ابحث في شبكة الإمام الآجري ابحث في المواقع السلفية

شكر شكر:  0
النتائج 1 إلى 1 من 1
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    الدولة
    الجزائر
    المشاركات
    1,594

    أنواع النهي / شرح الشيخ العثيمين

    أنواع النهي


    بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد خاتم النبيين، وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد: فهذا هو الدرس الثالث الذي يتم في الدورة العلمية بمدينة الرياض بجامع شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله -وهذا هو يوم الأحد الثامن من شهر ربيع الأول عام سبعة عشر وأربعمائة وألف، وقبل البدء في الكلام على القواعد- أود أن أعطي أمثلة على التلاميذ، ثم بعد ذلك يقرأ أحد الطلبة ما يمكن أن نشرحه.

    بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد: قال المؤلف -حفظه الله تعالى-:
    ومـا نهـي عنـه مـن التعبـد أو غــيره أفســده لا تـردد
    فكل نهــي عــاد للــذوات أو للشــروط مفسـدا سـياتي
    وأن يعــد لخـارج كالعمــة فلـن يضـير فـافهمن العلـة
    والأصل فـي الأشياء حل وامنع عبــادة إلا بــإذن الشـارع
    فـإن يقـع في الحكم شك فارجع للأصـل فـي النوعيـن ثم اتبع
    والأصـل أن الأمـر والنهي حتم إلا إذا النـدب أو الكـره علـم


    *********************************

    س: كفاية.. ... .. فهاتان قاعدتان: الأولى يجب أن يفعل الإنسان من المأمور ما استطاع، فأين الدليل على هذه القاعدة من القرآن والسنة ؟. يجيب عن هذا أحد الطلاب.
    ج: قال الله تعالى...
    س: طيب، وهل يمكن أن تأتينا بمثال يحقق تلك القاعدة ؟.
    ج: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( صل قائما، فإن لم تستطع، فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب ) .
    س: القاعدة الثانية من هذا البيت: اجتنب الكل من المحظور، هل يمكن أن تأتي بدليل من الكتاب والسنة على ذلك ؟. : هذه من السنة، ومن القرآن؟
    ج: من القرآن: (َاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) لا هذا في الأمر. (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا )هذا أيضا في الأمر، أنا لم أذكره في هذا الدرس، لكنه يؤخذ من قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )
    الأمر بالاجتناب هنا أمر باجتناب أي جزء من أجزاء الخمر قل أو كثر؛ ولأن هذا الدليل عملي.
    الدليل النظري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- والواجب اجتناب المسألة كلها قلت أو كثرت.
    س: طيب السؤال الثاني، هل يلزم الشرط قبل العلم ؟.
    ج: لا يلزم الشرط قبل العلم،لا يلزم الدليل:(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ )(وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا )(وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ )
    س: طيب هل هناك من السنة دليل على هذا؟.
    ج: الدليل من السنة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يأمر بإعادة الصلوات السابقة.
    س: طيب لو قال قائل: لماذا أمره بإعادة الصلاة الحاضرة؟. أعد يا شيخ، أقول: لو قال قائل: لماذا أمره بإعادة الصلاة السابقة؟.
    ج: يا شيخ... لأن الوقت حاضر... أي نعم. هو ذات الوقت الحاضر... وكان بالدليل، ثم قلنا أو استثنينا باب الحال...
    س: ما معنى الحال الذي استثنيناه؟.
    إذا فرط، بماذا؟
    ج: بالتعلم. هذا مستثنى محل نظر.
    ما معنى قولك محل نظر؟
    يعني خلاف. يعني ينظر فيه، إن كان الدليل قويا، فإننا نقول: بالإعادة على حسب حاله، يعني.
    طيب. ما هي القاعدة في اتباع المحظور؟.
    ج: يباح المحظور للضرورة إذا لم يمكن دفع الضرر ما هو الدليل على إباحة المحظور للضرورة؟ (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ )
    س: اشترطنا في إباحة المحرم للضرورة شرطين فما هما؟.
    ج: الشرط الأول: ألا يدفع ضرره أو ضرورته إلا به. والثاني؟. والثاني أن يعلم جازما أن هذا مما يدفع الضرورة.
    س: طيب لو اضطر الإنسان إلى دواء، فهل يباح له استخدام المحرم، الدواء المحرم؟.
    ج: لا يجوز لحديث: ( إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم ) .
    وأيضا اشترطنا ألا تندفع الضرورة بغيره أليس كذلك؟. بلى.
    الدواء قد تندفع بغيره، قد يشفى بدواء آخر أو يشفى بغير دواء. نعم. أليس كذلك؟ ما فهمت السؤال؟.
    ألا يمكن أن يشفى بغير دواء؟.
    ج: نعم.
    : طيب. ثم لا نتيقن شفاءه بهذا المحرم؛ لأنه قد يتناول الإنسان الدواء، ولا يستفيد.
    س: طيب، الآن ما الذي يبيح المكروه؟.
    ح:الذي يبيح المكروه هو الحاجة.
    س: ما الفرق بين الحاجة والضرورة؟.
    ج: الحاجة تتعلق بالحاجيات هي دون الضرورة.
    نعم. والضرورة هي التي يلحقه الضرر بعدمها بعدم فعلها.
    نعم بارك الله فيك.
    نبدأ الآن الدرس الجديد مستعينين بالله -عز وجل- سائلين الله تعالى القبول.
    قال الناظم وفقه الله:
    وما نهي عنه من التعبد أو غيره أفسده لا تردد

    ما اسم موصول مبتدأ، وجملة: أفسده خبر الموصول، والمعنى أن ما ينهى عنه من العبادة إذا فعله إنسان وقع فاسدا، وكذلك ما نهى عنه من غير العبادة إذا وقع على الوجه الذي نهي عنه فإنه يقع فاسدا هذه قاعدة.

    دليل ذلك قول: النبي -صلى الله عليه وسلم- ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو فاسد وإن كان مائة شرط، يعني ولو اشترط مائة مرة. مثال ذلك من العبادات الصلاة قال النبي -صلى الله عليه وسلم- (لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب )
    فلو أن إنسانا صلى صلاة منهيا عنها في هذا الوقت فإنها تكون باطلة غير مقبولة؛ لأنها منهي عنها، وثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه نهى عن صوم يومي العيدين، فلو صام إنسان يوم عيد الفطر أو يوم عيد الأضحى، فصومه باطل؛ لأنه فعل عبادة منهيا عنها.

    أما في المعاملات فلو باع الإنسان الذي صلى يوم الجمعة بيعا بعد نداء الجمعة الثاني وقع هذا البيع فاسدا؛ لأنه بيع منهي عنه، ولو باع أبيضا لمن يلعب به القمار كان البيع فاسدا؛ وذلك لأنه بيع منهي عنه لقوله تعالى: (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ )
    فيقع فاسدا ولو اشترى الإنسان على شراء أخيه فإن الشراء يكون فاسدا؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال (لا يبع بعضكم على بيع بعض ).

    ولو تزوج الإنسان بعقد شغار كان العقد فاسدا؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الشغار والأمثلة على هذا كثيرة، وقوله: أفسده لا تردد. أي: لا تردد بإفساده؛ وذلك أننا لو صححناه لكان ذلك مضادا لله -عز وجل- ولرسوله؛ لأن ما نهي عنه شرعا، فالمفروض عدمه شرعا، فإذا قدر أن صححناه فهذا يعني إثباته، وإثباته مضادة لله ولرسوله.

    ثم ذكر الناظم كل ما نهي عنه واقتضى النهي فيه الفساد. فقال:

    فكـل نهـي عـاد للذوات أو للشروط مفسدا سياتي

    كل: مبتدأ، وقوله: سياتي خبرها، ومفسدا حال للفاعل "يأتي". والمعنى أن كل نهي عاد لذات المنهي عنه فإنه يكون مفسدا، وهذا البيت كالبيان للبيت الذي قبله، وذلك أن النهي إما أن يعود إلى ذات الشيء أو إلى شرطه أو إلى أمر خارج. والذي يظهر الفساد هو ما عاد النهي فيه لذات المنهي عنه أو إلى شرطه.

    مثال العائد إلى ذات المنهي عنه البيع بعد نداء الجمعة الثاني ممن تلزمه الجمعة. هذا عائد إلى ذات البيت، وإن كانت العلة فيه هي خوف التوصل بذلك إلى ترك ما يجب من حضور الجمعة، ومثال ما عاد إلى الشرط نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن بيع الغرر، فإن النهي عن بيع الغرر عائد إلى شرط البيع، وهو العلم إذ إن من شرط البيع أن يكون الثمن معلوما، وأن يكون المبيع معلوما؛ لأن جهالتهما أي جهالة المبيع أو جهالة الثمن تؤدي إلى النزاع، ثم العداوة والبغضاء، والدين الإسلامي لا يريد من أهله إلا أن يكونوا أحباء متعارفين متوافقين، وكل شيء يهدم هذا الأصل الأصيل في الدين الإسلامي، فإنه يكون منهيا عنه.

    ومثل العلماء لما عاد للشروط أيضا في رجل صلى في ثوب محرم عليه، مثل أن يصلي في ثوب حرير مع تحريمه، فإن صلاته لا تصح؛ وعللوا ذلك بأن ستر العورة شرط في صحة الصلاة، ويشترط لذلك الشرط أن يكون مباحا، فإن كان محرما، فإن الصلاة لا تصح؛ لأن النهي يعود إلى شرط العبادة، ثم قال: الناظم:

    • وإن يعـد لخـارج كالعِمّـَةِ فلـن يضـير فـافهمن العلة
    يقول: إن عاد النهي إلى أمر خارج، فإنه لا يجوز كالعمة، يعني كالعمامة، أي: أن المصلي لو لبس عمامة محرمة كأن يلبس عمامة حرير، ويصلي فإن صلاته صحيحة؛ لأن هذا النهي لا يعود إلى ذات العبادة إذ ليس في شرط الصلاة أن يعتم الإنسان، ومثل ذلك لو صلى، وبيده خاتم ذهب، وهو رجل فإن صلاته تكون صحيحة؛ لأن هذا الذي لبسه لا يعود إلى ذات العبادة، أي إلى ذات الصلاة ولا إلى تركها، وإنما يعود إلى أمر خارج.

    ومما نهي عنه، وهو لا يعود إلى شرط العبادة، ثم... نعم، ومما نهي عنه، وهو لا يعود إلى ذات الشيء ولا إلى شرطه في المعاملات تلقي الجلب، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا تلقوا الجلب) والجلب هم الذين يأتون بالسلع إلى البلاد، وليسوا من أهل البلاد ليبيعوها، وينصرفوا فقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن تلقيهم؛ لأن في تلقيهم ضررين: الضرر الأول: أنهم ربما يشترون من الجلب برخص فيقع الغبن، والضرر الثاني أنهم يحرمون أهل البلد مما يحصل من وراء المعاملات مع هؤلاء الجلب. هذا النهي لا يفسد البيع، يعني لو أن رجلا تلقى الجلب، واشترى منه، فإن البيع يقع صحيحا مع تحريم التلقي؛ وذلك لأن هذا المشترى لا يعود إلى نفي البيع ولا إلى شرطه.

    ودليل صحته قول: النبي -صلى الله عليه وسلم-(فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار) يعني إذا أتى البائع السوق، ورأى أنه مغبون فله الخيار.
    ومن ذلك أي ما لا يعود إلى شرط الشيء ولا إلى ذاته تصرية لبن في ضرع بهيمة زمعاء، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عنه بما في ذلك من التدليس على المشتري، ولكن لو أن البائع لو أن الإنسان باع شاة مصراة أو بعيرا مصراة، ثم ظهر المشتري على هذا التدليس، فإن له الخيار.

    وخلاصة هذه القاعدة أن كل منهي عنه إذا فعله فهو فاسد إن عاد النهي إلى ذات المنهي عنه أو إلى شرطه، أما إذا عاد إلى أمر خارج فإنه لا يفسد، لكن يكون الفاعل آثما لوقوع النهي.

    قال الناظم:

    وأن يعــد لخــارج كالعمــة فلـن يضـير فـافهمن العلـة

    أي لم يضير من حيث الصحة والفساد

    "فافهمن العلة": والعلة هي ما أشرنا إليه من قبل أن هذا يعود إلى أمر خارج لا إلى ذات الشيء، ولا إلى شرطه.

    الأصل في الأشياء الإباحة إلا العبادة

    ثم قال الناظم: قاعدة مفيدة مهمة جدا قال:

    والأصل في الأشياء حل و امنع عبــادة إلا بــإذن الشـارع

    له:" والأصل في الأشياء" هذا يعم الأعيان والمنافع والمعاملات والأفعال، وكل شيء الأصل فيه الحل الأعيان إذا وجد الإنسان شجرا في البر فالأصل فيه الحل فليأكله ما لم يتيقن أنه من المهلكات، مثل: أن يكون شجرا ضارا، إذا وجد الإنسان طيرا أو زاحفا في البر فالأصل أنه حلال، يحل أكله ما لم يقم الدليل على تحريمه.


    كذلك الأصل في المنافع أن الإنسان ينتفع بكل ما خلق الله في الأرض ما لم يكن الانتفاع حراما، وكذلك الأعمال الأصل فيها الحل إذا لم تكن عبادة، فأي معاملة عامل بها الإنسان غيره، فهي معاملة صحيحة ما لم يقم الدليل على تحريمها. دليل ذلك في الأعيان والمنافع قول الله -تبارك وتعالى-: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) فعمم وأكد التعميم، قال: "ما في الأرض" وهذه اسم موصول تفيد العموم، ثم أكد هذا العموم بقوله: "جمعيا".

    ودليل المعاملات قوله -تبارك وتعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) فأمر الله بالوفاء بالعقود على أي وجه أخذت، وبأي معاملة كانت ما لم يثبت تحريمه، وكذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ما كانت من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ) فدل على أن ما كان في كتاب الله أي ما كان موافقا لكتاب الله فإنه غير باطل، وكذلك روي عنه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال: (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا ) وأمثال ذلك من، فالأدلة الأصل في الأشياء كلها الأعيان المنافع والأعمال وغيرها الأصل فيها أنها حلال لا إثم فيها
    قال: الناظم

    وامنع عبادة إلا بإذن الشارع

    العبادات الأصل فيها المنع إلا بإذن الله. دليل ذلك أن الله أنكر على الذين يقولون: هذا حلال وهذا حرام إلا بإذن الله، وأنكر على الذين يشرعون أو يتبعون الشرائع التي لم يأذن الله بها فقال عز وجل: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ (وأبطل النبي -صلى الله عليه وسلم- كل ما أحدثه الإنسان من من العبادات في دين الله فقال -صلى الله عليه وسلم-: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) فلو أن إنسانا تعبد لله تعالى بعبادة لم يشرعها الله كانت العبادة باطلة، سواء كانت لم تشرع من أصلها، أو شرعت على وجه آخر، وأثبت هو لها سببا غير ثابت شرعا، فإنها مردودة عليه، فلو أن إنسانا فعل عبادة بسبب لم يجعله الله ورسوله سببا لها كان مبتدعا، ومن ذلك ما يفعل في هذا الشهر شهر ربيع الأول من الاحتفال بمولد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.

    فإن الاحتفال بالمولد إنما يحمل عليه محبة النبي -صلى الله عليه وسلم- عند من احتفل به أو مضاهاة النصارى الذين يحتفلون بمولد المسيح عيسى ابن مريم -عليه الصلاة والسلام- أو لأسباب أخرى، لكن غالبهم إنما يحملهم عليه محبة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وذكرى ولادته كما زعموا، وهذه البدعة ليست معروفة لا في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا في عهد الخلفاء الراشدين، ولا في عهد الصحابة، ولا في عهد التابعين ولا في عهد تابعي التابعين. وإنما أحدثت في القرن الرابع من الهجرة، وقد ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه حذر من محدثات الأمور، فقال: (إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة ) (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ) وأبطل النبي -صلى الله عليه وسلم- كل ما أحدثه الإنسان من من العبادات في دين الله فقال -صلى الله عليه وسلم-: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) فلو أن إنسانا تعبد لله تعالى بعبادة لم يشرعها الله كانت العبادة باطلة، سواء كانت لم تشرع من أصلها، أو شرعت على وجه آخر، وأثبت هو لها سببا غير ثابت شرعا، فإنها مردودة عليه، فلو أن إنسانا فعل عبادة بسبب لم يجعله الله ورسوله سببا لها كان مبتدعا، ومن ذلك ما يفعل في هذا الشهر شهر ربيع الأول من الاحتفال بمولد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم.


    فإن الاحتفال بالمولد إنما يحمل عليه محبة النبي -صلى الله عليه وسلم- عند من احتفل به أو مضاهاة النصارى الذين يحتفلون بمولد المسيح عيسى ابن مريم -عليه الصلاة والسلام- أو لأسباب أخرى، لكن غالبهم إنما يحملهم عليه محبة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وذكرى ولادته كما زعموا، وهذه البدعة ليست معروفة لا في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا في عهد الخلفاء الراشدين، ولا في عهد الصحابة، ولا في عهد التابعين ولا في عهد تابعي التابعين. وإنما أحدثت في القرن الرابع من الهجرة، وقد ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه حذر من محدثات الأمور، فقال: (إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة ).



    فإن قال قائل: أنا لا أحدث ذلك إلا محبة لرسول -صلى الله عليه وسلم- الجواب عن هذا من وجهين:


    الوجه الأول: أن من علامة المحبة، وهو أصدق علاماتها أن يكون المحب متبعا لمن أحبه قال الله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ).


    وإذا كان هذا أصدق علامات المحبة فاتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك أن لا يقيم هذه البدعة؛ لأنه لم يقمها -عليه الصلاة والسلام-. فحقيقة الاتباع أن لا نأتي بشيء لم يفعله، فإننا يعني نقول: إنك لست أشد محبة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- من خلفائه وأصحابه، ولا يمكن لأحد أن أنه يحب الرسول -عليه الصلاة والسلام- أعظم مما يحبه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم من الصحابة والتابعين، فهؤلاء كلهم لم يفعلوا ذلك؛ لأنهم يريدون أن يطبقوا حقيقة المحبة تماما، وهي أن يتبعوا الرسول -صلى الله عليه وسلم- في فعله وتركه، فكما أن فعل ما فعله الرسول -عليه الصلاة والسلام- سنة، وكذلك ترك ما ترك دون معرفة سببه سنة، وما خالف ذلك فهو بدعة، وهذه المسألة ينبغي لنا أن نتفطن لها، كلنا يعلم أن الثناء على الرسول -عليه الصلاة والسلام- على وجه لا غلو فيه محكوم إلى الله ورسوله، لكن كوننا نقيده بهذه الليلة المعينة هو من البدع على أن الاحتفال بالمولد النبوي يحدث فيه من الأغلاط والغلو المنهي عنه وغير ذلك من الأشياء ما لا يقتضيه شرع ولا عقل.


    ثم إننا نقول: بالمناسبة وإن كان هذا ليس من خصائص درسنا إنه لم يثبت تاريخيا أن ولادة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كانت في اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول، والمحققون من الكتاب يقولون: إن ولادته كانت في اليوم التاسع، وليست في اليوم الثاني عشر، وهذا مما يوحي الاحتفال بمولد الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الليلة الثانية عشر.


    نعود إلى القاعدة التي معنا: الأصل في العبادات الحظر حتى يكون دليل على الإذن، نعم الأصل في العبادات الحظر حتى يقوم دليل على الإذن بها، والأصل في غير العبادات الحل حتى يقوم دليل المنع، وهذه قاعدة مهمة ينبغي للإنسان أن تكون أمام عينه.
    ثم قال الناظم:

    فإن يقع في الحكم شك فارجع للأصـل في النوعين ثم اتبع

    يعني إذا شككت في الحكم شيء متجدد فارجع إلى الأصل، فإن كان من العبادات الأصل المنع حتى يقوم دليل على الإذن به، وإن كان من غير العبادات فالأصل الحل حتى يقوم دليل على المنع، فإذا تنازع شخصان في حل صيد صاده أحدهما، فقال أحدهما هو حرام، وقال الثاني: هو حلال ولم نجد نصا عليه بالمنع، فإنه حلال رجوعا إلى الأصل، وكذلك لو شككنا في معاملة من المعاملات هل هي حلال أو حرام، فهي حلال حتى يقوم دليل على المنع منه، وهذا الأصل ينفع فيما حدث ذلك من المعاملات في هذا العصر، فإذا شككت في معاملة ما هل هي حلال أو حرام فهي حلال، والذي يقول: إنها ممنوعة هو المطالب بالدليل بناء على ما ذكرناه من هذه القاعدة العظيمة، وهذا ينطبق في ما اختلف الناس فيه اليوم من المعاملات الحادثة التي لم تكن معروفة من قبل بين الفقهاء، فإنه يمكنك أن تنزلها على هذه القاعدة، فترجع إلى الأصل، والأصل في المعاملات هو الحل حتى يقوم دليل على المنع.

    وكذلك لو رأينا شخصا يتعبد بعبادة فإننا نطالبه بالدليل نقول: ما دليلك على أن هذا مشروع؟ فإن أتى بدليل قبلناه وعلى العين والرأس، وإن لم يأت بدليل فإننا فإن عمله مردود عليه، وهو ضلال؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (كل بدعة ضلالة)ويكون هو أي هذا العامل المتعبد لله بما لم يشرع يكون هو إلى الإثم أقرب منه إلى السلامة، وإنما قلنا: إنه إلى الإثم أقرب منه إلى السلامة؛ لأنه ربما يفعل هذا الشيء تأويلا لا عنادًا، لكن إذا بين له الحق وعاند وأصر على بدعته، فهو آثم بلا شك؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- حذر تحذيرا بالغا من المحدثات في الدين حتى كان -صلى الله عليه وسلم- يعلن ذلك في كل جمعة في الخطبة يقول: (أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة )
    حقيقة الأمر والنهي

    ثم قال الناظم:

    والأصل أن الأمر والنهي حتم إلا إذا النـدب أو الكـره علم

    الأصل الأوامر والنواهي يقول: الناظم: الأصل في الأمر أنه حتم أي أنه واجب الأصل في النهي أنه حتم، أي أنه محرم يجب اجتنابه، وهذه المسألة من أصول الفقه أي المسألة أو القاعدة من أصول الفقه، وقد اختلف الأصوليون في الأمر أن يقتضي الوجوب أو النهي، وفي النهي أن يقتضي التحريم أو الكراهة، فهذا إذا لم يوجد قرينة تحجب الأمر عن الوصول إلى النفي أو عن النفي أيضا إلى الإباحة، وكذلك النهي إذا لم يوجد قرينة تصرفه عن التحريم إلى الكراهة، أو أن الكراهة إلى الإباحة أيضا.
    وكلامنا في الأمر المجرد والنهي المجرد فقد اختلف العلماء -رحمهم الله- هل الأصل أن الأمر للوجوب أو للنفي؟ من العلماء من قال: إن الأصل الوجوب، إن الأصل في الأمر الوجوب لقول الله تعالى:(فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) فحذر الله -تعالى- المخالفين عن أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- من هاتين العقوبتين، بل من إحدى هاتين العقوبتين أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم.

    أما العذاب الأليم فواضح أي العقوبة المؤلمة في بدنه في أهله في ماله، وأما الفتنة فقال الإمام أحمد -رحمه الله-: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك. لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. وهذه العقوبة شديدة أعني عقوبة الشرك والمعاصي هي في حقيقة النظر لمن كان عاقلا أشد من العقوبة المادية؛ وذلك لأن هذه العقوبة تؤدي إلى خسارة الدنيا والآخرة يقول: الله عز وجل: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ).
    وقال آخرون: بل الأمر للنفي، أي أنك إن فعلت مأمورا به كان ذلك خيرا وفيه الثواب، وإن لم تفعل فلا إثم عليك. تعين ذلك بأمرين: الأمر الأول اشتمال الحكم المراد بالأوامر فإن كثيرا من أوامر الله لا تقتضي الوجوب: إما بالاتفاق أو بقول: الجمهور، وثانيا: أنه لما أمر بها ترجح فعلها لما أنه لما أمر بالشيء ترجح فعله، والأصل عدم التحكيم بالطبع وبراءة الذمة.

    وكذلك يقال في النهي، فإن النهي قد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- باجتناب المنهي عنه، والأمر بالوجوب فإذا وجب الاجتناب صار الفعل محرما، فهذان قولان للعلماء منهم من يقول: الأمر للوجوب والنهي للتحريم ما لم يوجد دليل، ومنهم من يقول: الأمر للاستحباب والنهي للاستحباب ما لم يوجد دليل على الوجوب أو على عدم الاستحباب أيضا، ومنهم من يقول: الأمر للوجوب والنهي للتحريم ما لم يوجد دليل على أن الأمر للاستحباب والنهي للكراهة أو ما إلى ما دون ذلك أيضا.

    ومن العلماء من فصل فقال: أما الأمر حين يتعلق بالآداب والأخلاق فإنه للاستحباب؛ لأنه كمال، والكمال ليس بواجب، وكذلك يقال النهي حين يتعلق بالآداب والأخلاق إنه للكراهة، أما ما يتعلق بالعبادات فإن الأمر فيه للوجوب والنهي للتحريم.

    فهذا التفصيل أضبط من القولين المطلقين السابقين؛ وذلك لأنك إذا استتبعت كثيرا من الأوامر فيما يتعلق بالآداب والأخلاق وجدتها للاستحباب والندب لا للوجوب، وكذلك إذا تأملت كثيرا من النواهي في الأخلاق والآداب وجدتها للكراهة لا للتحريم.
    وهذا الحكم في ما لم يجمع العلماء على خلافه، فإن أجمع العلماء على خلافه فإن إجماعهم حجة معصومة.

    فلنقف على هذا لأن وقت الإلقاء انتهى حتى نتفرغ للأسئلة، نسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعا للصواب إنه على كل شيء قدير. نعم.

    -------------------------------------
    "منظومة القواعد و الأصول" شرح الشيخ العثيمين عليه رحمة الله








    التعديل الأخير تم بواسطة ; 31-Dec-2007 الساعة 04:41 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •