نسف دعوى تغير الأحوال بتغير الزمان




وحدثني عن موسى عن ابن مهدي عن زياد بن مسلم عن صالح أبي الخليل قال: مر خباب بابنه وهو مع أناس يجادلون في القرآن.
فانقلب غضبان فأعد له سوطا أو خطاما أو نسعة فلما انقلب الفتى وثب عليه من غير أن يأتيه فضربه ضربا عنيفا، فلما رأى الجد من أبيه قال: قد علمت أنك إنما تريد نفسي فعلى ماذا؟ فما رد عليه شيئا فجعل يضربه فقال: يا أبت قد أرى أنك تريد نفسي فمه، قال: ألم أرك مع قوم يجادلون في القرآن، قال يا أبت إني لا أعود، فكان إذا مر بهم يدعونه قال: فيقول: لا إلا أن تقبلوا مني ما قبل أبي من نبي الله، قال فيقولون له: إنه قد كان بعد النبي صلى الله عليه وسلم أمور أو أحداث.



*****************************

يجادلون في القرآن، يجادلون في القرآن، دائما يا إخواني الآثار ما تتضح إلا إذا جمعت، والأحاديث ما تتضح إلا إذا جمعت بعضها على بعض، والآيات كذلك، قد فيه شخص مثلا يقرأ الأثر الأول: يقرأون السجدة ويبكون لماذا أنكر عليهم؟ اجمع النصوص تتضح لك وجهها، هذه قاعدة نفسية عند أهل العلم، أنك ما يتضح لك الأمر إلا أن تجمع النصوص. يقول الإمام أحمد: والله إني لأعجب ممن يقرأ الحديث من وجه واحد ويقول: فهمته، والله إنا نقرأ من ستة وجوه وسبعة وجوه حتى يظهر لنا وجهه، تكون الرواية الأخرى تفسر هذه، وهذه تفسر هذه، فهناك يقول: هم يقرأون السجدة ويبكون، هنا بين شيئا آخر وهو أنهم يجادلون في القرآن، ثم أيضا إذا أنكر عليهم عبد الله بن خباب في آخر الأثر يطلع شيء ثالث هو أخطر وأخطر، نعم، يجادلون في القرآن.

الله أكبر ما أكثر ما تسمع هذه الكلمة، لما أنكر عليهم وقال: لن أعود معكم حتى تقبلوا مني ما قبل أبي من نبي الله صلى الله عليه وسلم وهو السنة والانقياد، فلما رأوا ويأسوا أنه لن يعود معهم قالوا: إنه قد حدثت بعد النبي صلى الله عليه وسلم أمور وأحداث، تغير الواقع وتغيرت الأشياء والناس تغيروا، فنحتاج أن نغير، ما أكثر ما يحتج بين الناس هذا، كل ما قال لهم الصالحون مثلا، أو من أنكر عليهم شيئا: يا إخواني هدي محمد أفضل، هدي رسول الله أكمل، هدي الصحابة أكمل، قالوا: تغير الوضع حدثت بعد النبي صلى الله عليه وسلم أمور وأحداث، تغير الشيء، تقول مثلا: لا تطل خطبة الجمعة، هدي النبي صلى الله عليه وسلم ما تطيل، لا تقصر التقصير المخل ولا التطويل الممل، وإنما كانت خطبته قصدا وصلاته قصدا بقدر ما ينفع الناس، فقالوا: في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان الذكر كثير وكذا، الآن الناس عندهم ملهيات لا بد أن نطيل، تغير الوضع، سبحان الله. وهذا الشيء يعود على قصدهم بالبطلان، والإطالة ما تؤدي إلى فائدة، تؤدي إلى النسيان، العكس، وهكذا قس. يقولون: تغير إنه حدثت بعد النبي صلى الله عليه وسلم أمور وأحداث. فانتبهوا، حدثت أشياء في الدنيا، أما الدين هو الدين الذي أصلح أول الأمة هو اللي يصلح آخرها.

فيه من الفوائد:

أولا: إنكار خباب رضي الله عنه على ابنه وإنكاره هنا باليد لأنه له ولاية على ابنه، ضربه ضربا عنيفا.

وفيه من الفوائد: طهارة قلوب الصحابة وأبنائهم، واستسلامهم للنصوص، لما وعظه أبوه انتهى مباشرة، وأمرهم أن يقبلوا منه ما قبل أبوه من النبي صلى الله عليه وسلم وهو السنة والانقياد " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ".

وفيه من الفوائد ما ذكره العوام بن حوشب من السلف قال: لأن أرى ابني عيسى مع أصحاب البرابط - يعني العود والموسيقى والأشربة والباطل - أحب إلي من أن أراه مع أهل الأهواء الذين يخاصمون في القرآن ويجادلون، وإن كان هؤلاء واضحي الفسق وهؤلاء يتزيون بزي أهل الديانة، وهم أهل أهواء وأهل بدع ومحدثات. يقول: ابني أنا أتمنى أن يكون مع أهل السنة ومع العلماء، لكن لو خيرت بأن يكون مع فساق أو مع أشخاص مثل هذا الصنف يعني يجادلون في القرآن ويخاصمون ويبتدعون، أحب إلي أن يكون مع الفساق لأن الفاسق يدري أنه مخطئ لا يغير الشرع.

وفيه من الفوائد: حجة المبتدعة قديما وحديثا، الذين يبتدعون يقولون: إنه حدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم أمور وأحداث، هذه قالوها للصحابي في عهد الصحابة، حدثت بعد النبي صلى الله عليه وسلم أمور وأحداث تغير الوضع تغير الواقع، مع أن الله عز وجل يقول: ( ما فرطنا في الكتاب من شيء) .

بقال: بل يكثر، فلما قاموا قالوا: للحذيفة هل عمر يعرف من الباب؟ قال: نعم ، إني حدثته حديث ليس في الأغلاط، فقالوا: من الباب؟ قالوا: عمر، عمر نفسه هو الباب الذي بين أمة محمد وبين الفتن، فكان عمر يخشى من الفتن، فسمع، كتب عامل له، إن عندنا قوم يستمعون ( استماعا يعني: مخترع مبتدع ) ويفعلون أشياء من التسبيح، ثم يدعون المسلمين للأمير فخشي عمر أن يكون هذا البداية.

الفائدة الثانية: أن بداية البدع تكون صغيرة، وفعلا فراسة عمر صدقت، هؤلاء الذين قاتلوا في النهروان بدءوا بالاستماع بالمساجد على شكل حلقات ذكر، ثم انتهى أمرهم إلى القتال في النهروان، كما تقدم في الأثر، فراسة عمر صدقت - رضي الله عنه - فكان يخشى أنهم هم، فقال: أقبل وأقبل الذين معك، فلما دخلوا كان مجهز الأسواط فضرب أميرهم، فقالوا: يا المؤمنين لسنا الذين تعني لسنا من الخوارج الذين تخاف، هو عرف قصده، أولئك قوم يأتون من قبل المشرق، يعني: كان هؤلاء كانوا في الجزيرة وفي الحجاز ليسوا بجهة العراق، وعمر خشي من هذا. نعم.

-----------------------------------

"التحذير من البدع" شرح الشيخ عبد الرحمن بن ناصر الحجي