أوصاف المحدثين ونقلة العلم والأخبار

وأخبرنا أبو الحسن أحمد قال: أخبرنا عبد الباقي قال: حدثنا إسماعيل بن الفضل قال: حدثنا عبد الوهاب بن نجدة قال: حدثنا خالد بن عمرو بن سعيد، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي قبيل، عن عبد الله بن عمرو وأبي هريرة قالا: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين ) .


وهذا أول حديث في الشريعة رواه الآجري عن الفريابي، عن قتيبة بن سعيد، عن سعيد بن عبد الجبار الحمصي، عن معان بن رفاعة السلامي، عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري، عن النبي -عليه الصلاة والسلام- وذكره. قال مُهنا: سألت أحمد بن حنبل -رضي الله عنه- عن حديث معان بن رفاعة وقلت: كأنه كلام موضوع قال: لا، هو صحيح، ومعان لا بأس به.


***********************

نعم. هذا الحديث وهو قوله -عليه الصلاة والسلام-: ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين ) هذا يقول المؤلف -رحمه الله- هذا نقله من كتاب الشريعة للآجري قال: هذا أول حديث في كتاب الشريعة للآجري، رواه الآجري عن الفريابي عن قتيبة بن سعيد عن سعيد بن عبد الجبار الحمصي عن معان بن رفاعة السلامي عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا مرسل مرسل؛ لأن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري ليس صحابيا فيكون مرسل والمرسل ضعيف.

ولهذا فإن هذا الحديث ضعفه بعض أهل العلم؛ كما ذكر المحققون والمخرجون لهذا الحديث، ومن ذلك الشيخ الدكتور عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر ذكر تخريج هذا الحديث، وأنه رواه البزار في كشف الخفاء والعقيلي في الضعفاء وابن عبد البر كلهم من طريق خالد بن عمرو وقال البزار: خالد بن عمرو هذا منكر الحديث، والحديث له طرق أيضا ذكرها العلماء في الكامل، وفي الضعفاء وفي شرف أصحاب الحديث للخطيب البغدادي.

والحديث له طرق متعددة، وهذا الحديث الذي ذكره نقله عن الآجري حديث مرسل والمرسل ضعيف، لكن له طرق أخرى متصلة؛ ولهذا قال مُهنا، سأل الإمام أحمد -رحمه الله- عن حديث معان بن رفاعة، قال له: كأنه كلام موضوع فقال الإمام أحمد قال: لا، هو صحيح ومعان لا بأس به، معان بن رفاعة.

معان بن رفاعة منهم من ضعفه، الإمام أحمد يقول لا بأس به وصحح الحديث. والحديث جمع طرقه العلامة ابن القيم -رحمه الله- في كتابه مفتاح دار السعادة في فصل وأطال وقال: هذا الحديث له طرق عديدة وذكر ما يقرب من عشرة طرق، وقال بعض المحققين: إن الحديث وإن كان له طرق متعددة إلا أن كلها ضعيفة لا يثبت منها شيء، وقال البُلْقِيني: الحديث لم يصح، ولكن الإمام أحمد صححه كما ترون، والعلامة ابن القيم أيضا كذلك صححه وقال: إنه صحيح وذكر له طرق متعددة، والحديث روي مرسلا وروي مرفوعا، وابن القيم -رحمه الله- اعتمده، وهو أيضا من المحققين ومن أهل الحديث؛ فاعتمده وكذلك الإمام أحمد صححه.
وإن كان كثير من المحققين والمؤلفين ضعفوا الحديث فيكون الحديث مختلفا في تصحيحه وتضعيفه، والصواب مع من ضعفه، لأن الإمام أحمد إمام أهل السنة والجماعة وهو من المتوسطين في التجريح والتعديل.

الإمام أحمد والإمام البخاري من المتوسطين والإمام ابن القيم -رحمه الله- صححه وقال: إن هذا الحديث له معاني عظيمة، وهو دليل على تزكية أهل الحديث، نقلة الحديث وأن نقاد الحديث ونقلة السنة عدول بنص حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الرسول -صلى الله عليه وسلم- عدلهم في هذا الحديث. دل على أن نقلة الأحاديث ورواة الأخبار كلهم عدول بنص حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال -عليه الصلاة والسلام-: ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ) .

يحمل هذا العلم؛ هذا العلم الذي جاء به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- السنة، وإلا فالقرآن محفوظ القرآن محفوظ لا إشكال فيه يحفظه كل أحد، لكن السنة النبوية من الذي يحملها نقاد الحديث ونقلة الأخبار هم العدول بنص حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ) وهذا تعديل وتوثيق من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للمحدثين ونقلة الأخبار والنقاد عدلهم رسول الله قال: يحمل هذا العلم من كل خلف؛ والخلف هو الذي يأتي بعد السابق، فالسابق يسمى سلف، والذي يأتي بعده يكون خلفا.

فالخلف هو العقب الصالح الذي يأتي بعد السلف الصالح بخلاف الخلف بإسكان اللام فهو العقب الفاسد قال سبحانه وتعالى
(فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ ) هذا العقب الفاسد. أما العقب الصالح يقال له خلف فيقال: خير خلف لخير سلف.
والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ) .

هذا الحديث يقول فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين ) هذه أوصافهم أوصاف المحدثين ونقلة العلم والأخبار الذين عدلهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وزكاهم قال: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ما هي أوصافهم؟ ثلاثة أوصاف:

الوصف الأول: ينفون عنه تحريف الغالين، الغالين جمع غال والغالي هو الذي تجاوز الحد، فينفون عنه تحريف الغالين.
مثال ذلك: الخوارج الذي غلوا في النصوص وحرفوا؛ فيستدلون بالأحاديث التي جاءت، بالنصوص التي جاءت في المعاصي ويجعلونها في الكفار، كما قال أهل العلم: عمدوا إلى أحاديث نزلت في الكفار فجعلوها في عصاة المسلمين؛ فمثلا إذا قرءوا قول الله تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ) حكموا على آكل مال اليتم بالكفر قالوا: التخليد في النار.

وكذلك أيضا حديث: (إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما ) جعلوه في الكفر الأكبر ولم يجمعوا بين النصوص، وكذلك قوله تعالى ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا )قالوا: إن هذا مخلد في النار ولم ينظروا إلى الآية الأخرى: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ) فهم أهل زيغ وضلال فغلوا وعمدوا إلى بعض النصوص وجعلوها وتؤولها على غير تأويلها فأخذوا ببعض النصوص وتركوا النصوص من الجانبين.

فأهل العلم وأهل الحديث ينفون عن الحديث تحريف الغالين كالخوارج والمعتزلة والقدرية والروافض والجهمية والمعتزلة والمرجئة وغيرهم من أهل البدع، ينفون عنه تحريف الغالين ويبينون معاني النصوص، ويضعونها في مواضعها و يجمعون بين النصوص ويعملون بالنصوص من الجانبين.

الثاني: الوصف الثاني: انتحال المبطلين؛ المبطلين الذين ينتحلون النصوص ويستدلون بها على باطلهم وينتحلونها، يبينون هذا الانتحال وهذا الانتساب، وبعض المبطلين بعض الطوائف المنحرفة يأخذ بعض النصوص ويستدل بها على باطله، يحذف؛ يبتر النصوص يحذف ما قبلها وما بعدها كمن يقرأ ( فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ )
ولا يقرأ ما بعدها، فينتحل هذه النصوص ويستدل بها على باطله فالعلماء الذين عدلهم. . والمحدثون يبينون انتحال المبطلين، ويبينون معاني النصوص.

الوصف الثالث:تأويل الجاهلين: الجهال الذين ليس لهم علم ولا بصيرة ولا فقه في شريعة الله يتأولون النصوص بسبب جهلهم وقلة علمهم وقلة بصيرتهم؛ فهم يتأولونها على غير تأويلها.

فلهذه الأوصاف العظيمة زكاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وعدلهم فقال: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ) وهذه المعاني العظيمة ولأجل هذه المعاني العظيمة ولكون الحديث له طرق متعددة صححه الإمام أحمد والعلامة ابن القيم وغيرهم من أهل العلم وإن كان بعضهم قد ضعفه، نعم.

ونسأل الله التوفيق والتسديد ونسأل الله أن يرزقنا وإياكم البصيرة في دينه والعمل بشريعته، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح وصلى الله على محمد وآله وصحبه...

------------------------------
المصدر"المختار في أصول السنة" شرح الشيخ عبد العزيز الراجحي