قال زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السَلامي،
البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795هـ)
في جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم (271/1):

وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي صِفَةِ رَفْعِ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ أَنْوَاعٌ مُتَعَدِّدَةٌ، فَمِنْهَا أَنَّهُ كَانَ يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ فَقَطْ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَفَعَلَهُ لَمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ.
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ دُعَاءَ الْقُنُوتِ فِي الصَّلَاةِ يُشِيرُ فِيهِ بِأُصْبُعِهِ، مِنْهُمُ الْأَوْزَاعِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: هَذَا هُوَ الْإِخْلَاصُ فِي الدُّعَاءِ وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إِذَا أَثْنَيْتَ عَلَى اللَّهِ، فَأَشِرْ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ.


وَمِنْهَا: أَنَّهُ ﷺ رَفَعَ يَدَيْهِ وَجَعْلَ ظُهُورَهُمَا إِلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَهُوَ مُسْتَقْبِلُهَا، وَجَعَلَ بُطُونَهُمَا مِمَّا يَلِي وَجْهَهُ.
وَقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي دُعَاءِ الِاسْتِسْقَاءِ، وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمُ الرَّفْعَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، مِنْهُمُ الْجَوْزَجَانِيُّ.
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: الرَّفْعُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ تَضَرُّعٌ.


وَمِنْهَا عَكْسُ ذَلِكَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الِاسْتِسْقَاءِ أَيْضًا، وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَدْعُونَ كَذَلِكَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الرَّفْعُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ اسْتِجَارَةٌ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَاسْتِعَاذَةٌ بِهِ، مِنْهُمُ: ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَرُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا اسْتَعَاذَ رَفَعَ يَدَيْهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ» .


وَمِنْهَا رَفَعُ يَدَيْهِ، جَعَلَ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ وَظُهُورَهُمَا إِلَى الْأَرْضِ وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِذَلِكَ فِي سُؤَالِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ سِيرِينَ أَنَّ هَذَا هُوَ الدُّعَاءُ وَالسُّؤَالُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.


وَمِنْهَا عَكْسُ ذَلِكَ، وَهُوَ قَلْبُ كَفَّيْهِ وَجَعْلُ ظُهُورِهِمَا إِلَى السَّمَاءِ وَبَطْنِهِمَا مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْقَى فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ» .
وَخَرَّجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ وَلَفْظُهُ: " «فَبَسَطَ يَدَيْهِ، وَجَعَلَ ظَاهِرَهُمَا مِمَّا يَلِي السَّمَاءَ» " وَخَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَلَفْظُهُ: اسْتَسْقَى هَكَذَا يَعْنِي: مَدَّ يَدَيْهِ، وَجَعَلَ بُطُونَهُمَا مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ.
وَخَرَّجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَاقِفًا بِعَرَفَةَ يَدْعُو هَكَذَا وَرَفَعَ يَدَيْهِ حِيَالَ ثُنْدُوَتِهِ، وَجَعَلَ بُطُونَ كَفَّيْهِ مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ» . وَهَكَذَا وَصَفَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ رَفْعَ النَّبِيِّ ﷺ يَدَيْهِ بِعَرَفَةَ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ هَذَا هُوَ الِاسْتِجَارَةُ. وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ: هَذَا هُوَ الِابْتِهَالُ.

وقال أيضا (ابن رجب) في الفتح له - رحمه الله - (216/9):
[22 - باب رفع الإمام يده في الاستسقاء]


قال - رحمه الله - في (219/9): ولا أعلم أحدا من العلماء خالف في استحباب رفع اليدين في دعاء الاستسقاء، وإنما اختلفوا في غيره من الدعاء، كما سنذكره في موضعه - إن شاء الله سبحانه وتعالى.
وإنما اختلفوا في صفة الرفع، على حسب اختلاف الروايات عن النبي ﷺ في ذلك في الاستسقاء.
وقد روي، عنه ﷺ في الاستسقاء في هذا خمسة أنواع:


أحدها: الإشارة بإصبع واحدة إلى السماء.
النوع الثاني: رفع اليدين وبسطهما، وجعل بطونهما إلى السماء.
النوع الثالث: أن يرفع يديه، ويجعل ظهورهما إلى القبلة، وبطونهما مما يلي وجهه.


النوع الرابع: عكس الثالث، وهو أن يجعل ظهورهما مما يلي وجه الداعي.
قالَ الجوزجاني: نا عمرو بن عاصم: نا حماد بن سلمة، عن ثابت وحميد، عن أنس، أن النَّبيّ ﷺ استسقى ودعا هكذا - يقبل ببياض كفية على القبلة، وظاهر هما إلى وجهه.
ثُمَّ قالَ: وفي هذا بيان أنه قلب كفية، وجعل ظاهر هما إلى وجهه. وقد تقدم في حديث خلاد بن السائب هذه الصفة - أيضا.


وروى عن ابن عباس، أن هذا هوَ الابتهال، خرجه أبو داود وعنه قالَ: هوَ استجارة. وروي عن أبي هريرة، أنه الاستجارة - أيضا خرجه الوليد بن مسلم.


وروي عن ابن عمر، قالَ: إذا سأل أحدكم ربه، فليجعل باطن كفيه إلى وجهه، وإذا استعاذ فليجعل ظاهرهما إلى وجهه، خرجه جعفر الفريابي.


وروي عن عمر بن عبد العزيز، أنه كانَ يدعو إذا رفع يديه حذو منكبيه، ظهورهما مما يلي وجهه.


النوع الخامس: أن يقلب كفيه، ويجعل ظهورهما مما يلي السماء، وبطونهما مما يلي الأرض، مع مد اليدين ورفعهما إلى السماء.


خرج مسلم من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، أن النَّبيّ ﷺ استسقى، فأشار بظهر كفيه إلى السماء.وخرجه الإمام أحمد، ولفظه: رأيت رسول الله ﷺ يستسقي، بسط يديه، وجعل ظاهر هما مما يلي السماء.


وخرجه أبو داود، وعنده: استسقى - يعني: ومد يديه -، وجعل بطونهما مما يلي الأرض، حتَّى رأيت بياض إبطيه.
وفي رواية: وهوَ على المنبر، خرجها البيهقي، وخرج أبو داود من رواية عمر بن نبهان، تكلم فيهِ.


وخرج الإمام أحمد من رواية بشر بن حرب، عن أبي سعيد الخدري، قالَ: كانَ رسول الله ﷺ واقفا بعرفة يدعو، هكذا، ورفع يده حيال ثندوتيه، وجعل بطون كفيه مما يلي الأرض.
وفي رواية لهُ - أيضا -: وجعل ظهر كفيه مما يل وجهه، ورفعهما فوق ثندوتيه، وأسفل من منكبيه، وبشر بن حرب، مختلف فيهِ.


وقد تأول بعض المتأخرين حديث أنس على أن النَّبيّ ﷺ لم يقصد قلب كفيه، إنما حصل لهُ من شدة رفع يديه انحاء بطونهما إلى الأرض ، وليس الأمر كما ظنه، بل هوَ صفة مقصود لنفسه في رفع اليدين في الدعاء.


روى الوليد بن مسلم بإسناده، عن ابن سيرين، قالَ: إذا سألت الله فسل ببطن كفيك، وإذا استخرت الله، فقل هكذا - ووجه يديه إلى الأرض -، وقال: لا تبسطهما.


وروى الإمام أحمد، عن عفان، أن حماد بن سلمة وصف النَّبيّ ﷺ يديه بعرفة، ووضع عفان وكفيه مما يلي الأرض.


وقال حرب: رأيت الحميدي مد يديه، وجعل بطن كفيه إلى الأرض، وقال: هكذا الابتها.


وحماد بن سلمة والحميدي من أشد الناس تشددا في السنة، وردا على من خالفها من الجهمية والمعتزلة ونحوهم.


وقد ذهب مالك إلى رفع اليدين في الاستسقاء على هذا الوجه:
ففي ((تهذيب المدونة)) في ((كتاب الصَّلاة)) : ضعف مالك رفع اليدين عد الجمرتين، واستلام الحجر، وبعرفات، والموافق، وعند الصفا والمروة، وفي المشعر، ووالاستسقاء، وقد رئي مالك رافعا يديه في الاستقاء، حين عزم عليهم الإمام، وقد جعل بطونهما مما يلي الأرض، وقال إن كانَ الرفع فهكذا.


قالَ ابن القاسم: يريد في الاستسقاء في مواضع الدعاء. كذا ذكره أصحاب الشافعي:
ففي ((شرح المهذب)) في ((الاستسقاء)) : قالَ الرافعي وغيره: قالَ العلماء: السنة لكل من الدعا لرفع بلاء أن يجعل ظهر كفيه إلى السماء، وإن دعا لطلب شيء جعل بطن كفيه إلى السماء.


وقال أبو بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا في كتابه ((الشافي)) في ((كتاب الاستسقاء)) في ((باب: القول في رفع اليدين في الدعاء وصفته)) ، ثُمَّ روى فيهِ حديث قتادة، عن أنس الذي خرجه البخاري في الدعاء وصفته)) ، ثُمَّ حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس: كانَ النَّبيّ ﷺ يستسقى هكذا - ومد يديه، وجعل بطونهما مما يلي الأرض حتَّى بياض إبطيه.


ولم يذكر في الرفع وصفته غير ذَلِكَ، وهذا يدل على أنه علي أنه يرى أن هذا هوَصفته رفع اليدين في الاستسقاء، أو مطلقا؛ لكن مع رفع اليدين إلى السماء والاجتهاد في رفعهما، إلا أن يرى منه بياض الابطين.
اهــ (منقول باِختصار).

وقال الحافظ ابن حجر في شرحه لباب :
[بَاب رَفْعِ الْإِمَامِ يَدَهُ فِي الِاسْتِسْقَاءِ ]


وَأَمَّا صِفَةُ الْيَدَيْنِ فِي ذَلِكَ (دعاء الاستسقاء) فَلِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
اسْتَسْقَى فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ


وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَيْضًا " كَانَ يَسْتَسْقِي هَكَذَا وَمَدَّ يَدَيْهِ - وَجَعَلَ بُطُونَهُمَا مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ - حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ "


قَالَ النَّوَوِيُّ :
قَالَ الْعُلَمَاءُ : السُّنَّةُ فِي كُلِّ دُعَاءٍ لِرَفْعِ الْبَلَاءِ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ ، وَإِذَا دَعَا بِسُؤَالِ شَيْءٍ جَاعِلًا ظُهُورَ وَتَحْصِيلُهُ أَنْ يَجْعَلَ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ . انْتَهَى .


وَقَالَ غَيْرُهُ : الْحِكْمَةُ فِي الْإِشَارَةِ بِظُهُورِ الْكَفَّيْنِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ دُونَ غَيْرِهِ لِلتَّفَاؤُلِ بِتَقَلُّبِ الْحَالِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ كَمَا قِيلَ فِي تَحْوِيلِ الرِّدَاءِ ، أَوْ هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى صِفَةِ الْمَسْئُولِ وَهُوَ نُزُولُ السَّحَابِ إِلَى الْأَرْضِ .اهـ



[كيفية رفع اليدين في دعاء الاستسقاء : سئل فضيلة الشيخ عبد المحسن العباد حفظه الله: في دعاء الاستسقاء هل يرفع الخطيب الإصبع أو يرفع اليدين؟]


فأجاب بقوله:يرفع اليدين، وتكون بطونهما إلى الأرض، هكذا جاءت السنة عن رسول الله ﷺ في الاستسقاء خاصة.


شرح سنن أبي داود(138/35)
.