ابحث في شبكة الإمام الآجري ابحث في المواقع السلفية

شكر شكر:  1
النتائج 1 إلى 9 من 9
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    الدولة
    الدنيا الفانية
    المشاركات
    529

    افتراضي فوائدُ ولطائفُ وتقريراتٌ مستفادةٌ مِن شرح الوصية الصغرى للشيخ سليمان الرحيلي -حفظه الله-





    فـوائدُ ولطـائفُ وتقريـراتٌ مستفادةٌ مِن

    شرح الوصية الصغرى للشيخ سليمان الرحيلي -حفظه الله-





    [ تحميل الفوائد منسقة في ملف Pdf ]

    اضغط على الصورة لعرض أكبر. 

الإسم:	الآجري 1.jpg 
مشاهدات:	9900 
الحجم:	67.2 كيلوبايت 
الهوية:	46496


    1.
    كان السلف يتعلَّمون لإصلاح أنفسهم ويَعلَمون أنهم المقصودون أَصَالةً بما يَتعلَّمون؛
    يقول الإمام أحمد -
    رحمه الله-: "ما تَعلَّمتُ حرفًا واحدًا للناس"، فكان الواحدُ مِن السلف يَتعلَّمُ ليُصلِحَ نفسَه، ثم يُفيض الخيرَ على غيره مِن الناس.


    2. ينبغي الاهتمام برسالة "الوصية الصغرى" وبغيرها من وصايا العلماء، بخاصةٍ في هٰذا الزمن الذي كَثُرَ فيه التعالم وازدادت قسوة القلوب وكَثُرَت الفتن؛ فإنّ العقلاء يحرصون على استماع الوصايا رجاء الانتفاع بها، لأنّ العادة جَرَت بأنه لا يوصي إلا مَن كان كبير الشأن واسع الحكمة وأنه يودِع فيها جوامعَ الكَلِم ومهمَّات الحِكَم؛ فكيف إذا جاءت الوصية مِن عالِمٍ ربانيٍّ أثريٍّ؟!

    3. رسالة "الوصية الصغرى" معروفةٌ عند أهل العلم: "بالوصية الصغرى" -وهو أشهر أسمائها وإن كان متأخرًا-، وبسؤال أبي القاسم المغربي، وبوصية شيخ الإسلام لأبي القاسم السبتي، وأقدم هٰذه الأسماء الثالث منها.
    ووصِفتْ بالصغرى تمييزًا لها عن الوصية الكبرى مِن حيث الحجم، حيث تقع الوصية الصغرى في مجموع الفتاوى في ثلاث عشرة صفحة في المجلد العاشر وتقع الوصية الكبرى في المجلد العاشر في سبعين صفحة.

    4. رسالة "الوصية الصغرى" هي إجابة على أسئلة أربعة، سألها العالمُ الرحَّالة أبو القاسم السَّبْتي المقدسي شيخَ الإسلام ابن تيمية -
    رحمه الله -:
    الأوّل: أن يوصيَه بما ينفعه في دينه ودنياه.
    الثاني: أن يَدلَّه على كتابٍ جامعٍ يُغني عن غيره في علم الحديث خاصةً وعلوم الشريعة عامةً.
    الثالث: أن يَدلَّه على أفضل الأعمال الصالحة بعد الواجبات.
    الرابع: أن يَدلَّه على أَرجَح المكاسِب.

    فتأمل
    يا طالب العلم
    إلى هٰذا السؤال المبارك كيف كان سببًا للأجر الكبير الكثير الذي يُرجى أن يفوز به أبو القاسم -
    رحمه الله - كلّما قُرِئت هذه الوصية أو شُرِحت أو عُمِل بها إلى يوم القيامة!

    5. احرص -وفقك الله- على أن يكون لقاؤك بالعلم سببًا للخير واحذر مِن أن تكون سببًا في صدور كلامٍ مِن العالِم بناءً على قولك يكون فيه شرٌّ وفتنةٌ؛ لا مِن جهة العالِم وإنما مِن جهة صَنيعِك.

    6. وصية ابن تيمية -
    رحمه الله - فيما يُصلِح الدِّين والدنيا كانت في أمرَين؛ عامٌّ وخاصٌّ.
    فأمّا العامُّ: التمسَّك بما في الكتاب والسنة.
    وأمّا الخاصُّ: وصيةُ النبيِّ -
    صلى الله عليه وسلم- لمعاذ، هذه الوصية مَن تمسّك بها أَصلَح دِينَه ودنياه؛ حيث قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- لمعاذٍ لَمَّا بعثه إلى اليمن: «يا معاذ! اتَّقِ اللهَ حيثُما كنتَ، وأَتْبِع السيئةَ الحسنةَ تَمحها، وخالِقِ الناسَ بخلُقٍ حَسَنٍ» .

    7. خلاصةُ وصيةُ رسول الله
    -صلى الله عليه وسلم- لمعاذٍ -رضي الله عنه- : «اتّق الله حيثما كنتَ»: أنْ تَعملَ -أيها المسلم- بما أمرك اللهُ به، وأنْ تَجتنبَ ما نهاك اللهُ عنه؛ وهٰذا معنى «اتَّقِ اللهَ حيثُما كنتَ»، وأنْ تَحرِصَ إذا زلَّتِ القَدم على أنْ تُزيلَ أثر الذنب؛ وهٰذا معنى «وأتْبِع السيئةَ الحسنةَ تَمحها»، وأنْ تتعاملَ مع الناسِ بكريمِ الأخلاق؛ وهٰذا معنى «وخالِق الناسَ بخُلقٍ حَسن».
    ولا شك أنّ مَن عاش حياته على هٰذا؛ عاش سعيدَ القلب، مطمئن النفس، مرتاح البال، على صراطٍ مستقيم.

    8. بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية -
    رحمه الله- أَوجه كونِ وصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمعاذٍ -رضي الله عنه - مِن أنفع ما يكونُ للمسلم في دِينه ودنياه:
    الوجه الأول: أنها مِن آخر وصايا النبيِّ -
    صلى الله عليه وسلم-؛ لأنّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- وصّى بها معاذًا لمّا بعثه إلى اليمن، وكان ذلك قبل وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- بيسير.
    الوجه الثاني: أنها وصيةٌ يحتاجها كلُّ إنسانٍ مهما عَلتْ منزلتُه، ولا يَستغني عنها أحدٌ، ولو كان يَستغني عنها أحدٌ لِعلوِّ منزلته لاستغنى عنها معاذٌ
    -رضي الله عنه -.
    بل كلَّما علا شأن المسلم كلَّما كان أحوج إلى هذه الوصية؛ لأنه كلَّما علا شأن المسلم كلَّما كان أثره في الأمَّة أعظم، وكلَّما كان الشيطانُ على إغوائه أحرص.
    الوجه الثالث: أنها جامعةٌ لجوامع الخير؛ لأنَّ النبيَّ -
    صلى الله عليه وسلم- وصّى بها معاذًا الَّذي له منزلةٌ عليَّةٌ عنده، والمعلومُ أنّ مَن يوصي مَن يحبّ يَختصُّه بجوامع الخير.
    الوجه الرابع: أنها جمعتْ بين كونها تفسيرًا لوصيةِ الله ﻷ وكونها وصية لرسول الله -
    صلى الله عليه وسلم-؛ فجَمعتِ الحُسنيَين.

    9. بيِّن شيخ الإسلام -
    رحمه الله - علوَّ شأن معاذٍ -رضي الله عنه - بأمور:
    الأول: أنّ النبيَّ -
    صلى الله عليه وسلم- كان يحبّه ويؤكِّد ذلك ويقول: «يا معاذ! والله إني لأحبُّك».
    الثاني: أنّ النبيَّ -
    صلى الله عليه وسلم- كان يُردِفه وراءه؛ كما ثبت في الصحيحين: أنّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أردفه وراءه على حمار؛ وهذا يدل على منزلته عند النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- .
    الثالث: أنه فَقِيه الأمَّة، فهو أعلمُها بالحلال والحرام؛ فقد رُويَ عن أنس بن مالك، أنّ رسول الله -
    صلى الله عليه وسلم- قال: «أرحم أمَّتي بأمَّتي أبو بكر، وأشدُّهم في دِين الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقضاهم عليّ بن أبي طالب، وأقرؤهم لكتاب الله أُبيّ بن كعب، وأعلمُهم بالحلال والحرام معاذُ بن جبل، وأفرضُهم زيد بن ثابت، ألا وإنّ لكلِّ أمَّة أمينًا وأمينُ هٰذه الأمَّة أبو عبيدة بن الجراح» .
    الرابع: أنه يُحشَر أمام العلماء برِتوَة، ومعنى "رِتوة" قيل: خطوة، وقيل: أكثر مِن خطوة، وقيل: منزلة، وقيل: درجة، وقيل: رمية سهم، وقيل: مدُّ البصر، وهي تدلُّ على أنّ معاذًا -
    رضي الله عنه - يتقدَّم العلماء.
    الخامس: أنّ النبيَّ -
    صلى الله عليه وسلم- بعثه إلى اليمن معلِّمًا وحاكمًا؛ كما ثبت في الصحيحين.
    السادس: أنّ النبيَّ -
    صلى الله عليه وسلم- كان يشبِّههُ بإبراهيم الخليل -عليه السلام-، هكذا في بعض نسخ الوصية؛ وفيها إشكال؛ لأنه لم يرد أنّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان يُشبِّه معاذًا بإبراهيم -عليه السلام- لا بإسناد صحيح ولا ضعيف، فلعلَّ الكلمة -والله أعلم-: "كان يُشَبَّه بإبراهيم -عليه السلام-"، ويدل عليه ما جاء في بعض النسخ: "وكانوا يشبهونه" وكذا يدل عليه ما بعده؛ أي قوله: "وكان ابنُ مسعود " يقول: "إنّ معاذًا كان أمَّة قانتًا لله حنيفًا ولم يَكُ مِن المشركين؛ تشبيهًا له بإبراهيم".

    10. الذنوب لها آثارٌ على العباد؛ عاجلةٌ وآجلةٌ، واللهَ مِن رحمته قد جعل لعباده أمورًا تُزيل آثار الذنوب.

    11. يقال للشيء إذا كان غريبًا في وقته "بدعة" وإن كان ثابتًا معمولًا به فيما مضى؛ كقول عمر -
    رضي الله عنه- لمَّا جمع الناس في صلاة التراويح في رمضان: "نعمت البدعة هٰذه"؛ لأنّ الناس قد تركوها وإن كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- قد صلى بالناس جماعةً في قيام رمضان ليلتين أو ثلاثًا ثم ترك ذٰلك خشية أن تُفرَض على الأمَّة، فلمَّا تولى عمر -رضي الله عنه-
    الخلافة جمع الناس على إمام واحد؛ فكأنه أبدعها لعدم عمل الناس بها.

    12. مَن أراد الخير لنفسه وأهله ومجتمعه فعليه أن يحرص على نشر ما في الكتاب والسنة بفَهم السلف الصالح رضوان الله عليهم، وأن يربِّي الناس على ذٰلك.

    13. التقوى: أن تفعل طاعة الله على نورٍ مِن الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نورٍ مِن الله خوفًا مِن عقاب الله.
    «أن تعمل بطاعة الله»: أي بالأوامر،
    «على نور مِن الله»: أي ليس بالبدع وليس بالمحدثات وإنما بما دلّ عَلَيه الدليل،
    «ترجو ثواب الله»: أي بإخلاص العمل لله ورجاء رضاه.
    «وأن تترك معصية الله»: أي تجتنب ما نهى الله عنه، «على نور مِن الله»؛ أي ليس مِن باب التنطّع ولا مِن باب التشدّد ولا مِن باب تحريم ما أحلّ الله وإنما على وِفْقِ الدليل، «تخاف عقاب الله» تتركه مخلصًا لله ترجو رضاه.

    14. التقوى إذا ذُكرَت مفرَدة؛ فهي تعني الدِّين كلّه وإذا ذُكِرَ معها المنهيات أو الأَوامِر؛ فيكون المقصود بها: اتِّقاء عذاب الله.

    15. إذا كنتَ تريد أن تكون متقيًا حقَّ التقوى فاترك الذنوب صغيرها وكبيرها، لماذا؟ لأنك لا تنظر إلى الذنب ولكنك تنظر إلى مَن تعصي وتَعلم أنه يراك ويسمعك.

    16. مَن غَفَلَ عن التقوى لابد أن يصاب في مقتل في العلانية أو في السِّر، في العلانية: بأن يقع في مصيبة الرياء. وفي السِّر: بأن ينتهك محارم الله في الخلوات، فالإنسان بحاجة إلى تقوى الله في السِّر والعلن.

    17. فِعْلَ الحسنة بعد السيئة إنما هو مِن جنس تناوُلِ المريضِ الدواءَ إذا تناوَل ما يضرّه، فالمريضَ يبادر بتناوُل المصلِح المُذهِب للضرر ولا يتوانى، فكذٰلك العبد إذا أدخل على نفسه ما يضرّها في أعظم ما تملك -وهو الدِّين- ينبغي أن يبادر إلى ما يزيل ذٰلك الضارّ بفعل حسنةٍ ماحيةٍ لتلك الزلَّةِ.

    18. ينبغي للعبد ألا يَغفل عن نفسه ويقول أنا مِن الصالحين ولا أخاف على نفسي الذنب؛ بل يعلم موقنًا أنّ الذنب كأنه أمر حَتْمٌ له؛ فيظلُّ مراقبًا لنفسه دائمًا يمنعها مِن الحرام قبل وقوعه، ويُزيل أثر الحرام عن نفسه عند وقوعه.

    19. قاعدةٌ شرعيةٌ شريفةٌ: السيئةُ إذا أُتبِعتْ بحسنة رُجِيَ أن تُزيل أثرها، وكلّما كانتِ الحسنة أعظم كانت أبلغ في المَحو، فإن تيسَّر أن تكون الحسنة العظيمة مِن جنس السيئة كان ذٰلك أكمل.

    التعديل الأخير تم بواسطة ; 26-Sep-2014 الساعة 12:04 AM

  2. شكر أم عمير السنية يشكركم "جزاك الله خيرًا "
  3. #2
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    الدولة
    الدنيا الفانية
    المشاركات
    529

    افتراضي رد: فوائدُ ولطائفُ وتقريراتٌ مستفادةٌ مِن شرح الوصية الصغرى للشيخ سليمان الرحيلي -حفظه الله-

    20. التوبة: هي الرُّجوع إلى الله تعالى عن الذنب؛ بالإقلاعِ عنه، والندم عليه، والعزم على عدم العَود إليه.
    والتوبة أعمُّ المكفرات للذنوب.

    21. شروط التوبة إذا كان الذنب في حقِّ الله -عز وجل- خمسة:
    الأوّل: الإخلاصُ لله ﻷ؛ بأن يكون الدافع للعبد لكي يقلع عن الذنب هو خوف الله ﻷ.
    الثاني: أن يُقلعَ عن الذنب
    الثالث: أن يندم على ما مضى، ومِن علامة الندم: أن يكره أن يعود إلا الذنب بعد أن نجّاه الله منه كما يَكره أن يُقذَف في النار، فليس تائبًا مَن إذا تذكَّر الذنب قال: تلك أيامٌ جميلة!
    الرابع: أن يَعزم على عدم العَود إليه، ولَمْ يَقُل العلماء: «ألا يعود إليه»؛ وإنما: أن يعزم على عدم العَود إليه، فإذا عزم صادقًا فإنه تائب، فإن عاد بَعْدُ فذاك ذنبٌ جديدٌ لا يَنقُض التوبة السابقة.
    الخامس: أن تقع التوبة في وقتها، ووقت التوبة: عامٌّ وخاصٌّ.
    أمَّا العامُّ: فهو أن تَطلُع الشمس مِن مغربها، فإذا طلعتِ الشمس مِن مغربها فإنّ بابَ التوبة يُغلَق.
    وأمّا الخاصُّ: فهو ما لَمْ يُغرغِر الإنسان، يعني ما لَمْ تبلغ الروح الحلقوم، فإنّ الله يقبل التوبة.

    22. إذا كان الذنب في حق العباد؛ فشروط التوبة منه ستة: الشروط الخمسة اللازمة للتوبة من الذنب في حق الله؛ ويُزاد عليها شرطٌ سادسٌ؛ وهو: أن يُعيدَ الحقَّ إلى أهله إن كان عينًا، أو يَتحلَّل منه إن كان عينًا أو معنىً.

    23. ثبت في الحديث أنَّ التوبة تقبل مِن العبد ما لم يُغرغِر؛ فهل المقصود بالغرغرة ذات الغرغرة؟ أو المقصود اليأس مِن الحياة؟
    الصواب -والله أعلم-: أنّ المقصود الغرغرة بذاتها، يعني: ما لَمْ يغرغر فيَعلَم أنه ميِّت الآن، لأنّ الغرغرة دليلٌ على الموت الحاضِر، فلو أنّ إنسانًا ظلم إخوانه ثم عَلِمَ أنه مصابٌ بمرضٍ قاتل، فتاب، فإنه تقبل توبته إن شاء الله.

    24. الذنوب المعنوية المتعلِّقة بحقوق العباد لا تخلو من حالَين:
    الحال الأولى: أن يَعلم صاحبَ الحقِّ بالذنب الَّذي وقع عليه، يعني يعلم صاحبَ الحقّ أنّ فلانًا سبّه أو أنّ فلانًا اغتابه أو أنّ فلانًا كَذَبَ عليه، وهنا لابد أن يَستحلّه ويَبذُل ما يستطيع لَعلّه أن يُحلِّه.
    الحال الثانية: ألا يكون صاحبَ الحقِّ قد عَلِمَ بذلك الذنب، وهنا قال العلماء: إن كان فاعلُ الذنب يأمَن صاحبَ الحقِّ ويَعلَم أنه لا يترتَّب على ذلك فتنة؛ فإنه يَستحلّه، أمّا إذا كان لا يأمنه ويَخشى لو استحلَّه أن يترتَّب على ذلك فتن أو مقاطَعة أو مهاجَرة أو نَحْوَ ذلك؛ فإنه هنا لا يُخبِره ولا يَستحلّه؛ ولكن يجتهد في الدعاء له، ويجتهد في أن يذكره بخير كما ذَكَرَه بسوء.

    25. الاستغفار: هو طلب مغفرة الله. ومغفرة الله: أن يستر الله ذنب العبد وأن يزيل عنه أثره.

    26. هل بين الاستغفار والتوبة فرق أو هما بمعنىً واحد؟
    الجواب: بينهما فرق؛ وذلك من وجوه:
    · أنّ التوبة لها وقتٌ تنتهي به، أمّا الاستغفار فلا وقت له، ولذلك يُستغفَرُ حتى عن الميت، ولا يُتاب عنه.
    · أنّ التوبة إنما تكون مِن صاحبِ الذنب، أمّا الاستغفار يكون مِن صاحب الذنب ومِن غيره له.

    27. هل ينفع الاستغفار بلا توبة؟ التحقيق مِن أقوال أهل العلم في المسألة: أنّ الاستغفار لا يخلو من حالَين:
    الحال الأولى: أن يكون مِن باب استغفار الغير للمذنِب؛ مثل استغفار الملائكة لمَن قَعَدَ في المصلى ما لَمْ يُحدِث تقول: «اللهم اغفر له، اللهم ارحمه»، ومثل استغفار الحي للميت؛ بدليل: أنه مطلوبٌ شرعًا للميت؛ ومَا دام أنه طُلِبَ شرعًا فلابد أن يكون نافعًا، فقد قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- لمّا مات النجاشيُّ «استغفروا لأخيكم»، والمعلوم انّ الميت لا يتوب، فهذا الاستغفار ينفع بلا توبة مِن المذنب.
    الحال الثانية: استغفار المذنِب بنفسِه دون توبة من الذنب. والصَّحيح أنه ينفع صاحِبَه بشرط أن يكون نابعًا مِن خوف الله، أمّا إذا كان باللسان فقط دون استشعارِ القلب فإنه لا ينفع صاحبه.
    وإذا اجتمعت التوبة والاستغفار فهو الكمال.

    28. الكفارات المقدَّرة: هي الكفارات المعيَّنة الَّتِي رُتِّبت على سبب. فمِن وجهٍ هي محدَّدة ليست مطلقة، ومِن وجهٍ هي مرتّبة على سببٍ.

    29. قاعدةٌ نافعةٌ: كلّما ضَعُفَ الوازع الطَّبْعيّ عَظُمَ الوازع الشرعيّ، وكلّما قَوِيَ سببُ الفِعل كلّما قَوِيَتْ الكفارة الزاجِرة عنه.

    30. الكفاراتُ المطلَقة: هي الأَعْمَال الصالحة، فإنّ الأَعْمَال الصالحة مكفِّرة للسيئات، وتسمّى أيضًا الممحِّصات.

    31. الكفارات والفِدى: زواجر قبل الوقوع؛ تَزجُر المكلَّف عن أن يَقع في الفِعل، وجوابِر بعد الوقوع؛ فتَجبُر الخَلل الَّذي وقع. هذا الصَّحيح مِن أقوال أهل العلم.

    32. أجمع العلماء على أنّ الصغائر تكفَّر بالأعمال الصالحة، لكن هل الأعمال الصالحة تكفِّر الكبائر؟
    الصحيح الَّذِي تدلّ عليه الأدلة:
    أنّ الكبائر لابدّ فيها مِن توبة، لِمَا جاء في قولِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: «ما اجتُنِبتِ الكبائر»، فإنه ولأنه لو كانت الكبائر تُكفَّر بالأعمال الصالحة -كالصلاة مثلًا التي لا يتركها مسلم- لكُفرَّت عن المسلمين الصغائر والكبائر ولا يدخل مسلمٌ النار! وهذا لا يكون.
    لكنّ الأَعْمَال الصالحة إذا لَمْ تصادِف صغائر، فإنه يُرجى أن يُخَّفف بِهَا من الكبيرة ولا تزيلها بالكليّة؛ إلا إذا قويتِ فإنها قد تزيل الكبيرة.
    فإن لَمْ تصادف الأعمال الصالحة صغيرة ولا كبيرة، فإنّ التكفير فيها ينقلب إلى ثواب زائد؛ لأنّ الله حَكَمٌ عدْل.

    33. الأَعْمَال الصالحة قد تَقوى فيَعظُم أثرها، فتزيل الكبيرة، ليس لجنسها ولكن لقوَّتها؛ إمّا لعظم يقين القلب أو للنفع المتعدي، فتقوى إلى أن تُمحَى بِهَا الكبيرة، سواء كان ذلك بالموازنة؛ بحيث ترجح الحسنات بالسيئات، أو بالمغفرة كما جاء في حديث صاحب السجلات والمرأة البغي التي سقت الكلب.

    34. الأصل أنّ الأعمال الصالحة -مِن حيث جنسها- لا تُكفَّر بها الكبائر بل لابد مِن أن تكون معها توبة، لكنّ الأَعْمَال الصالحة قد تُخفَّف بها الكبائر مِن وجه، وقد تَقوى لقوَّةِ يقينِ القلب أو عظيم النفع المتعدِّي فتُرفَع وتُمحى بها الكبيرة.

    35. مِن عظيم فضل الله على عباده أن جعل لهم مِن جنس الأَعْمَال الصالحة مكفِّراتٌ يوميةٌ "الصلوات الخمس"، ومكفِّراتٌ أسبوعية "الجمعة إلى الجمعة"، ومكفِّراتٌ سنوية "رمضان إلى رمضان"، مكفِّراتٌ لكلّ ما مضى؛ كقول النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: «مَن صام رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقدّم مِن ذنبه»، وقول النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: «مَن حجَّ هٰذا البيت فلَم يَرفُث ولم يَفسُق رجع مِن ذنوبه كيوم ولدته أمه» -صلى الله عليه وسلم-، وسائر الأَعْمَال الَّتِي قال فيها: مَن قال كذا وعمل كذا؛ غُفر له ما تقدّم من ذنبه.

    36. أهلُ الحديثِ صنَّفوا كتبًا في فضائل الأعمال، بعضُها مفرَدة، وبعضُها في ضِمن كتبهم في السنن، فهناك أحاديثُ كثيرةٌ جدًا في هذا الباب، وهٰذا الباب بابٌ عظيمٌ نافعٌ للمؤمن، فإنَّ الأَعْمَال الصالحة تزيد الحسنات وتُمحَى بها الذنوب.

    37. حريٌّ بنا وقد أثقلتنا الذنوب
    أن نجتهد في أن نتوضأ وضوءًا مسبغًا ثم نصلي ركعتين نُقبِل بهما على الله لا نحدّث فيهما أنفسنا؛ لننال هٰذا الموعود مِن الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم-: «مَن توضأ نَحْوَ وضوئي هٰذا؛ ثم صلى ركعتَين لا يُحدِّث فيهما نفسَه؛ غُفِرَ له ما تقدَّم مِن ذنبه».

    38. مِن الأعمال اليسيرة التي رُتِّبَت فيها المغفرة على قولٍ أو فعلٍ:

    · الحمدُ بعدَ الأكل؛ لقولِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: «مَن أكل طعامًا ثم قال: الحمد لله الَّذي أطعمني هٰذا الطعام ورَزقنِيه مِن غير حولٍ مني ولا قوَّة؛ غُفِرَ له ما تقدَّم مِن ذنبه، ومَن لَبِسَ ثوبًا -أي جديدًا- فقال: الحمد لله الَّذي كساني هٰذا ورَزقنِيه بغير حول مني ولا قوة؛ غُفِرَ له ما تقدَّم مِن ذنبه».

    · إحسانُ الاستغفارِ في آخر الصلاة، فقد وَرَدَ أنّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- دخل المسجد فإذا هو برجلٍ قد قَضى صلاتَه، أي أنه في آخر صلاته، وهو يتشهد وهو يقول -يعني بعد أن فرغ مِن تشهده شَرَعَ في الدعاء- يقول: اللهم إني أسألكَ يا الله الأحد الصمد الَّذي لَمْ يلد ولم يولد ولم يكن له كفُوًا أحد أن تغفر لي ذنبي إنك أنت الغفور الرحيم، فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «قد غُفِرَ له، قد غُفِرَ له، قد غُفِرَ له». قالها -صلى الله عليه وسلم- ثلاثًا».

    · قول النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- : «مَن قال حين يسمع المؤذِّن: وأنا أشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، رضيتُ بالله ربًّا، وبمحمَّدٍ رسولًا، وبالإسلام دينًا؛ غُفِرَ له».

    · قولُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- : «مَن غسَّل مسلمًا فكتم عليه؛ غفر الله له أربعين مرة»، «فكتم عليه» يعني لَمْ يَنشر عيبه إن اطَّلع على عيبٍ فيه؛ «غفر الله له أربعين مرة».

    · قولُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- : «ما مِن عبد يُذنِب ذنبًا فيتوضأ، فيُحسِن الطُّهور، ثم يقوم فيصلي ركعتَين، ثم يَستغفر الله بذٰلك الذنب إلا غَفر الله له».

    · قولُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- : «مَن تَعارَّ مِن الليل فقال حين يستيقظ: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كلِّ شيء قدير، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم، ثم دعا ربه: ربِّ اغفر لي؛ غُفِرَ له».

    39. محو السيئات بالصالحات ليس خاصًّا بما ورد أنَّ مَن فَعَلَه وقالَه يُغفَر له؛ بل هٰذا عام؛ لقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «وأتبع السيئةَ الحسنةَ تمحها»، فإذا أتبع الإنسان السيئة الحسنة فإنها تمحو الذنب.
    فما فائدة التنصيص في هٰذه الأَعْمَال على أنه يُغفَر له، ما دام أنها تشترك مع غيرها في المغفرة؟
    للتنويه بشرفها وبيانِ أنّ المغفرة بها أعظم مِن المغفرة ببقية الصالحات.



  4. #3
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    الدولة
    الدنيا الفانية
    المشاركات
    529

    افتراضي رد: فوائدُ ولطائفُ وتقريراتٌ مستفادةٌ مِن شرح الوصية الصغرى للشيخ سليمان الرحيلي -حفظه الله-

    40. قاعدةٌ: البدعةُ تُطفئ السُّنة في قلوبِ الناس، ومَا تعلَّق أحدٌ ببدعة إلا ماتَ في قلبه مقدارُها مِن حُبِّ السُّنة.

    41. مِن المؤسِف أن تَجد بعضَ المسلمين يتباكى على حال المسلمين مِن الضَّعفِ والمَهانة ويَذهب إلى السياسة ويَدعُ السبب الصحيح لعلاج هٰذا الضعف؛ وهو نشر العلم المبنيِّ على كتاب الله وعلى سنة النبيِّ
    -صلى الله عليه وسلم -
    !

    42. إن أردنا لمجتمعنا عزّةً ورفعةً وكرامةً في الدنيا وسعادةً واطمئنانًا للقلوب ورفعةً في الآخرة؛ فعلينا طلاب العلم أن نعتني بنشر العِلم بكتاب الله وسنة النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في بُلداننا، وأمّا عامّة الناس فيَجتهدون في اقتناء أشرطة العِلم للمشايخ الربانيِّين الَّذينَ عُرِفوا بالتَّوحِيد والسنة، وتُسمَع هٰذه الأشرطة في البيوت فيُصبح في البيوت طنين بذكر الله ﻷ بدلًا مِن رَنِين الموسيقى وما يَجلِب الشياطين إلى البيوت.

    43. لن تتشبّه كل الأمّة بكل حال اليهود والنصارى؛ وإنما التشبّه يقع مِن أفراد الأمّة؛ لقولِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: «لا تزالُ طائفةٌ مِن أمّتي على الحقِّ ظاهرِين، لا يَضرّهم مَن خالفهم أو خَذلهم، حتى يأتيَ أمرُ الله».

    44. وجوه تشبُّه هذه الأمة باليهود والنصارى:

    • التشبه بهم في تَرْكِ العلم؛ وهٰذا تشبُّهٌ بالنصارى الَّذينَ تركوا العلم؛ فكانوا ضالين .
    • التشبّه بهم في ترك العبادة مع العلم؛ وهٰذا تشبُّهٌ باليهود؛ فكانوا مغضوبًا عليهم.


    45. ذكر بعض أهل العلم أنّ قول الله -عز وجل-: ( فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ) هذا تشبُّه بالأمم السابقة في باب الشهوات، وهٰذا فعل العصاة، (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا) هذا تشبُّه بهم في باب الديانة؛ وهٰذا فعل المبتدعة.
    فالعصاة مِن أمّة محمد -صلى الله عليه وسلم- يَتشبّهون بأهل الجاهلية في فعل المعصية في بابِ الشهوة، والمبتدِعة مِن أمّة محمد -صلى الله عليه وسلم- يَتشبّهون بالأمم السابقة في التعبُّد بلا علم.

    46. حكم التشبُّه بالكفار:

    • التشبُّه بالكفار في دينهم حرام.
    • والتشبُّه بالكفار في دنياهم فيما هو مِن خصائصهم؛ حرام.
    • أمّا فِعْلُ ما يَفعله الكفار لحاجة الناس؛ فهٰذا ليس مِن باب التشبُّه في شيء.


    47. ما يفعلُه الكفارُ لحاجةِ الناس؛ هٰذا ليس مِن باب التشبُّه في شَيْء، فمثلًا استخدام السيارات وغيرها مِن الآلات الميسِّرة التي اخترعها الكفار هٰذا ليس مِن باب التشبّه؛ لأنّ استخدامها إنما هو لحاجة إنسانيّة لا يَختصّ بِهَا الكفار.
    وكذٰلك اللباس الَّذي يَشترك فيه العموم فإنه لا يكون مِن باب التشبُّه.
    أمّا إذا كان اللباس خاصًّا بالكفار بحيث أنّ مَن رأى لابِسَهُ يقول: إنه يَلبس لِبْسَةَ الكفار؛ كطاقية اليهود المعروفة وزُنّار النصارى ونحو ذٰلك؛ فهٰذا يَحرُم التشبُّه بهم فيه.

    48. قال سفيان بن عيينة -رحمه الله-: «مَن فَسَدَ مِن علمائنا ففيه شَبَهٌ مِن اليهود، ومَن فَسَدَ مِن عُبَّادنا ففيه شَبَهٌ مِن النصارى»؛ لأن ّفساد النصارى في باب العبادة، وفساد اليهود في باب العلم؛ عَلموا فلم يَعملوا، والنصارى عَبدوا بدونِ عِلم.
    وقد يقع في العلماء الشَّبَه بهٰذا وهٰذا، و يقع في العُبّاد الشَّبَه بهٰذا وهٰذا، وهٰذا واقِعٌ معايَن.

    49. الحُكم على الناس وتنزيلُ الأحكام عليهم تعيينًا؛ ليس لكل أحد، بل لابدّ أن يكون على بصيرة، وعلى الأصول الشرعية الَّتِي جاءت في كتاب الله وسنة النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وأن يكون مِن أهل البصيرة.
    والناس في هٰذا الباب طرفان ووسط:
    طرفٌ يسارِع إلى تنزيل الأحكام المطلَقة على المعيَّنين، ولو لَمْ يكن على بصيرةٍ مِن الدِّين، ولو لَمْ يكن مِن أهلِ الشأن.
    وطرفٌ يَغلو في الفَصْلِ بين الأحكام المطلَقة وأحكام المعيَّنين؛ حتى يكاد لا يُنزَّل حُكمٌ على معيَّن.
    وهٰذا خطأ وذاك خطأ.
    والصواب؛ ما عليه أهلُ السنة مِن التفريق بين الحُكم المطلَق والحُكم على المعيَّنِين، فإنّ الشيءَ قد يُحكَم عليه بإطلاق لأنّ الدليلَ دلَّ عليه، مثلًا؛ نجد أنّ أكثر السلف صحَّ عنهم أنهم يقولون: مَن قال بخَلْق القرآن فهو كافر، وهنا ليس المقصود وصف المعيَّن بأنه كافر، وإنما هٰذا وصْفٌ مطلَق.
    لكن إذا جاؤوا إلى معيَّنٍ يقول بخَلْق القرآن فإنهم لا يسارعون إلى تكفيره؛ بل يُنظَر ببصيرة، فإذا اجتمعتِ الشروط وانتفتِ الموانع؛ حَكَمَ أهلُ البصيرة بهٰذا الحُكم، ولا يَحكم به كلُّ أحد.
    فينبغي على المعلِّمِين وعلى طلاب العلم أن يربُّوا الطلاب على الطريقة الشرعية في هٰذا الباب وأن لا يُطلَق الكلام على عَواهِنه، وأن يُعلَم أنّ الحُكمَ على المعيَّنين إنما يكون بفَهم الدِّين، ثم بفَهم الشروط وانتفاء الموانع، ثم بكون الإنسان مِن أهل هٰذا الشأن، حتى لا يكون الأمر فوضى في هٰذا الباب.

    50. ينبغي أن نربي أنفسنا ومَن حولنا مِن الناس على أربعة أمورٍ فيها خيرٌ عظيم:
    1.العاطفة.
    2.والعقل.
    3.والعلم.
    4.والعدل.
    فالعاطفة الرشيدة مطلوبة، واليُبوس في العاطفة لا يأتي بخير، ولا ينبغي على المربّي سواء كان أبًا أو معلِّمًا أن يُجفِّف العاطفة في قلب مَن يربيه؛ بل ينبغي أن يُنمِّيها مرشَّدة.
    والعقل كُرِّم به الإنسان، فتَنمِيةُ العقل والحرصُ على المحافظة عليه أمرٌ مطلوب.
    والعاطفة -كما يقول العلماء- فيها إدراك الحالِ الموجود؛ استجابةٌ للحال الآن، والعقل فيه إدراكُ المآل، فمَن جمع بين العاطفة والعقل يَحصل له رُشْدٌ في أمره.
    والعلمَ سراجٌ يُضيء للعقلِ والعاطفةِ الظلمات.
    ثم لابدّ مع هٰذا مِن العدل، فيأخذُ نفسَه بالعدل مع القريب والبعيد والمُحِبّ والمبغِض، فيعيش بخير، ويُعلِّم الناسَ الخير؛ ملتزِمًا السنة، مِن غير إفراط ولا تفريط.

    51. الحسنات: هي كلُّ أمرٍ طُلِبَ فعلُه في كتاب الله أو في سنة رسول الله
    -صلى الله عليه وسلم-
    ؛ إلزامًا أو استحبابًا.


    52. الحسنات لا تُعرَف بالهوى والابتداع؛ وإنما تُعرَف بالاتّباع.
    أمّا ما يُفعَل من التعبُّدات مما ليس في الكتاب والسنة فليس بحسنة؛ بل بدعة، ولا يزيل أثر السيئة؛ بل هُوَ سيئة عظيمة.

    53.
    أعظم السيئات: الشرك الأكبر، ثم الشرك الأصغر، ثم البدع، ثم ما دون ذٰلك من الذنوب.

    54. البدعةُ أحبّ إلى إبليس مِن المعصية؛ لأنّ المعصية يفعلها الإنسان على غير سبيل التقرُّب، يفعلها وهو يرى أنها خطأ لكن تَغلِبُهُ الشهوة؛ فيكون قريبًا مِن التوبة.
    أمّا البدعة فيفعلها الإنسان دِينًا؛ فيكون بعيدًا عن التوبة؛ ولذٰلك النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إنّ الله قد حَجَبَ التوبة عن كلِّ صاحب بدعةٍ حتى يدعها».

    55.
    مما يُعين العبدَ على الصبر: أن يَستحضر أمورًا:
    الأوّل: أن يَستحضر أنّ الَّذي ابتلاه هو ربُّه، وأنه عبد، فالمبتلِي هو الله، والمبتَلى هو عبدُ الله، والعبدُ تحتَ أمر مولاه عز وجل
    .
    الثاني: أن يَستحضر أنّ الَّذي ابتلاه هو اللهُ الَّذي لا يُسأل عما يَفعل، وهم يُسألون.
    الثالث: أن يَستحضر أنّ الَّذي ابتلاه هو اللهُ الَّذي لا يُسأل عما يَفعل لِتمام فِعْلِه؛ فإنه لا يَفعل إلا لحِكمة، فيَستحضر أنّ هٰذا البلاء الَّذي نزل به إنما نزل به لحِكمة وليس عبثًا، فإنّ الله لَمْ يَفعل شيئًا ولا يَفعل شيئًا إلا لحِكمة.
    الرابع: أن يَستحضر أنّ البلاء إذا نزل بالعبد المؤمن؛ إمّا أن ينبّهَهُ مِن غفلة، أو تُكفَّر عنه به سيئة، أو تُرفَع له به منزلة، هٰذه الحِكَم الثلاث في نزول البلاء.
    الخامس: أنّ الَّذي ابتلى هو الَّذي أنعم، فإذا نزل بك البلاء فانظر إلى نِعَمِ الله عليك، فالذي ابتلى بهٰذا البلاء هو الَّذي أنعم بلا انتهاء.

    56.
    المصيبة: هي ما يَنزل بالإنسان مما يكرهه، حتى لو جاءك رجلٌ كثير الأذى فنزل بك وأنت تكره هٰذا؛ فهٰذه مصيبة، وإن صبرتَ على هٰذا وعَمِلتَ بالمشروع في هٰذا فإنك تنال منزلةً عاليةً.
    الهمّ: نوعٌ مِن الحُزن، يقعُ في الغالب بسبب التفكير فيما يُتوقَّع.
    الحُزن: ما يصيب القلب بسبب وقوع المكروه.
    النَّصَب: هو التعب.
    الوَصَب: هو الألم والسُؤْم الدائم.


  5. #4
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    الدولة
    الدنيا الفانية
    المشاركات
    529

    افتراضي رد: فوائدُ ولطائفُ وتقريراتٌ مستفادةٌ مِن شرح الوصية الصغرى للشيخ سليمان الرحيلي -حفظه الله-

    57. قال بعضُ العلماء: «جِماعُ الدِّين: الصدقُ مع الحقّ، وحُسنُ الخُلق مع الخَلق»؛ بمعنى: أن تكون صادقَ القلبِ مع الله، موحِّدًا، عابدًا، مُخبتًا لربك ﻷ، حَسَنَ الخُلقِ مع خَلْق الله، فإذا جمعتَ بين هٰذين الأمرَين فقد جمعتَ الدِّين.

    58. مَن أراد أن يكون له نصيبٌ مِن شهادة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالخيريَّة؛ فليجتهد في تحسين أخلاقه؛ فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «إنّ خيارَكم أحاسِنُكم أخلاقًا».

    59. مَن حَسُنَ خُلقه كان أحبَّ إلى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- ؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: «إنّ مِن أحبِّكم إليَّ أحسنكم أخلاقًا».

    60. مِن الأخلاق الحسنةِ: العفو عمن ظلمك، وأعظمُ مِن العفو: أن تؤمِّنه؛ بمعنى تُشعِرَه بالأمان؛ وهٰذا كظم الغيظ، وأعظمُ مِن هٰذا: أن تُحسِن له.

    61. قال بعض أهل العلم : «مَن زاد عليكَ في الخُلق زاد عليك في الدِّين»، بمعنى: مَن زاد عليك في الخُلق وهو على دِين؛ زاد عليك في الدِّين؛ لأنّ الخُلق مِن البرّ الَّذي يحبُّه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-، ولذٰلك كلّما حسَّنتَ خُلقَك كلّما كنتَ أحبَّ إلى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-.

    62. قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «البرُّ حُسن الخُلق»،
    فكأنّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- حَصَرَ البرَّ في حُسن الخُلق! قال العلماء: لأنّ البرَّ يكون بمعنى الصِّلة، ويكون بمعنى اللُّطف، ويكون بمعنى حُسنِ الصحبة، ويكون بمعنى الطاعة، وهٰذه مجامِع حُسن الخُلق.

    63.
    قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «إنّ المؤمن ليُدرِك بحُسن الخُلق درجةَ الصائمِ القائمِ»، والمقصود بالصائم: مُدِيمُ الصيام. والمقصود بالقائم: مُدِيمُ القيام؛ وهٰذا يدلُّ على فضيلة حُسن الخُلق.

    64. قال بعضُ العلماء: «جِماع حُسنِ الخُلق: أن يكون الإنسانُ كثيرَ الحياءِ، قليلَ الأذى، كثيرَ الصلاحِ، صَدوقَ اللسانِ، قليلَ الكلامِ، كثيرَ العملِ، قليلَ الزَّللِ، قليلَ الفُضولِ، برًّا وَصولًا، وقُورًا صبورًا، راضيًا شكورًا، حليمًا رفيقًا، عَفيفًا شَفيقًا، لا لعّنًا ولا سبّابًا، ولا نمامًا ولا مغتابًا، ولا عَجولًا ولا حَقودًا، ولا بخيلًا ولا حَسودًا، باشًّا هاشًّا، يُحِبُّ في الله، ويرضى في الله، ويُبغِض في الله»؛ وهٰذا الكلامُ مأخوذٌ مِن صفاتِ الرسولِ -صلى الله عليه وسلم-، فلو تأمَّلتَه لوجدتَه خُلاصة ما نُقِل مِن صفاتِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- الخُلقية.

    65.
    مِن مَجامع حُسنِ الخُلق ومِن الصفات الزكيَّة العليَّة في المؤمن: الحِرص على نَفْعِ المسلمين؛ فإنّ هٰذا مِن رؤوس حُسنِ الخُلق.

    66. ورأسُ النَّفعِ: الحِرصُ على نفع المؤمنين بالعلم بالسنة ونشر التَّوحِيد، فإنّ هٰذا مِن أعظم النفع.

    67. قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «أحبُّ الناسِ إلى الله أنفعُهم، وأحبُّ الأَعْمَال إلى الله -عز وجل-: سرورٌ تُدخلُه إلى قلب مسلم، أو تَكشِفُ عنه كُربة، أو تَقضي عنه دينًا، أو تَطردَ عنه جوعًا، ولَأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحبّ إليَّ مِن أن أعتكفَ في المسجد الحرام شهرًا، ومَن كفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللهُ عورتَه، ومَن كظمَ غيظًا ولو شاء أن يُمضيَهُ أمضاه؛ ملأ الله قلبَه رضًا يومَ القيامة، ومَن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يُثبِتها له؛ أثْبَتَ الله -تعالى- له قدمَه يوم تَزِلُّ الأقدام، وإنّ سوءَ الخُلق ليُفسِدُ العمل كما يُفسِدُ الخَلُّ العسل».

    68.
    يزعمُ بعض الناس أنه لا يستطيع أن يكون حَسَنَ الأخلاق لأنّ طبيعته كذا! وهٰذا خطأ، فإنّ حُسنَ الخُلق قد يكون جِبِلَّة، كما في أشجّ عبد القيس؛ فإنّ الحِلم والأناة جبلَّةً جَبَلَهُ الله عليها ومُدِحَ بها.
    وقد يُكتَسب؛ «إنما الحِلم بالتحلُّم»، فالإنسان يستطيع اكتساب هٰذا.
    ولو لَمْ يكن حُسنُ الخُلق يُكتَسب لَمَا رُتِّبَ عليه هٰذا الأجر العظيم، فهٰذا دليلٌ على أنه يُكتَسب، ولكنّ الإنسان بحاجة إلى أن يُجاهِد نفسَه في هٰذا الباب.

    69.
    مما نُقل في حُسن خُلق شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-؛ أنه كان له عدّو مِن أهل العلم -ينتسِب إلى أهل العلم- يعادِيه ويؤذِيه ويتكلّم فيه، ففي يومٍ كان جالسًا مع أصحابه، جاءه أحد طلابه فقال: مات فلان! يظن أنه يُبشِّرُه وأنه يَفرح بهٰذا، فقال: «لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم اغفر له»، ثم قام مِن فَورِه فذهب إلى أهله وعزّاهم فيه، وقال لهم: «أنا لكم مكانه»؛ يعني أقوم بحاجتكم وأُعينكم! وهٰذه أخلاق العلماء وأخلاق الفضلاء، فما أجمل أن يكون الإنسان حَسَنَ الخُلق مع الناس!

    70.
    قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «ما مِن شيءٍ أثقلَ في الميزان مِن حُسن الخُلق» ، وهنا قد يقول قائل: أليستِ الصلاةُ المفروضة ثقيلةً في الميزان؟ أليست أركان الإسلام ثقيلةً في الميزان؟ أليس التَّوحِيد ثقيلًا في الميزان؟
    الجواب: بلى؛ إنّ الصلاة ثقيلةٌ وإنّ التَّوحِيد ثقيلٌ، وهٰذه النصوص إذا وَرَدَتْ لا تَمنَعُ المشارَكة، فهٰذا ثناءٌ على المذكور لا يَمنع مشاركة غير المذكور.
    وهو مثل التفضيل بين الأنبياء؛ لا يَقتضي نقصًا، ولهٰذا نَصَّ أهل العلم على أنّ التفضيل بين الأنبياء على وجه التنقُّص لا يجوز.

    71.
    قال بعضُ العلماء: الناس في الصِّلة ثلاثة: واصِل، ومكافئ، وقاطِع.
    فالواصِل: مَن يَتفضّلُ ولا يُتفضَّلُ عليه؛ يعني هو السبّاق، سواء مع الواصلِين مِن رَحِمِه أو القاطعِين.
    والمكافئ: الَّذي لا يزيدُ على الإعطاء على ما أَخَذ؛ يقول: زارني ابن عمي مرّة في الشهر؛ أزوره مرّة في الشهر، لَمْ يزرني لم أزره!
    والقاطِع: الَّذي يُتفضَّل عليه ولا يَتفضَّل، قد يصله أقاربُه لكنه لكبْرٍ أو غير ذٰلك يَهجُرهم، ولا يَصِل رَحِمَه.

    72.
    الأصلُ الواجب تجاه المسلم هو الوَصل؛ إلا أنه قد تتقدّم أسبابٌ للقَطع، وهي نوعان:
    1.دينية.
    2. أو دنيوية.

    إن كانتِ الأسبابُ دُنيَوية فلا تَخلو من حالَين:

    الحالة الأولى: أن تكون صادرةً ممَّن تَقطَع، مثلًا سبّكَ أو آذاك.
    وفي هٰذه الحالة: جَعل الله لكَ فرصةً ثلاثةَ أيام، والمُحسِنُ مَن تَرَكَها، «لا يَحلُّ لمسلم أن يَهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيُعرِض هٰذا ويُعرِض هٰذا، وخيرُهما الَّذي يبدأ بالسلام»، جَعل الله لكَ ثلاثة أيام مِن أجل أن يَندفِع ما في نفسِك، ولا خيرَ فيمَن لَمْ يندفع ما في نفسِه بعد ثلاثة أيام، لأنّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- جعل الخيرية فيمَن يبدأ بالسلام.
    الحالة الثانية: أن يكون السببُ صادرًا مِن غير مَن تَقطَع؛ كأن تكون أنتَ على منصِبٍ أو غير ذٰلك؛ فليس لكَ الحقّ في أن تَقطع مَن يوصَل قَطْعًا مقصودًا.

    وإن كانت الأسباب دينيّة -
    يعني يقومُ في الإنسان سببٌ دِينيّ شرعيّ يقتضي منكَ أن تَقطَعه- تأتي هنا مسألة الهجر.
    ومسألة الهجر مسألةٌ شرعيةٌ شريفةٌ؛ ينبغي أن توضَع في موطنها.
    ولا حدّ للهجر بسبب الأمر الدينيّ، لا ثلاثة أيام ولا غيرها، بل يُهجَر مادام السبب الشرعيُّ قائمًا.


  6. #5
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    الدولة
    الدنيا الفانية
    المشاركات
    529

    افتراضي رد: فوائدُ ولطائفُ وتقريراتٌ مستفادةٌ مِن شرح الوصية الصغرى للشيخ سليمان الرحيلي -حفظه الله-

    73. مَن علّق قلبه بالله اطمأنّ وعاش سعيدًا مبارَكًا، ومَن علّق قلبه بغير الله فُتِن وعاش في ذِلّة.

    74. والله الَّذي لا إله إلا هو ما فرَّط عبدٌ في شيءٍ مِن التَّوحِيد إلا فرَّط في شيءٍ مِن عزَّته، وكلّما أوغَل كلّما ذلّ أكثر.

    75. التَّوحِيد مفتاح الخير، ومَن طلب الخير بغير مفتاح لَمْ يُفتَح له.

    76. التَّوحِيد سابِقُ الأَعْمَال، وشرط قَبولها، وهو أهم المهمات، وأعلى الفرائض المتحتِّمات، ولا أمنَ حقيقيّ للإنسان إلا بالتَّوحِيد؛ (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) [الأنعام: 82 ] .

    77. يقول الإمام الشافعيُّ -رحمه الله-: «أجمعَ الناسُ على أنّ مَن استبانتْ له سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لَمْ يكن له أن يَدَعَها لقول أحدٍ مِن الناسِ كائنًا مَن كان»؛ فكيف والبيان في كتاب الله وفي سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مِن أوضَح ما يكون؟!

    78. أعلى ما ينبغي أن نهتم به: إصلاح التَّوحِيد.

    79. والله والله ما عاش شخصٌ مرتاح القلب مطمئن القلب سعيد الحال مرضيًا للرب -عز وجل- إلا بتحقيق تَّوحِيد ربِّ العالمين.

    80. لماذا قال الله -عز وجل-: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) مع أنّ الاستعانة مِن العبادة؟
    قال العلماء: لأنّ أكثر خَلل الناسِ في التَّوحِيد يَقعُ في باب الاستعانة والاستغاثة؛ فذُكِرَ هٰذا مِن بابِ التنبيه، وإذا كان الإنسان حريصًا على التَّوحِيد في باب الاستعانة والدعاء سيكونُ حريصًا على التَّوحِيد فيما سوى ذٰلك.

    81. والله الَّذي لا إله إلا هو لا يَزيد الإنسان رزقَه بمعصية، و
    يُمنَع رزقه بطاعة، الَّذي يؤذِّن المؤذِّن ويبقى في محلّه يبيع والله لا يزداد رزقُه، والذي إذا أذَّن المؤذِّن أغلق مكانه ومحلّه وذهب حيث ينادى بالصلاة والله لا يَنقص رزقُه؛ بل يُحصِّل مِن البركة الشيء الكثير.

  7. #6
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    الدولة
    الدنيا الفانية
    المشاركات
    529

    افتراضي رد: فوائدُ ولطائفُ وتقريراتٌ مستفادةٌ مِن شرح الوصية الصغرى للشيخ سليمان الرحيلي -حفظه الله-

    82. مِن رحمة الله -عز وجل- بهٰذه الأمّة؛ أنّ مَن همّ بسيئة فمال إليها ولم يَجزم جزمًا مؤكَّدًا يَتْبَعُهُ عمل ثم لَمْ يعملها خوفًا مِن الله؛ تُكتب له حسنة، فإن تركها لغير خوف الله لا يُكتَب له ولا عليه.

    ومِن رحمة الله بهٰذه الأمّة؛
    أنّ العبد إذا عمل الذنب إنما تُكتَب عليه سيئة واحدة لا يُزاد عليها.

    ومع كلِّ هٰذه الرحمة والفضل؛
    فإنّ الله -عز وجل- جعل لعباده أمورًا تُمحى بها سيئاتهم، وتُكفَّر عنهم ذنوبهم، ذكر شيخ الإسلام في الوصية أربعةً منها، ونحن نَعدُّ البقية ونُعلِّق عليها.

    83.
    مكفرات الذنوب مِن حيث جنسها: عشرة:
    1. التوبة.
    2.الاستغفار مِن غير توبة.
    3.الأعمال الصالحة المكفِّرة للذنوب.
    4.مصائب الدنيا والبلاء الَّذِي ينزل بالمؤمن في الدنيا.
    5.شفاعة الشفعاء لأصحاب الذنوب بأن يعفو الله عنهم، وقد تَكون للمذنبين الموحدِين قبل دخول النار، وقَدْ تَكون للمذنبين الموحدِين بعد دخولهم النار.
    6. رحمة الله وعفوه.
    7. دعاء المؤمنين.
    8. ما يُعمَل للميِّت مِن أعمال البر.
    9. ما يحصل في القبر للمؤمن مِن الضغطة والفتنة والرَّوعة.
    10. أهوال يوم القيامة وكُرَبها وشدائدها.
    ولا يُعلَم دليلٌ خاصٌّ يدلّ على أنّ السببين الأخيرين مِن المكفّرات؛ لا مِن الكتاب ولا مِن السنة، ولكن يظهر لي -والله أعلم- أنّ شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- ومَن ذكر هٰذا مِن العلماء إنما ذكروه مِن باب الإلحاق الأولويّ؛ لأنه دلّت الأدلة على أنّ الشدائد الَّتِي تصيب المؤمن في الدنيا تكفِّر سيئاته، والشدائد الَّتِي في القبر ويوم القيامة أعظم؛ فمِن باب أولى أن تُكفَّر بها السيئات. والله أعلم بحقيقة الحال.

    84.
    الموفَّق؛ مَن استعمل الخوف قبل الوقوع في الذنب، والرجاء بعد الوقوع في الذنب.
    والمخذول؛ مَن قاده الرجاء إلى انتهاك محارم الله، وأصابه القنوط بعد الوقوع في الذنوب.

    85.
    المؤمنُ الذي يُذنب رجاء المغفرة هو كمَن يشربُ السُّمَّ رجاء الدواء بعد شُربه! لا يوجد عاقل يأتي للسم فيتجرَّعه، ثم بعد أن يتجرّعه يقول هٰذا الدواء أشربه! لأنه قد يموت قبل أن يقدر على الدواء، وأنت -يا عبد الله- ما تدري متى تموت، قد تموت وأنت على ذنبك، والعبد يُبعَث يوم القيامة على ما مات عليه!

    86.
    المؤمن لا يجرؤ على الذنب لأنه يعلم أنّ للذنب شؤمًا كما أنّ له مكفّرات، فقد يَسبق الشؤم إليه فيَرِين على قلبه، فيصبح بعد ذٰلك لا يَقبَل حقًّا ولا يُنكِر باطلًا!

    87.
    قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «للشهيدِ عند الله ستّ خصال: يُغفَر له في أوّل دَفعة مِن دمه، ويُرى مقعَده مِن الجنة، ويُجار مِن عذاب القبر، ويأمَن مِن الفزع الأكبر، ويُوضَع على رأسه تاجُ الوَقار؛ الياقوتة منها خيرٌ مِن الدنيا ومَا فيها، ويُزوّج اثنتين وسبعين زوجة مِن الحور العين، ويشفع في سبعين مِن أقاربه».

    والشهيد: شهيدُ المعركةِ، الَّذي يكون في جهادٍ مشروعٍ؛ قد اجتمعتْ شروطُه وانتفتْ موانعُه، لأنّ الشهادة أثرُ الجهاد.
    فلا يَصح ما يقوله البعض مِن أنّ الإنسان يذهب يقاتل الكفار ولو لَمْ تجتمع الشروط أو تنتفي الموانع لأنه إن قاتلهم فقتلوه يُغفَر له ذٰلك! فإنّ هٰذا الموعود على لسان خير مولودٍ -صلى الله عليه وسلم- إنما هو في الجهاد المشروع الَّذي اجتَمعتْ شروطه وانتَفتْ موانعه.
    والشاهد هنا أنّ الشهيد يشفع لسبعين من أقاربه.

    88.
    مِن بركة انتظام الإنسان مع الصالحين مِن أهل السنة مع المعروفين بالتَّوحِيد؛ فإنه يُرجى منهم خيرٌ كثيرٌ في الدنيا والآخرة؛
    فقد جاء في الصَّحيحين؛ أنّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال في المؤمنين الَّذينَ يَجتازون الصراط الَّذي يُنصَب على مَتن جهنم قال -صلى الله عليه وسلم-: «وإذا رأَوا أنهم قد نجَو يقولون: ربنا إخواننا كانوا يُصلُّون معنا ويصومون معنا ويَعملون معنا! " يعني يَشفعون لهم" فيقول الله تعالى: اذهبوا فمَن وجدتم في قلبه مثقال دينارٍ من إيمان فأخرِجوه» يعني مِن النار، قال: «ويحرِّم الله صورهم على النار» أي لا تؤذيهم «فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه وإلى أنصاف ساقيه؛ فيُخرِجون مَن عَرفوا» ممَّن كانوا معهم «ثم يعودون، فيقول الله: اذهبوا فمَن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار مِن إيمان فأخرِجوه، فيُخرِجون مَن عرفوا، ثم يعودون فيقول الله: اذهبوا فمَن وجدتم في قلبه مثقال ذرةٍ مِن إيمان فأخرجوه؛ فيُخرِجون مَن عَرفوا، فيَشفع النبيون والملائكةُ والمؤمنون».

    89.
    العبدُ وإن كان يقع في الذنوب فإنه إن وُفِّق يحرصُ على أن يكون مع الصالحين، يحرص على أن يكون مع الموحّدين، يحرص على أن يكون مع أهل السنة؛ لأنهم القوم لا يَشقى بهم جليسهم، يُرجى إذا خالطهم أن يَرِقّ قلبُه وأن يترك ذنبه، وإن مات على الذنب فإنه تُرجى له شفاعتُهم.

    90.
    تشفع الملائكة يوم القيامة ويَشفع الرُّسل، ويشفع
    الصالحون
    . وهٰذا الشفاعات لأهل الذنوب مِن الموحّدِين الَّذين يَستحقون دخول النار بذنوبهم؛ فيُشفَع لهم فلا يَدخلون النار، أو يَدخلون النار بذنوبهم فيُشَفع لهم فيُخرَجون مِن النار.

    91.
    مكفِّرات الذنوب كلّها خاصَّة بالموحِّدِين ولا يَدخل فيها المشركون؛ إلا التوبة فإنها تمحو كلّ ذنب حتى الشرك.

    92.
    ليحذر المؤمنُ المجاهرةَ بالمعاصي؛ فإنّ المجاهرة بالمعاصي لها شؤمٌ عظيم، وقد تمنع عفو الله.
    يقول النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «كلُّ أمتي معافى إلا المجاهرين، وإنّ مِن المجاهرة أن يَعمل الرجلُّ بالليل عملًا، ثم يُصبِح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان! عملتُ البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره الله، ويُصبح يَكشِف ستر الله عنه».
    ومعنى «كلُّ أمتي معافى إلا المجاهرين» أي كلُّ أمتي -ولو كانوا مذنبِين- معافى؛ إلا المجاهرين.

    93.
    كلُّ مَن فَعَلَ الذنب أمام الناس فهو مَن المجاهرين، و كذٰلك كلُّ مَن فعل الذنب خُفيةً ثم أعلنه أمام الناسِ فهو مَن المجاهرين.

    94.
    كيف الجمع فيما يظهر مِن تعارضٍ بين حديث: «كلُّ أمتي معافى إلا المجاهرين» وظاهرُه أنّ الَّذِي يستخفي بذنبه معافى، وحديث ثوبان حيث يقول -صلى الله عليه وسلم- فيمن يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء فيجعلها الله هباء منثورًا: «ولكنهم أقوامٌ إذا خلَو بمحارم الله انتهكوها» وظاهر هٰذا أنّ الَّذِي يفعل الذنب في الخفاء يَكون معاقَبًا بهٰذا العقاب العظيم؟!
    جُمِعَ بينهما بوجوه:

    1.
    أنَّ المقصود في حديث ثوبان: قومٌ منافقون أو قريبون مِن المنافقين يَتظاهرون بالطاعة أمام الناس، فإذا جاؤوا يوم القيامة بهٰذه الحسنات التي كانت في الظاهر جعلها الله هباءً منثورًا.
    أمَّا حديث «كلُّ أمتي معافى إلا المجاهرِين» فهؤلاء قومٌ موحّدون يعبدون الله ويخافون الله ولكنهم يقعون في الذنوب فيستترون بِهَا.

    2.
    أنّ المقصود في حديث ثوبان: قومٌ يتركون الذنب ليس حياءً ولا خوفًا مِن الله لكنهم يستحيون مِن الناس، ولذٰلك ما إن يخلو أحدهم بالذنب حتى يفعله بلا تردد.
    وأمّا حديث «كلُّ أمتي معافى إلا المجاهرِين» فهؤلاء أقوامٌ يستترون بذنوبهم حياءً من الله وحياءً من الناس، فهم يستترون بذنوبهم وفي قلوبهم خوفُ الله والحياءُ مِن الناس لكن يغلبهم الضعف فيقعون في الذنوب، ويَتسترون بِهَا، فهؤلاء يُرجى لهم عفو الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالى.

    3.
    أنّ المقصود في حديث ثوبان: قومٌ يخونون الأمانة، أي يؤتمَنون على الشيء فينتهكونه، كالرجل الَّذِي يُزاني حليلة جاره.
    ومعنى أنّ حسناتهم تَكون كالهباء المنثور بهٰذا الوجه؛ أنّ سيئاتهم تَرجَح على حسناتهم، ويكون ذٰلك سببًا في تعذيبهم في النار عذابًا عظيمًا.

    95.
    ينبغي على العبد الَّذي يرجو رحمة الله أن يعظم خوف الله في قلبه، وأن يحرص على البعد عن الذنوب، فإن ابتُلي بها حرص على البعد بها؛ بحيث يَستتر بها، غير متجرئ على محارم الله وغير مستَهتِر بما حرّم الله -عز وجل-.

    96.
    السيئات -ما عدا الكفر والردة- لا تُحبِط الحسنات، وإن كان قد يؤخَذ مِن حسنات العبد مِن أجل خصومِه يوم القيامة وتُطرَح عليه مِن سيئات خصومِه، لكن أن تكون السيئة سببًا في حبوط الحسنة الصَّحيحة الصَّالحة فهٰذا غير وارِد.


  8. #7
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    الدولة
    الدنيا الفانية
    المشاركات
    529

    افتراضي رد: فوائدُ ولطائفُ وتقريراتٌ مستفادةٌ مِن شرح الوصية الصغرى للشيخ سليمان الرحيلي -حفظه الله-

    97. كيف الجمع بين قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ما مِن ميّتٍ يصلي عليه أمّةٌ مِن المسلمين يَبلغُون مائة كلُّهم يُشفعَّون أو يَشفَعون؛ إلا شُفِّعوا فيه» فذكر هنا مائة، وقوله في الحديث الآخر: «فيقوم على جنازته أربعون »، وكلاهما عند مسلم في الصحيح؟
    جمع بينهما العلماء بوجوه:
    الأول: قال بعض العلماء: هٰذا مِن تخفيف الله عن الأمّة؛ بمعنى: أنّ الله جعل الفضل للمائة، ثم خفَّف عن هٰذه الأمّة فجعل الفضل للأربعين.
    الثاني: قال بعض أهل العلم: إنّ الأربعين وجه الكمال، والمائة وما زاد أكثر الكمال، بمعنى: أقلّ الكمال في هٰذا الفضل: أن يصلي عليه أربعون، وأعلى الكمال: أن يصلي عليه مائة فما فوق.
    الثالث: هٰذا باعتبار اختلاف صفة المصلين، فإن كان المصلُّون موحِّدين خُلَّص لا يقع منهم الشرك الأصغر ولا الخفي فإنه يكفي أن يَشفَع أربعون؛ لقول النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: «لا يُشرِكون بالله شيئًا».

    98. مِن أعظم ما ينفع من الدعاء: دعاء الولد لوالده
    ؛ لا سيّما الصالح، فإنه ثبتَ أنّ الرجل تُرفَع درجته في الجنة فيقول: أنّى لي هٰذا؟ كيف لي هٰذا؟ يعرف أنه ليس مِن أهل هٰذه الدرجة، فيقال: باستغفار ولدك لك، ولا يزال الولد الصالح يستغفر لأبيه حتى يُغفَر له، ثم تُرفَع درجتُه في الجنة.

    99. إذا تُصدِّق عن الميِّت رُجِيَ له ثواب الصدقة
    وأن تُطفأ خطيئتُه بها
    ، وكذٰلك الحج مكفِّر للذنوب، فإذا حُجَّ عن الميت رُجِيَ أن يحصل له أثر الحج، ومِن أثر الحج أن تُكفَّر ذنوبه، والعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، فإذا اعتُمِرَ عن الميت رُجِيَ أن تُكفَّر ذنوبه، والصوم جُنَّة وكفارة فإذا صِيمَ عن الميّت فيما هو واجب عليه -فإنّ مَن مات وعليه صيام صام عنه وليُّه- فإنه يرجا أن تُكفَّر بهٰذا ذنوبه.

    100. ذهب بعضُ أهل العلم مِن السلف والخَلَف
    : إلى أنّ كلَّ عمل برٍّ يُهدى للميِّت ينفعه؛ بشرط: أن يكون مشروعًا لا مبتدعًا.
    وذهب بعضُ أهل العلم مِن السلف والخَلَف: إلى أنّ هٰذا أمرٌ غيبيٌّ فيُقتَصر فيه على ما ورد فيه نصوصٌ دالَّة على النفع به وعلى وُصولِه، وهٰذا الَّذي يظهر لي -والله أعلم- أنه أصوب مِن أقوال العلماء؛ لأنه لا دليل عندنا لا مِن قولِ الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولا مِن فِعْلِه، ولا مِن ما يصح عن صحابته ﭫ صحةً يَصحُّ الاستدلال بها على أنّ الأَعْمَال يَصِلُ ثوابها إلى الميِّت إلا ما نُصَّ عليه.
    فيُقتَصر على ما وَرَدَ، ومَا عداه مِن الأَعْمَال فيُتوسَّل به في الدعاء؛ فيقول العبد -على سبيل المثال-: اللهم إني أسألك بصلاتي هٰذه أن تغفر لأبي مغفرةً مِن عندك وأن ترحمه، أو يقول: اللهم إني أسألك بقراءتي سورة البقرة أن تغفر لأبي وأن ترحمه؛ فإنّ التوسُّل إلى الله في الدعاء بالعمل الصالح مِن التوسُّل المشروع النافع.

    101. أفضل الأَعْمَال هي الفرائض الَّتِي افترضها الله
    -عز وجل-
    على عباده؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إنّ الله قال: مَن عادى لي وليًّا فقد آذنتُه بالحرب، ومَا تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبّ إليّ مما افترضتُ عليه"، لا يجوز للعبد المسلم أن يشتغل بالنوافل عن الفرائض.

    102. إذا تعارض عند العبد فِعْلُ فريضةٍ مع فِعْلِ نافلةٍ
    فإنه يجب عليه أن يشتغل بالفريضة.

    103. قال العلماء:
    «مَن شَغَلَهُ الفرضُ عن النَّفل فهو معذور، ومَن شَغَلَهُ النَّفل عن الفرضِ فهو مغرور».


    104. قال العلماء:
    إنّ الشيطان يسعى لأن يُشغِل المسلمَ بدنياه عن دِينه
    ، فإذا لَمْ يستطع سعى لأن يَشغلَه بالنوافل عن الفرائض.
    فالشيطان قد يُرغِّب العبد في قيام الليل -وهو أفضل الصلوات المستحبات- إذا علم أنّ ذٰلك يجعله ينام عن صلاة الفجر، لأنّ الشيطان يَعلم أنّ ترك الفريضة إثمٌ وذنبٌ يَستحق به فاعلُه العقاب، أمّا ترك المستحَب فليس فيه ذنب ولا إثم وإنما يَفوتُ به الأجر، فيسعى الشيطان لأن يُشغِل الإنسان بمستحَبٍّ حتى يَشغَله عن الفرض.

    105.
    الأفضل للإنسان أن يُكثِر مِن النوافل ما استطاع إلى ذٰلك سبيلًا، فإنها مُثقِّلةٌ للميزان، محبوبةٌ إلى الرحمٰن، جابِرةٌ لِمَا يقع في الأعمال مِن نقصان.
    ولذٰلك؛ قال أهل العلم: «يُستحَبُّ للإنسان أن يَجعل له مِن كلِّ جنسِ فريضةٍ نافلةً». فالصلاة مثلًا يُستحَب له أن يَتنفّل مِن جنسها؛ كالسنن الرواتب، والصوم يُستحَب أن يتنفّل مِن جنسه؛ كصوم يوم الاثنين والخميس وصيام ثلاثة أيام مِن كل شهر، والزكاة يُستحَب للإنسان أن يتنفّل مِن جنسها؛ كالصدقة، والحج يُستحَب للإنسان أن يَتنفّل مِن جنسه، بأن يَحُجَّ نافلةً بعد الفريضة مرَّة أو أكثر مِن ذٰلك؛ حتى إذا كان هناك نقصٌ في فريضته يُتَمُّ مِن نوافله.

    106.
    الصلاة أوّل الأَعْمَال بعد التَّوحِيد، وأوّل ما يُحاسبُ عليه العبد يوم القيامة، فينبغي الاهتمام بإقامتها والإكثار مِن النوافل منها، فقد جاء في الحديث: «إنّ أوّل ما يُحاسَب عليه الناس يوم القيامة مِن أعمالهم الصلاة، فيقول ربنا ﻷ لملائكته -وهو أعلم-: «اُنظروا في صلاة عبدي هل أتمّها أو نقصها؟ فإن كان قد أتمها كُتبت له تامّة، وإن كان قد انتقص منها شيئًا قال الله: انظروا هل لعبد مِن تطوّع؟ يعني مِن الصلوات، هل له تطوّع مِن الصلوات؛ هل يصلي السنن الراتبة؟ هل يقوم الليل؟ فإن كان له تطوّع قال الله: أتمُّوا لعبدي فريضته مِن تطوّعه، ثم تؤخَذ بقية الأعمال على ذٰلك». وفي رواية: «ثم يُفعَل بسائر الأَعْمَال المفروضة ذٰلك».

    107. الأَعْمَال الصالحة تتفاضَل
    ، والدليل على ذٰلك أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سُئل عن أفضل الأَعْمَال في أحاديثَ متعدِّدة في الصَّحيحين؛ فأقرَّ السائلين وأجابهم عن سؤالهم.

    108. معرفةُ أفضلِ الأَعْمَال مِن أنفع ما يكون للعبد
    . قال العلماء: «ليس العاقل الَّذي يَعرفُ الخير مِن الشر؛ لكنّ العاقل الَّذي يَعرفُ خيرَ الخيرَين وشرَّ الشرَّين»، وليس مرادهم نفي العقل؛ بل العاقل يعرف الخير مِن الشر؛ لكن أعقل منه مَن يَعرف خير الخيرَين؛ ليُقدِّم أعلاهما عند التزاحم، ويعرف شر الشرَّين ليرتكب أدناهما ويدفع أعلاهما عند التزاحم.

    109. الموازين الخمسة لمعرفة أفضل الأعمال:

    الأوّل: مواظبة النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- للعمل وحثُّه عليه حثًّا مؤكَّدًا.
    الثاني: القدرة على المداومة عليه. فإنّ أحبّ الأَعْمَال إلى الله ما دام وإن قلّ، وكان أحب العمل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ما داوم عليه صاحبه.
    الثالث: مناسبة العمل للوقت. بأن يكون هٰذا العمل وظيفة الوقت، ومناسبته لوقت الإنسان الذي يكون قلبه فيه متفرّغًا من المشاغل؛ فيكون أدعى لإقبال قلبه.
    الرابع: أثره في القلب.
    الخامس: القدرة والعجز. فالذي يعجز عنه الإنسان ليس بفاضل في حقه، وإن كان فاضلًا من حيث الأصل.

    110. إذا اختار العبد لوِردِه الأقلّ كي يداوم عليه؛
    فلا يَمنَعُه ذٰلك مِن الزيادة إن وَجَدَ نشاطًا.

    111. لا يصلي مصلٍّ صلاةً صحيحةً إلا وتنهاه عن الفحشاء
    ، ولكنّ الناس يتفاوتون في هٰذا الأثر.
    فمِن الناس مَن تنهاه الصلاة عن الفحشاء حال اشتغاله بِهَا؛ تحبسه عن الفحشاء، فحال كونه مصليًا تنهاه صلاته عن الفحشاء، وهٰذا يحصل لكل مصلٍّ.
    ومِن الناس مَن تنهاه الصلاة عن الفحشاء قبل الصلاة وبعد الصلاة، وهو سائر يستشعر أنه في صلاة فتنهاه عن الفحشاء، وهو عائد يستشعر أنه كان يصلي فتنهاه عن الفحشاء، لكن قبل هٰذا وبعد هٰذا يحصل عنده خلل.
    ومِن الناس مَن تنهاه صلاته عن الفحشاء مطلقًا.
    وهٰذا بحسب أثر الصلاة في القلب.
    112. يتفاوت الناس في نوع العمل الَّذي يؤثِّر في القلب، فمِن الناس مَن يؤثّر في قلبه التنفُّل بالصلاة، ومِن الناس مَن يؤثّر في قلبه أكثر: الدعاء، ومِن الناس مَن يؤثّر في قلبه أكثر: أن يقرأ القرآن بنفسه، ومِن الناس مَن يؤثّر في قلبه أكثر: أن يستمع القرآن مِن غيره، فكلٌّ يكون الأفضل في حقّه -حال تزاحم الأعمال وأراد أن يختار الأفضل- ما كان أعظم أثرًا في قلبه.

    113.
    يقول العلماء: إذا علمتَ أنّ عبدًا يعمل عملًا فاضلًا هو الَّذي يَقدِر عليه ولا يَقدِر على ما هو أعلى منه؛ فلا تأمره بالأفضل؛ لأنّ الأفضل في حقِّه هو ما يقدر عليه.

    فالَّذي يستطيع أن يصوم ثلاثة أيام ولا يستطيع غيرها، لا ينبغي أن يقال له: الأفضل أن تصوم يومًأ وتفطر يومًا، لأمرين:
    الأمر الأول: أنه مِن الناحية الشرعية: ما يقدر عليه العبد هو الأفضل في حقِّه، وهٰذه مِن رحمة الله، لأنه إذا فعل ما يقدر عليه كتب الله له أجر ما يقدر عليه وأجر ما يَعجز عنه؛ إذا كان صادق النية. هٰذا وجه.
    والوجه الثاني: لأنك لو أمرتَه بالأفضل زهّدتَه فيما يَعمل وهو لا يستطيع أن يعمل ما تقول إنه الأفضل.

    114. أفضل الأَعْمَال بعد الفرائض المتعيِّنة على كلِّ فرد ثلاثة:

    • الجهاد في سبيل الله.
    • والعلم.
    • وذكر الله.


    وشيخ الإسلام -
    رحمه الله- يُدخِل العِلم في ذكر الله، فبقي عملان: ذكر الله والجهاد.
    ويرى : أنّ ذكر الله أفضل من الجهاد، وأكثر السلف على هٰذا.

    قال ابن القيم -رحمه الله-: «التحقيق: أنّ المراتب ثلاثة:
    أوّلها: ذكر الله والجهاد معًا، فهٰذا فيه جَمْعٌ بين الذِّكر والجهاد. وهٰذا أفضل المراتب.
    وثانيها: ذكر الله بلا جهاد. وهٰذا ثاني المراتب فضلًا.
    وثالثها: الجهاد بدون ذكر الله. وهٰذا ثالث المراتب.
    ووجه تقديم الذِّكر على الجهاد: أنّ الجهادَ وسيلةٌ إلى ذكر الله، وإنما يُجاهَد ليُقام ذكر الله، فيكون المقصودُ أعظمَ مِن الوسيلة.

    115. قيل في معنى قول الله -
    عز وجل-: (وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) :
    1. أنّ ذكر الله العبادَ أكبر مِن ذكرهم له؛ فإنه ما ذكر أحدٌ ربه في ملأ إلا ذكره اللهُ في ملأ خير منه، ولا ذَكَرَ أحدٌ ربَّه في نفسِه إلا ذَكَرَه الله في نفسه.
    2. أنّ ذكر الله أكبر مِن كلِّ شيء؛ يعني بعد الفرائض.
    ولا مانع مِن الأمرين؛ فهٰذا اختلاف تنوُّع وليس اختلاف تضاد؛ ذكر الله العبادَ أكبر مِن ذكرهم له، وذكرُ العباد لربهم أكبر مِن كلّ شيء مِن الأعمال إلا المفروضات.

    116. جريان اللسان بذكر الله مع تواطؤ القلب على هٰذا واستحضار عظمة الله
    أفضل الأَعْمَال
    الَّتِي يتقرّب بها العبد إلى الله بعد الفرائض، وفي نفس الوقت هي أخف الأَعْمَال.وهٰذا إذا تأمّلناه يبيِّن لنا عِظم رحمة الله بهٰذه الأمّة وأنه لا يَهلَك على الله إلا هالِك!

    117.
    جاء في الحديث: «سَبَقَ المفرِّدون، قالوا: يا رسول الله! ومَن المفرِّدون؟ قال: الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات»، والمفرّدون:
    1.قيل: هم الَّذينَ ذهب أقرانهم وبَقُوا، والعادة أنّ الإنسان إذا ذهب أقرانه تتهذّب نفسُه، كلّما فقد أحدًا مِن أقرانه كلّما خاف الموت وخاف الله، وعلى هٰذا المعنى يكون النبيّ -صلى الله عليه وسلم- أراد أن يقول: إنّ الذِّكر يُهذِّب النفس كما يُهذِّبها موتُ الأقران.
    2. وقيل: هم الَّذينَ انقطعوا لعبادة الله، فيكون المراد: أنّ الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات كأنهم اعتزلوا الناس؛ لكثرة ذكرهم، فتجدهم قليلي الحديث مع الناس يشتغلون بذكر الله -عز وجل-.
    والمقصود: أنّ العبد بإكثاره مِن ذكر الله يَسبِق غيره.

    118. العبد في الدنيا في سباق؛
    فسابِقٌ ومسبُوقٌ، وإنّ مِن أعظم ما يُعين على السَّبْقِ: الإكثار مِن ذكر الله -عز وجل-.

    119. ذكر الله -
    عز وجل- ليس مقصورًا على الأذكار الَّتِي تقال باللسان مما هو مشهور على أنه ذكر، بل يدخل في ذٰلك كلُّ ما يتعلّق باللسان مما يُقرِّب إلى الله ﻷ؛ مِن تَعلُّم العلم وتعليمه ومِن أمرٍ بمعروف ونهيٍ عن منكر؛ فهو مِن ذكر الله.

    120. الدلائل القرآنية:
    هي الكتاب والسنة، لأنّ القرآن وَرَدَ فيه أمرُنا باتّباع السنة (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ)، ولكن إذا قيل: "الدلائل القرآنية والخبرية" فهنا يُقصَد بالدلائل القرآنية: الآيات، والخبرية: السنة.

    121. كيف ندلِّل على فضيلة الذِّكر؟

    1. بقول الله.
    2. وقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
    3. ومَا نراه بأعيننا مِن أثر الذِّكر، فإن ّالإنسان يرى في الوقائع كيف أنّ ذكر الله يؤثّر تأثيرًا عظيمًا.
    4. ومَا نُحسّه في قلوبنا مِن أثر الذِّكر.

    122. أقلّ ما يَكون به الإنسان من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات:
    أن يلازِم الأذكار المأثورة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.

    123.
    إذا أردنا أن نعرف الميزان فيمن يُعلِّم هل هو معلِّم خيرٍ أم معلِّم شرٍّ؛ فلننظر إلى ما يُعلِّمه ونسبته إلى ما عَلَّمه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-.
    فإن كانت نسبة تعليمه إلى تعليم النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- نسبةُ موافَقة؛ فهو معلِّمٌ للخير.
    وإن كانت نسبة تعليمه لتعليم النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- نِسبةَ تداخل؛ فهٰذا فيه تعليمٌ للخير.
    وإن كانت النسبة مبايَنة؛ فهٰذا معلِّمُ شرٍّ.

    124. المأثور عن النبيِّ -
    صلى الله عليه وسلم- مِن الأذكار نوعان: مقيَّدٌ، ومطلَق.
    المقيَّد: بمعنى أنه مضاف إلى وقتٍ أو سببٍ.
    والمطلَق: وهو الَّذي لَمْ يُضَفْ إلى شيءٍ مِن ذٰلك.

    125. ليس شرطًا أن يحفظ ا
    لإنسان أذكار الصباح والمساء كلها أو أن يأتيَ بِهَا كلها دَفعة واحدة، بل يحفظ ما استطاع، يحفظ ذكرًا واحدًا مثلًا من أذكار الصباح وأذكار المساء، ويأتي به، فإذا أتقنه حَفِظَ الذكر الثاني؛ وهكذا.
    126. وقت أذكار الصباح مختلَفٌ فيه، والصَّحيح: أنه يبدأ مِن طلوع الفجر إلى شروق الشمس، ويمتدّ إلى وقت الضحى.
    ووقت أذكار المساء: يبدأ قُبيل العصر إلى غروب الشمس، ويمتد بعد الغروب شيئًا.
    وأذكار الصباح والمساء منها ما دلّ الدليل على أنه يقال قبل انفتاق النور، أو بعد الإظلام؛ فهٰذه تكون مخصَّصة في أوَّل وقت الفجر وفي آخر وقت المساء عند الغروب، ومَا لَمْ يَرِدْ فالإنسان مُخيَّر فيه.
    وبعضُ أهل العِلم يرَون أنّ الأفضل أن يفرِّقها؛ لتكون وظيفة الوقت، وهٰذا طيِّب إن لَمْ يؤدِّ إلى تضييعها، فإن كان يؤدِّي إلى تضييعها فليَسرِدْها المسلم في وقتٍ واحدٍ.

    127. قاعدة:
    كلَّ دعاءٍ قُيِّد في السنة بدُبر الصلاة؛ فهو فيها، وكلُّ ذكر قُيِّد في السنة؛ فهو تاليها.
    ومَبنى هٰذا: الاستقراء، فإنّا استقرأنا حال النبيّ -صلى الله عليه وسلم- فوجدنا دعاءه في الصلاة، ولم يَثبُت عنه دعاءٌ بعد الصلاة على وجه يَصحّ لا تأويلَ فيه، ووجدنا ذكر النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بعد الصلاة.

    128.
    الذي يقال عند الأكل: «بسم الله»، ولم يرد قول (بسم الله الرحمٰن الرحيم) عند الأكل.

    129.
    ثبت في السنة أن يقال عند دخول المسجد: «بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك»، وعند الخروج منه: «بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك» ، فما مناسبة هذين الدعاءين ؟
    قال العلماء: المناسبة: أنّ الإنسان إذا دخل المسجد يَدخل مكان عبادة؛ فناسَب أن يسأل الرحمة، لأنه «لن يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته»، وإذا خرج فإنه مقبِل على الرزق فيسأل الله من فضله.

    130. أفضل الذكر المطلَق بعد القرآن:
    قول «لا إله إلا الله» مِن حيث هي ذكر، وذٰلك لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «خيرُ ما قلتُ أنا والنبيُّون قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كلّ شيءٍ قدير» .
    وهٰذه الخيريَّة لأنّ في هٰذه الكلمة العظيمة توحيد رب العالمين، ففي هٰذه الكلمة العظيمة إثباتُ العبادةِ لله وحده ونفيُ العبادةِ عما سواه.
    131. قاعدة: الفاضِل والمَفضول قد يَتعاوَرانِ بسبب اختلاف الأحوال، ومعنى يَتعاوران: أي يكون المَفضولُ فاضلًا، والفاضِلُ مفضولًا.
    فالمَفضول قد تَعرِض له أحوالٌ فيكون أفضل؛ بسببِ مصلحةٍ ظهرتْ في ذٰلك؛ إمّا عائدة إلى الإنسان نفسه أوعائدةٌ إلى غيره.
    فقول "سبحان الله" مَفضولٌ بالنسبة لـ"لا إله إلا الله"، لكن قد تَعرِض للإنسان حالٌ يكون قول "سبحان الله" أفضل في حقِّه، كأن يكون -مثلًا- علا مرتَفعًا فيكون قول "سبحان الله" هنا أفضل مِن قول "لا إله إلا الله"؛ لِمَا عَرَضَ مِن الحال.
    وقد يتعاور الفاضل والمفضول باعتبار حال القلب، فقد يكون عَرَضَ للإنسان ضَعْفٌ في دينه، أو نزل به شيءٌ أَضْعَفَه، فيكون محتاجًا لأن يقول "لا حول ولا قوة إلا بالله" يتقوَّى بها، فيكون قولها هنا أفضل؛ مِن أجل هٰذه الحاجة.

    132. معنى "
    لا حول ولا قوة إلا بالله": أنه لا يُتحوَّل مِن حال إلى حال إلا بعَون الله، ولا قُدرة على هٰذا إلا بالله -
    عز وجل-، هٰذا قول أكثر العلماء.
    وقال بعضُ أهل العلم: معنى "لا حول ولا قوة إلا بالله": لا قُدرة على التمسُّك بالطاعة وترك المعصية إلا بعَون الله -عز وجل- ، وهٰذا نوعٌ مِن الأوّل؛ لا تحوّل مِن حال إلى حال إلا بإعانة الله -عز وجل-، ولا قوة وقدرة على ذٰلك إلا بالله -عز وجل-.

    133. أفضل النوافل عند كثير من العلماء:
    العلم؛ تعلُّمًا وتعليمًا.
    جاء عن أبي هريرة وأبي ذرٍّ -رضي الله عنهما- أنهما قالا: «بابٌ مِن العِلم نَتعلّمه أحبُّ إلينا مِن ألفِ ركعةٍ تطوُّع».
    وقال سفيانُ الثوري: «ما مِن عمل أفضل مِن طلب العلم؛ إذا صحَّت النية».
    وقال وكيع: «لولا أنّ الحديثَ عندي أفضلُ مِن التسبيحِ ما حدَّثتُ».
    وقال بِشْرُ بنُ الحارث: «لا أَعلَم على وجه الأرض عملًا أفضل مِن طلب العلم والحديث؛ لِمَن اتقى اللهَ وحَسُنت نيَّته» .
    إذا تعارَض وقت أذكار الصباح مع درسٍ بعد الفجر؛ فأيهما تقدِّم؟
    الجواب: عند كثيرٍ مِن أهل العلم: تقدِّم الدرس؛ لأنّ طلب العلم أفضل. مع أنه لا ينبغي القول بالتعارضِ إلا عند عدم إمكان الجمع.

    134. الأَعْمَال الفاضلة تختلفُ أفضليتها باختلاف الأحوال والأشخاص والأزمان
    ، وقد يَشتبِهُ الأمرُ على الإنسان أيهما أفضل؛ فهنا يَستخير العبدُ ربَّه ليتبيَّن له الأفضل.
    أمّا الأفعالُ الواجبةُ مِن حيث هي والأفعالُ المحرمةُ مِن حيث هي؛ فليس فيها استخارة.


  9. #8
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    الدولة
    الدنيا الفانية
    المشاركات
    529

    افتراضي رد: فوائدُ ولطائفُ وتقريراتٌ مستفادةٌ مِن شرح الوصية الصغرى للشيخ سليمان الرحيلي -حفظه الله-

    135. موضع دعاء الاستخارة؟
    يقول بعض أهل العلم: دعاء الاستخارة يكون في الصلاة؛ لأنّ القاعدة العامة: أنّ الدعاء في الصلاة خيرٌ منه بعدها؛ يعني خير منه في خارجها.
    لكن هنا النَّصّ ظاهرٌ في الترتيب؛ قال: "ثم"، فالظاهر -والله أعلم- أنّ دعاء الاستخارة يكون بعد الفراغ مِن الصلاة.

    136.
    إذا استخار العبدُ ربَّه في أمرٍ ما فإن الخِيرة تتبيّن له بأمور:
    1. أن يَتيسّر الأمر ويَسهُل بعد أن كان صعبًا.
    2. أن ينشرح الصدر لأمرٍ دون الآخر.
    3. أن يرى رؤية صالحة يتبيّن له بِهَا الخير، وهٰذا ليس بلازم في الاستخارة.

    137.
    تُشرَع الاستخارة للإنسان كلّما دعتِ الحاجةُ إليها، ولا يُشرَع أن يكرِّرها في الأمر الواحد مرارًا كثيرة.

    138.
    الدعاء عبادة وليس مجرَّد سُؤال؛ فكيف تملّ عبادة الله؟!

    139.
    اللهُ كريمٌ ويُرجى أن يُجيب دعوة داعيه في أيِّ وقت؛ لكن هنالك أوقات يَعظُم فيها الرجاء، ويزداد الأمل في أن يُجابَ الدعاء؛ منها:
    1. ثلث الليل الأخير.
    2. أدبار الصوات؛ بمعنى: آخرها.
    3. عند الأذان.
    4. وقت نزول المطر.
    5. عند التحام القتال.

    140.
    من الآداب التي يُرجى معها إجابة الدعاء:
    1. الحرص على دعاء الله في حال الرخاء، فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «مَن سرَّه أن يَستجيب الله له عند الشدائد والكُرَب؛ فليُكثِر الدعاءَ في الرَّخاء».
    2. الحرص على جوامع الكَلِم وما أثر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
    3. بدء الدعاء بالثناء على الله، والصلاة فيه على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
    4. العزم في المسألة وعدم تعليقها بالمشيئة، فلا تقل: اللهم اغفر لي إن شئت.
    5. عدم الاعتداء في الدعاء.
    وشرُّ الاعتداء: أن يعلِّق العبد قلبه بغير الله؛ فيُشرك في قلبه؛ فيَجعل دعاءه لله ولغير الله؛ وهٰذا شركٌ أكبر.
    ومن الاعتداء: الابتداعُ في الدعاء؛ بأن يدعو الإنسان على هيأةٍ مبتدَعة، أو أن يأتي بأمور مبتدَعة في الدعاء.
    ومن الاعتداء: التفصيل فيه.
    6. عدم التكلف في اختيار كلماته.
    7. تكرار الدعاء ثلاثًا.
    8. الحرص على أن يكون المأكل والمشرب والملبس حلالًا.
    9. رفع اليدين في الدعاء، وذٰلك في المواطن التي يُشرع رفعهما فيه.
    10. أن لا يجرِّب العبدُ ربه سُبْحَانَهُ وَتَعَالى، بل يتيقّن الإجابة ويُقبِل بقلبه.

    141.
    الدعاء مِن جهة رفع اليدين ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
    1. قسم يَكون رفع اليدين فيه (بدعة)؛ وذٰلك في كلّ موضعٍ دعا فيه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- ولم يرفع يدَيه؛ مثل الدعاء في الخطبة لغير الاستسقاء، ومثل الدعاء عند الطواف بالكعبة.
    2. قسم يكون رفع اليدين فيه (سنة) فوق كونه سببًا من أسباب الإجابة؛ وذٰلك في كلِّ موطنٍ دعا فيه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- ورفع، مثل الدعاء إذا صعد الإنسان على الصفا وعلى المروة، ومثل الدعاء بعد رمي الجمرة الصغرى والوسطى، ومثل الدعاء حال الاستسقاء في الخُطبة.
    3. قسم يَكون رفع اليدين فيه (مستحبًّا)؛ لكون رفع اليدين سببًا مِن أسباب إجابة الدعاء؛ وذٰلك في كلِّ موطنٍ لَمْ يُنقَل فيه عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- حالٌ في الدعاء.
    مثل الدعاء بين الأذان والإقامة؛ بيِّن النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أنّ الدعاء بين الأذان والإقامة لا يُرَدّ؛ لكن لَمْ يُنقَل لنا أنّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- دعا.

    142.
    مِن أعظمِ أسباب الخير في الرزق: التوكل على الله -عز وجل-، والثقة بكفايته، وحسن الظن به.

    143. التوكل على الله:
    هو تفويض الأمر إلى الله ﻷ، والاعتماد عليه في جلب خير أو دفع ضر، مع الأخذ بالأسباب، والعلمُ بأنها مِن رحمة الله بعباده؛ إن شاء أمضاها وإن شاء عطلها.

    144.
    مِن حِكَمِ سِحْرِ النبيّ -صلى الله عليه وسلم- -حيث سُحِرَ في أمور دنياه أمّا دينه فلم يَنَلْهُ شيء- مع كونه -صلى الله عليه وسلم- كان محافِظًا على الأذكار-: أن يَعلمَ العبادُ أنّ الأمرَ كلَّه بيد الله، وأنّ الأسباب إنما جعلها الله رحمةً للعباد؛ فتُفعَل ولا يُتعلَّقُ بها؛ وإنما يُتوكَّل على الله.

    145.
    مَن توكّل على الله وفوّض أمره إليه واثقًا بكفاية الله محسِنًا الظن به مكثرًا دعاءه مكثِرًا مِن طاعته؛ فإنه يُيسَّر له الرزق ويبارَك له فيه، الله -عز وجل- يقول: ( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ).

    146.
    عند دخول العبد في أمرٍ يَطلُبُ الكسَبَ منه فإنه ينبغي أن يكون قلبُه ممتلئًا بحُسنِ الظنِّ بالله -عز وجل- وأنه -سبحانه- رزّاق كريم، ويُكثر من دعائه، يقولُ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «إنّ الله يقول: أنا عند ظنِّ عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني»؛ فبيْن حُسنِ الظنِّ والدعاء ارتباطٌ وثيقٌ.

    147.
    مفتاحُ التوفيق في طلبِ الرزق: أن تتسلَّح بتقوى الله، والتوكُّل على الله، والثقة بكِفاية الله، وحُسنِ الظنِّ بالله، وتُكثر مِن الدعاء.

    148.
    الطاعةُ سببٌ للرزق؛ قال النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-: «إنّ الكافر إذا عَمِلَ حَسنةً أُطعِم بها طُعمةً في الدنيا،وأمَّا المؤمن فإنّ الله يدّخر له حسناته في الآخرة ويُعقِبُه رزقًا في الدنيا على طاعته».

    149.
    سببُ البركةِ في الرزق: أن يكون الإنسانُ صادقًا، مُبيِّنًا، وأن يكون سخيَّ النفس.
    وسببُ مَحْقِ البركةِ في الرزق: أن يكذب الإنسان، أو لا يُبيِّن، أو يَغُش، أو يَتّخذ الأسباب المحرَّمة.
    قال النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنّ هٰذا المال خَضِرَةٌ حُلوة؛ فمَن أخذه بسَخاوة نفسٍ بورِك له فيه، ومَن أخذه بإشرافِ نفسٍ لَمْ يُبارَك له فيه، وكان كالذي يأكلُ ولا يَشبَع».

    150.
    أقلّ درجات الاقتصاد: الاقتصاد الواجب؛ وهو: أن لا يُشغِل طلب الرزق الإنسان عن الواجبات عَلَيه، بل يَكون حريصًا على أداء ما وَجَبَ عَلَيه شرعًا.
    وكمال الاقتصاد: ألا يُشغِل الإنسان نفسه بطلب الرزق فيما لا حاجة له.

    151.
    لم يُشرَع في دِين الإسلام ما يُسمّى بالدرْوَشة، الإسلام جاء لعمارة الدنيا والآخرة، وجعل عمارة الدنيا طريقًا لعمارة الآخرة، فلم يأمر الإسلام بإهمال الدنيا بالكلية وأن يتدَرْوَش الإنسان ويَدَعَ طلبَ الرزق ونصيبَه مِن الدنيا، ولم يَجعل للإنسان أن يُطلِق يدَه في الدنيا كما يشاء فالحلال ما حلّ في الجيب ويُقدَّم ما في الدنيا على ما في الآخرة!
    فالمسلمُ لا يُهمِل الدنيا، ولكنه عند نظره للدنيا يبدأ بنظره في الآخرة، فإن كان أمرُ الدنيا لا يُعارِضُ إصلاحَ الأمر في الآخرة ولا يُفسِد القلبَ فإنه يُقدِم عليه، وإن كان يُعارِضُ إصلاح أمره في الآخرة فإنه يُقدّم عمارةَ الآخرةِ على عمارةِ الدنيا.

    152.
    تَعجَب مِن أناس يَنتسبُون إلى العلم يَزعمون أنهم يريدون الإصلاح، وأنهم مِن دعاةِ الإصلاح، وإذا نظرتَ إلى كلامهم وجدتَ أنهم يَنظرون إلى عمارةِ الدنيا ولا يُبالُون بعمارة الآخرة، فيَزعُمُ بعضُهم اليومَ أنّ الحُكْمَ بالدِّيمقراطيةِ أفضلُ مِن الحُكْمِ بالشَّرعِ بدونِ رضا الشَّعب، وأنّ التطلُّع إلى قيادةِ الشعوبِ إلى حياةٍ كريمةٍ إنما يكون بإصلاح أمورِ الدنيا! مع أنّ ما يُدعى إليه مِن أمور الدنيا لا يُصلِحها، والتَّجرِبةُ والبرهانُ تدلّ على ذٰلك، ولا يُصلِح حالَ الدنيا إلا ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

    153.
    الدعوة ينبغي أن تكون لأفراد الناس؛ بالحِرْصِ على إصلاحِ البيوت؛ بأن تقام على دِين الله -عز وجل- ، وإذا صَلُح ذٰلك فإنّ الظنّ بالله -عز وجل- أن يُصلِح للعبادِ أمرَ البلادِ.
    أمَّا أن يُترَك الناس على فسادٍ ولا يُدعَون إلى توحيدٍ ولا إلى سنةٍ ولا إلى صلاةٍ ولا إلى برٍّ ولا إلى إصلاحِ حالٍ؛ ويقال إنّ هناك دعوة للإصلاح! فهٰذا غلطٌ بيِّن.

    154.
    الأصل في البيوع والمعاملات الحِلّ؛ إلا أن يدلّ الدليل على التحريم، فالأصلُ أنه يجوز للإنسان أن يبيعَ ما شاء كيفَ شاء إلا ما مَنَعَهُ الشارِع؛ كبيعِ الحصاةِ مثلًا، وبيعِ الغَرر، والرِّبا.


  10. #9
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    الدولة
    الدنيا الفانية
    المشاركات
    529

    افتراضي رد: فوائدُ ولطائفُ وتقريراتٌ مستفادةٌ مِن شرح الوصية الصغرى للشيخ سليمان الرحيلي -حفظه الله-

    155. انتقاءُ الكتابِ مهارةٌ ينبغي العناية بها، فلا ينبغي للإنسان أن يقرأ الكتبَ كيفما اتّفق؛ بل ينبغي أن يَختار الكتابَ المناسبَ في العلمِ الَّذي يريد أن يَدرُسَه.
    وهٰذا له أمورٌ تُحدِّده:
    1. ثناءُ العلماءِ على الكتاب.
    2. الثقةُ في مؤلِّفِه.
    3. خِدمةُ هٰذا الكتاب.
    4. النفعُ العائدُ على الطالبِ مِن هٰذا الكتاب.

    156. لابد أن ينظر طالب العلم إلى سلامة مؤلِّفِ الكتاب؛ مهما كان الفَنُّ، فإنه لا يَكتُبُ أحدٌ كتابًا إلا ويَخدِم ما في قلبِه؛ حتى في النَّحو تَجدُ العقيدة، ولذٰلك المعتزلةُ لمّا ألَّفوا في النحو والبلاغة ملؤوا كتبهم بما يَشهد لعقيدة المعتزلة.

    157. إذا كنتَ مِن بلد يَنتشر فيه مذهبٌ معيّن فالأحسن أن تختار متنًا في فقه ذٰلك المذهب؛ لأنك إن أجدتَه وعدتَ إلى البلاد فإنّ الناس يَثِقون بعلمِك؛ لأنك تأتيهم بالكتب الَّتِي عَهدوا، وبالمصطلحات الَّتِي عَهدوا، وإذا وَثِقَ الناسُ في أصلِ علمِك فإنك تستطيع أن توصِلَ إليهم الخير -إن شاء الله عز وجل - فتَجعل ذٰلك مفتاحًا لتنشر فِقهَ الدليل والسنة.

    158. مِن أنفع الأمور في طريقة الطلب: أن تقرأ المتنَ على متمكِّن مِن الفنّ يستطيع أن يشرحَ لك الكتاب، ثم تُعيدَ القراءةَ عليه بنقدِ الكتاب، ثم بعد ذٰلك تنتقلُ إلى ما بعده مِن الكتب، وهكذا في سائر الفنون والعلوم الشرعية.

    159. أوّل علاماتِ التوفيق: أن يَبرأ طالبُ العلم مِن حوله وقوَّته ويقول معتقدًا: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، لا يَنطلِق طالب العلم في طلبه للعلم معتمِدًا على قدراته -كما يقول أهل الدنيا- أو معتمِدًا على ذكائه، بل يَنطلِق وهو يَعلمُ أنه ضعيفٌ إلا بإعانة الله، عاجزٌ إلا بحَول الله -عز وجل-، فيَستعين بالله، ويُعلِّق قلبه بالله.
    فكم مِن إنسانٍ سلك طريق العِلم أو طريق الدعوة معتمِدًا على مهارته فلم يوفَّق، بل قد يَصل الأمر إلى أن يتزندق!

    160. ينبغي أن يَحذر طالب العلم حذرًا شديدًا مِن العُجب بنفْسِه، ومِن الغرور بذكائه، بل يُذكِّر نفسَه دائمًا بأنه عبدٌ ضعيفٌ وأنه لن يكون له خير إلا إذا أعانه الله، فيَستعينُ بالله.

    161. العِلم النافع نوعان:
    1. علمٌ جاء في الكتاب والسنة، وهو المسمّى بالعلم الشرعي.
    2. وعلمٌ أرشد إليه الكتاب والسنة، وهٰذا هو العلم الدنيويُّ النافع، الَّذي لا يعارِضُ شيئًا مِن الشَّرع؛ كعِلم الطبِّ والهندسةِ ونحو ذٰلك.

    162. لئن كان ما سوى العِلم الموروثِ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- عِلمًا نافعًا مما يُنسَبُ إلى الدِّين؛ فإنّ في ميراثِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- ما هو خيرٌ منه، فالاشتغال به اشتغالٌ بالمَفضول وتَرْك الفاضل.

    163. ليس الاتّباعُ أن تَعمَلَ بالنّص مُغْفِلًا حِكْمتَه، وإنّما الاتّباعُ أن تَعملَ بالنص مُعمِلًا حِكمتَه. فينبغي على طالب العلم أن يَعرفَ مراد الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ويَتّبع بناءً على فَهم مرادِه -صلى الله عليه وسلم-.

    164. فائدةُ العلم العمل، ومِن آفات الزمان أننا نُكثِر الحُجج على أنفسِنا ولا نَعمل، يقول النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «مَرَرتُ ليلة أُسريَ بي بأقوامٍ تُقرَض شفاههم بمقاريضَ مِن نار، فقلتُ: مَن هؤلاء يا جبريل؟ قال: خُطباءُ أمّتك الذين يقولون ما لا يَفعلون، ويَقرؤون القرآن ولا يَعملون به».

    165. المسائل الشرعية نوعان: اتفاقيّة، وخلافية.
    فإن كانتِ المسالةُ اتفاقية؛ فإنّ مَا أجمَعتْ عليه الأمّة فهو حقٌّ.
    وإن كانتِ المسألةُ خلافية مِن حيثُ الواقع؛ لابدّ من النظر: هل سَبَقَ هٰذا الاختلاف اتفاق؟
    إن سَبقَ هٰذا الاختلاف اتفاق: نتمسّك بما اتَّفقَ عليه صَدْرُ الأمّة، فإنه الحقُّ المقطوع به.
    وإن لَمْ يَسبِقْ هٰذا الاختلاف اتفاق: ننظَر هل هناك قولٌ دلّ عليه الدليل النقليّ دون غيره؟ فإن وجدنا قولًا دلّ عليه الدليلُ النقليّ: نتمسَّكُ به ونترَك ما سوى ذٰلك، وهٰذا معنى قولِ الفقهاء: «لا اجتهادَ مع النَّص».

    166. إذا اشتبهتْ عليك مسألةٌ مما قد اختلف فيها الناس فلتسأل ربك أن يهديك لما اختُلف فيه من الحقِّ، ولتدْعُ بما رواه مسلم في صحيحه، عن عائشة -رضي الله عنها-: أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقول إذا قام يصلي مِن الليل -وهٰذا مِن أدعية الاستفتاح الَّتِي كان يَستفتح بها النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- في صلاة الليل-: «اللهم ربّ جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطرَ السماوات والأرض، عالمَ الغيب والشهادة، أنتَ تَحكُم بين عبادك فيما كانوا فيه يَختلفون، اهدني لِمَا اختُلف فيه مِن الحقِّ بإذنك، إنك تهدي مَن تشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ».

    167. شيخُ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- مِن أعلمِ الناسِ بالكتبِ والمؤلِّفين، إذا قرأتَ كلامه تتعجّبُ مما يورِدُه مِن المصنَّفات والكُتبِ ومَا يَذكُرُه عن أحوالِ مؤلِّفِيها؛ وذٰلك لأنّ الله رزقه سَعةً في العِلم، وقد كان في دروسه -رحمه الله- -وكثيرٌ منها جُمِعَ منه أجزاء في مجموع الفتاوى وفي غيره- تجدُ أنه يَذكر الكُتب، ويُبيِّن النافعَ منها والضارَّ وأحوال المصنِّفِين لها.

    168. كتاب صحيح البخاري؛ أصحُّ كتابٍ على وجهِ الأرضِ أُلِّفَ، وهو أنفعُ كتابٍ كَتَبَهُ آداميٌّ وألَّفه، ولا يُعرَفُ أنفعُ منه، وذٰلك لأنّ كاتَبِهُ فَقيهٌ مِن فقهاء الأمّة، مُحدِّثٌ متقِنٌّ، حافظٌ للأحاديثِ، اشترَط في كتابه أعلى شروطِ الصّحة على الإطلاق، ومَا كَتَبَ حديثًا حتى صلّى ركعتَين، وقد أَجمَعتِ الأمّة على صِحَّةِ ما في هٰذا الكتابِ العظيمِ، وهو كتابٌ نافعٌ في كلِّ أبواب العلم، فإنّ البخاريّ $ جعله على كُتُبِ العِلم، وتَرجَم له تَراجِمَ فقهيّة نافعة.

    169. تعليمُ العقيدة ليس خاصًّا بالكتب المؤلَّفة باسم العقيدة، بل كتب السنة الصحيحة الثابتة فيها خيرٌ كثيرٌ وتعليمٌ للعقيدة.
    فإذا وجدت أناسًا لا يَرضَون أن تُقرأ لهم كتب العقائد، فمِن أنفع ما يكون لتعليمهم العقيدة؛ أن تقرأ لهم صحيح البخاريّ؛ فكلُّ المسلمين يُسلّمون الراية له، واجعل همّك أولًا أن تُسمِعهم الأحاديث فيما يتعلّق بالعقيدة والأصول الكليّة، ثم بعد ذٰلك أَسمِعهم شروحًا للعلماء، ليست لك، وبهٰذا تَكون علّمتهم العقيدة.

    170. طالب العلم الَّذي يريد أن يتبحّر في العلم لا يَقصُر نفسَه على شيخٍ واحدٍ ولو كان البخاريّ أو كان بعِلم البخاريّ، ولكنه يأخذ مِن شيخه ما يُتقنُه، ويُضيفُ إلى علم شيخه علمَ الأشياخِ الأثباتِ بطريقةٍ مرتّبةٍ صحيحةٍ.

    171. يا طالب العلم! والله والله ما وجدتُ أبرَك للعلم مِن أن تنفع به غيرَك، إن أردتَ أن يُبارَك لكَ في العِلم وأن يَثبُتَ وأن تنتفعَ به فابذُله ولا تَبخل به، والله تجدُ بركةً عجيبةً وتجدُ ثباتًا عجيبًا.

    172. إذا كان البُخل مذمومًا فبُخل طالب العلم بالعلم أذمّ، فإن حصّلت فائدة فابذُلها؛ يُبارَك لك فيها وتنتفع بها وتَثبُتُ إن شاء الله -عز وجل-.

    173. من فوائد المدارسة بين طلاب العلم: أنها مثبِّةٌ للعلم، وأنك أحيانًا تغيب عنك المسألة فتتذكرها بكلام أخيك، يقع بينكما بعضُ المراجعة في المسألة فتتذكّر المسألة بتلك المراجعة.

    174. ليس الشأن أن تعرف الكتب، بل وليس الشأن أن تحفظ الكتب، ولكنّ الشأن: ما أثر هٰذه الكتب عليك؟
    وهٰذا الأثر لا يكون خيرًا وبركةً إلا بعَونِ الله -عز وجل- لك؛ فمَن نوّر الله قلبه هداه بما يَبْلغه مِن كتب أهل العلم الأثبات، ومَن أعماه لَمْ تزده كثرة الكتب إلا حَيرَة وضلالًا وغواية، والعياذ بالله!

    175. بعضَ الدكاترة تجدُ أنّ العوامّ خيرٌ منهم، فالعاميّ تجدُه على عقيدةٍ طيبةٍ، وتجدُ بعضَ الدكاترة مساكين ما زادتهم الدكتوراه إلا جهلًا وضلالًا فاضحًا!

    176. كثيرٌ مِن الناس قرؤوا كتبًا فأصبَحوا طُبولًا، الطَّبْلُ كبيرٌ حجمُه، عالٍ صوتُه، لكن لا شيءَ تحت جلدِه، لو شَققتَ الجلدَ ما وجدتَ إلا هواءً فارغًا، وبعضُ مَن يُنصَّبون اليوم لو شققتَ جلدَه ما وجدتَ إلا هواء فاسدًا.
    فالعبرةُ بهدايةِ الله للعبد، أن يهديَ الله عبدَه وأن ينوّر قلبَه.

    177. لَمْ تنتفعِ اليهودُ والنصارى بالتوراة والإنجيل؛ لأمرَين:
    الأوّل: أنها لَمْ تُحفَظ لهم؛ فحرَّفوها.
    الثاني: أنهم مع تحريفهم لها لَمْ يَعملوا بها، فما لَمْ يُحرَّف منها لَمْ يعملوا به.

    178. كيف يُختَلس العلم من الأمّة؟ في ثلاثة أمور:
    1. موت العلماء. فإذا مات العلماء قلّ العلم.
    2. الانصراف عما في الكتاب والسنة، وطلب الهداية بغيرهما.
    3. عدم العمل بالعلم. وهٰذه من آفات الزمان؛ نُكثِر الحُجج على أنفسنا ولا نعمل.

    179. ينبغي أن نحرص على علم علمائنا، فإذا جلستَ مع العالم اِحرصْ على أن تأخذَ منه الدُّرر، لا تُشغِل نفسَك بما لا خيرَ فيه، بل استخرِج الدُّرر مِن المشايخ والعلماء، حتى إذا مات العالم خَلَفَه عالم، على الأقلّ يَكون عندنا مجموعة يُشكّلون عالمًا من العلماء.








الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •