ويكون الربا في أموال خاصة بيَّنها النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير، والملح بالملح» [(45)]. هذه الأشياء الستة متفق على جريان الربا فيها، فإذا أبدل جنس بمثله لزم فيه شيئان: التساوي، والتقابض في مجلس العقد، وإذا بيع بغير جنسه لزم فيه أمر واحد وهو التقابض في مجلس العقد إلا بين الذهب والفضة وسواهما فإنه لا يشترط التقابض في مجلس العقد.
لكن قد يقول قائل: إن قوله: «إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد» [(46)] يشمل ما إذا باع برّاً بفضة فإن الجنس مختلف، وإذا طبقنا هذا على الحديث قلنا: لا بد أن يكون يداً بيد؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قال: «إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد»
نقول: نعم هذا هو مقتضى هذا الحديث لكن يخصصه ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم الرسول صلّى الله عليه وسلّم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال: «من أسلف في تمرٍ فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» [(47)]. ومعنى يسلفون يعني يقدمون الدراهم ـ الثمن ـ ويؤخرون المثمن، يعني يأتي الرجل ويشتري من صاحب البستان تمراً لمدة سنة أو سنتين بدراهم يعطيه إياها نقداً، فهنا اشترى تمراً بدراهم مع تأخر القبض، والسلم جائز بالإجماع، وهذا هو الدليل لتخصيص قول النبي عليه الصلاة والسلام: «فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد»
أما ما عدا هذه الستة فإن من أهل العلم من قال: ليس فيها ربا، كل شيء سوى هذه الستة لا ربا فيه، ومنهم من قال: إن ما كان بمعناها فله حكمها؛ فالأوراق النقدية المستعملة الآن بدل النقد يكون لها حكم ذلك النقد، فإذا كانت أوراق جعلت عوضاً عن فضة فلها حكم الفضة لكن إذا اختلف جنسها دخلت في عموم قوله: «إذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد» .

كذلك الذرة والأرز ليس من الأصناف الستة لكنهما بمعنى الأصناف الستة، فإنك لا تجد فرقاً بين البر والأرز أو بين الشعير والذرة، كل منهما طعام يقتات، أما الفواكه كالبرتقال والعنب فليس فيها ربا، فيجوز أن تعطيني كيلوين بكيلوين ونصف أو بثلاثة من العنب، يعني كيلوين عنب بكيلوين ونصف عنب لا بأس؛ لأن هذا لا يجري فيه الربا. كذلك سيارة بسيارتين يجوز لأنه ليس من الأصناف الستة، وبعير ببعيرين يجوز لأنها ليست من الأصناف الستة، وطن من حديد بطن ونصف يجوز لأنه ليس من الأصناف الستة، وعلى هذا فقس
فأنت إذا عرفت الأصناف الستة وما كان بمعناها تماماً فما عدا ذلك فقد قال الله فيه: {{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}} [البقرة: 275] . لو باع ثوباً بثوبين يجوز ولو مع عدم التقابض؛ لأن هذا لا يجري فيه الربا.

من تفسير سورة آل عمران المجلد الثاني لفضيلة الشيخ صالح بن عثيمين رحمه الله