل لأن حقيقة الدليل أن يكون ظاهرا في نفسه ودالا على غيره . وإلا احتيج إلى دليل . فإن دل الدليل على عدم صحته فأحرى ألا يكون دليلا .

ومن أمثلة هذا زعم المعتزلة أن القرآن مخلوق ؛ لأن الكلام لا يتصل إلا بأصوات وحروف ، وكل ذلك من صفات المحدثات ، والباري تنزه عنها ؛ ولهذا اضطروا لتأويل مثل قوله تعالى : ولأن الله يقول : والقرآن شيء فتشمله

(الجزء رقم : 14، الصفحة رقم: 189)

الآية ، فهو إذا مخلوق وهذا المسلك منهم أخذ بالمتشابهات لأنهم قاسوا الخالق على المخلوق ونسوا أن بينهما فرقا عظيما لقوله سبحانه : لأن لله سبحانه صفات قائمة بذاته تليق بجلاله وعظمته لا تشبه صفات المخلوقين كما أن له أفعالا تليق به تختلف عن أفعال عباده .

فهذا التأويل إخراج لهذه النصوص عن حقائق معانيها التي نزل القرآن بها وهو خروج عن أم الكتاب إلى ما تشابه منه .

وبعد ، فهذه بعض المزالق التي تردى فيها المبتدعة ومن سلك سبيلهم من الأتباع وكانوا يظنون أنهم على شيء من الحق وهم أبعد ما يكونون عنه ؛ لأنهم اتبعوا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ، كما حكَّموا العقول ، والعقول لا تستقل بمعرفة مصالح العباد بغير الشرع ، كما حكموا الهوى والهوى يعمي أصحابه .


http://www.alifta.net/Fatawa/AshoraaFatawa.aspx المصدر