أسباب السعادة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ؛ صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين ؛ أما بعد :
أسأل الله الكريم رب العرش العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يجعلنا جميعاً من أهل السعادة في الدنيا والآخرة ، وأن يعيذنا من الشقاء ومن سبيل أهله ؛ إنه تبارك وتعالى سميعٌ قريبٌ مجيب.
ثم بعد أيها الإخوة الكرام : موضوع هذا اللقاء عن [ أسباب السعادة ] .
وكلنا يعلم أن السعادة مطلب البشرية ومقصد كل الناس ، كلٌّ يرجوها وكلٌّ يطلبها وكلٌّ يسعى في نيلها وتحصيلها لكن تفاوتت الأفهام في ذلك وتباينت العقول والمدارك { وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} [البقرة:148] ، ومن الناس - بل كثير منهم - يطلب سعادته فيما فيه شقاؤه وهلاكه في الدنيا والآخرة . ومن يتأمل أحوال الناس وآراءهم في سبل نيل السعادة يجد وجهات متباينة وآراءً مختلفة ؛ فمن الناس من يطلب السعادة بالجاه والرئاسة ، ومنهم من يطلب السعادة بالغنى والمال ، ومنهم من يطلب السعادة باللهو واللعب ولو كان بالحرام ، ومنهم من يطلب السعادة بتعاطي أمورٍ محرمة كالخمور ونحو ذلك من المسكرات والمفترات ، ومنهم ومنهم ؛ هذه أحوال الناس ، وكلٌّ من هؤلاء إن قيل له عن ماذا تبحث ؟ وأي شيء تطلب ؟ يقول : أبحث عن السعادة ، أريد الراحة، أريد اللذة ، أريد قرة العين ، أريد انشراح الصدر ، أريد طرد الهموم وزوال الغموم والبُعد عن الأحزان والآلام ، ولكن الآراء تتباين ، ولكلٍّ وجهته في هذا الباب .
والمسلم بما آتاه الله تبارك وتعالى من بصيرةٍ بدينه ومعرفةٍ بهدى الله جلّ وعلا يدرك أن سعادته بيد الله وأنه لن ينالها إلا برضا الله ، وهذه جملة مختصرة تغني عن كلام مطوَّل ، يدرك أن سعادته بيد الله وأنه لن ينالها إلا برضا الله سبحانه وتعالى ، قال جل وعلا :{ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [طه:١٢٣] ، ونفْي الضلال فيه إثبات الهداية ، ونفي الشقاء فيه إثبات السعادة، وقال تعالى:{ طه(1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى}[طه:١–٢] أي : بل أنزلناه عليك لتسعد ؛ فالسعادة بيد الله ولا ينالها العبد إلا بطاعة الله تبارك وتعالى ، ومهما بحث الإنسان عن سعادة نفسه في غير هذا السبيل فلن يحصِّل إلا الضياع والنكد والغُصص والآلام وضياع الوقت بغير طائل ودون فائدة ، بل ربما بما فيه المضرة عليه في دنياه وأخراه.
السعادة بيد الله , وهو جل وعلا ميسِّر الأمور ، وشارح الصدور ، والمعين والهادي والموفِّق والذي جل وعلا بيده أزمةُ الأمور ، يعطي ويمنع ، ويخفض ويرفع ، ويعز ويذل ، ويقبض ويبسط ، ويهدي ويضل ، ويغني ويفقر ، ويضحك ويبكي { وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى } [النجم: ٤٣]، فالأمر كله بيد الله ، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، قال الإمام الشافعي رحمه الله في أبيات له :
ما شئتَ كان وإن لم أشأْ

وما شئتُ إن لم تشأْ لم يكن
خلقتَ العباد على ما علمتَ

وفي العلم يجري الفتى والمسن
على ذا مننتَ ، وهذا خذلتَ

وهذا أعنتَ ، وذا لم تُعِن
فمنهم شقي ومنهم سعيد


ومنهم قبيح ومنهم حسن


أي كل ذلك بيدك يا الله ، فالأمر بتدبيره والخلق تحت تصريفه، طوع أمره سبحانه وتعالى ، { كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن:٢٩] يعز ويذل ، ويعطي ويمنع ، ويخفض ويرفع ، ويقبض ويبسط { قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ } [آل عمران: ٢٦] فالأمر كله بيد الله { تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [الملك:١] ؛ هذه عقيدة راسخةٌ في قلب المؤمن ثابتةٌ في قلبه ، وفي ضوء هذه العقيدة يُهدى إلى كل خير ، ويفوز بالسعادة والراحة والطمأنينة .
ولهذا ؛ أساس قاعدة السعادة ومرتكزها الذي عليه تدور ومحورها الذي إليه ترجع : الإيمان بالله تبارك وتعالى رباً خالقاً رازقاً معطياً مانعاً مدبراً خافضاً رافعاً قابضاً باسطاً ، والإيمان بأنه جل وعلا المعبود بحق ولا معبود بحق سواه، والإيمان بأنه جل وعلا الأمور كلها بيده وبقضائه وقدره (( مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ )) ؛ فهذا مرتكز السعادة ، وبهذا المرتكز الذي هو الإيمان وبما يقتضيه الإيمان من الطاعات والأعمال الصالحات تكون السعادة ، قال تعالى : {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [النحل:٩٧] ؛ فالحياة الطيبة التي ليس فيها نكد ولا مكدرات ولا آلام ولا هموم وغموم هي حياة الإيمان وحياة الطاعة ، ولهذا فإن المسلم دائماً وأبداً يعيش حياة الهناءة والسعادة وقرة العين بما أكرمه الله سبحانه وتعالى به من إيمان ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: ((عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ)) ؛ فالمؤمن في سرائه شاكر ، وفي ضرائه صابر ، وفي قوعه في الذنب مستغفر ؛ وهذه الأمور الثلاثة -كما قرره العلامة ابن القيم رحمه الله تقريرًا لا مزيد عليه في أول كتابه الوابل الصيب - عنوان السعادة .
هذه الأمور الثلاثة هي عنوان سعادة العبد : إذا أذنب استغفر ، وإذا أُنعِم عليه شكر ، وإذا ابتُلي صبر ؛ وهذه لا تجتمع إلا للمؤمن الموفَّق المقبِل على طاعة الله سبحانه وتعالى.
فإذاً ركيزة السعادة وأساسها الذي عليه تُبنى : الإيمانُ بالله تعالى ، ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله «الإيمان بالله ورسوله هو جماع السعادة وأصلها » أي أصلها الذي عليه تُبنى وأساسها الذي عليه ترتكز ، ودليل هذا مرَّ معنا في قوله جل وعلا {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً } فمرتكز السعادة وأصلها هو الإيمان بالله وبرسوله صلوات الله وسلامه عليه ، ولهذا فأهل الإيمان هم أهل السعادة، ومن فارقه الإيمانُ فارفته السعادة وكان من أهل الشقاء في الدنيا والآخرة.
ولهذا ينبغي أن يُعلم أن الإيمان لذةٌ وسعادةٌ وجنّةٌ معجَّلة للمؤمن في الدنيا ، ولهذا قال شيخ الإسلام مقرراً هذا المعنى : « في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنةَ الآخرة » يقصد جنة الإيمان ، ولذة الإيمان ، وحلاوة الإيمان، وما يجده المؤمن في إيمانه من قرة عين وراحة قلب ، يقول عليه الصلاة والسلام : (( جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ )) ، ويقول : ((يَا بِلَالُ أَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ )) .
فالإيمان وتوابع الإيمان ومتمماته ومكملاته هذه هي السعادة الحقيقية , وهي سعادة في الدنيا والآخرة ، ولهذا فإن من كان من أهل الإيمان تحقيقًا له وتتميماً وقياماً بمقتضياته وما يستوجبه الإيمان فاز من السعادة ونال من السعادة بحسب ما عنده من الإيمان ، وإذا ضعُف الإيمان ضعف حظه من السعادة ، وإذا ذهب الإيمان ذهبت السعادة وفارقت الإنسان ، فبالإيمان يسعد ، وبالإيمان يطمئن ، وبالإيمان تقر العين ، وبالإيمان ينشرح الصدر ، وبالإيمان يرتاح البال { الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (2الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ } [الرعد: 28-29] ؛ الإيمان هو الطمأنينة الحقيقية ، الإيمان هو الراحة ، هو السعادة ، هو اللذة ، هو قرة العين ، وإذا فارق الإيمان العبد فارقته السعادة ولم يظفر بها مهما فعل ومهما بذل ، فالسعادة مرتبطة بالإيمان ، والذي ربطها بالإيمان هو رب العالمين وخالق الخلق أجمعين سبحانه ، فمن كان من أهل الإيمان سعد في الدنيا والآخرة ، ومن فارقه الإيمان فارق السعادة في الدنيا والآخرة ، ومن ضعف إيمانه ضعف نصيبه وحظه من السعادة بحسب ما ضعف من إيمانه .
فالسعادة أمر مرتبط بالإيمان والذي ربطه بالإيمان هو خالق الخلق جل وعلا { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} أي أنه سبحانه وتعالى كتب لمتَّبِع الهدى والإيمان ووحي الرحمن سبحانه وتعالى كتب له الهداية والسعادة وأعاذه من الضلال والشقاء .
فإذاً ركيزة السعادة وأساسها الذي عليه تُبنى هو الإيمان بالله وبرسوله صلوات الله وسلامه عليه والقيام بما يقتضيه الإيمان ، وأهم ما يقتضيه الإيمان هذه الأمور الثلاثة التي نصَّ عليها ابن القيم وهي أنه إذا أُنعم عليه شكر ، وإذا ابتلي صبر ، وإذا أذنب استغفر ، وبيَّن رحمه الله تعالى أن العبد في حياته لا يخلو من حال هذه الأحوال الثلاثة. كل بني آدم خطاء ، لا يخلو من ذنب وزلة وهفوة وتقصير ، المؤمن يدعوه إيمانُه عندما يذنب إلى الإنابة والتوبة، ولهذا نادى الله عز وجل إلى التوبة أهلَ الإيمان باسم الإيمان { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا } [التحريم:٨] {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [النور:٣١] ، فالمؤمن إذا أذنب فزع إلى إيمانه فأرشده إيمانه إلى التوبة ، إيمانه يهديه إلى أن ربه سبحانه تواب يقبل التوبة ويعفو عن السيئات ويغفر الذنوب والخطيئات ولا يتعاظمه سبحانه ذنب أن يغفره { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر:٥٣] ؛ فيدعوه إيمانه إلى الاستغفار ، إلى الإنابة ، إلى التوبة ، إلى الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى ، إلى الحياء من الله ، إلى مراقبة الله سبحانه وتعالى ، فإيمانه يهديه إلى كل خير وكل فضيلة ، وبدل أن يجد العاصي المتمادي في عصيانه لذةً ثانية في تتبُّعه لشهواته يجد هذا الذي يراقب الله ويحقق إيمانه لذةً لا تقارَن بلذة العصاة ؛ وهي لذة الطاعة والاستجابة والامتثال لأوامر الله تبارك وتعالى، فيسعد سعادةً حُرمها أهل العصيان ولم يظفروا بها ، وهم ينالون في معاصيهم وشهواتهم لذةً تنقضي في حينها وتبقى تبعاتها وحسراتها
تفنى اللَّذَاذَةُ ممَنّ نال صفوتَها

مِنَ الحَرام ويبقى الخِزِيُ والعارُ

وتبقى عَواقِبُ سوءٍ من مغبَّتِهَا


لا خَيْرَ في لَذَّةٍ مِنْ بَعْدِهَا النَّارُ

لذةٌ تنقضي في وقتها لكن يتبعها حسرات ويتبعها أمور وأمور في الدنيا والآخرة ، بينما المؤمن إذا أذنب استغفر. أولاً يقاوم الذنب ، وإيمانه يدافع الذنب ؛ فإن غلبته نفسُه ووقع في الذنب أناب إلى الله وعلِم أن له رباً يغفر الذنب ويقبل التوبة ويفرح بتوبة عبده إذا تاب فينيب ويتوب ويقبِل على الله سبحانه وتعالى ؛ فيجد سعادة في توبته ، يجد سعادة في إنابته ، يجد سعادة في استغفاره وعودته إلى الله جل وعلا .
والأمر الثاني مما يتقلب فيه الإنسان : نِعَم ؛ نعَم في بدنه ، في ماله ، في ولده ، في مسكنه ، إلى آخر ذلك وهي نعم كثيرة { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا } [إبراهيم:٣٤ ] فالسعادة تكون في حمد الله وشكره على نعمائه وعلى مَنِّه وفضله سبحانه وتعالى وعطائه ، والشكر سبب زيادة النعم ودوامها ، وقرارها وثبوتها ، ونمائها وبركتها { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ } [إبراهيم: ٧] ، والمؤمن الشاكر يجد لذة الشكر ولذة الحمد ولذة الاعتراف بنعمة المنعِم سبحانه فتقرُّ عينه بذلك ، وما أجمل المؤمن عندما يأوي إلى فراشه ويأتسي بنبيه عليه الصلاة والسلام، كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه وضع كفه تحت خده الأيمن وقال : (( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَكَفَانَا وَآوَانَا فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ وَلَا مُؤْوِيَ )) ؛ يذكر نعمة الله ، وفي الحديث : ((إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنْ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا )) ؛ فالمؤمن يتقلب في نِعَم ، والنعم تُحدث له شكراً وحمداً ، واستعمالاً لنعم الله تبارك وتعالى فيما يُرضي الله
والشكر يدور على أركان ثلاثة لا بد منها :
1- الاعتراف القلبي بنعمة المنعم وأنها من الله .
2- وحمد الله عز وجل والثناء عليه بما هو أهله .
3- والأمر الثالث باستعمال النعمة في طاعة الله{ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا }[سبأ:١٣].
فهذه حال المؤمن السعيد بإيمانه ؛ إذا أذنب استغفر ، وإذا حصلت له نعم ولا تزال النعم تتوالى عليه شكر المنعِم عليه سبحانه ، والأمر الثالث : إذا ابتلي صبر ، قال جل وعلا { مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ }[التغابن:1١] قال علقمة : « هو المؤمن تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلِّم »، ولهذا المؤمن في المصاب وفي الابتلاء يجد لذة الصبر وعاقبة الصبر الحميدة ويفوز بثواب الصابرين ، في نعمائه يفوز بثواب الشاكرين وفي مصابه وضرائه يفوز بثواب الصابرين ؛ فهو مأجورٌ على كل حال ، مثابٌ على كل حال ، إلى خير في كل حال ؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : ((عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ)) ، وإذا تفكر المسلم في هذه الكلمة " إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ " عرف قيمة الإيمان وأنه أساس السعادة ((عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ)) إذا تأمل في هذا عرف قيمة الإيمان ومكانته العظمى في تحصيل السعادة واكتسابها . ولهذا انظر ثمرة الإيمان وأثره في تحقيق السعادة ((عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ )).
وهذا يُعلم به أن الإيمان مفزع لصاحبه ؛ يفزع للإيمان عند الطاعة ، ويفزع للإيمان عند المعصية ، ويفزع للإيمان عند النعمة ، ويفزع للإيمان عند المصيبة ، ويفزع للإيمان عند المحابِّ والمسارّ ، ويفزع للإيمان عند المصائب والأضرار ، في كل ذلك يفزع للإيمان ، والإيمان يضيء له الطريق ويهديه السبيل ويمشي بنور الإيمان، يمشي بنور من الله عز وجل نور الإيمان { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا } [الشورى:٥٢] فالمؤمن يمضي في هذه الحياة بنور الإيمان ، وكل ما يواجهه في هذه الحياة يعالجه بما يقتضيه الإيمان ويدل عليه.
وقد مر علينا قريباً قراءة كتاب عظيم للإمام العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى والذي أسماه " الدين الصحيح يحُل جميع المشاكل " ؛ فالمؤمن يفزع إلى الإيمان في كل مشكلة وفي كل عارض وفي كل نازلة ، ويجد الإيمان هادياً مسدداً قائداً إلى كل فضيلة وخير ، وهنا تتحقق السعادة .
إذا أصابته نعمة لا يدخل في أشر ولا في بطر ولا في كِبر ولا في عُجب ولا في شيء من ذلك الأمور المنافية للإيمان الواجب ؛ بل إيمانه يهديه أن هذه نعمة الله عليه ومنَّته وفضله سبحانه وتعالى ، فتجده معترفًا بالنعمة للمنعِم ، شاكراً للمنعم سبحانه على النعمة ، مستعملاً للنعمة في طاعة الله ؛ فيوفَّق لكل خير ، يفزع إلى إيمانه في ضرائه وفي شدته وبلائه فيأتيه الإيمان بالهدايات المباركة ؛ يرشده إلى الصبر ، يرشده إلى الرضا ، يرشده إلى التوكل على لله سبحانه وتعالى وحُسن اللجوء إليه ، يرشده إلى الدعاء والمناجاة ولذة الإقبال على الله سبحانه وتعالى .
§ إذا وُفق للطاعة من علم نافع أو قول سديد أو عملٍ صالح أو بذل أو إحسان أو غير ذلك يفزع إلى الإيمان فيهديه الإيمان إلى أن هذه منَّة الله عليه { وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ } [النور: ٢١] ، { وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الحجرات: ٧ – ٨] ؛ فيحمد الله الذي هداه لهذه الطاعة ووفقه لهذه العبادة ولا يدخل في عجب ، والعجب من أكبر ما يكون ضرراً على الإنسان .
والعُجْبَ فاحذره إن العُجْب مجترفٌ أعمالَ صاحبه في سيله العَرِمِ
العجب دمار على الإنسان وهلاك ومجترف لأعماله ، فإذا وُفِّق للطاعات والعبادات وأبوابٍ من الخير يقول هذا فضل الله عليّ ، هذه نعمة الله ، هذا توفيق الله ، أسأل الله أن يزيدني من فضله ، يعرف نعمة الله عليه فيسعد .
§ إذا وقع في معصية فزع إلى الإيمان فهداه إيمانُه إلى التوبة ، الإنابة ، الحياء من الله ، الرجوع إلى الله ؛ فيجد لذة الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى .
ولهذا إذا لم يحسِن الإنسان في هذا الباب - باب الطاعة والمعصية - ولم يُحسن الفزع إلى الله يتضرر ، رُبَّ إنسان مع الطاعة يصاب بعجبٍ بها فتكون هلاكاً عليه ، وأيضًا بمقابل ذلك المعصية ؛ ربما أن الإنسان في هذا الباب تكون المعصية باب خير له !! رب طاعة تكون باب ضرر على الإنسان عندما يصاب بعجبٍ بنفسه ، وأيضاً رب معصية تكون باب خير على الإنسان ، ولهذا الإيمان يهدي في هذا الباب .
ينقل عن أحد السلف أنه قال : " دخل رجل الجنة بمعصية ، ودخل رجل النار بحسنة " فقيل له : وكيف ذلك؟ قال : " عمل رجل معصية فما زال خائفاً من عقاب الله تعالى من تلك الخطيئة فلقي الله فغفر الله من خوفه منه تعالى ، وعمل رجلٌ حسنة فما زال معجباً بها ولقي اللهَ بها فأدخله النار " العجب هلاك على الإنسان ، عندما يكون الإنسان مُعجبا ، مغرورًا ، تائهاً ، متعالياً ، يرى نفسه ، متعاظماً هذا هلاك للإنسان ، ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله كلاماً جديراً بالانتباه: " علامة السعادة : أن تكون حسنات العبد خلف ظهره وسيئاته نصب عينيه ، وعلامة الشقاوة : أن يجعل حسناته نصب عينيه وسيئاته خلف ظهره " ؛ ينسى سيئاته وحسناتُه يذكرها " أنا الذي فعلت كذا ، وأنا الذي قدَّمت كذا وأنا الذي " نصب عينيه حسناته ، وسيئاته الكثيرة خلف ظهره لا يذكرها ؛ فهذا سبيل الأشقياء . أما السعيد يفعل الطاعة ويتركها ، لا يجعلها نصب عينيه، بمعنى أنه لا يبقى ذاكراً " أنا الذي صليتُ الليل في اليوم الفلاني ، وأنا الذي صمت في الوقت الفلاني، وأنا الذي فعلت كذا " لا يذكر هذا ، قدّمه يرجو عليه ثواب الله ، لكن ينظر إلى الذنوب التي فعَلها ، لأن هذا النظر يفيده خوفاً من الله وإنابةً إلى الله وتوبةً إلى الله سبحانه وتعالى ، أما أعماله الصالحات التي مضت لو أخذ يستجمعها ويستذكرها ويضعها أمامه " أنا في اليوم الفلاني فعلت كذا وفعلت كذا وفعلت كذا " يعدِّد الطاعات ربما هذا التعداد يجلب لقلبه عجباً بنفسه ورؤيةً لنفسه وغفلةً عن سيئاته وأعماله فيكون سبب لشقائه . ولهذا علامة السعادة أن الإنسان يضع الذنوب أمامه ويخاف من مغبَّتها ويجاهد نفسه على التوبة منها وعدم العودة إليها . والطاعات التي حصلت يحمد الله عليها لكن لا يأتي يعدِّدها ويستحضرها في ذهنه وينسى في مقابل ذلك ذنوبَه ومعاصيَه .
فإذاً المؤمن ينال سعادته بإيمانه لأن الإيمان مفزَع له في كل أحوال ، مفزع له في المصائب ، في النِّعم ، في الطاعات، في المعاصي ، في المسار ، في المكاره ، كل ذلكم يفزع فيه إلى الإيمان ويجد الإيمان يهديه إلى كل خير .
وهذا الموضوع العظيم النافع تكلم عنه بكلام مفيد للغاية العلامة عبد الرحمن بن سعدي في آخر كتابه "التوضيح والبيان لشجرة الإيمان" ، وأنصح كثيراً بقراءة هذا الكتاب كاملاً ، وفي آخر الكتاب أخذ يبين رحمه الله كيف أن الإيمان مفزع للمؤمن في المسارّ والمكاره ، في الطاعات والمعاصي ، في المصائب والنعم ، وأن المؤمن في أحواله كله يفزع إلى الإيمان فيجد في ذلك السعادة في الدنيا والآخرة ، والله جل وعلا يقول : { إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} [الانفطار:١٣] أي –كما قال أهل العلم- نعيم في دورهم الثلاثة : في الدنيا ، والبرزخ ، ويوم القيامة ، { وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ } [الانفطار: ١٤] أي في دورهم الثلاثة : في الدنيا ، والبرزخ ، ويوم القيامة.
فأساس السعادة وأصلها الذي عليه ترتكزُ : الإيمانُ ، والإيمان يحتاج فعلاً من العبد إلى تحقيق الإيمان وأن يوظِّف الإيمان في كل مجال من حياته ، مثل ما أشرت في كلام العلامة عبد الرحمن ابن سعدي رحمه الله يفزع إلى الإيمان في كل حال ، فإذا فزع العبد إلى الإيمان في كل حالة يجد السعادة ، وهذا هو مقصود شيخ الإسلام رحمه الله في الجملة المتقدمة « الإيمان بالله ورسوله هو جماع السعادة وأصلها » ، لكن هذه السعادة التي تُنال بالإيمان لا تتأتى للعبد إلا بتوظيف الإيمان والفزع إلى الإيمان في كل حال .
إذاً هذه أساس السعادة في إيمان العبد بربه جل وعلا وبرسوله صلى الله عليه وسلم وبتحقيق ما يقتضيه الإيمان ويستوجبه ، ومما يدعو إليه الإيمان وفيه تحقيقٌ للسعادة : التعامل مع الناس ، وكثير ما يحصل في الصدور من العناء والكرب والشدة والحنق والغيظ والقلق والاضطراب بسبب التعاملات التي تكون من الإنسان مع الآخرين ، إذا كان تعامل الإنسان مع الآخرين في ضوء الإيمان وهديه يجد السعادة ، أما إذا كان تعامل الإنسان مع الآخرين في ضوء أهوائه ، شهواته ، أفكاره السقيمة ، آرائه غير المسددة ؛ فهذا يجني على نفسه وعلى الآخرين ، ولهذا أيضاً تحتاج حياة السعداء من الإنسان إلى أن يعامل الناس بما يقتضيه الإيمان ؛ يجد السعادة ، وإلى ماذا يهدي الإيمان في التعامل مع الآخرين ؟ ننظر في هدي الإسلام ؛ ولهذا فعلاً الأخلاق الإسلامية والآداب الشرعية التي دعا الله إليها في كتابه ودعا إليها نبيه صلى الله عليه وسلم في سنته مطلبٌ مهم لتحقيق السعادة ، بدون الأخلاق الإسلامية لا تكون حياة الإنسان حياةَ السعداء ، بدون الآداب الشرعية لا تكون حياة الإنسان حياةَ السعداء ؛ بل يشقى هو في نفسه ويشقي به الآخرين ، فاسد الأخلاق قليل الآداب يشقى هو في نفسه وأيضاً يشقي به جلساؤه وأهله وقرابته ، وإذا صلُحت أخلاقه ارتاح هو وارتاح من يتعامل معه .
فإذاً أيضاً السعادة الإيمانية تتطلب من العبد أن يقوم العبد بحقوق الإيمان من معاملات وآداب وأخلاق مع الآخرين حتى يظفر بالسعادة وحتى تتحقق له السعادة بأبهى صورها وأجمل حُللها ، وفي هذا المعنى كلمة عظيمة جداً لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله جديرة بأن يُنتبه لها في هذا الباب العظيم ، يقول رحمه الله : « والسعادة في معاملة الخلق : أن تعاملهم لله ؛ فترجو الله فيهم ولا ترجوهم في الله ، وتخافه فيهم ولا تخافهم في الله ، وتحسِن إليهم رجاء ثواب الله لا لمكافأتهم ، وتكُفُّ عن ظلمهم خوفاً من الله لا منهم » ؛ هذا كلام عظيم جدًا وجدير بأن ينتبه له العبد في تعامله مع الناس بما يحقق له هو السعادة وأيضًا بما يحصُل به سعادة الآخرين وراحة الآخرين وطمأنينة الآخرين ، ولهذا يقول عليه الصلاة والسلام : (( الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ، وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ )) ؛ فالإيمان مجلبةٌ للسعادة وأيضاً مجلبةٌ للراحة والطمأنينة في حق كل من لهم به صلة ولهم به احتكاك ، بينما من يضيع الإيمان ويقع في الفجور والعصيان يجلب شقاءً لنفسه ولمن حوله ، وفي القرآن { إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا } [الإنسان: ٩] . الذي يتعامل مع الناس لمصالح ليس لثواب الله لا يجد راحة ، لأن الناس أجناس وأصناف ومعادن مختلفة وأهواء متباينة ؛ من الناس من تحسِن إليه وهو يحفر لك ويكيد لك ، فإذا كنت تحسن إليه لشيء ترجوه منه هو ثم تفاجأ بمعاملة غير متوقعة تصاب بماذا ؟ تجد أن قلبك يصاب بضجر بكرب إلى آخره ، لكن إذا كنت تعامله لله والأشياء التي تقدِّمها له تقدمها له لله لا ترجو منه جزاءً ولا شكوراً تجد أنك براحة ؛ بسبب إيمانك وبسبب ما ترجوه من الله سبحانه وتعالى ، ولهذا السعادة في الإيمان ، في التعامل مع الحق سبحانه والتعامل مع الخلق ، يسعد الإنسان إذا كان يتعامل في هذا الباب في ضوء الإيمان .
والعلامة ابن السعدي رحمه الله له منظومة جميلة جداً في السير إلى الله ودار الآخرة صدّرها بقوله :
سَعِدَ الَّذِينَ تَجَنَّبُوا سُبُلَ الرَّدَى

وَتَيَمَّمُوا لِمَنَازِلِ الرِّضْوَانِ


ثم ذكر أوصاف هؤلاء ، والمنظومة يصلح أن توصف بأوصاف السعداء ؛ ذكر فيها أوصافاً عظيمة للسائرين إلى الله صدّرها بقوله " سَعِدَ الَّذِينَ " فتصلح أن توصف بأوصاف السعداء ، ومن أراد أن يقرأ أوصاف السعداء فليقرأ تلك المنظومة مع شرحه لها رحمه الله تعالى .
والعلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه "زاد المعاد" عقد فصلاً عظيماً جداً - أيضاً جديراً بأن يُطلع عليه وأن يُقرأ - في أسباب شرح الصدر ، وشرح الصدر هو السعادة وهو اللذة والطمأنينة ، فذكر رحمه الله أموراً عديدةً يُنال بها شرحُ الصدر أذكرها سرداً وتطالعونها مع شيء من تفاصيلها في كتابه رحمه الله تعالى "زاد المعاد" :
قال : «أولاً : التوحيدُ وعلى حسب كماله وقوته وزيادته يكونُ انشراحُ صدر صاحبه .
ثانياً : العلم ؛ فإنه يشرح الصدر ويوسِّعه حتى يكون أَوسعَ من الدنيا ، وليس هذا لكل عِلم ، بل للعلم الموروث عن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
ثالثاً : الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى ، ومحبتُه بكلِّ القلب ، والإقبالُ عليه ، والتنعُّم بعبادته ، فلا شيء أشرحُ لصدر العبد من ذلك.
رابعاً : دوامُ ذِكره على كُلِّ حال وفى كُلِّ موطن ، فللذِكْر تأثير عجيب في انشراح الصدر ونعيم القلب .
خامساً : الإحسانُ إلى الخَلْق ونفعُهم بما يمكنه من المال ، والجاهِ ، والنفع بالبدن ، وأنواع الإحسان .
سادساً : الشجاعة ، فإن الشجاع منشرح الصدر ، واسع البطان ، متَّسِعُ القلب .
سابعاً - ومنها بل من أعظمها - : إخراجُ دَغَلِ القَلْبِ من الصفات المذمومة التي يكون لها مادتان تعتوران على قلبه ، وهو للمادة الغالبة عليه منهما .
ثامناً : تركُ فضولِ النظر والكلام والاستماع والمخالطةِ والأكل والنوم، فإن هذه الفضولَ تستحيلُ آلاماً وغموماً وهموماً فى القلب تحصُرُه، وتحبِسه، وتضيِّقهُ، ويتعذَّبُ بها » .
هذه كلمات عظيمة جدًا جديرة بأن تطالع في كتاب زاد المعاد لابن القيم رحمه الله في أول المجلد الثاني.
ثم ختاماً الدعاء ، والدعاء مفتاح كل خير ، والسعادة خير دنيوي وأخروي ، وعرفنا في بدء هذا اللقاء أن السعادة بيد الله ، فليكن طلب الإنسان لسعادته وراحته وطمأنينة قلبه وراحة باله وزوال همومه وغمومه ليكن طلبه لذلك من الله وحده جل وعلا ، وفي الحديث يقول عليه الصلاة والسلام : ((مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجِلَاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجًا)) وفي رواية : ((وَأَبْدَلَهُ مَكَانَ حُزْنِهِ فَرَحًا)) .
وإذا تأملت هذا الحديث وجدتَ فيه دلالةً عظيمة وفائدة نفيسة في طرد الغموم ، وإذا أعدتَ النظر والتأمل في هذا الحديث وجدته دالاًّ على أن طرد الغموم يكون بأمور أربعةٍ دل عليه هذا الحديث العظيم :
الأمر الأول : تحقيق العبودية ؛ (( عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ ))
الأمر الثاني : الإيمان بقضاء الله وقدره ، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ؛ ((مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ)) .
الأمر الثالث : الإيمان بأسماء الله الحسنى وصفاته العلا ، ومعرفة معانيها ودلالاتها وتحقيق العبودية لله بها ؛ (( أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ ))
الأمر الرابع : العناية بالقرآن ، ربيع القلوب ونور الصدور وضياء النفوس { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى}
فهذه الأمور الأربعة المجتمعة في هذا الحديث العظيم المبارك هي الطاردة للغموم ، المذهِبة للهموم ، المبعِدة للأحزان، الجالبة لراحة القلوب وطمأنينة النفوس وسعادة الإنسان.
وأسال الله الكريم ربّ العرش العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يكتب لنا جميعاً حياة السعداء ، وأن يصلح لنا جميعاً ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأن يصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأن يصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا ، وأن يجعل الحياة زيادة لنا في كل خير والموت راحة لنا من كل شر . اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك ، ونسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك ، ونسألك قلباً سليماً ولساناً صادقاً ، ونسألك من خير ما تعلم ، ونعوذ بك من شرِّ ما تعلم ، ونستغفرك مما تعلم ؛ إنك أنت علام الغيوب . اللهم اغفر لنا ذنبنا كله دقه وجلَّه أوله وآخره سره وعلنه ، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولمشايخنا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات .
وفي آخر هذا اللقاء أشكركم جميعاً على حُسن الاستماع وطيب الإصغاء والصبر ، وأسأل الله عز وجل أن يجعل ما سمعناه حجةً لنا لا علينا ، وأن يجعل فيه هدايةً لنا وصلاحاً لقلوبنا وزكاءً لنفوسنا وسعادةً لنا في دنيا وأخرانا إنه سميعٌ مجيبٌ قريب ، والله أعلم وصلى الله وسلَّم على رسول الله .