الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد :

فمعلوم لدى الجميع أن الناس صنفان : إما عالم بحكم الشرع فيلزمه العمل ، وإما جاهل به فليزمه السؤال ،
يقول - سبحانه وتعالى - (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) .
وإن من طرق سؤال العلماء في العصر الحديث : طريق المهاتفة ،
بإن تهاتف عالما لتسأله عن حكم كذا ، غير أن كثيرين ممن يهاتفون العلماء
يشكون من عدم الإجابة أو قلتها ، ويكون السائل في أمس الحاجة لجواب صحيح ممن يثق بعلمه ودينه ،وقد شحن الرصيد واستبشر خيرا ،
بل لقد استعد بسؤال مكتوب محرر مختصر، ويطلب رقم الشيخ فلان !
فإذا به - على حد قولهم - (ينادي) ، فيفرح المتصل بهذا النداء و ،لسان حاله يقول :
نداء طال حتى ضقت ذرعا
به ورجوت تلبية المنادىفلما لم يجبني زدت أخرىوعدت إليه أطلبه فعاداوثالثة ورابعة فيأس
وإحباط يرى الدنيا سوادا
ثم يفترش الأسى ، ويتوسد اليأس ، ويقول - منتصرا لنفسه في صورة منكر المنكر - :
لماذا لا يجيب المشايخ على هواتفهم ! أليس في هذا كتمانا للعلم ! ألم يقل الله
(وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه)
ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم (من كتم علما ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار)
أليس أحق الناس بالخوف من هذا الوعيد هم العلماء . انتهى كلام المسكين رحمه الله !
فأقول لهذا الأخ المسكين :
اعلم - رحمك الله ! - أن العلماء قد استغرقت فروض أعمالهم اليومية (تركة الأربعة والعشرين ساعة)
بل عالت مسألتهم إلى (نسأل الله الإعانة) !.
فهم ما بين درس وتقرير ، ومراجعة وتحضير ، وبيان وتحذير ، ونظر وتنظير !
يصلون نوافلهم بعد فرائضهم والأذكار ، ويطلبهم أهلهم في حوائجهم طرفي النهار ، ولا يكفيهم نهارهم حتى يكونوا من السمار !
يمرضون فيعادون ،
ويمرض غيرهم فيعودون ،لهم أولاد وزوجات ، وآباء وأمهات ، وجيران وقرابات ،
ولكل : حقوق وواجبات !
لهم مواسم أفراح فيفرحون ، وساعات اتراح فيحزنون .يعتريهم - كغيرهم - ضيق النفس والصدر ،
وسوء الحال والأمر ، وهم مع هذا أهل رضى وصبر .
وأما تبليغ الدين ونشره : فمن مثل مشايخنا ؟
دروس ومحاضرات وخطب وندوات وكتب ومؤلفات ونصائح وإرشادات .
وعزم المرء قدره !على قدر أهل العزم تأتي العزائم
وتأتي على قدر الكرام مكارم
وهم ﻷجل ذا : تاج الرؤوس ، وقرة العيون ، علماؤنا أنوف ، وواحدهم بألوفقوم هم الأنف والأذناب غيرهم
ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا
ثم هل يحصر تبليغ الدين في جواب سؤالك يا مسكين ، فالقوم مشغولون بأهم من سؤالك ،
مشغولون بمن هو أشد منك مسكنة ، (والمشغول فلا يشغل) .
ثم إن (الأمر مجرب)
(ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين) ألم ينشر العلماء أرقام هواتفهم ، وفتحوا بيوتهم وصدورهم ، ثم ماذا كان !
وجدنا من يهاتف المشايخ ويسأل فيجاب ، وإذا به يسجل خلسة ، وينشر ما سجل حتى يصل الجن !وجدنا من يهاتف المشايخ
وينقل له ما قال فيه (فلان) من المشايخ ، ولعلها عنده نميمة جائزة !
وجدنا من يهاتف المشايخ ويريد أن يسأل عن (العذر بالجهل) و (مسائل الإرجاء) و (دار الكفر ودار الإسلام)
والسائل يريد جوابا في دقيقة !، والمسألة دقيقة ، والمسؤول لا يعرف مستوى السائل ، فأي شيء هذا .
وجدنا من يهاتف المشايخ من (الجزائر) ليسأل عن (الحوثيين) في اليمن ،
ومن يهاتف من (ليبيا) ليسأل عن (السيسي) هل يعتبر ولي أمر لمصر أو لا ؟!!
طبعا : والسائل عند نفسه وأشباهه : طالب علم بهذه الأسئلة !
أسئلة تجعل العلماء يحارون : هؤلاء المتصلون : عوام ، أو طلاب علم ! بلى عوام ، ولكنهم عوام لا يعرفون قدرهم .
وجدنا من يهاتف المشايخ فعندما لا يجيبه الشيخ ، يبادر هذا المسكين بإرسال رسالة للشيخ [أنت خصمي يوم القيامة] !
ما هذا ؟
أعرفت يا مسكين : لم لا يجيب كثير من المشايخ على هواتفهم .ثم أقول لك : بل يجيبون متى أمكنهم ذلك ، وقد أجابني الشيخ الفوزان أكثر من عشر مرات ، والشيخ محمد بن هادي مرة ، والشيخ ربيع بن هادي مرتين ،
وليس ﻷنهم يعرفونني ، فما يعرفني واحد منهم أبدا ، ولكن ﻷنني وافقت منهم ساعة فراغ .
وقد أجابوا غيري أكثر مني .
ثم يا هذا قبل أن تسأل : ابحث ، قد تكون مسألتك في كتاب عند رأسك ، فلماذا العناء ؟
وأما أن تسيء الظن بالمشايخ ﻷنهم لم يردوا على (سماحتك) و (فضيلتك) ، فلقد أبعدت النجعة !وأقولها الآن صريحة ، وأصرخ بها في قومي : فلقد بلغ السيل الزبى ،
وجاوز الحزام الطبيين : لقد آذينا المشايخ باتصالاتنا ، حتى إن جميع المشايخ يعرفون أن مفتاح ليبيا (0021 ، ومنهم من لا يعرف مغتاح جارتهم الإمارات .
وهذا دليل خير وحب للعلماء وتواصل معهم ، ولكن يا إخواننا :
الأدب الأدب
واختيار الوقت المناسب
والسؤال المناسب
والأسلوب المناسب
والتسجيل المأذون
والطرح المأمون
ولست في هذا بخير قومي حالا ، بل قد أكون أسوأ مما عند (المسكين) ولكنها تذكرة لي ولإخواني ، والله المستعان .
ثم أين نحن أدب السلف وصبرهم على مشايخهمأيها المتصلون : لابد لمن طلب هذا الشأن أن يعنى !
جاء علي بن الحسين إلى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود - وهو يصلي - ، فجلس ينتظره وطول عليه فعوتب في ذلك ،
وقيل : يأتيك ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحبسه هذا الحبس ؟
فقال : اللهم غفرا ، لابد لمن طلب هذا الشأن أن يعنى . (تذكرة الحفاظ 79/1)
أيها المتصلون : ماذا لو سافر أحدكم إلى الشيخ حيث هو : فلم يجبه الشيخ !
يقول القواريري : أتيت عبد السلام بن حرب فقلت : حدثني فإني غريب من البصرة ، قال : كأنك تقول : جئت من السماء ! فلم يحدثني ! (تذكرة الحفاظ 199/1)
أيها المتصلون : إن من سلفنا الماضين من رحل إلى شيخ ليسمع منه فلاقته جنازة الشيخ !قال أيوب بن سويد : خرج الأوزاعي في بعث إلى اليمامة ،
فقال له يحيى بن أبي كثير : بادر إلى البصرة لتدرك الحسن وابن سيرين ، قال : فانطلقت فإذا الحسن قد مات ، وعدت ابن سيرين وهو مريض (تذكرة الحفاظ 179/1)
ويقول ابن وهب : رأيت هشام بن عروة جالسا في المسجد ثم جئت منزله فقالوا (نام) فلما رجعت من الحج وجدته قد مات ،
ورأيت عبيد الله بن عمرو قد عمي ، وقطع الحديث (تذكرة الحفاظ 223/1)
ماذا لو كنت مكان السائل لابن معين !
جاء رجل مستعجل إلى يحيى بن معين فقال : يا أبا زكريا حدثني بشيء أذكرك به ، فالتفت إليه يحيى
فقال : اذكر أنك سألتني أن أحدثك فلم أفعل . (تهذيب الكمال 31/560)
ماذا لو رفسك الشيخ كما رفس الفضل بن دكين (يحيى بن معين) فقال يحيى : والله لرفسته أحب إلي من سفرتي .
ماذا لو أن أحد علمائنا جعل كلبا في طريق طلاب العلم إليه كما صنع أبو بكر بن عياش (السير 8/502)ماذا لو بصق أحد علمائنا في وجه طالب علم كما صنع الأعمش
(شرف أصحاب الحديث)
أيها الإخوة : لنعد النظر في أدبنا مع مشايخنا ، فإن لهم علينا حقا عظيما ،
وعذرا إن أغلظت القول وما ذاك إلا لكثرة ما أسمعه من لوم المشايخ بعدم الإجابة على الهاتف ، والله المستعان .

كتبه اخ أسامة الفرجاني ومنقول عن الشيخ فواز المدخلي حفظه الله

https://www.facebook.com/dr.benaaa/p...18177968330625