ابحث في شبكة الإمام الآجري ابحث في المواقع السلفية

شكر شكر:  0
النتائج 1 إلى 1 من 1
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2010
    الدولة
    بلعباس ، الجزائر الحبيبة
    المشاركات
    4,703

    افتراضي من وسائل تحصيل العلم (6) : القراءة في همة السلف - للشيخ سليمان الرحيلي


    بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
    مِن وسائل طلبِ العلمِ
    اختيارُ الرِّفقةِ الصَّالحةِ


    للشَّيخ الفاضل الأُستاذ الدُّكتور
    سُليْمان الرُّحيليّ


    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

    وهذا المقطع الصَّوتي السادس من سلسلة: مِن وسائلِ تحصيلِ العلمِ
    وفيه ركَّز الشيخُ سليمان الرَّحيلي ـ حفظه اللهُ ـ

    ـ في إبراز أهمية " القراءة في همة السلف "

    مُدَّة المقطع: 10 دقيقة و 39 ثانية

    للاستِماع والتَّحميل
    التَّفريغ

    وإنَّ مِن وسائل تحصيل العلم القراءة في هِمَّة السَّلف في تحصيل العلم؛ فينبغي على طالب العلم أنْ يقرأَ في كُتب السَّلف وفي سِيَرِ السَّلفِ، فإنَّ في سِيَرِهم أمرًا عجيبًا.

    والله، مَن قرأ في كُتب السَّلف، وعلِم ما كانُوا يصنعُون في طلب العلم؛ هان عليه ما يُلاقِيه، وعلِم أنَّه لا يُلاقي شيئًا، فقد كان السَّلف الصَّالح على جَلدٍ عجيب.

    وهذا شُعبة رحمه اللهُ يرتحلُ شهرًا مِن أجل أنْ يُحصِّل حديثًا، كان عنده! لكنَّه كان عند غيره مِن طريقٍ آخر، فيرتحلُ شهرًا مِن أجل أنْ يُحصِّل الحديثَ مِن الطَّريق الآخر.
    وهذا جابرٌ رضي اللهُ عنه يشتري بعيرًا، ويذهبُ إلى الشَّام، ويركبُ بعيرَه شهرًا ليسمع حديثًا واحدًا مِن عبدالله بن أُنَيْس لم يسمعْه مِن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
    وهذا الإمام أحمد وقد كان شابًا صغيرًا، بل كان طفلاً صغيرًا يُبادر للخُرُوج مِن البيْت في آخر اللَّيل مِن أجل الوُصُول إلى حلقة العلم، فكانتْ أُمُّه تأخذ بثوبه، وتقُول: حتَّى يطلُع الفجْر، حتَّى يطلُع الفجْر.
    وكان الإمام أحمد رحمه اللهُ عندما أراد أنْ يرتحِل إلى عبدالرَّزَّاق في اليمن، لم يكُنْ عنده شيئٌ مِن الدُّنيا، فآجر نفسَه على قافلةٍ، وعمِل أجيرًا مع القافلة حتَّى يرتحِل إلى عبدالرَّزَّاق.

    وإذا قرأنا في سِيَرِ السَّلف؛ وجدنا شيئًا عجيبًا، وقد قرأتُ شيئًا في سِيَرِ أعلام النُّبلاء أُحبُّ أنْ تسمعُوه؛ فإنَّ فيه أمرًا عجيبًا.

    يقُول أبو حاتم الرَّازيّ ـ وهو مَن هو مِن عُلماء الحديث ـ يقُول: أوَّلُ سنةٍ خرجتُ في طلب الحديث أقَمْتُ سبع سِنين، أحصيتُ ما مشيْتُ على قدمَي زيادة على ألف فرسخ.
    قال الذَّهبيُّ: مسافةُ ذلك نحو أربعة أشهر سَيْر الجادَّة.
    أيْ أنَّ مجموع ما سارَهُ على قدمَيْه في طلب الحديث في هذه السِّنين السَّبع سَيْرُ أربعة أشهرٍ سيْرًا حثيثًا.

    ثُمَّ قال أبو حاتم: ثُمَّ تركتُ العدد بعد ذلك، وخرجتُ مِن البحريْن إلى مِصر ماشيًا، ثُمَّ إلى الرَّملة ماشيًا، ثُمَّ إلى دِمشق ماشيًا، ثُمَّ أنطاكيا ماشيًا، وطُرسُوس ماشيًا، ثُمَّ رجعتُ إلى حمص ماشيًا، ثُمَّ إلى الرَّقَّة ماشيًا، ثُمَّ ركبتُ إلى العراق، كلُّ هذا في سفري الأوَّل وأنا ابن عشرين سنة.

    وقال أبو حاتم أيضًا: بقيتُ في سنة أربع عشرة ثمانية أشهر بالبصرة، وكان في نفسي أنْ أُقيم سنة، فانقطعتْ نفقتي فجعلتُ أبيع ثيابي حتَّى نفذتْ، وبقيتُ بلا نفقة، ومضيتُ أطُوف مع صديقٍ لي إلى المشيخة، وأسمع إلى المساء، فانصرف رفيقي، ورجعتُ إلى بيْتي، فجعلتُ أشربُ الماء مِن الجُوع، فغدا عليَّ رفيقي، فجعلتُ أطُوف معه في سماع الحديث على جُوعٍ شديد، وانصرفتُ جائعًا، فلَمَّا كان مِن الغدِ، غدا عليَّ رفيقي، فقال: مُرَّ بنا إلى المشايخ، فقُلتُ أنا ضعيف، لا يُمكنُني، قال: ما ضعفك؟ قُلتُ: لا أكتُمُك أمرِي، قد مضى يومان ما طعِمْتُ فيهما شيئًا، فقال: قد بقي معي دينار، فنصفه لك، ونجعل النصف الآخر في الكراء، فخرجنا مِن البصرة، وأخذتُ مِنه النِّصف دينار.

    وقال أيضًا: وخرجنا مِن المدينة، وصِرنا إلى الجار، وركِبنْا البحر، وكانت الرِّيح في وُجُوهنا، فبقينا في البحر ثلاثة أشهر، وضاقتْ صُدُورنا، وفنِيَ ما كان معنا، وخرجنا إلى البرِّ، فمشيْنا أيَّامًا حتَّى فنِيَ ما تبقَّى معنا مِن الزَّاد والماء، فمشينا يومًا لم نأكل ولم نشرب، ويومٌ ثاني كمِثل الأوَّل، ويومٌ ثالث، فلمَّا كان يكُون المساء صليْنا، وكُنَّا نُلْقي بأنفُسِنا حيثُ كُنَّا، فلَمَّا أصبحنا في اليوم الثَّالث جعلنا نمشي على قدر طاقتنا، وكُنَّا ثلاثة أنفُسٍ، فسقط الشَّيخُ مغشيًا عليه، فجئنا نُحرِّكه وهو لا يعقل، فتركناه ومشينا قدر فرسخ، فضعفتُ، وسقطتُ مغشيًا عليَّ، ومضى صاحبي يمشي، فبصُرَ مِن بُعدٍ قومًا، فقرَّبُوا سفينتهم مِن البرِّ، ونزلُوا على بئرِ مُوسى، فلَمَّا عاينهم لوَّح بثوبه إليهم، فجاءوه معهم ماء في إداوة، فسقُوه، وأخذوا بيده، فقال لهم: الحقُوا رفيقيْن لي، فما شعرتُ إلاَّ برجُلٍ يصُبُّ الماء على وجهي، ففتحتُ عيْنيَّ، فقُلتُ: اسقني، فصبَّ مِن الماء في مشربةٍ قليلاً، فشرِبتُ، ورجعتْ إليَّ نفسي، ثُمَّ سقاني قليلاً، وأخذ بيدي، فقلتُ ورائي شيخًا مُلقى، فذهب جماعةٌ إليه، وأخذ بيدي وأنا أمشي وأجرُّ رِجلي حتَّى بلغتُ إلى سفينتهم، وأتوا بالشَّيخ، وأحسَنُوا إلينا، فبقينا أيَّامًا حتَّى رجعتْ إلينا أنفُسُنا، ثُمَّ كتبُوا لنا كتابًا إلى مدينة يُقال لها راية ( إلى والِيهم )، وزوَّدُونا مِن الكعك والسَّويق والماء، فلم نزلْ نمشي حتَّى نفد ما كان معنا من الماء والقُوت، فجعلنا نمشي جياعًا عن البحر، حتَّى دفعنا إلى سلحفاة مثل التُّرس، فعمدنا إلى حجر كبير فضربنا على ظهرها؛ فانفلق، فإذا فيها مثل صفرة البيض، فتحسيناه! حتى سكن عنا الجوع، ثم وصلنا إلى مدينة الرَّاية، وأوصلْنا الكتاب إلى عاملها، فأنزلنا في داره، فكان يُقدِّم لنا كُلَّ يوم القرع ويقول لخادمه: هاتي لهم اليقْطين المُبارك، فقال واحد مِنَّا: ألاَ تدعو باللَّحم المشئوم؟!

    قاله باللُّغة الفارسيَّة، ويظنُّ أنَّ صاحبَهم لا يعرف اللُّغة الفارسيَّة؛ لأنَّ صاحبهم في كُلِّ يومٍ يقول: هاتي لهم اليقطين المُبارك؛ فاشتهوا اللَّحم، فقال أحدهم: ألاَ تأتوا مِن الكُوفة....؟ ... لا أُحصي كم مرَّة.

    وأمَّا ابنه عبدالرَّحمن فعجبٌ في الطَّلب، كان مِن أشدِّ النَّاس طلبًا للحديث، حتَّى أنَّه حكى أنَّه كان يقرأُ على أبيه في المسجد، ويقرأُ على أبيه في الطَّريق، ويقرأُ على أبيه إذا دخل المنزل، ويقراُ على أبيه إذا دخل الخلاء، ويقراُ على أبيه إذا جلس ليشرب، فكان لا يترك فُرصةً لطلب العلم إلاَّ واغتنمها.

    يقُول رحمه اللهُ عزَّ وجلَّ: كُنَّا بمِصر سبعة أشهرٍ لم نأكُل فيها مرقة، يعني لم نأكُل فيها شيئًا مطبُوخًا ، نهارُنا مُقسَّمٌ لمجالس الشُّيوخ، وفي اللَّيل النَّسخ والمُقابلة، قال: فأتينا يومًا أنا ورفيقٌ لي شيخًا، فقالوا: هو عليل، ذهبا إلى بيْتِ شيخٍ ليقرءا عليه، فقيل لهما هو عليل، فرأينا في طريقنا سمكةً أعجبتنا، فاشتريْناها، فلَمَّا صِرنا إلى البيْت حضر وقتُ مجلس، فلم يُمكن إصلاحها، ومضينا إلى المجلس، فلم نزَلْ حتَّى أتى عليه ثلاثة أيَّام، وكاد أنْ يتغيَّر، فأكلناهُ نيئًا، لم يكن لنا فراغ أنْ نُعطيه مَن يشويه، ثُمَّ قال: لا يُستطاعُ العلم براحة الجسد.


    سبعة أشهر هو ورفيقه في مِصر يطلُبُون الحديث لم يأكُلُوا شيئًا مطبوخًا؛ لأنَّه لا وقتَ عندهم، نهارُهم في مجالس العلم، وليْلُهم للنَّسخ والمُقابلة حتَّى أتتهم فُرصةٌ يومًا فكان الشَّيخُ عليلاً فاشتريا سمكة أعجبتهم، وعندما وصلا البيْت كان وقتُ الدَّرس قد بدأ، فتركاها وذهبا إلى الدَّرس، وبقيتْ ثلاثة أيَّام لم تُقربْ، فلَمَّا خشيا أنْ تتغيَّر؛ أكلاها نيِّئةً مِن غير طبخٍ، لم يكُنْ لديهما الوقت لِيُرسلاها إلى مَن يطبخُها لهم.

    هكذا كان السَّلف الصَّالح رِضوان اللهُ عليهم، وهكذا كانت هِمَّة السَّلف الصَّالح رِضوان اللهُ عليهم في طلب العلم، فينبغي على طلبة العلم أنْ يُكثِرُوا مِن قراءة سِيَرِ السَّلف لعلَّ ذلك أنْ يُحيِيَ ما مات، لعلَّ ذلك أنْ يُنشِّط الهمَّة ... ويُقوِّي العزائم، لعلَّ طلبة العلم أنْ تنشط هِمَمُهم في طلب العلم.

    وبالمُناسبة فإنِّي أنصح طلبة العلم بِقراءة سِيَرِ أعلام النُّبلاء، والإكثار مِن الفوائد، وفيه الكثير مِن العُلُوم، فيه ما لا تجِدُه في غيره مِن تربية وتعليم وتأصيلٍ، فينبغي على طلبة العلم أنْ يُداِومُوا النَّظر في هذا الكتاب ليتعلَّمُوا مِن السَّلف الصَّالح رِضوان الله عليهم؛ لعلَّهم أنْ يلحقُوا بهم، لعلَّ طلبة العلم أنْ يتخلَّقُوا بأخلاقهم، فيلحقُوا بهم، ولن يُصلح آخر هذه الأُمَّة إلاَّ ما أصلح أوَّلها؛ وأقُول: لن يُصلح آخر هذه الأُمَّة إلاَّ مَن أصلح أوَّلها.

    فلا بُدَّ مِن رجال يتخلَّقُون بأخلاق السَّلف الصَّالح رضوان الله عليهم، وينهلُون مِن مَعِينهم حتَّى تصلُح هذه الأُمَّة في آخرها.


    الملفات المرفقة الملفات المرفقة
    التعديل الأخير تم بواسطة ; 08-Nov-2014 الساعة 08:54 AM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •