بسم الله الرحمن الرحيم

كيفية دراسة الفقه؟ .. سؤال شغل كثير من طلبة العلم المحبين للسلفية ودعوة أهل الحديث، وسبب نشوء هذا السؤال اختلاط وقع فيه كثير من الشباب وقليل من الداعين لمنج السلف، حيث غفلوا عن التفريق بين مقام التطبيق العملي الذي محله الاستفتاء واتباع ما يرشد إليه العالم بالوحيين، ومقام التعلم والتعليم ، ففي المقام الثاني : الفقه كغيره من العلوم يحتاج إلى تدرج، ثم متى تمكّن الطالب نظر ورجح، فلا يُعطى تلميذ الآجرومية أشعار العرب وشواهده، ولا خلافات البصريين والكوفيين، ولا طالب البيقونية تفاصيل أسانيد الخطيب في الكفاية، ولا يُعطى تلميذ الورقات عشرات الأقوال ومئات التفريعات والاعتراضات على التعاريف والحدود، فهكذا طالب الفقه يتدرج فيضبط الحدود والشروط والأركان والواجبات وتصور المسائل ...حتى يصل إلى درجة الاجتهاد المطلق إن منّ الله عليه، بل سلوك هذا في الفقه أولى وأحرى لطول هذا العلم وسعته...وعلى كلٍ:
أَنِف هؤلاء الغالطون عن طريقة من سبقهم من الفقهاء، وظنوا إمكان الوصول من غير جهتهم ، ظنوا اتباع السنة ومنهج السلف والتمسك بالآثار يؤدي إلى هجر كتب الفقه، فسلكوا تلك الطرق فلم يصل أكثرهم أو جلهم، فرجعوا يسألون: كيف ندرس الفقه؟ ، وفاتهم أنّ هذه الأمة لم تزل ولادة ، ولا يزال المحدثون في هذه الأمة يحيون ما اندثر من سنة نبيهم عليه الصلاة والسلام ، فهلاّ قرأ هؤلاء ترجمة الحافظ ابن حجر ، أو ابن عبد البر ، أو غيرهم من نجوم الزمان وأئمة الحديث ، فينظرون هل حصّل أولائك العلوم الشريفة وتفاصيل المسائل والدرر الكوامن من هجر كتب الفقه أم تدرجوا فيها واستفادوا منها ؛ مع امتلائهم بنصوص الوحيين وآثار الأماجد الأوائل؟!!

وعلى أية حال ...لا أريد الإطالة في التوطئة ..فأترككم أولًا مع مقطع مفرغ للعلامة الألباني -رحمه الله- ثم كلام المحدث وصي الله عباس -وفقه الله- ، وقد قامت إحدى الأخوات جزاها الله خيرًا بنسخه من كتاب الشيخ "التقليد وحكمه في ضوء الكتاب والسنة والآثار السلفية"...فدونكم يا أولي الرشاد ومريدي الانتفاع والله المستعان:

يقول العلامة المحدث ناصر السنة ومجدد علم الحديث في هذا الزمان الشيخ الألباني -رحمه الله - للطالب:
أنت حنبلي؟
فقال الطالب: ( لكني مع الدليل)،
فقال الشيخ رحمه الله:(أنا ما اتهمتك)
ثم قال رحمه الله: (أنت تجمع الآن بين شيئين، وهذا واجب كل طالب؛ أن يكون حنبليا مع طلب الدليل،وأن يكون حنفيا مع طلب الدليل، وأن يكون مالكيا مع طلب الدليل، وأن يكون شافعيا مع طلب الدليل، وليس كما يتوهم كثير من إخواننا السلفيين الهوج؛ الهوج :أنه إيش يا أخي حنفي، شافعي، مالكي، .. إلخ، قال الله ، قال رسول الله؛ قال الله ، قال رسول الله! .. يحتاج إلى تهيئ لذلك.
اذا هناك جو يشبه جو السلف لا مذهبية هناك، إنما قال الله قال رسول الله، ما يجوز أن هذا حنفي، شافعي، مالكي، حنبلي أبدا،
ولكن الواقع أن هذا المجتمع مفقود غير موجود... إذا أنا أفهم أنك أنت وغيرك حنبلي المذهب، ولا مشاحة في ذلك، ولما قلت لك أنت حنبلي: ليش عيّرت نفسك بهذه النسبة، هذا واجبك، لكن إذا كنت حنبليا مقلدا تقليدا أعمى على خلاف الدليل هنا يأتي الانتقاد..)) [راجع الشريط رقم296 من سلسلة الهدى والنور]. [مستفاد من مقال قديم لبعض دعاة الجزائر]



كلام المحدث وصي الله عباس -وفقه الله-
رسم الفقه الصحيح للتربية والتعليم
بسم الله الرحمن الرحيم:
قال الشيخ وصي الله بن محمد عباس-حفظه الله- في كتابه التقليد وحكمه في ضوء الكتاب والسنة مبينا الطريق السليم لرسم الفقه الصحيح للتربية والتعليم ص(114-119):

يجب على الذين يقومون بالتربية والتعليم في العالم الإسلامي ، وأهم من الجميع المدرسون والمعلمون في جميع المراحل، أن يفكروا في صياغة مواد الدين خصوصا لطلاب المراحل الأولى (أعني الابتدائية والمتوسطة) ببيان الراجح من غير ذكر الخلاف، كما هو الحال بفضل الله –تعالى- في مناهج المملكة العربية السعودية، وفي المراحل الثانوية تعد المواد الدراسية ببعض التوسع ولكن عند ذكر الاختلاف يذكر الراجح.
وإذا كان الطالب في الكليات فبالأسلوب نفسه، لكن مع التوسع في بيان الأدلة حسب مدارك الطلاب وذكر بعض الأقوال المختلفة من أئمتنا؛ مع بيان الراجح.
والآن توجد شبكات للتعليم العالي في كل البلاد وتوجد في كل العلوم مدارس وجوامع كثيرة.
فيجب في التعليم العالي الشرعي أن يدرّب طالب الفقه على فقه الكتاب والسنة ، بل حرام عليه وعلى الأساتذة أن يربوهم على أنّ الحق مع الجميع, لا يمكن أن يقال هذا إلا في مسائل الاجتهاد ، فكلنا نقف أمام يدي الله ويسألنا عمن استرعاهم لنا ، فبذلك يخف التعصب المذهبي الذي مضاره مخيمة على الأمة .
والذي نسمع كثيراً من رسم التفقه والتفقيه، ويقال: إن الطريق المثلى لتعلم الفقه: أن يأخذ الطالب كتابا من كتب المذاهب فيحفظه ثم كتابا آخر، ويتدرج في الدراسة في المذهب نفسه حتى يتخرج.
أقول: هذا النوع من الدراسة لا يخرج إلا المتعصبين للمذهب إن لم تصاحب الدراسة أدلة الأقوال والترجيح.
ثم نقول: إنّه يمكن أن تعد متون مختصرة ومتوسطة ومطولة لدراسة الطلاب على الفقه الراجح لتصنيع فكرهم وذهنهم على طلب الراجح، وعدم التعصب، وإلا فسيبقى الاختلاف والتعصب مع الأيام كما هو المشاهد الآن.
وإن لم يمكن إعدادها أو ريثما تعد يؤخذ من متن بعض المذاهب الذي هو أقرب إلى الكتاب والسنة فيدرسه المدرس بتخريج مسائله على الأدلة الصحيحة مثل المحاولة المباركة التي قالم بها مؤلف(السلسبيل في معرفة الدليل) جزاه الله خيراً، وكذلك كل كتاب يدرس فينبغي أن يكون في ضوء الأدلة، وليس بلازم أن تذكر الأدلة للمبتدئين، ويكفي عند مخالفة بعض الآراء ينبه الطالب بأن هذه المسألة هنا مخالفة للصواب كذا بالدليل.
مثاله: قال في زاد المستقنع: ويكره دخوله (أي القاضي لحاجته) أو دخول الخلاء بشيء فيه ذكر الله إلا لحاجة، ورفع ثوبه قبل دنوه من الارض، وكلامه فيه وبوله في شق ونحوه، ومس فرجه بيمينه، واستنجاؤه واستجماره بها، واستقبال النيرين.
وقد ذكرت فيه عدة مسائل، ولكل دليله إلا قوله: (واستقبال النيرين) والمراد بالنيرين: الشمس والقمر، يعني يكره استقبال الشمس والقمر حال قضاء الحاجة على ما قال المؤلف -رحمه الله- .
وعلق الشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- عليه فقال: (وليس هناك دليل بل تعليل وهو لما فيه من نور الله الذي هو صفته، بل نور مخلوق وفي النجوم نور مخلوق، فإذا قلنا بهذا، قلنا: كل شيء فيه نور وإضاءة حتى النجوم يكره استقبالها، وهذا التعليل مصادم لقوله -صلى الله عليه وسلم-: لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ، ولكن شرقوا أو غربوا ، ومعلوم أن من شرق أو غرب والشمس طالعة فإنه يستقبلها ، وكذا لو غرّب والشمس عند الغروب ، والرسل -صلى الله عليه وسلم- لم يقل: إلا أن تكون الشمس والقمر بين أيديكم فلا تفعلوا فالصحيح عدم الكراهة لعدم الدليل، بل ولثبوت الدليل الدال على على الجواز(1) ).
ويربي الطالب على هذا السَّنن (بفتح السين) ، في الكليات مع ترغيبه في النظر في كتب المذاهب المختلفة والاستفادة منها وعدم إهمالها في بحوثه ؛ لأنهم كلهم أئمتنا ، ولكل اجتهاداتهم وجهودهم، فلا ينبغي إهمال هذه الجهود ، وإذا وصل الطالب إلى مراحل الدراسات العليا الاولى والثانية(الماجيستير والدكتوراه) فلا يورد شيء في بحوثه إلا ما له أدلة واضحة ، نقول هذا لأن هذا العصر وهو العصر الذي لا عذر فيه لطالب العلم على عدم اطلاعه على الأدلة .
فقد جمعت السنة في كتبها ، واجتهد العاملون في السنة بالتحقيق والتخريج والحكم على الأحاديث حتى ولو لم يكن متخصصاً في السنة ، تيسر له عن طريقها البحث عن الدليل الصحيح والضعيف، ويجد كتب الاحكام قد خرجت وظهرت ببيان الاحكام صحة وضعفاً، وقبولاً ورداً، حتى كتب التفسير خرجت أحاديث كثيرة منها.
ولا يجوز لمن يحب السنة أن يبتعد عن الاستفادة من كتب محدث العصر الشيخ ناصر الدين الالباني -رحمه الله- وبحوثه، والله من وراء القصد.
ويعجبني أن أن أنقل في هذا الفصل كلاماً رصيناً قوياً لشيخنا العلامة محمد الأأمين الشنقيطي.
قال -رحمه الله-: (وبهذا تعلم أيها المسلم المنصف أنّه يجب عليك الجدُّ والاجتهاد في تعلم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلّم وبالوسائل النافعة المنتجة والعمل بكل ما علّمك الله منها علماً صحيحا.
ولتعلم أنّ تعلم كتاب الله وسنة رسوله في هذا الزمان أيسر منه بكثير في القرون الأولى لسهولة معرفة جميع ما يتعلّق من ناسخ ومنسوخ، وعام وخاص، ومطلق ومقيد، ومجمل مبين، وأحوال الرجال من رواة الحديث، والتمييز بين الصحيح والضعيف؛ لأن الجميع ضبط وأتقن ودوّن ، فالجميع سهل التناول اليوم.
فكل آية من كتاب الله قد عُلم ما جاء فيها عن النبي -صلى الله عليه وسلّم- ثم عن الصحابة والتابعين وكبار المفسرين.
وجميع الأحاديث الواردة عنه -صلى الله عليه وسلم- حفظت ودونت وعلمت أحوال متونها وأسانيدها وما يتطرق إليها من العلل والضعف.
فجميع الشروط التي اشترطوها في الاجتهاد يسهل تحصيلها جداً على من رزقه الله علما وفهماً، والناسخ والمنسوخ، والخاص والعام والمطلق والمقيد ونحو ذلك يسهل معرفته اليوم على كل ناظر في الكتاب والسنة ممن رزقه الله فهما ووفقه لتعلم كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلّم-(2) .
وجاء الشيخ الألباني محمد ناصر الدّين في سنة 1388هـ إلى المدينة النبوية، ونزل في بيت الشيخ عمر فلاتة -رحمهما الله- وكانت مجالسه تكون مشهودة محضورة، فسألته عن قول ابن صلاح رحمه الله: (( إذا وجدنا فيما يروى من أجزاء الحديث وغيرها حديثاً صحيح الإسناد ولم نجده في أحد الصحيحين، ولا منصوصاً على صحته في شيء من مصنفات أئمة الحديث المعتمدة المشهورة فإنا لا نتجاسر على جزم الحكم بصحته، فقد تعذّر في هذه الأعصار الاستقلال بإدراك الصحيح بمجرد اعتبار الأسانيد ..)) (3).
فأجاب الشيخ -رحمه الله-: (بل في هذا الزمن الحكم الأحاديث أيسر وأسهل مما كان في القرون الأولى ، ومن هذا الزمن الماضي القريب فقد تيسر الاطلاع على مخطوطات كتب السنة وصورها المنتشرة في بلاد الإسلام وسهل معرفة الرواة المتابعات والشواهد).
أقول: قد قال الإمامان هذا القول قبل خمسين أو أربعين سنة ، ولم تكن الآلة الحديثة (الحاسب الآلي ) اخترعت تلك الأيام التي تجمع للباحث الأحاديث والآثار وتراجم الرواة وكتب العلل والناسخ والمنسوخ في دقائق ما لم تكن تجتمع في القديم خلال شهور ، وأسابيع بل سنين، بل كانت تحتاج إلى رحلات طويلة مضنية .
وإلى وقت قريب كان صاحب (تحفة الاحوذي ) -رحمه الله- عند تأليفه (شرح سنن الترمذي) يذهب مسافراً إلى (بيهار) عند العلامة الشيخ عبد الحق العظيم آبادي لمراجعة (تهذيب التهذيب) ، (وثقات ابن حبان) وغيرهما من الكتب التي لم تتيسر له في بلده- والحمد لله ربّ العالمين.
ولكن لا ينبغي أن تستعمل هذه الآلة إلا مثل الفهارس ، فلابد أن يرجع الباحث بعد الاستهداء عن طريقها إلى الكتب المظبوعة الموثوقة.
وينبغي لطالب الحق أن يستفيد من كتاب (أدب الطلب ومنتهى الأرب ) للشوكاني رحمه الله في هذه المسألة.اهـ
____________
(1) الشرح الممتع على زاد المستقنع (1:98 وما قبلها مؤسسة آسام الرياض الطبعة الرابعة 1416هـ)
(2) أضواء البيان (7-437/43 )
(3) علوم الحديث لابن الصلاح (12-13)