وقفات على ابواب كتاب التوحيد (الوقفة السابعة)



إن الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له و منيضلل فلا هادي له و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبدهو رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً... أما بعد... فيقول الله تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) يقول السعدي يرحمه الله: (يخاطب الله الناس كافة ، بأن يتقوا ربهم ، الذي رباهم بالنعم الظاهرة والباطنة ، فحقيق بهم ، أن يتقوه ، بترك الشرك ، والفسوق ، والعصيان ويمتثلوا أوامره ، مهما استطاعوا).

إن من الثمار التي يجنيها العبد يوم القيامة دخول الجنة بغير حساب ولا عذاب في وسط هذا الموقف العصيب الذي تذهل فيه المرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها والناس في فزع وكرب شديد، لقد بوب المصنف في كتاب التوحيد باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب ولا عذاب فكيف يكون تحقيق التوحيد؟

إن تحقيق التوحيد يكون بتصفية الدين من شوائب الشرك صغيره وكبيره ومن البدع بسائر أنواعها ومن المعاصي صغيرها وكبيرها والبراءة ممن تلبس بكل هذه الشوائب أو شيء منها ومنابذته ومعاداته حتى يعود إلى أمر الله فالحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان ولا يكون هذا الباب إلا لخاصة أهل التوحيد والإيمان نسأل الله أن نكون منهم.

وعلى هذا يكون تحقيق التوحيد على درجتين : واجبة ومستحبة فالواجبة هي ترك الشرك صغيره وكبيره وترك البدع بأنواعها وترك المعاصي صغيرها وكبيرها.

وأما الدرجة المستحبة فيتفاضل فيها أهل الإيمان أعظم تفاضل وهي أن يكون القلب متوجهاً لله عزوجل بالكلية فيكون فعله لله وقوله لله وحركة قلبه لله عزوجل يقول الشيخ صالح آل الشيخ حفظه الله: (وتحقيقه تحقيق الشهادتين: (لا إله إلا الله محمد رسول الله)؛ لأن في قوله: (لا إله إلا الله) الإتيان بالتوحيد، والبعد عن الشرك بأنواعه، ولأن في قوله: "أشهد أن محمداً رسول الله" البعد عن المعصية، والبعد عن البدع؛ لأن مقتضى الشهادتين بأن محمداً رسول الله: أن يطاع فيما أمر، وأن يصدق فيما أخبر، وأن يُجتنَب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع، فمن أتى شيئاً من المعاصي والذنوب، أو البدع ثم لم يتب منها، أو لم تكفّر له، فإنه لم يحق التوحيد الواجب، وإذا لم يأتِ شيئاً من البدع، ولكن حسَّنها بقلبه، أو قال: لا شيء فيها؛ فإن حركة قلب من هذا شأنه لمّا كانت في غير تحقيق التوحيد، وفي غير تحقيق شهادة أن محمداً رسول لله: فإنه لا يكون من أهل التوحيد، وكذلك أهل الشرك بأنواعه ليسوا من أهل تحقيق التوحيد. وأما مرتبة الخاصة التي ذُكِرًتْ ففيها يتنافس المتنافسون، وما ثمَّ إلا عفو الله، ومغفرته، ورضوانه) انتهى كلامه

لقد امتدح الله تبارك وتعالى إمام الحنفاء ابراهيم عليه الصلاة والسلام بخصال أربع فقال: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) وهذه الصفات صفات من حقق التوحيد فقد كان أمة أي إماماً يقتدى به جمع كل صفات الخير والكمال البشري فلم ينقص من صفات الخير شيء قانتاً مداوما لطاعة ربه ملازم لها حنيفاً مائلاً عن الشرك مقبلاً على ربه ولم يكن متلبساً بأي نوع من أنواع الشرك بل أنكر عليهم وتبرأ منهم فكان أسوة للمؤمنين الموحدين (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده) يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في تفسير قول الله تبارك وتعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ): ({إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} لئلا يستوحش سالك الطريق من قلة السالكين {قَانِتاً لِلَّهِ} لا للملوك ولا للتجار المترفين {حَنِيفاً} لا يميل يمينًا ولا شمالا كفعل العلماء المفتونين{وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} خلافا لمن كثر سوادهم وزعم أنه من المسلمين) إنتهى كلامه رحمه الله... هذا ما تيسر في هذه الوقفة نسأل الله أن ينفع بها...