إعـــــــلان

تقليص
1 من 4 < >

تحميل التطبيق الرسمي لموسوعة الآجري

2 من 4 < >

الإبلاغ عن مشكلة في المنتدى

تساعدنا البلاغات الواردة من الأعضاء على منتدى الآجري في تحديد المشكلات وإصلاحها في حالة توقف شيء ما عن العمل بشكل صحيح.
ونحن نقدّر الوقت الذي تستغرقه لتزويدنا بالمعلومات عبر مراسلتنا على بريد الموقع ajurryadmin@gmail.com
3 من 4 < >

فهرسة جميع الشروح المتوفرة على شبكة الإمام الآجري [مبوبة على حسب الفنون] أدخل يا طالب العلم وانهل من مكتبتك العلمية

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه - وعلى آله ومن ولاه وبعد :

فرغبة منا في تيسير العلم واشاعته بين طلابه سعينا لتوفير جميع المتون وشروحها المهمة لتكوين طلبة العلم ، وقد قطعنا شوطا لابأس به في ذلك ولله الحمد والمنة وحده ، إلا أنه إلى الآن يعاني بعض الأعضاء والزوار من بعض الصعوبات في الوصول للشروح والمتون المرادة لتداخل الشروح أو لقلة الخبرة التقنية .

من أجل هذا وذاك جاء هذا الموضوع ليكون موضوعا مرجعا جامعا مرتبا بإذن الله لكل المواد العلمية الموضوعة حاليا في شبكتنا ومرتبا على حسب أبواب الفنون العلمية (العقيدة، الفقه، الحديث،...)وسنحاول أيضا ترتيبها على مستويات الطلب (المبتدئ ، المتوسط ، المنتهي) سيتم تحديثه تبعا بعد إضافة أي شرح جديد .

من هـــــــــــنا
4 من 4 < >

تم مراقبة منبر المسائل المنهجية

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-

تعلم إدارة شبكة الإمام الآجري جميع الأعضاء الكرام أنه قد تمت مراقبة منبر المسائل المنهجية - أي أن المواضيع الخاصة بهذا المنبر لن تظهر إلا بعد موافقة الإدارة عليها - بخلاف بقية المنابر ، وهذا حتى إشعار آخر .

وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه .

عن إدارة شبكة الإمام الآجري
15 رمضان 1432 هـ
شاهد أكثر
شاهد أقل

الذب المأمول عن العلامة المحدث الألباني للشيخ محمد بن عمر بازمول

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • [سلسلة] الذب المأمول عن العلامة المحدث الألباني للشيخ محمد بن عمر بازمول

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله و الصلاة والسلام على رسول الله و على آله و أصحابه ومن اقتفى أثره و اتبع خطاه .
    أما بعد :

    فقد وقفت على كلام للشيخ محمد بن عمر بازمول يذب فيه عن محدث الوقت ناصر السنة و الدين قامع البدع في شرحه على كتاب صفة صلاة النبي صلى الله عليه و سلم فأحببت أن أنقله نشرا للعلم وذبا عن الشيخ رحمه الله تعالى دون تصرف مني وستكون إن شاء الله تعالى على حلقات وبالله التوفيق .

    سميتها الذب المأمول عن العلامة المحدث الفقيه الإمام الألباني للعلامة محمد بن عمر بازمول حفظه الله تعالى

    الحلقة الأولى:
    قال الشيخ محمد بن عمر بازمول حفظه الله تعالى :

    مقدمة التعريف بالمصنف و الكتاب و موضوعه

    الشيخ العلامة المحدث الإمام أبوعبدالرحمن محمد ناصر الدين ابن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم الأشقودري الألباني الأرناؤوطي.
    ولد بأشقودرة مدينة ألبانية على بحيرة شقودر في الثلث الأول من القرن الثالث عشر الهجري 1332 هـ ، ثم هاجر به أبوه إلى الشام ، و استقر بها .
    فهو ألباني الأصل شامي المنشأ و الحياة .
    توفي بعمان عام 1420هـ رحمه الله تعالى و أسكنه فسيح جناته.
    حبب الله إلى قلبه علم الحديث ، بعد مقالات قرأها للسيد محمد رشيد رضا في (( مجلة المنار)) فأقبل على دراسة الحديث و علومه ، و ترسم منهج أهل الحديث حتى خالط مشاشته ، فما عاد يعرف إلا بالحديث و طريقته و أهله مذهبا و منهجا ، فهو رجل الحديث و إمامه السائر على منهج السلف الصالح !
    تميز في فقهه بالإتباع للآثار ؛ بل إنه صرح أنه لا يقول بقول في مسألة إلا و له فيها سلف .
    هذا الرجل هو شيخ الحديث في هذا العصر ، يلقب بمحدث الشام ، ولو قيل محدث الدنيا ، لاستحق ذلك ، و لا أزكي على الله أحدا .
    و قد تعرض كحال غيره من أئمة الدين ، لعداوات و خصومات و رمي بأمور وخلاصة ما رموه به أن قالوا عنه :

    o مرجيء
    o محدث ليس بفقيه .
    o لا علم له بالأصول .
    o لا شيوخ له .
    o شاذ منفرد مخالف .
    o لا يحترم العلماء و لا يعرف قدرهم .
    o ظاهري المذهب .
    o متساهل في التصحيح .
    o متناقض في أحكامه على الحديث .
    o لا يهتم بنقد المتن .
    وهذه الأمور في الغالب ما يرمى به أهل الحديث في كل عصر ، و قد رأيت عرضها و ردها ، ذبا عنهم وعنه :
    أما قولهم مرجيء :
    فإن عمدتهم في هذا أمور هي :
    · أن الشيخ قال في بعض الأشرطة المسجلة : إن الإيمان هو التصديق . و قرر أن الأعمال شرط كمال .
    · أن الشيخ لا يرى التكفير إلا بالإعتقاد .
    · أن الشيخ لا يكفر تارك الصلاة .
    و الرد على ذلك في النقاط التالية :
    أولا : لا أزكي على الله أحدا ، ولكن الذي أعلمه و أتيقنه أن الشيخ رحمه الله تعالى رجل من أهل السنة وعلم من أعلامها ، مشهود له بذلك من أئمة كبار ، وهو مع هذا غير معصوم عن الخطأ .
    ثانيا : الشيخ بريء من الإرجاء و يدل على ذلك :
    أن الطحاوي رحمه الله تعالى لما قال في عقيدته : (( و الإيمان هو الإقرار باللسان و التصديق بالجنان )) اهـ.
    علق الألباني بقوله رحمه الله تعالى : (( هذا مذهب الحنفية و الماتريدية ، خلافا للسلف وجماهير الأئمة كمالك و الشافعي و أحمد و الأوزاعي و غيرهم ، فإن هؤلاء زادوا على الإقرار و التصديق : العمل بالأركان .
    و ليس الخلاف بين المذهبين اختلافا صوريا كما ذهب إليه الشارح – رحمه الله تعالى – بحجة أنهم جميعا اتفقوا على أن مرتكب الكبيرة لا يخرج عن الإيمان ، و أنه في مشيئة الله ، إن شاء عذبه و إن شاء عفا عنه ، فإن هذا الاتفاق و إن كان صحيحا ، فإن الحنفية وإن كانوا غير مخالفين للجماهير مخالفة حقيقية في إنكارهم أن العمل من الإيمان ، لاتفقوا معهم على أن الإيمان يزيد و ينقص ، و أن زيادته بالطاعة و نقصه بالمعصية ، مع تضافر أدلة الكتاب و السنة و الآثار السلفية على ذلك ، و قد ذكر الشارح طائفة طيبة منها (342-344) و لكن الحنفية أصروا على القول بخلاف تلك الأدلة الصريحة في الزيادة و النقصان ، و تكلفوا في تأويلها تكلفا ظاهرا ، بل باطلا ، ذكر الشارح (342) نموذجا منها ، بل حكى عن أبي معين النسفي أنه طعن في صحة الحديث { الإيمان بضع و سبعون ..........} مع احتجاج كل أئمة الحديث به ، منهم البخاري و مسلم في صحيحيهما وهو مخرج في (( الصحيحة ))(1769) وما ذلك إلا لأنه صريح في مخالفة مذهبهم !.
    ثم كيف يصح أن يكون الخلاف المذكور صوريا وهم يجيزون لأفجر واحد منهم أن يقول إيماني كإيمان أبي بكر الصديق ! بل كإيمان الأنبياء و المرسلين و جبريل و ميكائيل – عليهم الصلاة و السلام ؟ !
    كيف وهم بناءا على مذهبهم هذا لا يجيزون لأحدهم – مهما كان فاجرا فاسقا – أن يقول : أنا مؤمن إن شاء الله تعالى ، بل يقول : أنا مؤمن حقا ! و الله عز وجل يقول { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا } [ الأنفال:2-4] ،{ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء:122].
    وبناء على ذلك كله اشتطوا في تعصبهم فذكروا أن من استثنى في إيمانه فقد كفر ! وفرعوا عليه أنه لا يجوز للحنفي أن يتجوز بالمرأة الشافعية ! و تسامح بعضهم – زعموا – فأجاز ذلك دون العكس ، و علل ذلك بقوله : تنزيلا لها منزلة أهل الكتاب !
    و أعرف شخصا من شيوخ الحنفية خطب ابنته رجل من شيوخ الشافعية ، فأبى قائلا ....لولا أنك شافعي ! فهل بعد هذا مجال للشك في أن الخلاف حقيقي ؟
    ومن شاء التوسع في هذه المسألة فليرجع إلى كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية (الإيمان) فإنه خير ما ألف في هذا الموضوع .اهـ.
    و قول الألباني في كتابه ( الذب الأحمد عن مسند الإمام أحمد ) يبدو لي و الله أعلم من مجموع كلامه ( يعني عبد القدوس الهاشمي صاحب المقالة ) المتقدم بصورة عامة ومن قوله في هذه الفقرة بصورة خاصة (يعني قول الهاشمي المذكور) عن القطيعي راوية المسند ( وهذا الرجل كان فاسد العقيدة من أشرار الناس ) أن الرجل حنفي المذهب ماتريدي المعتقد ومن المعلوم أنهم لا يقولون بما جاء في الكتاب و السنة و آثار الصحابة ، من التصريح بإن الإيمان يزيد و ينقص و أن الأعمال من الإيمان و عليه جماهير العلماء سلفا و خلفا ، ما عدى الحنفية فإنهم لا يزالون يصرون على المخالفة بل إنهم ليصرحون بإنكار ذلك عليهم ، حتى إن منهم من صرح بأن ذلك ردة و كفر ، و العياذ بالله تعالى فقد جاء( في باب الكراهة ) من ( البحر الرائق) لأبن نجيم الحنفي ما نصه ( 8/ 205) (( و الإيمان لا يزيد و لا ينقص لأن الإيمان عندنا ليس من الأعمال ، )) اهـ ، و يعلق الألباني على هذا القطع عند طبع الكتاب عام 1420 هـ ، و قد بلغه رمي بعضهم له بالإرجاء (( أقول هذا ما كنت كتبته منذ أكثر من عشرين عاما مقررا مذهب السلف و عقيدة أهل السنة و الحمد لله في مسائل الإيمان ، ثم يأتي اليوم بعض الجهلة الأغمار و الناشئة الصغار فيرموننا بالإرجاء ، فإلى الله المشتكى من سوء ماهم عليه من جهالة وضلالة و غثاء ....)) اهـ .
    قلت : فهذا كلام صريح واضح من الألباني في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة في باب الإيمان فهو يقرر :
    · أن الإيمان تصديق بالجنان و قول باللسان و عمل بالجوارح و ليس مجرد تصديق .
    · أن العمل من الإيمان .
    · أن الإيمان يزيد و ينقص .
    · يزيد بالطاعة و ينقص بالمعصية .
    · و أن يقول المسلم : أنا مؤمن إن شاء الله .
    · و أن هذا الإستثناء ليس بشك في الإيمان .
    وفي كلامه السابق يصيح الشيخ بالبراءة من الإرجاء والمرجئة ، و يلزمهم بقولهم و مخالفتهم لأهل السنة والجماعة .
    ثالثا : من أين جاءت تهمة الإرجاء إلى الشيخ ؟.
    أقول : وقعت عبارات للشيخ توهم عند بعض ممن يريد طعنا في الشيخ أن هذه العبارات توهم بالإرجاء في فهمهم و نظرهم القاصر ، و الحق أن الشيخ لم ترد في عباراته حتى ما يوهم الإرجاء في فهمهم القاصر وهو في الحقيقة براء من الإرجاء و المرجئة ، بدليل كلامه السابق .
    و يتأكد هذا إذا علمت أن أغلب تلك الألفاظ جرت من الشيخ في حال البحث و المناقشة مع آخرين ، و سجلت تلك الجلسات ، و فيها جاءت تلك العبارات و معلوم أن مجلس البحث و النظر ليس كمجلس التقرير !.
    رابعا : ما جرى على لسانه من أن الإيمان هو التصديق دون أن يذكر باقي أركانه من العمل و الجوارح و القول باللسان إذ الإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان و عمل بالأركان ( الجوارح ) ، .
    أقول : إنما مراده بذلك أن الإيمان تصديق مخصوص و قد عبر بهذا الإمام ابن تيمية رحمه الله و الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله .
    قال ابن تيمية عن الإيمان (( ليس هو مطلق التصديق بل هو تصديق خاص ، مقيد بقيود اتصل اللفظ بها ، و ليس هذا نقلا للفظ و لا تغييرا فإن الله لم يأمرنا بإيمان مطلق ، بل بإيمان خاص و صفة و بينـــــــه .)) اهـ.
    و قال رحمه الله :(( القول المجرد عن اعتقاد الإيمان ليس إيمانا باتفاق المسلمين ، فليس مجرد التصديق بالباطن هو الإيمان عند عامة المسلمين ، إلا من شذ من أتباع جهم و الصالحي و في قولهم من السفسطة العقلية و المخالفة في الأحكام الدينية أعظم مما في قول ابن كرام إلا من شذ من أتباع ابن كرام .
    و كذلك تصديق القلب الذي ليس معه حب الله و لا تعظيم بل فيه بغض و عداوة لله و رسله ليس إيمانا باتفاق المسلمين )) اهـ.
    و قال أيضا رحمه الله : ( الإيمان في القلب لا يكون إيمانا بمجرد تصديق ليس معه عمل القلب و موجبه من محبة الله و رسوله ونحو ذلك ، كما أنه لا يكون إيمانا بمجرد ظن وهوى بل لابد في أصل الإيمان من قول القلب و عمل القلب ) اهـ.
    و قال الإمام محمد بن عبدالوهاب ) و أما ما سئلتم عنه : من حقيقة الإيمان ؟ فهو التصديق و أنه يزيد بالأعمال الصالحة و ينقص بضدها قال الله تعالى : { و يزداد الذين ءامنوا إيمانا } [ المدثر : 31] ، و قوله { فأما الذين ءامنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون } [ التوبة : 124] ، و قوله تعالى { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا } [ الأنفال : 2 ] ، وغير ذلك من الآيات ، قال الشيباني رحمه الله ) و إيماننا قول و فعل و نية و يزداد بالتقوى و ينقص بالردى ، وقوله صلى الله عليه و سلم (( الإيمان بضع و سبعون شعبة ، أعلاها قول لا إله إلا الله ، و أدناها إماطة الأذى عن الطريق )) و قوله صلى الله عليه و سلم (( فإن لم يستطع فبقلبه و ذلك أضعف الإيمان )) اهـ.
    فالإيمان تصديق مخصوص يدخل فيه العمل و القول أو يسلتزمه ، أما مجرد التصديق فإنه لا يرادف الإيمان و لا يطابقه .
    و من تأمل كلام الشيخ الألباني في هذا المحل من التسجيل الصوتي فهم أنه يريد ذلك قطعا وعلى كل حال أقول : لو سلمنا أنه لا يوجد في كلامه ما يبين أنه يريد بقوله : الإيمان هو التصديق يعني تصديقا مخصوصا ، فإننا نقول : هذا خطأ منه رحمه الله في التعبير ، الصواب في هذا ما قرره هو نفسه في مواطن أخرى من كلامه المكتوب و المسموع ومنه ما أوردته في البند الأول هنا من أن الإيمان تصديق في القلب و قول باللسان وعمل بالجوارح والله الموفق .
    خامسا :إ طلاقه : أن العمل شرط كمال في الإيمان أقول : هذه العبارة توهم أن العمل ليس من الإيمان و أن الإيمان يثبت بدون عمل و هذا ليس بقول أهل السنة .
    و الذي يظهر من سياق كلامه رحمه الله أنه إنما يريد أن التقصير في الأعمال الصالحة لا يبطل الإيمان فهو يريد بهذه العبارة الرد على الذين يشترطون لصحة الإيمان ألا يعمل معصية و ألا يقع صاحبه في تقصير لا إنه يريد أن الإيمان يثبت بدون عمل أصلا .
    و قد قرر الألباني أن العمل لابد منه في ثبوت الإيمان كما رأيت فيما سبق في الفقرة الثانية ، وأزيد هنا كلاما آخر في المسألة حيث قال رحمه الله : ( وعلى هذا فإذا قال المسلم ( لا إله إلا الله ) بلسانه فعليه أن يضم إلى ذلك معرفة هذه الكلمة بإيجاز ثم بالتفصيل فإذا عرف و صدق و آمن فهو الذي يصدق عليه تلك الأحاديث التي ذكرت بعضها آنفا ، ومنها قوله صلى الله عليه و سلم مشيرا إلى شيء من التفصيل الذي ذكرته آنفا : ( من قال لا إله إلا الله نفعته يوما من دهره ) أي : كانت هذه الكلمة الطيبة بعد معرفة معناها منجية له من الخلود في النار ، وهذا أكرره لكي يرسخ في الأذهان وقد لا يكون قد قام بقتضاها من كمال العمل الصالح و الإنتهاء عن المعاصي و لكنه سلم من الشرك الأكبر و قام بما يقتضيه و يستلزمه شروط الإيمان من الأعمال القلبية و الظاهرية حسب اجتهاد بعض أهل العلم وفيه تفصيل ليس هذا محل بسطه ).اهـ .
    و لعل من المهم أن أنبه هنا :
    أن على المسلم أن يحرص في كلامه في أمور الشرع ما استطاع على اتباع الألفاظ الواردة في القرآن العظيم و السنة النبوية وما ورد عن السلف الصالح و أنت ترى هنا مثالا لذلك ، فإن مسألة الإيمان استعملت فيها ألفاظ غير واردة و لا مأثورة ، سببت إيهاما و وهما غير مقصود ، من ذلك قولهم : ( الأعمال شرط كمال في الإيمان ) ، و قولهم : ( الأعمال شرط صحة في الإيمان ) ، فإن إطلاق هذه العبارة أو تلك يوهم بمذاهب أهل البدع ، فالأولى توهم عند إطلاقها بمذهب المرجئة وأن العمل ليس من الإيمان ، و أن الإيمان يثبت دون عمل ، و الأخرى توهم عند إطلاقها بمذهب الخوارج وأن من قصر في العمل لا يصح إيمانه .
    و الحقيقة أن هذه الألفاظ مجملة لابد فيها من بيان فلا تقبل و لا ترد إلا بعد الإستفصال عن مراد أصحابها .
    فإن أراد من قال : الأعمال شرط كمال ، أن التقصير في العمل سبب في نقص الإيمان فهو يزيد بالطاعة و ينقص بالمعصية ، و قد ينقص حتى يزول إذا ترك العمل بالكلية مع القدرة و عدم المانع فهذا معنى قول أهل السنة والجماعة ، ولكن الخطأ في العبارة !
    و إن أراد أن الإيمان يثبت في أصله بغير عمل و أن العمل ليس من حقيقة الإيمان فهذا قول المرجئة .
    ومن قال : الأعمال شرط في صحة الإيمان ، إذا كان مراده أن أصل الإيمان لا يثبت إلا بعمل ، فلا إيمان إلا بعمل ، ومن قصر في العمل أنقص من إيمانه ؛ فإن هذا هو قول أهل السنة و الجماعة ، إذ الظاهر و الباطن متلازمان ! فالأعمال شرط في صحة ثبوت الإيمان و هي شرط في كمال الإيمان بعد ثبوته !
    و إن أراد أن من أنقص العمل ذهب إيمانه ، لأن الإيمان إذا نقص بعضه ذهب كله ، فلا يصح إيمان مع نقص العمل ، فهذا قول الخوارج .
    هل رأيت مقدار التفصيل و التطويل في الشرح و مقدار الوهم و الإيهام الذي يحصل بسبب هذه العبارات ؟!
    و يغني عن ذلك جميعه أن تقول كما قال السلف : الإيمان تصديق بالقلب و قول باللسان و عمل بالجوارح يزيد بالطاعة و ينقص بالمعصية ، و قد ينقص حتى يصير مثل الهباء و يعدم .
    و أختم هذه القضية بهذا النقل :
    قال ابن أبي زيد القيرواني ( ث 386هـ) رحمه الله : ( و أن الإيمان قول باللسان و إخلاص بالقلب وعمل بالجوارح ، و يزيد بالطاعة و ينقص بالمعصية ، نقصا عن حقائق الكمال لا محبطا للإيمان ، ولا قول إلا بعمل ، ولا قول وعمل إلا بنية ، و لا قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة ، وأنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب و إن كان كبيرا و لا يحبط الإيمان غير الشرك بالله كما قال سبحانه :{ لئن أشركت ليحبطن عملك و لتكونن من الخاسرين } [ الزمر : 65] ، و إن الله تبارك وتعالى { لا يغفر أن يشرك به و يغفر مادون ذلك لمن يشاء } [النساء :48] اهـ.
    قال ابن تيمية رحمه الله : ( أصل الإيمان في القلب وهو قول القلب وعمله وهو إقرار بالتصديق و الحب والإنقياد ، وما كان في القلب فلابد أن يظهر موجبه و مقتضاه على الجوارح ، و إذا لم يعمل بموجبه و مقتضاه دل على عدمه أو ضعفه ؛ ولهذا كانت الأعمال الظاهرة من موجب إيمان القلب و مقتضاه وهي تصديق لما في القلب ودليل عليه و شاهد له ، و هي شعبة من مجموع الإيمان المطلق و بعض له ، لكن مافي القلب هو الأصل لما على الجوارح ، كما قال أبو هريرة رضي الله عنه : ( إن القلب ملك والأعضاء جنوده ن فإن طاب الملك طابت جنوده ، وإذا خبث الملك خبثت جنوده ) اهـ .
    و في الصحيحين عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال : ( إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد ، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ، ألا وهي القلب ) اهـ.
    يتبع إن شاء الله تعالى

    الحلقة الثانية من قوله سادسا:
    قوله ((
    أن الذي يخرج من الملة هو الكفر الإعتقادي ))
    التعديل الأخير تم بواسطة أبو الحسين عبد الحميد الصفراوي; الساعة 11-Dec-2013, 05:14 PM.

  • #2
    سلسلة الذب المأمول عن العلامة الألباني للعلامة محمد بن عمر بازمول الحلقة الثانية

    الحلقة الثانية
    سادسا : قوله ((
    أن الذي يخرج من الملة هو الكفر الإعتقادي ))

    أقول : هذه العبارة وقعت للشيخ رحمه الله ، وهي توهم أن لا كفر إلا الكفر الإعتقادي ، مع أن المقرر أن الكفر الأكبر المخرج من الملة [ خمسة أنواع : كفر تكذيب ، و كفر استكبار و إباء مع التصديق ، وكفر إعراض ، وكفر شك ، وكفر نفاق ] ، فقد يحكم بكفر الشخص بالعمل أو بالقول ، أو بالشك ، أو بالتكذيب ، فلم ينحصر الكفر في الإعتقاد .
    أقول : الشيخ رحمه الله جرت العبارة في لسانه من خلال وقوفه على كلام ابن قيم الجوزية الذي استعمل فيه نحو هذه العبارة ، حيث قال ابن القيم رحمه الله ( إن الكفر نوعان : كفر عمل . و كفر جحود و عناد .
    الجحود : أن يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند الله جحودا و عنادا من أسماء الرب و صفاته و أفعاله و أحكامه ، وهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه .
    أما كفر العمل فينقسم إلى : ما يضاد الإيمان ، و إلى ما لا يضاده.
    فالسجود للصنم و الإستهانة بالمصحف و قتل النبي و سبه يضاد الإيمان .
    و أما الحكم بغير ما أنزل الله ، و ترك الصلاة فهو من الكفر العملي قطعا ، ولا يمكن أن ينفي عنه أسم الكفر بعد أن أطلقه الله و رسوله عليه ، فالحاكم بغير ما أنزل الله كافر ، و تارك الصلاة كافر ، بنص رسول الله و لكن ؛ هو كفر عمل لا كفر اعتقاد .
    و من الممتنع أن يسمي الله سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله كافرا ، و يسمي رسول الله تارك الصلاة كافرا ، و لا يطلق عليهما اسم الكفر ، و قد نفى رسول الله الإيمان عن الزاني و السارق و شارب الخمر و عمن لا يأمن جاره بوائقه ، و إذا نفي عنه اسم الإيمان فهو كافر من جهة العمل وانتفى عنه كفر الجحود و العناد .
    ثم قال : فالإيمان العملي يضاده الكفر العملي ، و الإيمان الإعتقادي يضاده الكفر الإعتقادي ، و قد أعلن النبي بما قلناه في قوله في الحديث الصحيح : ((سباب المسلم فسوق و قتاله كفر)) ففرق بين قتاله و سبابه و جعل أحدهما فسوقا لا يكفر به و الآخر كفرا ، ومعلوم أنه إنما أراد الكفر العملي لا الإعتقادي ، وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية ، لا يخرج الزاني و السارق و الشارب من الملة و إن زال عنه اسم الإيمان )) اهـ .
    و الشيخ لما روجع في ذلك أثبت أنه يكفر بمجرد القول و بمجرد الفعل ، إذا كان يضاد الإيمان ، فهو يحكم بكفر ساب الدين ، إذا أصر بعد العلم ، وقرر أن من يدوس المصحف مع علمه به و قصده له فقد كفر كفرا مخرجا من الملة .
    بل قد نص على أنه يحصر الكفر في الإعتقاد و في العمل الدال على الإعتقاد وهو يعني بهذا : العمل الذي يضاد الإيمان ، وظهرت إرادة الشخص و قصده فيه للفعل ( عملا و قولا).
    ومن ذلك ما جاء في تعليقه على قول سفر الحوالي –شفاه الله - :(مع أن الكفر في الشرع : منه كفر تكذيب ، وكفر استهزاء ، وكفر إباء و امتناع و إعراض ، وكفر شك ) اهـ.
    يعلق الألباني بقوله :(( هذه كلها من أعمال القلوب ، فليست كفرا عمليا محضا و بعضها ينبيء عما في القلب و ليس كل عمل كذلك بداهة ، كقتال المسلم)) اهـ.
    وعموما : فإن إطلاق القول : أن لا كفر إلا بالإعتقاد ، عبارة لا تتفق مع ما يقرره أهل السنة في الباب وما انتهى إليه قول الشيخ في المسألة ، يوضح أن إطلاقها عنده غير مراد ، و الحمد لله .
    سابعا : قوله : إن تارك الصلاة لا يكفر .
    أقول : الشيخ يقول إن تارك الصلاة كسلا و تهاونا لا يكفر ، و لا يقصد من تركها بالكلية فلم يصل يوما إلى أن توفاه الله مع القدرة وعدم المانع ، بل يقصد : من يصلي أحيانا و يتكاسل و يتهاون أحيانا حتى يخرج و قتها من غير أن يصليها بلا عذر.
    و للشيخ كلام نص في هذا ، فتراه يعلق على قول ابن تيمية رحمه الله :( وبهذا تزول الشبهة في هذا الباب ، فإن كثيرا من الناس بل أكثرهم في كثير من الأمصار لا يكونون محافظين على الصلاوات الخمس ، ولا هم تاركيها بالجملة ، بل يصلون أحيانا و يدعون أحيانا ، فهؤلاء فيهم إيمان ونفاق ، وتجري عليهم أحكام الإسلام الظاهرة في المواريث و نحوها من الأحكام ، فإن هذه الأحكام إذا جرت على المنافق المحض كابن أبي و أمثاله من المنافقين فلأن تجري على هؤلاء أولى و أحرى) اهـ.
    يعلق الألباني على قول ابن تيمية هذا فيقول )) كلام عدل من كلام شيخ الإسلام وهو ينافي قول من يقول بتكفير تارك الصلاة ولو مرة واحدة بعد خروج وقتها ! و يوضح أن الذي يكفر إنما هو المعاند ، وقد مثل له بما تقدم ، كمن عرض على السيف إلا أن يصلي فأبى)) اهـ.
    ولما قال الشيخ سفر الحوالي –عافاه الله- عن رسالة الألباني في حكم تارك الصلاة (( حيث جعل [أي الألباني] التارك الكلي مؤمنا من أهل الشفاعة و ركب رسالته كلها على هذا !)) اهـ.
    تعقبه الألباني بقوله : (( ليس كذلك ، فالرسالة قائمة على تارك الصلاة كسلا)) اهـ.
    وقال في تعليق آخر )) من لوازم التحقيق بل من ضرورياته – أن يبين المؤلف رأيه بوضوح : ماهو مذهب السلف ؟! أهو التكفير بصلاة واحدة فقط؟ أم بإصراره على تركها مطلقا ؛ بحيث يموت و قد شاخ و لم يصل لله صلاة ؟! أو هو الذي رفع أمره إلى الحاكم ، فأمره بالصلاة ، فأبى فقتل ؟!)) اهـ.
    ولما قال الشيخ سفر الحوالي – شفاه الله -: (( فمن ترك الصلاة بالكلية ؛ فهو من جنس هؤلاء الكفار ، ومن تركها في أكثر أحيانه فهو إليهم أقرب ، وحاله بهم أشبه ، من كان يصلي أحيانا و يدع أحيانا فهو متردد متذبذب بين الكفر و الإيمان و العبرة بالخاتمة ، و ترك المحافظة غير الترك الكلي الذي هو كفر )) اهـ.
    علق عليه الألباني رحمه الله :(( وهذا التفصيل نراه جيدا و لكن: هل علة الكفر في هذه الحالة هو الترك لأنه ترك؟ أم لأنه يدل بظاهره على العناد و الإستكبار ، وهو الكفر القلبي ؟ ! هذا هو الظاهر وهو مناط الحكم بالكفر ، و ليس مجرد الترك ، وهو معنى ما كنت نقلته في رسالتي عن ابن تيمية (ص- 44-46) وهو المصر على الترك مع قيام الداعي على الفعل _ كما فصلته هناك – فراجعه فكلام المؤلف لا يخرج عنه بل يبينه و يوضحه) اهـ.
    وهذا القول الذي اختاره الألباني رحمه الله في حكم تارك الصلاة هو من أقوال أهل السنة والجماعة في المسألة :
    قال أبو عمر بن عبد البر(ت-463هـ) رحمه الله عن القول بأن تارك الصلاة كسلا وتهاونا بغير جحود لا يخرج من الإسلام وهو مؤمن ناقص الإيمان :( هذا قول قد قال به جماعة من الأئمة ممن يقول : الإيمان قول و عمل .
    وقالت به المرجئة أيضا ، إلا أن المرجئة تقول: المؤمن المقر مستكمل الإيمان .... فأما أهل البدع فإن المرجئة قالت : تارك الصلاة مؤمن مستكمل الإيمان ، إذا كان مقرا غير جاحد ، و مصدقا غير مستكبر، و حكيت هذه المقالة عن أبي حنيفة و سائر المرجئة وهو قول جهم.
    و قالت المعتزلة : تارك الصلاة فاسق ، لامؤمن ولا كافر ، وهو مخلد في النار إلا أن يتوب.
    وقالت الصفرية و الأزارقة من الخوارج: هو كافر ، حلال الدم والمال.
    وقالت الإباضية : هو كافر ، غير أن دمه وماله محرمان ، و يسمونه كافر نعمة ، فهذا جميع ما اختلف فيه أهل القبلة في تارك الصلاة )اهـ.
    وقال مجد الدين ابن تيمية رحمه الله :(ومن أخر الصلاة تكاسلا لا جحودا أمر بها ، فإن أصر حتى ضاق وقت الأخرى وجب قتله، وعنه لا يجب إلا بترك ثلاث و بضيق وقت الرابعة ، و يستتاب بعد وجوب قتله ثلاثة أيام ، و يقتل حدا ، وعنه كفرا)اهـ.
    وقال حفيده تقي الدين ابن تيمية رحمه الله )جاء في بعض الأحاديث ذكر بعض الأركان دون بعض ، ولهذا تنازع العلماء في تكفير من ترك شيئا من هذه الفرائض الأربع [الصلاة ، والزكاة ، والصوم ، والحج ] بعد الإقرار بوجوبها.
    فأما الشهادتان إذا لم يتكلم بهما مع القدرة ، فهو كافر باتفاق المسلمين ، وهو كافر باطنا و ظاهرا عند سلف الأمة و أئمتها وجماهير علمائها.
    وأما الفرائض الأربع فإذا جحد وجوب شيء منها بعد بلوغ الحجة فهو كافر ، وكذلك من جحد تحريم شيء من المحرمات الظاهرة المتواتر تحريمها كالفواحش و الظلم والكذب والخمر ونحو ذلك.
    وأما من لم تقم عليه الحجة ؛ مثل أن يكون حديث عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه فيها شرائع الإسلام ونحو ذلك ، أو غلط فظن أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستثنون من تحريم الخمر ، كما غلط في ذلك الذين استتابهم عمر ، وأمثال ذلك ؛ فإنهم يستتابون و تقام الحجة عليهم ، فإن أصروا كفروا حينئذ ، ولا يحكم بكفرهم قبل ذلك ، كما لم يحكم الصحابة بكفر قدامة بن مظعون ، و أصحابه لما غلطوا فيه من التأويل.
    وأما مع الإقرار بالوجوب إذا ترك شيئا من هذه الأركان الأربعة ، ففي التكفير أقوال للعلماء ، هي روايات عن أحمد:
    أحــدها: أنه يكفر بترك واحد من الأربعة ، حتى الحج و إن كان جواز تأخيره نزاع بين العلماء ، فمتى عزم على تركه بالكلية كفر، وهذا قول طائفة من السلف ، وهي أحدى الروايات عن أحمد اختارها أبوبكر.
    و الثاني: أنه لا يكفر بترك شيء من ذلك مع الإقرار بالوجوب، وهذا هو المشهور عند كثير من الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة ، ومالك ،والشافعي ، وهو إحدى الروايات عن أحمد اختارها ابن بطة و غيره.
    والثالث: لا يكفر إلا بترك الصلاة ، وهي الرواية الثالثة عن أحمد ، وقول كثير من السلف ، وطائفة من أصحاب مالك و الشافعي ، وطائفة من أصحاب أحمد .
    والرابع : يكفر بترك الصلاة و ترك الزكاة .
    والخامس : يكفر بتركها و ترك الزكاة، إذا قاتل عليها دون ترك الصيام و الحج .
    وهذه المسألة وهي : هل يكفر من أقر بالشهادتين ، وبوجوب الصلاة و الصوم و الزكاة والحج ، إذا ترك شيئا من هذه الأركان الأربعة؟ - لها طرفان:
    أحدهما : في إثبات الكفر الظاهر .
    والثاني : في إثبات الكفر الباطن .
    فأما الطرف الثاني فهو مبني على مسألة كون الإيمان قولا و عملا .
    ومن الممتنع أن يكون الرجل مؤمنا إيمانا ثابتا في قلبه بأن الله فرض عليه الصلاة و الزكاة و الصيام و الحج ، و يعيش دهره لا يسجد لله سجدة ، و لا يصوم من رمضان ، ولا يؤدي زكاة ، ولا يحج إلى بيته ، فهذا ممتنع.
    ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب ، وزندقة ، لا مع إيمان صحيح....
    ولا يتصور في العادة أن رجلا يكون مؤمنا بقلبه ، مقرا بأن الله أوجب عليه الصلاة ملتزما لشريعة النبي صلى الله عليه و سلم وما جاء به ، يأمره ولي الأمر بالصلاة فيمتنع حتى يقتل ، ويكون مع ذلك مؤمنا في الباطن فقط، لا يكون إلا كافرا.
    ولو قال : أنا مقر بوجوبها ، غير أني لا أفعلها ، كان هذا القول مع هذه الحالة كذبا منه، كما لو أخذ يلقي المصحف في الحش ، ويقول : أشهد أن ما فيه كلام الله ، أو جعل يقتل نبيا من الأنبياء و يقول : أشهد أنه رسول الله ، ونحو ذلك من الأفعال التي تنافي إيمان القلب ، فإذا قال : أنا مؤمن بقلبي مع هذه الحالة ، كان كاذبا فيما أظهره من القول .
    فهذا الموضع ينبغي تدبره: فمن عرف إرتباط الظاهر بالباطن زالت عنه الشبهة في هذا الباب ، وعلم أن من قال من الفقهاء : أنه إذا أقر بالوجوب و امتنع عن الفعل لا يقتل ، أو يقتل مع إسلامه ، فإنه دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة و الجهمية ، والتي دخلت على من جعل الإرادة الجازمة مع القدرة التامة لا يكون بها شيء من الفعل ، ولهذا كان الممتنعون من قتل هذا من الفقهاء بنوه على قولهم في مسألة الإيمان ، وأن الأعمال ليست من الإيمان ، وقد تقدم : جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب .
    و أن إيمان القلب التام بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع سواء جعل الظاهر من لوازم الإيمان أو جزء من الإيمان كما تقدم بيانه .
    وحينئذ فإذا كان العبد يفعل بعض المأمورات و يترك بعضها كان معه من الإيمان بحسب ما فعله ، و الإيمان يزيد و ينقص ، ويجتمع في العبد إيمان ونفاق كما ثبت عنه في الصحيح أنه قال: (( أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا حدث كذب ، وإذا اؤتمن خان ، و إذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر .)) اهـ.
    ثامنـــــا : محل الإرجاء في هذه المسألة هو في قول من قال من الفقهاء : إنه إذا أصر على ترك الصلاة وهو يدعى إليها و يرى بارقة السيف حتى يقتل ؛ أنه يقتل حدا لا ردة !
    أو قال : من امتنع عن فعل الصلاة لا يقتل !
    أو قال : من أقر بالصلاة و لم يلتزم وجوبها فهو مؤمن !
    أو قال : من ترك الصلاة كسلا و تهاونا هو مؤمن مستكمل الإيمان !
    أو قال : من أقر و لم يجحد وجوب الصلاة ، ثم هو تارك لها لم يفعلها بالكلية حتى يموت ، هو مؤمن !
    هذا هو محل الإرجاء .
    قال سفيان بن عيينة : (( فمن ترك خلة من خلال الإيمان كان بها عندنا كافرا ، ومن تركها كسلا أو تهاونا أدبناه وكان بها عندنا ناقصا )) اهـ.
    وقال ابن تيمية رحمه الله : ((فهذا الموضع ينبغي تدبره: فمن عرف إرتباط الظاهر بالباطن زالت عنه الشبهة في هذا الباب ، وعلم أن من قال من الفقهاء : أنه إذا أقر بالوجوب و امتنع عن الفعل لا يقتل ، أو يقتل مع إسلامه ، فإنه دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة و الجهمية ، والتي دخلت على من جعل الإرادة الجازمة مع القدرة التامة لا يكون بها شيء من الفعل ، ولهذا كان الممتنعون من قتل هذا من الفقهاء بنوه على قولهم في مسألة الإيمان ، وأن الأعمال ليست من الإيمان ))اهـ.
    قلـــــــــــت : فهذا هو محل الإرجاء في المسألة ، فلا يقال عمن قال : إن من ترك الصلاة كسلا وتهاونا من غير جحود وعناد ، ومن غير ترك لها بالكلية مع التزامه بفعلها و إقراره بوجوبها ؛ فلا يخرج من الملة ، وهو ناقص الإيمان فإن دعاه الإمام أو نائبه إلى فعلها و أصر على الامتناع و الترك يقتل كافرا ؛ أقول : لا يقال عمن قال هذا : إنه هوّن من شأن الصلاة ، أو إن هذا من آثار الإرجاء ، أو من قال بذلك فيه إرجاء ! لا يقال هذا ؛ إذ قد بينت لك محل الإرجاء فلا تلتبس عليك الأمور والله يرعاك ! بل هذا القول من أقوال أهل السنة في المسألة .
    فقد جاء في رواية عن أحمد بن حنبل (ت-241) رحمه الله :(( يخرج الرجل من الإيمان إلى الإسلام [فإن تاب رجع إلى الإيمان] . ولا يخرجه من الإسلام شيء إلا الشرك بالله العظيم ، او يرد فريضة من فرائض الله عزوجل جاحدا بها ، فإن تركها كسلا و تهاونا كان في مشيئة الله ، إن شاء عذبه و إن شاء عفا عنه)) اهـ.
    بل نقل عن بعض أهل البدع تسمية أهل السنة مرجئة في قولهم هذا في الصلاة ؛ قال السكسكي (ت-683هـ) رحمه الله أثناء كلامه عن الفرقة الناجية و الطائفة المنصورة : أهل السنة و الجماعة : قال : (( و تسميها ( يعني : تسمي أهل السنة و الجماعة) المنصورة – وهم أصحاب عبدالله بن زيد – مرجئة ؛ لقولها :
    إن تارك الصلاة إذا لم يكن جاحدا لوجوبها مسلم على الصحيح من المذهب . و يقولون : هذا يؤدي إلى أن الإيمان عندهم قول بلا عمل )) اهـ.
    و المقصـــــود : أن المراد بـ(( من ترك الصلاة كسلا و تهاونا لا يكفر كفرا مخرجا من الملة )) هو من لم يجحد وجوب الصلاة ، و أقر بوجوب التزامها ، و لكنه لم يفعلها ، ولم يتركها بالكلية ، من غير جحود حقيقة أو حكما .
    أمّا حقيقة فجحد وجوب الصلاة و إنكاره أو جحد أنها من الشرع أصلا ؛ وهذا ظاهر . و أمّا جحدها حكما فهو كأن يدعى من قبل الإمام أو نائبه إلى فعلها فيصر على الترك مع تهديده بالقتل ، فيختار القتل على فعل الصلاة ، أو كأن يقول إنه مسلم و لم يصل لله ركعة قط منذ قال إنه أسلم إلى موته بلا عذر أو مانع شرعي معتبر . و الله أعلم وأحكم .
    تاسعا : فرق ما بين الرجل والإرجاء :
    عن سويد بن سعيد الهروي قال : (( سألنا سفيان بن عيينة عن الإرجاء فقال : يقولون : الإيمان قول ونحن نقول : الإيمان قول و عمل . والمرجئة أوجبوا الجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله مصرا بقلبه على ترك الفرائض . و سموا ترك الفرائض ذنبا بمنزلة ركوب المحارم ؛ و ليس بسواء ؛ لأن ركوب المحارم من غير استحلال معصية ، وترك الفرائض متعمدا من غير جهل و لا عذر هو كفر ((في الهامش : مراده بالترك الجحد كما سيأتي في مثاله عن إبليس !)) . و بيان ذلك في أمر آدم – صلوات الله عليه- و إبليس و علماء اليهود ؛ أما آدم فنهاه الله عزوجل عن أكل الشجرة و حرمها عليه فأكل منها متعمدا ليكون ملكا أو يكون من الخالدين فسمي عاصيا من غير كفر . و أما إبليس –لعنه الله – فإنه فرض عليه سجدة واحدة فجحدها متعمدا فسمي كافرا . و أما علماء اليهود فعرفوا نعت النبي صلى الله عليه وسلم و أنه نبي رسول كما يعرفون أبناءهم و أقروا به باللسان و لم يتبعوا شريعته فسماهم الله عزوجل كفارا . فركوب المحارم مثل ذنب آدم عليه السلام و غيره من الأنبياء . و أما ترك الفرائض جحودا فهو كفر مثل كفر إبليس – لعنه الله – وتركهم على معرفة من غير جحود فهو كفر مثل كفر علماء اليهود . والله أعلم ))اهـ.
    عن سفيان الثوري (ت-161) رحمه الله قال : (( خلاف مابيننا و بين المرجئة ثلاث : هم يقولون : الإيمان قول لا عمل . و نقول الإيمان قول و عمل . و نقول يزيد و ينقص ، وهم يقولون : لا يزيد و لا ينقص . ونحن نقول : النفاق . وهم يقولون : لا نفاق )) اهـ.
    قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله : (( قيل لابن المبارك : ترى الإرجاء؟ قال : أنا أقول الإيمان قول و عمل ، و كيف أكون مرجئا ؟! ))اهـ.
    و قال البربهاري رحمه الله : (( ومن قال الإيمان قول وعمل يزيد و ينقص فقد خرج من الإرجاء كله أوله و آخره)) اهـ.
    وعن إسماعيل بن سعيد : (( سألت أحمد بن حنبل : من قال الإيمان يزيد و ينقص ؟ قال : هذا بريء من الإرجاء )) اهـ.
    وعن محمد بن أعين : (( قال شيبان لابن المبارك : يا أبا عبدالرحمن ماتقول فيمن يزني و يشرب الخمر ونحو هذا أمؤمن هو ؟ قال ابن المبارك : لا أخرجه من الإيمان ! فقال : على كبر السن صرت مرجئا ؟ فقال له ابن المبارك : يا أبا عبدالله إن المرجئة لا تقبلني ؛ أنا أقول الإيمان يزيد و ينقص و المرجئة لا تقول ذلك . و المرجئة تقول : حسناتنا متقبلة و أنا لا أعلم تقبلت مني حسنة . [ و يقولون : إنهم في الجنة ! وأنا أخاف أن أخلد في النار . و تلا عبدالله هذه الآية :{ يأيها الذين ءامنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن و الأذى } [ البقرة-264] ، { يأيها الذين ءامنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون } [ الحجرات-2] .
    وما يؤمني ؟! قال ابن أعين : قال له ابن المبارك : وما أحوجك إلى أن تأخذ سبورجة فتجالس العلماء )) اهـ..
    و الألباني –رحمه الله – كما تقدم يقرر أن الإيمان تصديق بالقلب و قول باللسان و عمل بالجوارح ، وأنه يزيد بالطاعة و ينقص بالمعصية ، و أن العمل من الإيمان . فهل مع هذا جميعه يقال عنه مرجيء ؟!

    يتبع إن شاه الله تعالى

    الحلقة الثالثة من قوله :
    أما قولهم:
    محدث ليس بفقيه.

    تعليق


    • #3
      الذب المأمول عن العلامة الألباني رحمه الله للشيخ محمد بازمول الحلقة الثالثة

      بسم الله رحمن الرحيم
      الحلقة الثالثة
      أما قولهم :
      محدث و ليس بفقيه :

      فقد قيلت هذه الكلمة في إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله . وهي مما يشنع به أهل الرأي على أهل الحديث ، وقد كذّب الله هذه المقولة ، حيث أجمعت الأمة بعد أنه إمام من أئمة الهدى و الفقه ، بل نسب إليه مذهب من المذاهب الفقهية المتبوعة ، وذهبت تلك المقولة أدراج الرياح .
      وكان ممن تصدى لرد هذه المقولة ، والذب عن الإمام أحمد بن محمد بن حنبل رحمه الله : أبوالوفاء علي بن عقيل رحمه الله حيث قال : ( ومن عجيب ما تسمعه عن هؤلاء الأحداث الجهال ، أنهم يقولون : أحمد ليس بفقيه ، لكنه محدث ! وهذا غاية الجهل ؛ لأنه قد خرج عنه اختيارات بناها على الأحاديث بناء لا يعرفه أكثرهم ، وقد خرج عنه من دقيق الفقه ما ليس نراه لأحد منهم ، وانفرد بما سلموه له من الحفظ ، وشاركهم و ربما زاد على كبارهم) اهـ .
      قلت : و هذه العبارة ( محدث و ليس بفقيه ) إن أريد بها مجرد الوصف بأنه من أهل الحديث ، النابغين النابهين فيه ، و لم يرتب على ذلك شيء من سلب نعت الفقه ، فهذا لا اعتراض عليه ، إذ الإمام رحمه الله من أئمة الحديث ، المشهود له بالدراية و طول الباع فيه ، شهد له بذلك ، وهذا – والحمد لله – مما لايختلف فيه اثنان و لا ينتطح فيه عنزان ، على ما أحسب .
      أما إذا أريد بهذه العبارة : إسقاط كلام الإمام – و غيره من أهل الحديث الذين قيلت فيهم هذه العبارة ونحوها – في فقه الحديث ، و بيان معانيه و اختياراته و ترجيحاته في مسائل العلم ، فهذا معنى منكر باطل ، يرد عليه بما يلي :
      يقال لهم : ما الفقه عندكم ؟ إن أردتم بالفقه حفظ المسائل و المتون و الخوض في الإفتراضات ، دون تأصيل ذلك على الدليل الصحيح ، فهذا الفقه أهل الحديث من أبعد الناس عنه ، بله الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله .
      و إن أردتم بالفقه : الفهم و التفقه لنصوص الكتاب العزيز و السنة المطهرة على ضوء فهم الصحابة – رضوان الله عليهم – وتابعيهم ، دون تعصب لأحد ، إلا للدليل ، فنحن نطالب بدليل واحد على أن الإمام أحمد أو أحدا من أهل الحديث لم يكن كذلك !
      ثم هل القول عن إنسان ما : إنه فقيه ! يعني : أن كل ما جاء به حق ؟ و القول على إنسان ما أنه محدث ! يعني أن كل ما جاء به باطل ؟ أو أن العبرة بالدليل ، فمن كان معه الدليل الصحيح السالم من المعارضة فهو على حق ، ومن لا فلا ؟!
      و إذا كان الحق يعرف بالدليل الصحيح السالم عن المعارضة ، فما فائدة القول : فلان ليس بفقيه ؟ هل تغني عن الحق شيئا ؟
      إن هذه الكلمة : محدث ليس بفقيه ، بتلك المعاني الباطلة كلمة شيطانية ، تجري على ألسنة بعض الناس فتقذف في القلوب الإستهانة بالحديث و أهله ، و أن الفقيه يمكنه أن يستغني عن الحديث ، و تصور الأمر وكأن هناك مشكلة بين الحديث و الفقه ، وقديما نعى الخطابي ( ت-388هـ ) رحمه الله : على من ذهب هذا المذهب ، و سلك هذا السبيل ، فقال رحمه الله : ( و رأيت أهل العلم في زماننا قد حصلوا حزبين ، و انقسموا إلى فرقتين ، أصحاب حديث و أثر ، وأهل فقه ونظر ، وكل واحدة منهما لا تتميز عن أختها في الحاجة ، ولا تستغني عنها في درك ما تنحوه من البغية و الإرادة ، لأن الحديث بمنزلة الأساس الذي هو الأصل ، و الفقه بمنزلة البناء الذي هو له كالفرع ، وكل بناء لم يوضع على قاعدة وأساس فهو منهار ، وكل أساس خلا من بناء و عمارة فهو قفر وخراب .
      ووجدت هذين الفريقين – على ما بينهم من التداني في المحلين ن والتقارب في المنزلتين ، وعموم الحاجة من بعضهم إلى بعض ، وشمول الفاقة اللازمة لكل منهم لصاحبه - : إخوانا متهاجرين ، وعلى سبيل الحق بلزوم التناصر و التعاون غير متظاهرين .
      فأما هذه الطبقة ، الذين هم أهل الأثر و الحديث ، فإن الأكثرين منهم إنما وكدهم الروايات وجمع الطرق ، وطلب الغريب و الشاذ من الحديث الذي أكثره موضوع أو مقلوب ، لا يراعون المتون ، ولا يتفهمون المعاني ، ولا يستنبطون سيرها ، ولا يستخرجون ركازها و فقهها ، وبما عابوا الفقهاء ، و تناولوهم بالطعن ، وادعوا عليهم مخالفة السنن، ولا يعلمون أنهم عن مبلغ ما أتوه من العلم قاصرون ، وبسوء القول فيهم آثمون .
      و أما الطبقة الأخرى – وهم أهل الفقه و النظر – فإن أكثرهم لا يعرجون من الحديث إلا على أقله ، ولا يكادون يميزون صحيحه من سقيمه ، ولا يعرفون جيده من رديئه ، ولا يعبئون بما بلغهم منه أن يحتجوا به على خصومهم إذا وافق مذاهبهم التي ينتحلونها ، ووافق آراءهم التي يعتقدونها ، وقد اصطلحوا على مواضعة بينهم في قبول الخبر الضعيف و الحديث المنقطع ؛ إذا كان ذلك قد اشتهر عندهم وتعاورته الألسن فيما بينهم ، من غير ثبت أو يقين علم به ، فكان ذلك ضلة في الرأي و غبنا فيه .
      وهؤلاء – وفقنا الله و إياهم – لو حكي لهم عن واحد من رؤساء مذاهبهم و زعماء نحلهم قول يقول باجتهاد من قبل نفسه : طلبوا فيه الثقة ، و اسبرءوا له العهدة ، فتجد أصحاب مالك لا يعتمدون من مذهبه إلا ما كان من رواية ابن القاسم ، والأشهب ، و ضربائهم ، من تلاد أصحابه ، فإذا جاءت رواية عبدالله بن عبدالحكم و أضرابه لم تكن عندهم طائلا !
      وترى أصحاب أبي حنيفة لا يقبلون من الرواية عنه إلا ما حكاه أبو يوسف و محمد بن الحسن و العلية من أصحابه و الأجلة من تلامذته ، فإن جاءهم عن الحسن بن زياد اللؤلؤي و ذويه رواية قول بخلافه لم يقبلوه و لم يعتمدوه .
      وكذلك تجد أصحاب الشافعي إنما يعولون في مذهبه على رواية المزني و الربيع و سليمان المرادي ، فإذا جاءت رواية حرملة و الجيزي و أمثالهما لم يلتفتوا إليها ، ولم يعتدوا بها في أقاويله .
      وعلى هذا عادة كل فرقة من العلماء في أحكام مذاهب أئمتهم و أساتذتهم ،فإذا كان هذا دأبهم وكانوا لا يقنعون في أمر هذه الفروع و رواياتها عن هؤلاء إلا بالوثيقة و الثبت ، فكيف يجوز لهم أن يتساهلوا في الأمر الأهم و الخطب الأعظم ؟ و أن يتواكلوا الرواية و النقل عن إمام الأئمة و رسول رب العزة : الواجب حكمه اللازمة طاعته ، الذي يجب علينا التسليم لحكمه ، و الانقياد لأمره ، من حيث لا نجد في أنفسنا حرجا مما قضاه ، و لا في صدورنا غلا من شيء مما أبرمه و أمضاه ، أرأيتم إذا كان للرجل أن يتساهل في أمر نفسه ، ويتسامح عن غرمائه في حقه ، فيأخذ منهم الزيف ، و يغضي لهم عن العيب ، هل يجوز له أن يفعل ذلك في حق غيره إن كان تائبا عنه ، كولي الضعيف ووصي اليتيم ، ووكيل الغائب ؟ وهل يكون ذلك منه إذا فعله إلا خيانة للعهد ، و إخفارا للذمة ؟ فهذا هو ذاك ، إما عيان حس و إما عيان مثل ، ولكن أقوانا عساهم أستوعروا طريق الحق ، و استطالوا المدة في درك الحظ ، و أحبوا عجالة النيل فاختصروا طريق العلم ، و اقتصروا على نتف و حروف منتزعة عن معاني أصول الفقه ، سموها عللا ، وجعلوها شعارا لأنفسهم في الترسم برسم العلم ، اتخذوها جنة عند لقاء خصومهم ، و نصبوها دريئة للخوض و الجدال ، يتناظرون بها و يتلاطمون عليها . وعند التصادر عنها حكم للغالب بالحذق و التبريز ، فهو الفقيه المذكور في عصره ، و الرئيس المعظم في بلده و مصره .
      هذا وقد دس لهم الشيطان حيلة لطيفة ، وبلغ منهم مكيدة بليغة ، فقال لهم : هذا الذي في أيديكم علم قصير ، وبضاعة مزجاة ، لا تفي بمبلغ الحاجة و الكفاية ، فاستعينوا عليه بالكلام ، و صلوه بمقطعات منه ، واستظهروا بأصول المتكلمين ؛ يتسع لكم مذهب الخوض ومجال النظر ! فصدق عليهم ظنه ، و أطاعه كثير منهم و اتبعوه، إلا فريقا من المؤمنين .
      فيا للرجال و العقول ! أنى يذهب بهم ؟ و أنى يختدعهم الشيطان عن حظهم وموضع رشدهم ؟! و الله المستعان )) اهـ
      وبعد : هل يقال عن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه ، أو عن أحد كبار أهل الحديث ، أنه محدث ليس بفقيه ؟ بل هل يتردد أحد في جزم بأنه لا فقه بدون حديث ، ولا حديث بدون فقه ؟ بل هل يقول أحد أن الإمام أحمد وكبار أهل الحديث لم يكونوا على منهج السلف الصالح في التفقه ؟
      لست أظن من يقف على ما ذكرت يتردد في وصف الإمام أحمد بالفقه ، وأن الله جمع له بين نعت المحدث و نعت الفقيه ، بل لا أتصور محدثا لا يفقه شيئا مما يرويه .
      و قوله صلى الله عليه وسلم : (( نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها ثم بلغها عني ، فرب حامل فقه غير فقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه )) ؛ ليس فيه أن أهل الحديث لا يفقهون ما يروونه من الأخبار ، غاية ما فيه أنه ليس من شرط التحمل والأداء الفقه ، إنما شرطه الحفظ. و لا يفهم من هذا الحديث وجود محدث لا يفقه شيئا ، فإن غايته أنه قد يوجد محدث ينقل حديثا لا يفقه ، أو لا يفقه بعض ما فيه من معان ؛ لكن ليس في الخبر أنه لا يفقه شيئا . وفي استعمال : ((رب)) التي تفيد القليل ما يشعر أن عامة أهل الحديث يفقهون حديثهم إلا القليل منهم فقد لا يفقه بعضا مما يرويه ، لا أنه لا فقه لديه .
      ومن ذلك أن عبدالله بن هاشم قال: قال لنا وكيع : أي الإسنادين أحب إليكم : الأعمش عن أبي وائل عن عبدالله ، أو سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبدالله ؟
      فقلنا الأول !
      فقال : الأعمش شيخ ، و أبو وائل شيخ ، و سفيان فقيه ، ومنصور فقيه ؛ حديث يتداوله الفقهاء خير مما يتداوله الشيوخ .
      قال الذهبي معقبا : (( بل الأعمش و شيخه لهما فقه و معرفة و جلالة ! )) اهـ
      و قبل أن أضع القلم و أطوي الصفحة ، طويا –بإذن الله تعالى- معها هذه المقولة الباطلة ، اسطر هنا المهمات التالية :
      أولا : هذه المقولة أولها هفوة ، وبدعة و آخرها تحلل و زندقة . أما كونها بدعة ؛ فلأننا لم نعهدها من السلف الصالح –رضوان الله عليهم أجمعين ، وأما كونها تحللا و زندقة فلأنها تجر إلى اطراح كلام أهل العلم جميعه ، و بالتالي إسقاط الشرائع و تعطيل الأحكام على المسلمين العوام ، فيقال مرة : هذا الحكم قاله فلان وهو محدث ليس بفقيه ، فلا يقبل . ويقال مرة : هذا الحكم قاله فلان وهو فقيه ليس بمحدث ، فلا يقبل . و النتيجة التحلل عن أحكام الديانة ! أعيذك و إياي بالله العظيم من ذلك .
      ثانيا : ليس مقصودي إثبات العصمة لأحد غير رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فلا أقصد أن الإمام أحمد بن حنبل و غيره من أئمة الحديث وكبارهم معصومون في كل قول يقولونه و يختارونه ، إنما مقصودي بالذب عن الإمام أحمد رحمه الله فيما رمي به ، و الذب عن أهل الحديث من خلال ذلك ، و بيان أن منهج الإمام أحمد في التفقه هو منهج أهل الحديث وهو منهج الأئمة والسلف الصالح –رضوان الله عليهم –وقد قدمت لك معالم منهج التفقه عند السلف الصالح ، فانظر هل خرج الإمام عن سبيلهم ، أو شاق في آية أو حديث ؟
      ثالثا : وقوع القصور في التطبيق ، و حصول الأخذ و الرد من أهل العلم ، لا يسلب نعت الفقه عنهم ، وينبني عن هذا أن تعلم : أن وقوع بعض القصور في تطبيق هذا المنهج في التفقه عند الإمام أحمد بن حنبل أو غيره من أهل الحديث لا يسلم منه أحد من المتفقهين ، ونحن لا ندعي العصمة لأحد غير الرسل – صلوات الله و سلامه عليهم .
      وكذا وقوع الأخذ و الرد في بعض مسائل العلم التي أبرز فيها الإمام اختياره و استدل له ، لا يعني سلب نعت الفقه عنه ، إذ ذلك لم يسلم منه أحد من الأئمة ، بله العلماء ، بله طلبة العلم ، وقد قال مالك بن أنس الأصبحي إمام دار الهجرة : (( كل منا يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر )).
      و أخيرا : لا يفوتني أن ألفت نظر الإخوة أهل الحديث إلى النهوض بجمع اختيارات أهل الحديث الفقهية ، و تصنيفها على الأبواب ، مع توثيقها و خدمتها ، إذ في ذلك إثراء للمكتبة الإسلامية ، و إبراز لفقه أهل الحديث ، وفق الله الجميع لما يحبه و يرضاه.
      يتبع إن شاء الله تعالى

      الحلقة الرابعة
      من قول المصنف:
      أما قولهم :
      لا علم له بالأصول.

      تعليق


      • #4
        الذب المأمول عن العلامة الألباني رحمه الله للشيخ محمد بازمول الحلقة الخامسة

        بسم الله الرحمن الرحيم
        الحلقة الرابعة
        قال المؤلف حفظه الله تعالى :
        أمَّا قولهم :
        لا علم له بالأصول .

        فهذه دعوى أين الدليل عليها ؟ و الواقع في كتب الشيخ خلافها .
        بل المعروف من سيرة الشيخ –رحمه الله – أنه كان يعقد درسين كل أسبوع يحضرهما طلبة العلم ، و بعض أساتذة الجامعات ، ومن الكتب التي درسها في حلقاته العلمية : كتاب الفقه لعبدالوهاب خلاف .
        وهذه التهمة وهي نفي العلم بأصول الفقه – قد يلوكها بعضهم في الطعن على أهل الحديث ، فيرميهم بها و إلى هؤلاء أقول : من المهم التنبه هنا إلى الأمور التالية :
        1. أن السنة النبوية هي دلائل القرآن ، كما قال الإمام أحمد بن حنبل في رسالته في السنة ، رواية عبدوس : فكل حكم في القرآن تدل عليه السنة ، تبينه و تدل على المراد منه ، و بها يتوصل إلى معرفة المراد .
        2. أن علم الأصول مبني على معرفة دلالات القرآن العظيم و السنة النبوية ، بحسب اللسان العربي ، مع مراعات عرف زمن التشريع ، و الدراية بملابسات التشريع ، و هذا الأمر سلم للصحابة ، لا يشاركهم في معرفته و الإطلاع عليه غيرهم ، ولا طريق للوصول إليه إلا عن طريقهم .
        قال ابن قيم الجوزية رحمه الله في كلام له ، ذكر فيه كمال فقه ابن مسعود رضي الله عنه و رسوخه في العلم ، قال : ((وهذا مايبين أن أصول الفقه سجية للقوم ، و طبيعة لا يتكلفونها ، كما أن العربية و المعاني و البيان و توابعها لهم كذلك ، فمن بعدهم فإنما يجهد نفسه ليتعلق بغبارهم و أنى له )) اهـ.
        إذا تقرر هذا فاعلم أن أهل الحديث هم أسعد الناس بكل ذلك ، فلا أحد أعلم بهم بما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم . ولا أحد أعلم منهم بما جاء عن الصحابة رضوان الله عنهم –فهم في الحقيقة أهل الأصول ، ومن منهجهم جعل نصوص الكتاب و السنة أصلا يبنون عليه ، وهل سعي علماء الأصول إلا إلى هذا ؟
        ومنه تعلم أن علماء أهل الحديث هم علماء الأصول الشرعية ، و قواعد الإستنباط ، من خلال لما جاء عن الصحابة و التابعين .
        أمَّا قولهم : لا شيوخ له .
        فهذه كلمة عجلى ، فإن الشيخ الألباني درس على والده بعض علوم الآلة كعلم الصرف ، ودرس عليه أيضا من كتب الفقه الحنفي : (( مختصر القدوري )) ، و تلقى منه قراءة القرآن الكريم ، و ختمه عليه بقراءة حفص تجويدا .
        ودرس على الشيخ سعيد البرهاني : ((مراقي الفلاح ))في الفقه الحنفي و (( شذور الذهب )) في النحو و بعض كتب البلاغة .
        وكان يحضر ندوات العلامة الشيخ محمد بهجت البيطار رحمه الله مع بعض أساتذة المجمع العلمي بدمشق ، ، منهم (( عزالدين التنوخي )) رحه الله ، إذ كانوا يقرءون ((الحماسة)) لأبي تمام .
        و التقى الألباني –وهو في مقتبل العمر – بالشيخ محمد راغب الطباخ رحمه الله وقد أظهر الشيخ إعجابه بالألباني ، وقدم إليه ثبته : (( الأنوار الجلية في مختصر الأثبات الحنبلية )).
        فإذا علمت هذا ظهر لك مدى ما يحمله قولهم : ((لا شيوخ له)) من مخالفة للواقع .
        ولا يضر الشيخ قلة شيوخه .
        ثم إني أتسائل هل العلم لا يحصل إلا عن طريق التلقي عن الشيوخ ؟ فإذا لم يكن لمريد العلم شيوخ لم يحصل علما!
        كم من عالم نهض بعلمه و علّم و أحيا السنن و أمات الله على يديه البدع ، ولم يكن له إلا الشيخ بعد الشيخ ، فقد اعتمد في تحصيله على توفيق الله عزوجل له ، ثم جهده الشخصي و اجتهاده .
        ليس بهذا أنكر أن الأخذ عن الشيوخ من طرق التحصيل – و ليس لي ولا لغيري هذا – بل الأخذ عن الشيوخ منأهم طرق التحصيل فب البدايات ، ولكني أنكر حصر تحصيل العلم في الأخذ عن الشيوخ فقط !
        أين الفهم ؟
        أين القراءة و البحث ن والنظر ، و الإجتهاد العصامي في التحصيل ؟
        قال بعض الحكماء : (( لن يصان العلم بمثل بذله ولن تكافأ النعمة فيه بمثل نشره . وقراءة الكتب أبلغ في إرشاد المسترشد من ملاقاة واضعيها ؛ إذ كان التلاقي يقوي التصنع و يكثر التظالم ، و تفرط النصرة ، و تشتد الحمية ، وعند المواجهة يملك حب الغلبة وشهوة المباهاة والرياسة مع الاستحياء من الرجوع و الأنفة من الخضوع ، وعن جميع ذلك يحدث التضاغن و التباين .
        و إذا كانت القلوب على هذه الصفة امتنعت من المعرفة ، وعميت عن الدلالة ، وليست في الكتب علة تمنع من درك البغية و إصابة الحجة ؛ لأن المتوحد بقراءتها ، والمتفرد بعلم معانيها ، لا يباهي نفسه ، ولا يغالب عقله . و الكتاب قد يفضل صاحبه ، و يرجح على واضعه بأمور :
        إن الكتاب يقرأ بكل مكان ، ويظهر مافيه على كل لسان و موجود في كل زمان مع تفاوت الأعصار ، وبعد ما بين الأمصار ، و ذلك أمر مستحيل في واضع الكتاب ، و المنزع بالمسالة و الجواب .و قد يذهب العالم و تبقى كتبه ، و يفنى العقل و يبقى أثره ، و لولا ما رسمت لنا الأوائل في كتبها و خلدت في فنون حكمها ، و دونت من أنواع سيرها حتى شاهدنا بذلك ما غاب عنا ، و أدركنا به ما بعد منا ، وجمعنا إلى كثيرهم قليلنا و إلى جليلهم يسيرنا ، و عرفنا ما لم نكن نعرفه إلا بهم ، و بلغنا الأمد الأقصى بقريب رسومهم ، إذا لحسر طلاب الحكمة و لأنقطع سببهم عن المعرفة .
        و لو ألجئنا إلى مدى قوتنا و مبلغ ما تقدر على حفظه خواطرنا ، و تركنا مع منتهى تجاربنا لما أتركته حواسنا و شاهدته نفوسنا ، لقلة المعرفة و قصرت الهمة و ضعفت المنة ، وماتت الخواطر و تبلد العقل و نقص العلم ، فكان ما دونوه في كتبهم أكثر نفعا ، و ماتكلفوه من ذلك أحسن موقعا ، و يجب الإقتفاء لأثارهم و الإستضاءة بأنوارهم ، فإن المرء مع من أحب ، وله أجر ما احتسب ، )) اهـ.
        فانظر سلمك الله –مكانة الكتب وما تنقله إلينا من العلم ، فهل يقول قائل: لا طريق للعلم إلا التلقي عن المشايح ! و لأمر ما كان أول ما تنزل على الرسول صلى الله عليه و سلم ، قوله تعالى { اقرأ بسم ربك الذي خلق } فبدأ التنزيل باقرأ و القراءة من الكتاب و كفى بنفسك عليك بصيرا .
        و لما قرر الشاطبي رحمه الله أن : ( من أنفع طرق العلم الموصلة إلى غاية التحقق به : أخذها عن أهله المتحققين به على الكمال و التمام ) ، لما قرر هذا قال : ( و إذا ثبت أنه لابد من أخذ العلم عن أهله فلذلك طريقان :
        أحدهما : المشافهة .( وهي أنفع الطريقين و أسلمهما ) .
        ثم قال : ( الطريق الثاني : مطالعة كتب المصنفين و مدوني الدواوين ، وهو أيضا نافع في بابه بشرطين :
        الأول : أن يحصل له من فهم مقاصد ذلك العلم المطلوب و معرف اصطلاحات أهله ما يتم له به النظر في الكتب و ذلك يحصل بالطريق الأول من مشافهة العلماء ، أو هو راجع إليه ، وهو معنى قول من قال : (كان العلم في صدور الرجال ثم انتقل إلى الكتب ومفاتحه بأيدي الرجال ) . و الكتب وحدها لا يفيد الطالب منها دون فتح العلماء وهو مشاهد معتاد .
        و الشرط الثاني : أن يتحرى كتب المتقدمين من أهل العلم المراد ، فإنهم أقعد به من غيرهم من المتأخرين ، ...........) اهـ .
        قلت : فأنت ترى أن الشاطبي – رحمة الله عليه – جعل الأخذ عن الكتب من طرق تحصيل العلم و لم يحصر أخذ العلم على المشايخ فقط ، نعم الأخذ عن الكتب يكون بالشرطين الذين ذكرهما ، وهذا لا يحتاج إلى كثير شيوخ .
        على أن قول القائل : لا شيوخ له لا يغني من الحق شيئا ، إذ ليس ما يقوله من تلقى علمه عن المشايخ حق بأجمعه ولا كل ما يقوله من لم يتلق علمه على المشايخ باطل بأجمعه ، و إنما المدار على الدليل ، فما كان من القول موافقا للدليل و أسعد به كان الحق معه وما لا فلا ، فافهم .
        وقولهم : ( من كان شيخه كتابه كثر خطئه على صوابه ). محله فيما كان من العلم طريقه السماع و الرواية كضبط القرآن العظيم و قراءته و ضبط الروايات الحديثية و أسماء الأعلام و البقاع . أما ما كان من باب النظر و الإستنباط و الإستدلال فهذا لا يقال فيه ذلك .
        يتبع إن شاء الله تعالى

        الحلقة الخامسة من قول المؤلف حفظه الله تعالى:
        أمَّا قولهم :
        شاذ متفرد مخالف لما عليه الناس .
        التعديل الأخير تم بواسطة أبو الحسين عبد الحميد الصفراوي; الساعة 11-Dec-2013, 05:09 PM.

        تعليق


        • #5
          رد: الذب المأمول عن العلامة المحدث الألباني للشيخ محمد بن عمر بازمول - الحلقة الرابعة

          بسم الله الرحمن الرحيم
          الحلقة الخامسة
          قال الشيخ
          محمد بن عمر بازمول حفظه الله تعالى :

          أمَّا قولهم : شاذ متفرد مخالف لما عليه الناس .
          فهذه دعوى متهافتة.
          إنما أهل الحديث و الألباني منهم – ولا أزكي على الله أحدا –من الغرباء الذين يحيون ما أمات الناس من سنة النبي صلي الله عليه و سلم .
          و قولهم : (تفرد فلان بكذا ) لا ينفي عنه الفقه ، ولا ينسبه إلى الشذوذ قال أبو محمد بن حزم – رحمه الله - : ( إن حد الشذوذ هو مخالفة الحق ، فكل من خالف الصواب في مسألة ما فهو شاذ ، وسواء كانوا أهل الأرض كلهم بأسرهم أو بعضهم ، و الجماعة و الجملة هم أهل الحق ، ولو لم يكن منهم في الأرض إلا واحد ، فهو الجماعة ، وهو الجملة ، و قد أسلم أبو بكر و خديجة رضي الله عنهما فقط فكانا هما الجماعة ، وكان سائر أهل الأرض غيرهما و غير الرسول صلى الله عليه و سلم أهل شذوذ و فرقة .
          و هذا الذي قلنا فيه بين العلماء ، وكل من خالف فهو راجع إليه ، و مقر به شاء أم أبى ، و الحق هو الأصل لذي قامت السماوات و الأرض به ، قال الله تعالى { وما خلقنا السماوات و الأرض و ما بينهما إلا بالحق و إن الساعة لأتية فاصفح الصفح الجميل } [الحجر 85] ، فإذا كان الحق هو الأصل ، فالباطل خروج عنه ، وشذوذ منه ، فلما لم يجز أن يكون الحق شذوذا ، وليس إلا حق و باطل ، صح أن الشذوذ هو الباطل . وهذا تقسيم أدلة ضروري و برهان قاطع كاف ، ولله الحمد )) اهـ .فليس الشذوذ مخالفة واحد من العلماء لجماعة منهم .
          وليس الشذوذ مخالفة ما جرى عليه العمل ، أو شاع بين الناس .
          فكم من مسألة انفرد فيها قول أبي حنيفة رحمه الله ! وكم من مسألة انفرد فيها قول مالك رحمه الله ! وكم من مسألة انفرد فيها قول الشافعي رحمه الله ! وكم من مسألة انفرد فيها أحد رحمه الله ! وما عد ذلك عيبا في حقهم ، ولا منقصا من قدرهم ، ولا سالبا نعت الفقه عنهم ، ولا مانعا له ، ولا داعيا إلى نسبتهم -رحمة الله عليهم - إلى الشذوذ و التفرد !
          وكيف يوصف بالشذوذ من جرد المتابعة للمعصوم ؟
          وهؤلاء أئمة المذاهب الفقهية ما منهم إلا أخذت عليه مسائل قال بعض العلماء : إنه خالف فيها السن ّ ومع ذلك لم يقل أحد من أهل العلم: إنهم شذوا أو تفردوا .
          فهذا الحافظ أبوبكر بن أبي شيبة (ت235هـ) يصنف كتاب (الرد على أبي حنيفة) يصدره بقوله (هذا ما خالف فيه أبو حنيفة الأثر الذي جاء عن رسول الله صلى الله عليه و سلم )اهـ
          وهذا الليث بن سعد رحمه الله يقول : (أحصيت على مالك بن أنس سبعين مسألة كلها مخالفة لسنة النبي صلى الله عليه و سلم ، مما قال مالك فيها برأيه ، قال الليث : ولقد كتبت إليه في ذلك ) اهـ
          وكذا الإمام الشافعي ، والإمام أحمد رحمهما الله .
          [[ذكر الشيخ تعليقا في الهامش (( عقد ابن كثير بابا في المسائل التي انفرد بها الإمام الشافعي دون إخوته من الأئمة ، في نهاية ترجمته للشافعي ، وقد طبع هذا الباب بمفرده ، بتحقيق إبراهيم ابن علي صندقجي ، نشر مكتبة العلوم و الحكم ، المدينة المنورة ، كما جردت المسائل التي انفرد بها الإمام أحمد بن حنبل ، وتعرف بالمفردات ومن شروحها ( المنح الشافيات بشرح مفردات الإمام أحمد ) للبهوتي .]]
          وهؤلاء الأئمة لهم عذرهم في هذه المخالفة ، وقد بسط الأئمة عذرهم في ذلك ، كما تراه في كتاب (رفع الملام عن الأئمة الأعلام ) لأحمد بن عبدالحليم ابن تيمية رحمه الله .
          وقال ابن عبد البر رحمه الله : ( ليس لأحد من علماء الأمة أن يثبت حديثا عن النبي صلى الله عليه و سلم ، ثم يرده دون ادعاء نسخ عليه بأثر مثله أو بإجماع ، أو بعمل يجب على أصله الانقياد إليه ، أو طعن في المسند ، ولو فعل ذلك أحد سقطت عدالته ، فضلا أن يتخذ إماما ، و لزمه إثم الفسق) اهـ
          و المقصود أن مخالفتهم للسنة في هذه المسائل لم تسقط عنهم وصف الفقه ، فما بالك بمخالفة ما عليه الناس ! هل يقال عمن يخالف ماعليه الناس و يتبع في ذلك ما ظهر له من الدليل : ليس بفقيه ، شاذ متفرد ؟
          ثم متى كان جريان عمل الناس على شيء حجة مطلقة في شرع الله ترد من أجله النصوص؟
          لله ما أصدق الكلمة التي نقلها محمد بن وضاح رحمه الله عن بعض من مضى أنه قال : (كم من أمر هو اليوم معروف عند كثير من الناس كان منكرا عند من مضى .
          وكم من متحبب إلى الله تعالى بما يبغضه الله .
          ومتقرب إلى الله بما يبعده منه .
          و كل بدعة عليها زينة و بهجة ) اهـ.
          ومن صار فيه المعروف منكرا و المنكر معروفا ، و إذا غير قيل : غيرت السنة !!
          أما تستحي يارجل ! ترد حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و تدفع في صدره ، و تقدم ما عليه الناس ! وتقول هذا الجديث شاذ ليس عليه العمل !!
          هل يصير الجديث شاذا لأنك لم تعلم من عمل به ؟
          هل يصير الحديث شاذا لأن عمل الناس جرى على خلافه ؟
          هل تلتزم بهذا فلا تعمل بحديث حتى ترى الناس يعملون به ؟
          قال الشافعي رحمه الله تعالى : ( أخبرنا سفيان وعبدالوهاب عن يحي بن سعيد عن سعيد بن المسيب : أن عمر بن الخطاب قضى في الإبهام بخمس عشرة ، وفي التي تليها بعشر ، وفي الوسطى بعشر ، وفي التي تلي الخنصر بتسع ، وفي الخنصر بست.
          قال الشافعي : لما كان معروفا –والله أعلم –عند عمر أن النبي صلى الله عليه و سلم قضى في اليد بخمسين ، وكانت اليد بخمسة أطراف مختلفة الجمال و المنافع : نزلها منازلها ، فحكم لكل واحد من الأطراف بقدره من دية الكف ، فهذا قياس الخبر.
          فلما وجدنا كتاب آل عمرو بن حزم فيه :أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ( وفي كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل ) صاروا إليه .ولم يقبلوا كتاب آل عمرو بن حزم -والله أعلم –حتى ثبت لهم أنه كتاب رسول الله صلى الله عليه و سلم .
          وفي الحديث دلالتان :
          أحدهما : قبول الخبر ، والآخر : أن يقبل الخبر في الوقت الذي يثبت فيه ، و إن لم يمض عمل من الأئمة بمثل الخبر الذي قبلوا )اهـ .
          وقال أبوبكر الطرطوشي رحمه الله : (شيوعة الفعل و انتشاره لا يدل على جوازه ، كما أن كتمه لا يدل على منعه ، ألا ترى أن بيع الباقلاء في قشره شائع في أقطار أهل الإسلام ، وهو عند الشافعي لا يجوز ! و الإستئجار على الحج سائغ في أقطار أهل الإسلام وعند أبي حنيفة لا يجوز ! و اقتعاظ العمامة شائع في أهل الإسلام وهو بدعة منكرة ، و الا قتعاظ هو التعميم دون الحنك .........
          وأكثر أفعال أهل زمانك على غير السنة ، وكيف لا ؟ وقد روين قول أبي الدرداء ، إذ دخل على أم الدرداء مغاضبا فقالت له : مالك ؟ فقال : و الله ما أعرف منهم شيئا من أمر محمد عليه الصلاة و السلام – إلا أنهم يصلون جميعا ) اهـ .
          قلت : هذه شكوى أبي الدرداء في زمانه ، وهذه شكوى أبي بكر الطرطوشي في زمانه ، فما بالك في زماننا ؟ هل تجعل عمل الناس فيه حجة ترد بها الأحاديث ؟
          أي ذنب لأهل الحديث – و الألباني منهم – إذا وقفوا على حديث ظهرت لهم صحته ، ولم يظهر له معارض معتبر ، فعملوا به ، ودعوا الناس إلى العمل على إحياء هذه السنة التي تضمنها هذا الحديث .
          سبحان الله ! بدلا من أن يشكر لهم هذا العمل يذم ، و ينسبوا فيه إلى الشذوذ والتفرد !
          قال ابن القيم رحمه الله : ( لو تركت السنن للعمل لتعطلت سنن رسول الله صلى الله عليه و سلم ودرست رسومها و عفت آثارها .
          وكم من عمل قد اطرد بخلاف السنة الصريحة على تقادم الزمان و إلى الآن .
          وكل وقت تترك سنة ، و يعمل بخلافها ن و يستمر عليها العمل ، فتجد يسيرا من السنة معمولا به من نوع تقصير .
          وخذ بلا حساب ما شاء الله من سنن قد أهملت و عطل العمل بها جملة ، فلو عمل بها من يعرفها لقال الناس : تركت السنة .
          فقد تقرر : أن كل عمل خالف السنة الصحيحة لم يقع من طريق النقل ألبتة ، و إنما يقع من طريق الإجتهاد . و الإجتهاد إذا خالف السنة كان مردودا .
          وكل عمل طريقه النقل ، فإنه لا يخالف سنة صحيحة ألبتة ) اهـ .
          يتبع إن شاء الله تعالى

          الحلقة السادسة من قول المؤلف حفظه الله تعالىِ :
          أما قولهم :
          لا يحترم العلماء و لا يعرف قدرهم
          التعديل الأخير تم بواسطة أبو الحسين عبد الحميد الصفراوي; الساعة 11-Dec-2013, 05:08 PM.

          تعليق


          • #6
            رد: الذب المأمول عن العلامة المحدث الألباني للشيخ محمد بن عمر بازمول

            بارك الله فيك أخي على هذا المجهود
            ويا حبذا لو تجعلها جميعا في ملف واحد حتى يسهل تحميلها
            ووفقكم الله

            تعليق


            • #7
              رد: الذب المأمول عن العلامة المحدث الألباني للشيخ محمد بن عمر بازمول

              المشاركة الأصلية بواسطة أبو حذيفة يوسف الفضالي مشاهدة المشاركة
              بارك الله فيك أخي على هذا المجهود
              ويا حبذا لو تجعلها جميعا في ملف واحد حتى يسهل تحميلها
              ووفقكم الله
              أجل سيكون ذلك بعد انتهاء السلسلة، فهي لم تنتهي بعد!

              تعليق

              يعمل...
              X