ابحث في شبكة الإمام الآجري ابحث في المواقع السلفية

شكر شكر:  1
النتائج 1 إلى 10 من 10
  1. #1

    الجمع بدون عذر! مسألة للمشاركة من قبل طلبة العلم .

    ملاحظة: هذا موضوع قد كنت كتبته في سحابٍ قبل رجوع المنتديات للعمل، أنقله هنا إتمامًا للفائدة، وإتمامًا لنقاش علمي .

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، أمَّا بعدُ :

    فلقد كنت شرعت في كتابة بحث متواضع منذ برهة من الزمن مرت، ثم توقفت عن الكتابة فيه؛ وكان اسمه نيل الوطر في أحكام الجمع بعذر المطر .

    وكان من ضمنه مبحث في حكم الجمع بين الصلاتين بدون عذر، وقد دعت الحاجة في هذه الأيام لتعديله وجعله مستقلاً رداً على بعض الرافضة الذين شغبوا في المسألة وغيرهم ممن لم نتوقع!

    لقد عانى الكثير ممن ابتلوا لرد ضلالات الروافض والشيعة من تشغيب بعضهم على أهل السنة في عدة مسائل، منها أنهم يقولون أن أهل السنة يردون الأحاديث الصحيحة في صحاحهم (!) إلى غير ذلك من الترهات المعروفة التي ردَّها أهل العلم والفضل .

    ومن هذه المسائل مسألة الجمع بين الصلاتين بدون عذر، فالشيعة الإمامية يرون ذلك مطلقاً وينكرون على أهل السنة والجماعة في هذا ويرمونهم بالبواقع ؛ فهم يستدلون بحديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم- جمع في المدينة ثمانيا وسبعاً .

    وجواب ذلك أنَّ في المسألة حديثان لابن عباس -رضي الله عنهما- بل وفي كلا روايتي الحديث
    تفسير راوي الحديث له قائلاً : " أراد ألاَّ يُحرج أمته" ؛ فكان فهم أهل العلم من ذلك أن الجمع متعلق بالحرج متى حصل كان الجمع رخصة، أما مطلقاً فلا .

    قال سماحة الشيخ العلامة ابن باز -رحمه الله-: " وأما ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالمدينة ثمانيا جميعا وسبعا جميعا وجاء في رواية مسلم في صحيحه أن المراد بذلك: الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء . وقال في روايته: ((من غير خوف ولا مطر)) وفي لفظ آخر: ((من غير خوف ولا سفر)) فالجواب أن يقال: قد سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن ذلك فقال: لئلا يحرج أمته ، قال أهل العلم: معنى ذلك لئلا يوقعهم في الحرج . وهذا محمول على أنه صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بالمدينة لسبب يقتضي رفع الحرج والمشقة عن الصحابة في ذلك اليوم
    ، إما لمرض عام ، وإما لدحض وإما لغير ذلك من الأعذار التي يحصل بها المشقة على الصحابة ذلك اليوم" اهـ

    وقد نقل الإجماع على عدم جواز ذلك عند أهل السنة ثلة من العلماء، فحُكِيَ في "البحر الزخار" عن بعض أهل العلم أنه إجماع، يعني كونه محرمًا مجمع عليه، وقد حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً
    فقال: " وقد اتفق المسلمون على أنه لا يجوز تأخير صلاة النهار إلى الليل، ولا تأخير صلاة الليل إلى النهار، لا لمسافر ولا لمريض ولا غيرهما‏.‏ لكن يجوز عند الحاجة أن يجمع المسلم بين صلاتي النهار وهي الظهر والعصر في وقت إحداهما، ويجمع بين صلاتي الليل وهي المغرب والعشاء في وقت إحداهما، وذلك لمثل المسافر والمريض وعند المطر، ونحو ذلك من الأعذار. . . قال -صلى الله عليه وسلم- في غير حديث‏:‏ ‏(‏سيكون أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها فصلوا الصلاة لوقتها، ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة‏)‏‏.‏ فهذا دليل على أنه لا يجوز تأخير الأولى إلى وقت الثانية ولا يجوز الجمع لغير حاجة، فإن الأمراء لم يكونوا يؤخرون صلاة النهار إلى الليل، ولا صلاة الليل إلى النهار، ولكن غايتهم أن يؤخروا الظهر إلى وقت العصر إلى الاصفرار، أو يؤخروا المغرب إلى مغيب الشفق‏.‏ وأما العشاء، فلو أخروها إلى نصف الليل لم يكن ذلك مكروهًا‏.‏ وتأخيرها إلى ما بعد ذلك لم يكن يفعله أحد، ولا هو مما يفعله الأمراء‏ " اهـ من مجموع الفتاوى .

    وقد نقل الإجماع من المتأخرين الإمام المحدث الألباني -رحمه الله- انظر سلسلة الهدى والنور [ش136 د19]، وقد نقله الإمام العلامة ابن باز
    في مجموع فتاواه فقال: أن العلماء أجمعوا على أنه لا يجوز الجمع إلا بعذر شرعي ؛ وأنهم قد أجمعوا على أن جمع النبي -صلى الله عليه وسلم- الوارد في هذا الحديث محمول على أنه وقع لعذر جمعا بينه وبين بقي الأحاديث الصحيحة الكثيرة الدالة على أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي كل صلاة في وقتها ولا يجمع بين الصلاتين إلا لعذر وهكذا خلفاؤه الراشدون وأصحابه جميعا -رضي الله عنهم- والعلماء بعدهم ساروا على هذا السبيل ومنعوا من الجمع إلا من عذر" انتهى كلام الإمام ابن باز -رحمه الله- [مجموع فتاواه المجلد 12].

    بل ويرى بعض العلماء أنه من الكبائر
    ، ومنهم البيهقي والمباركفوري وشيخ الإسلام ابن تيمية والشوكاني وجماعة من المعاصرين .

    والشيعة الإمامية لا يعتدون بفهم السلف الصالح للكتاب والسنة، وعلى رأسهم الصحابة، فأنى لهم أن يأخذوا بقول ابن عبَّاس في هذه المسألة من أن الجمع مناطه دفع الحرج؟!

    ولقد رأيت من هؤلاء الإمامية العجب في منتديات على الشبكة يشغبون بهذه المسألة على أهل السنة والجماعة .

    كما قرأت تأصيل الجمع بدون عذر عندهم في كتبهم ومواقعهم وإنكارهم على أهل السنة فيها ومن موقع "الرافض".

    وقد أنكر العلامة الألوسي على الروافض ذلك، فقال في تفسيره: " واختاره جماعة من الشيعة واستدلوا بها على أن وقت الظهر موسع إلى غروب الشمس ووقت المغرب موسع إلى انتصاف الليل وهي أحد أدلة الجمع في الحضر بلا عذر الذي ذهبوا إليه" [تفسير الألوسي 11/43] .

    وممن يقول بالجمع بغير عذر من المعاصرين الدكتور يوسف القرضاوي، وذد ردَّ عليه ذلك بعض الفضلاء، ووصف قوله هذا بأنه اعتداء على الشريعة وتجرؤ على دين الله لا يغتفر! إن كان بقصد ورغبة في تمييع أحاكام الدين .

    أما من استدل علينا من هؤالاء المبتدعة بأن ذلك قول لأهل السنة، وأنَّ أهل السنة لم يجمعوا على تحريمه، كما قال أحد الرافضة ويُدعى ((كرَّار))
    حيث ذكر أن هذا مذهب ابن المنذر وابن سيرين وأشهب من أصحاب مالك وأن العلامة صديق حسن خان ذكر أنه قول الجمهور وليس إجماعاً .


    فنقول له:

    أولاً:إن ابن المنذر وابن سيرين وأشهب لا يرون بما نقلت من جواز الجمع بغير عذر، بل هو وهم من بعض العلماء حين نقلهم للخلاف، نعم قد حكم ذلك عنهم ابن رشد وابن رجب والشوكاني، ولكن المسند الموجود ليدينا يفيد أنهم يرون ذلك ((للحاجة)) وليس بدون عذر مطلقاً
    ، وانظر هذه الآثار ففيها إثبات ما نقلت:

    روى حبيب بن أبى ثابت، قال ابن سيرين: لا بأس بالجمع بين الصلاتين فى الحضر إذا كانت ((
    حاجة
    )) أو شىء ما لم يتخذه عادة، وأجاز ذلك ربيعة بن عبد الرحمن، وقال أشهب فى المجموعة: لا بأس بالجمع بين الصلاتين فى الحضر بغير مطر ولا مرض، وإن كانت الصلاة أول الوقت أفضل " [أسند هذه الآثار ابن بطال في شرحه] ولابن المنذر كلام مثل كلام أشهب .

    أما كلام ابن سيرين فواضح أنه قيد ذالك بحاجة أو عذر .
    أما كلام أشهب وابن المنذر فواضح أنهم لا يرون حصر أعذاار الجمع لمطر أو خوف أو سفر، ولا يفيد أنهم يرون به بغير عذر !

    ثانياً: هب أنهم يقولون بذلك -ولا أسلم لك بذلك-، فهل هذا يغير في الإجماع شيئاً،
    لقد انعقد الإجماع قبلهم على عدم جواز ذلك، فقولهم مردود إذاً، ولا يصبح قولهم حجة في رد الإجماع المنعقد، فقد أجمع الصحابة والتابعون على ذلك، قال العلامة صديق حسن خان -رحمه الله-: " والمنع منه -أي انعقاد الإجماع على عدم جواز الجمع بغير عذر- بدليل أن هذا الإجماع قد خالفه ابن المنذر، وابن سيرين في أحد قوليه والإمامية وغيرهم مما يُعتَرَض عليه بأن هذه المخالفة اعتذار بالمخالفة التي حدثت بعد إجماع الصدر الأول
    " اهـ.

    وقال الإمام العلامة ابن باز: " سوى جماعة نقل عنهم صاحب النيل جواز الجمع إذا لم يتخذ خلقا ولا عادة وهو قول مردود للأدلة السابقة وبإجماع من قبلهم
    " اهـ مرجع سابق .

    فالحذر الحذر من مخالفة سبيل المؤمنين .

    على أن من استدل بهم هذا الرافضي الخبيث على أن من أهل السنة من يقول بقولهم، فهو باطل إطلاقاً، فحتى من نسب إليهم هذا القول يقيدون الجمع بغير عذر بعدم ارتباطه بخلق أو عادة، أما الرافضة فلا يقيدونه بأي ضابط .

    ولا أرى صحة تلك النسبة إليهم، ومن صحت عنه فإنه تراجع عنها كالإمام الشافعي [أنظر كلام الإمام النووي في شرحه للحديث في "المجموع" وابن سيرين [انظر كلام النووي في شرح صحيح مسلم، وكلام ابن بطال في شرحه على الصحيح] .

    وقد بيَّن النووي وابن بطال وابن حجر وغيرهم من أهل السنة -رحمهم الله- بأن قول هؤلاء الذي أدعى الرافضي فيهم دعواه أنهم يقيدون ذلك بالحاجة
    ، قال النووي: " وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَئِمَّة إِلَى جَوَاز الْجَمْع فِي الْحَضَر ((لِلْحَاجَةِ)) لِمَنْ لَا يَتَّخِذهُ عَادَة، وَهُوَ قَوْل اِبْن سِيرِينَ وَأَشْهَب مِنْ أَصْحَاب مَالِك، وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ الْقَفَّال وَالشَّاشِيّ الْكَبِير مِنْ أَصْحَاب الشَّافِعِيّ عَنْ أَبِي إِسْحَاق الْمَرْوَزِيِّ عَنْ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَاب الْحَدِيث، وَاخْتَارَهُ اِبْن الْمُنْذِر وَيُؤَيِّدهُ ظَاهِر قَوْل اِبْن عَبَّاس: أَرَادَ أَلَّا يُحْرِج أُمَّته ، فَلَمْ يُعَلِّلهُ بِمَرَضٍ وَلَا غَيْره وَاللَّهُ أَعْلَم" من شرح صحيح مسلم لحديث ابن عباس .

    وأقول أخيراً في ردِّ هذا القول، أن علماء أهل السنة والجماعة ينظرون إلى جميع نصوص المسألة ولا يحكم في المسألة بنص واحد استقلالاً كما هي شيم أهل البدع . [ارجع لكتاب الشيخ محمد بازمول "الخلاف وما إليه"] .

    قال سماحة الشيخ العلامة ابن باز -رحمه الله- عن حديث ابن عباس الذي يستدل به المخالفون: " هذا الحديث ليس فيه ما يخالف الأحاديث الصحيحة الصريحة الدالة على تحريم الجمع بين الصلاتين بدون عذر شرعي،
    بل هو محمول على ما يوافقها ولا يخالفها
    ؛ لأن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية يصدق بعضها بعضا ويفسر بعضها بعضا ويحمل مطلقها على مقيدها ويخص عامها بخاصها ، وهكذا كتاب الله المبين يصدق بعضه بعضا ويفسر بعضه بعضا ، قال الله سبحانه: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}[2] وقال عز وجل: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ}[3] الآية . والمعنى أنه مع إحكامه وتفصيله يشبه بعضه بعضا ويصدق بعضه بعضا ، وهكذا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم سواء بسواء كما تقدم . والله ولي التوفيق" انتهى مرجع سابق .

    وقد حذر العلماء من النظر في بطون الكتب دون فهم لغة أهل العلم ومن ثم استنباط الأحكام والإفتاء بها، فينبغي فهم مراد أهل العلم من كلامهم، ومعرفة مصطلحاتهم ولغتهم في التعبير عن الأحكام .

    قال الشيخ صالح آل شيخ -حفظه الله-: " ذلك أنّ لغة أهل العلم، بها ألفت العلوم فمن نظر مثلا في فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- بما يفهمه من لغته الدارجة أو من لغة الجرائد أو من لغة الثقافة العصرية، فإنّه سيخطئ في كثير من المسائل، في فهمها، في فهم مراد شيخ الإسلام من كلامه، لأنّ أهل العلم على اختلاف العصور دونوا العلم بلغة العلم، لم يدونوا العلم بلغتهم في زمانهم حتى يتواصل العلم ويلحق الآخر بالأول في فهم العلم، فإذًا العلم له لغة، العلم له مصطلح، العلم له ألفاظ، يجب أنْ يفهم العلم بالوعاء الذي احتوته تلك الألفاظ، فالألفاظ وعاءٌ للمعاني فكل لفظ، في كتب أهل العلم لا يسوغُ أنْ يفهم بما عند القارئ من المقررات السابقة، لأنّه إذا فهمه على هذا الأساس فإنه سيفهم العلم على غير مراد أهله، وهذه مهمة جدًّا، وإنما تدرك بطلب العلم عند أهل العلم، كيف أو ما مراد العلماء في الفقه بهذه الكلمة؟ و هذه الكلمة؟ وهذه الكلمة؟ ما مرادهم في العقيدة بهذه الكلمة؟ وهذه الكلمة؟ وهذه الكلمة؟ ما مرادهم في النحو؟ إلى آخره.
    فألفاظ العلم ألفاظ رعاها العلماء، وهكذا ينبغي على كل طالب علمٍ درّس أو تلقى العلم أنْ يجتهد في التعبير عن العلم بلغة أهله، فإنْ عبر عن العلم بغير لغة أهله، فإنّه لن يكون متصلا مع من سبقه بسبب وثيق، وكذلك من فهم كلام أهل العلم على غير ما تقرره لغة أهل العلم، فإنه لن يدرك" [المنهجية في قراءة كتب أهل العلم للشيخ صالح آل شيخ].

    لذلك كان فهم الأئمة لكلام ابن المنذر خلافاً لفهم هؤلاء الرافضة، وخلافاً لفهم القرضاوي، ففهموا أن ابن المنذر لا يرى الحصر في الثلاث وهو الصواب .

    وأقول ختاماً أن الجمع بغير عذر له العديد من المفاسد فضلاً عن مخالفته لمقاصد الشريعة ونصوصها الصريحة، وقد اتخذه بعض أهل اليمن ذريعة لأكل تلك النبتة الخبيثة (القات)، ونترك الإمام الشوكاني يبين لنا مفاسده، قال القاضي الشوكاني: " ومن مفاسد الجمع لغير عذر ما ألفه أهل العصر والذي قبله في جامع "صنعاء" التي هي أعظم مدائن اليمن ومحط رحال الأئمة من الأعلام من تجميعهم لصلاة العصر جماعة كبرى بألوف من الناس عقيب صلاة الجمعة قبل دخول وقت العصر على جهة الاستمرار والدوام، ولا يتمكن أحد أن ينقل حرفًا واحدًا من قول المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، أو فعله أنه صلى العصر قبل دخول وقتها لغير عذر السفر ونحوه في يوم الجمعة أو في غيرها إلا ما سلف من حديث ابن عباس ومن معه، وقد عرفت الكلام عليه.

    ولاشك أن ملازمة هذا الشعار من أعظم الدواعي إلى التبديع، لاسيما من الوافدين إلى هذا المصر الذي لا تكاد جمعة من الجمع تخلو عن جماعة منهم، حتى سارت الركبان بأن مذهب الزيدية جواز الجمع بين الصلاتين لغير عذر، وقد عرفت أنهم بريئون من ذلك، ولقد كان المؤيد بالله الذي خضع لعلمه المخالف والمؤالف يظهر التشديد والوعيد على من جمع بغير عذر
    ، ولقد رأينا جماعة من أهل العلم يصلون في هذه الجماعة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

    ولا عتب على العامة فإنهم أتباع كل ناعق، وطروقة كل فحل، فإنهم لما رأوا ساداتهم الذين هم أرباب المناصب وأهل الهيئات يفعلون ذلك مع انتمائهم إلى العلم وتجملهم بجيد الثياب لم يشكوا في أن الحق كائن في أيديهم غير خارج عنهم.

    وكيف يخرج عن قوم لبسوا أحسن اللباس وبرزوا في زي العلماء للناس،
    فمن كان ينتمي إلى نصيب من الحياء، ويرجع إلى حظ من الدين فليدع ما يريبه إلى ما لا يريبه، فإن أبيت إلا اللجاج والجدال فدع ذلك رعايةً لمروءة إن لم تدعه رعايةً للدين، فإن الرجل ينف عن الأفعال التي تحط عنه أو من قومه، وقد عرفت أن هذه الصلاة قد أوجبت نسبة جواز الجمع لغير عذر الذي هو من أعظم البدع وأشنع الشنع عند أهل المذهب إلى أئمتنا وهم أشد الناس منعًا لذلك كما عرفت، والحمد لله رب العالمين، انتهى كلامه الذي تلوح عليه أنوار الحق، وتتناثر منه على أهله جواهر الصدق، وهذه المقالة وإن خاطب بها أهل صنعاء وهم أناس بلده، فهي تصدق على عامة كل بلد من البلاد التي كانت بأيدي الإسلام، بل على خاصتها عند البحث عن مسائل الدين والخوض في أحكام الشرع المبين، وإنما الموفق السعيد من وفقه الله تعالى إلى اتباع الكتاب العزيز والسنة المطهرة وله قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، والحمد لله أولاً وآخرًا وظاهرًا وباطنًا".انظر: دليل الطالب على أرجح المطالب، ص 502ـ520.


    [2]
    ومن الجدير بالذكر أنه قد نقل في تحفة الأحوذي حكاية الإجماع، فقال عن حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-: " وإنما خولف ظاهر منطوقه في الجمع لغير عذر للإجماع ولأخبار المواقيت فتبقى فحواه على مقتضاه " [تحفة الأحوذي 1/216] .

    وقد نقله الجصاص أيضاً، فقال: "
    وَلَا خِلَافَ
    أَنَّ تَارِكَ الظُّهْرِ لِغَيْرِ عُذْرٍ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الْعَصْرِ مُفَرِّطٌ " [أحكام القرآن للجصاص 5/113] .

    وشيخ الإسلام ابن تيمة في موضع آخر فقال : " وأما تأخير صلاة النهار إلى الليل، وتأخير صلاة الليل إلى النهار. فلا يجوز لمرض ولا لسفر، ولا لشغل من الأشغال، ولا لصناعة
    باتفاق العلماء
    . بل قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - : الجمع بين صلاتين من غير عذر من الكبائر" مجموع الفتاوى [5/80] .

    وبالنسبة لمسألة الرافضة وأنهم يقولون بذلك فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع فتاواه: " ولهذا قاتل المسلمون أيضا "
    الرافضة " الذين هم شر من هؤلاء وهم الذين يكفرون جماهير المسلمين مثل الخلفاء الثلاثة وغيرهم . ويزعمون أنهم هم المؤمنون ومن سواهم كافر ويكفرون من يقول : إن الله يرى في الآخرة أو يؤمن بصفات الله وقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة ويكفرون من خالفهم في بدعهم التي هم عليها . فإنهم يمسحون القدمين ولا يمسحون على الخف ويؤخرون الفطور والصلاة إلى طلوع النجم ويجمعون بين الصلاتين من غير عذر
    . . . " [1/287].

    وممن يقول بالجمع بدون عذر إضافة للرافضة والقرضاوي؛ ابن عربي الطائي في فتوحاته المكية، ولكنه يخصصه بأهل الحجاب دون أهل المشاهدة(!)
    فقال: " قال ابن عباس في جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الصلاتين من غير عذر إنه أراد أن لا يحرج أمته . . . الاعتبار في ذلك الجمع لأهل الحجاب رفق بهم في التكليف وجائز لهم لرفع الحرج فإن الحرج في العبادة هو تضعيف التكليف فإن العمل في نفسه كلفة فإذا انضافت إليه المشقة كان تكليفا على تكليف وأما أهل المشاهدة فلا جمع عندهم إلا بجمع وعرفة وما عدا ذينك فلا" [الفتوحات المكية 2/69].

    ومعظم علماء أهل السنة والجماعة الذين كتبوا في باب الكبائر عدوا الجمع بين الصلاتين بدون عذر من الكبائر، وممن يرى ذلك من الكبائر الذهبي في كتابه "الكبائر" والسيوطي في كتابه الدر المنثور، والحاكم في مشتدركه، والبيهقي في السنن الكبرى، وقد أسلفت أن شيخ الإسلام ابن تيمية يرى أيضاً بأنَّ ذلك من الكبائر وابن كثير يرى بأنه من الكبائر أيضاً، والشيخ العلامة محمد أمين الشنقيطي في أضواء البيان 7/175 .

    قال ابن كثير في تفسيره: " وقد روى ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا إسماعيل بن عُلَيَّة، عن خالد الحذاء، عن حميد بن هلال، عن أبي قتادة -يعنى العدوي-قال: قرئ علينا كتابُ عمر: من الكبائر جمع بين الصلاتين -يعني بغير عذر-والفِرَار من الزَّحْفِ، والنُّهْبَة.
    وهذا إسناد صحيح: والغرض أنه إذا كان الوعيد فيمن جمع بين الصلاتين كالظهر والعصر تقديما أو تأخيرًا، وكذا المغرب والعشاء هما من شأنه أن يجمع بسبب من الأسباب الشرعية، فإذا تعاطاه أحد بغير شيء من تلك الأسباب يكون مرتكبا كبيرة
    " [تفسير ابن كثير 2/277] .

    والكلام على صحة أثر عمر كفانا فيه البيهقي وقد سبق نقله، قال ابن التركماني في الجوهر النقي: " أبو العالية اسلم بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين ودخل على ابى بكر وصلى خلف عمر وقد قدمنا غير مرة ان مسلماً حكى الاجماع على انه يكفى لاتصال الاسناد المعنعن ثبوت كون الشخصين في عصر واحد وكذا الكلام في رواية ابى قتادة العدوى عن عمر فانه ادركه كما ذكره البيهقى بعد فلا يحتاج في اتصاله إلى ان يشهده" وأرجو ممن لديه مزيد فائدة حول السند أن يفيدنا على أنه ليس العمدة في إثبات الإجماع.

    ومن الأدلة الدالة على تحريم تأخير الصلاة عن وقتها بدون عذر قوله -صلى الله عليه وسلَّم- : (( ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت أخرى)) صححه الألباني .
    فهذا وغيره من أدلة التي سبق إيرادها يدل على حرمة الجمع بغير عذر .


    [3]
    قال العلامة الألباني في سلسلة الهدى: " من الخطأ الفاحش أن يُفهم حديث ابن عباس دون السؤال والجواب، قال ماذا أراد بذلك؟ قال: أراد ألا يُحرج أمته .
    من الخطأ أن يُفهم الجمع المذكور في الحديث دون النظر إلى السؤال والجواب الذي يتلخص منه أن الجمع الذي جمعه الرسول -صلى الله عليه وسلَّم- إنَّما كان لرفع الحرج" [ش 546 د23 بتصرف بسيط].


    قال القاضي الشوكاني -رحمه الله-: " ولا يتمكن أحد أن ينقل حرفًا واحدًا من قول المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، أو فعله أنه صلى العصر قبل دخول وقتها لغير عذر السفر ونحوه في يوم الجمعة أو في غيرها إلا ما سلف من حديث ابن عباس ومن معه، وقد عرفت الكلام عليه" [مرجع سابق].

    [4]
    ولا يختلف الإمام الشنقيطي مع بقية علماء السنة في هذه المسألة في أن الجمع بغير عذر محرَّم، بل ويرى الإمام الشنقيطي أنه من الكبائر كما تقدم نقله سابقاً .

    لولا أن هناك بعض النقاط التي اختلف فيها أهل العلم، ورجح منها الشيخ الشنقيطي الجمع الصوري، مع أن الإمام الألباني قد أوضح بطلان القول به، لأدلة سأذكرها تباعاً .

    الدليل الرئيسي الذي حمل به أهل العلم، وعلى رأسهم الأحناف هذا الجمع على أنه صوري، الحديث الذي أخرجه النسائي، والذي استدل به العلامة الشنقيطي فقال: " ومما يدلّ على أن الحمل المذكور متعيّن ، ما أخرجه النسائي عن ابن عباس بلفظ : « صلّيت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعًا ، والمغرب والعشاء جميعًا ، أخّر الظهر وعجّل العصر ، وأخّر المغرب وعجّل العشاء » ، فهذا ابن عباس راوي حديث الجمع قد صرّح بأن ما رواه من الجمع المذكور هو الجمع الصوري ، فرواية النسائي هذه صريحة في محل النزاع مبيّنة للإجمال الواقع في الجمع المذكور" .

    قلت: غير أن هذا الدليل، لا دلالة فيه على الجمع الصوري،
    ذلك أنه وهم من بعض رواة النسائي إدراج زيادة
    : [أخّر الظهر وعجّل العصر ، وأخّر المغرب وعجّل العشاء]؛ فهو من قول أبي الشعثاء .

    قال الإمام الألباني -رحمه الله تعالى- في "الإرواء": " ووهم بعض رواة النسائي فأدرجه في الحديث !" [الإرواء 3/36] .

    وقال في تعليقه على الحديث في سنن النسائي: " صحيح، دون قوله : " أخر الظهر . . . " إلخ؛ فإنه مدرج، انظر الإرواء ( 3 / 36 ) ، صحيح أبي داود ( 1099 ) ، الصحيحة ( 2795 ) .



    ثم إن تأويل هذا الحديث بالجمع الصوري
    فيه مخالفة صريحة لحديث أنس
    الذي سأسوقه في النقل عن الإمام الألباني -رحمه الله- في أن الجمع يكون حقيقياً لا صورياً .

    قال الإمام الألباني عن الجمع الصوري في السلسلة الصحيحة [1/163]: "

    أولا :
    أنه خلاف الظاهر من الجمع
    .

    ثانيا : أن الغرض من مشروعيته التيسير و رفع الحرج كما صرحت بذلك رواية مسلم ، ومراعاة الجمع الصوري فيه الحرج كما لا يخفى .

    ثالثا : أن في بعض أحاديث الجمع ما يبطل دعواهم
    كحديث أنس ابن مالك بلفظ : ((أخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر ثم يجمع بينهما )) .
    رواه مسلم ( 2 / 151 ) و غيره .

    رابعاً : و يبطله أيضا جمع التقديم الذي صرح به حديث معاذ هذا: (( و إذا ارتحل بعد زيغ الشمس عجل العصر إلى الظهر)) . و الأحاديث بهذا المعنى كثيرة كما سبقت الإشارة إلى ذلك" .


    وما أحسن ما حمل عليه الإمام الشنقيطي أقوال ابن المنذر وأشهب وابن سيرين، فإنه حملها على المسلك السليم من أنهم لا يرون ذلك مطلقاً بل يرونه للحاجة، وليس كما يرى بعض الفضلاء الذي ناقشت في هذه الأيام، فإنَّه يرى جواز الجمع بدون عذر (أحيانا)! ويرى أنه يأخذ بقول ابن المنذر!! ، ومن أجله سارعت بإنشاء هذا الموضوع، علَّه يرجع إلى الحق .

    قال الإمام الشنقيطي -رحمه الله-: " روي عن جماعة من أهل العلم أنهم أجازوا الجمع في الحضر للحاجة مطلقًا، لكن بشرط ألاّ يتخذ ذلك عادة، منهم: ابن سيرين ، وربيعة ، وأشهب ، وابن المنذر ، والقفال الكبير .
    وحكاه الخطابي ، عن جماعة من أصحاب الحديث، قال ابن حجر ، وغيره وحجّتهم ما تقدّم في الحديث من قوله : « لئلا تحرج أمتي »" اهـ .


    وقدأشار العلاَّمة ابن باز -رحمه الله- إلى أن القول بالجمع بدون عذر أمر محدث .
    قال -رحمه الله-: " أما من جمع بين العشاءين أو الظهر والعصر بغير عذر شرعي فإن ذلك لا يجوز، وعليه أن يعيد الصلاة التي قدمها على وقتها، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- : ((من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)) [أخرجه مسلم في صحيحه] . وأصله في الصحيحين من حديث عائشة -رضي الله عنها- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) .
    مرجع سابق .

    [5]

    صورة من شدَّة منع علماء الحديث للجمع بدون عذر
    1- منع علماء السنة الجمع بعذر المطر في المنزل، وهذا أحد تفريعات المسألة من أنه لا يجوز الجمع بدون عذر، ذلك أن من يصلي في منزله لا يواجه المشقة والحرج الحاصل لمن يذهب إلى المسجد في الطين والأوحال، بل اختار الإمام الألباني زيادة على المنع من الجمع في المنزل بعذر المطر، أن من فاته المغرب مع الإمام في صلاة الجمع، واقتدى بالإمام في صلاة العشاء بنية المغرب، أنه بعد اتمامه صلاة المغرب لا يجوز له أن يجمع لوحده .
    2- وكان من اختياراته الفقهية أيضاً أن الإمام إذا صلى بالجماعة جمعاً، فإنه ينبغي أن يعود في وقت الصلاة الثانية هو والمؤذن فيصليان بمن فاته الجمع، وذهب الشيخ المحدث مقبل -رحمه الله- إلى أبعد من ذلك، فقال أن في الجمع في الحضر بعذر المطر مخالفة لحديث الصلاة في الرحال، ولا دليل عليه، فلم يجعل المطر عذراً شرعياً .
    والجمع في الحضر بعذر المطر مشروع، عليه أدلة متظافرة، بل عليه عمل أهل المدينة .




    [6]
    لقد راجعت رسالة الشيخ المحدث مقبل الوادعي -رحمه الله- في الجمع بين الصلاتين في السفر؛ فوجدته قد تعرَّض لحديث ابن عبَّاس -رضي الله عنهما- ونقل بعض أقوال أهل العلم فيه، مشيراً -حسب اجتهاده- إلى أنه لا يفيد الجمع في الحضر(!) وأن أحاديث المواقيت أحرى أن يُعمل بها إلا في السفر فإنه قد خصص بحديث صريح، أما حديث ابن عباس عنده غير صريح، وهو يرى أن حمله على الجمع الصوري سائغٌ، ونقل طائفة من أقوال الأئمة في حمله على الجمع الصوري، بل وردَّ على تعقب الإمام النووي لهذا الجمع وإبطاله(!) ولكنه أخيراً لم يتيقن من صحَّة الحديث العمدة في إثبات الجمع الصوري وشك أنَّه إدراج من الراوي إذ لم تذكره الروايات الأخرى مع اتحاد المخرج؛ فقال -رحمه الله-: " ولكن الاستدلال برواية النسائي التي ذكرت الجمع الصوري متوقف على جمع الطرق، إذ الرواية في "الصحيح" ليس فها الجمع الصوري مرفوعًا، والمخرج واحد، فيخشى أن يكون أدرجه بعضهم والله أعلم".

    بل وحثَّ بعدها من تأثر من أهل اليمن بتلك النبتة الخبيثة أن يأخذوا بكلام العلماء اليمنيين الذين يقولون بأن ذلك الجمع كان صورياً من أمثال الصنعاني والشوكاني؛ فقال: " فجدير بأسارى القات المضيعين للصلوات الذين يخشى أن يصدق على كثير منهم قوله تعالى: {فخلف من بعدهم خلْف أضاعوا الصّلاة واتّبعوا الشّهوات فسوف يلْقون غيًّا} [46]. وقوله تعالى: {فويل للمصلّين الّذين هم عن صلاتهم ساهون} [47]. جدير بهم أن يستفيدوا من كلام هؤلاء العلماء اليمنيين وأن يصلّوا كل صلاة في وقتها".

    وقيَّد الشيخ ذلك الجمع الصوري بأنه قد فعله النبي صلى الله عليه وسلَّم نادراً، فقال -رحمه الله-: " فالراجح أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فعله في النادر، وعليه فلا بأس بفعله في النادر لا كما يفعل أصحاب القات"اهـ .

    وقد أشكلت عليَّ هذه العبارة، فإن كان الشيخ مقبل -رحمه الله- يرى بالجمع الصوري زال الإشكال، وقد رددنا على ذلك بأن في الحديث إدراج من أبي الشعثاء، وليس في أصل الحديث .
    وإن كان يرى بالجمع في الحضر ويُبطل الجمع الصوري، فما معنى رده على النووي؟
    ثم ما معنى إطالة النقول في إثبات ذلك الجمع؟
    ثم ما معنى حثه على الاستفادة من كلام الشوكاني والصنعاني -وهم من يرون بالجمع الصوري-؟
    وإن سلمنا جدلاً بأنه لا يرى بالجمع الصوري، وأنه يرى بالجمع دون عذر وأنه يقيده بكونه نادراً فإن ذلك مخالف لعلة دفع الحرج وللأدلة التي نقلنا أعلاه في البحث .
    والسيف قد ينبو والجواد قد يكبو . . نسأل الله أن يغفر لنا وأن يتجاوز عنا .

    وإني بهذا قد أحلتك على مليء أخي الفاضل، فلتحفل بذلك، وأسأل الله أن أكون قد استبرئت .
    وأملي أن أؤيد أو أعارض حتى يتضح كلام الشيخ أكثر ويفهم على وجهه ومراده .

    وفي الكلام الذي نقلته عدَّة فوائد؛ منها الرد على من يقول أن الشيخ مقبل يفتي بحلِّ القات(!) فقد رأيتم استنكاره الشديد له .
    هذا بالنسبة لمسألة الشيخ المحدث مقبل الوادعي .


    وعلى أي حال، فلا يثبت عندنا إلا النقل الموثق عن أهل العلم السلفيين، خصوصاً وأن الشيخ مقبلاً -رحمه الله- لا يرى بالجمع في الحضر بعذر المطر، فهو لا يراه عذراً شرعياً، مع أنه يسبب الحرج(!) فكيف -بالله عليك- يسلك هذا المنحى في هذه الجزئية التي هي أحد تفريعات مسألة الجمع بغير عذر، ثم ينقضها من أصلها فتقول على لسانه أنه يرى بجواز الجمع بغير عذر؟!

    أقول: إن قلت استدل بحديث ابن عباس -رضي الله عنه-؛ فهو أحرى أن يأخذ به في مسألة الجمع في المطر، فهو الدليل الرئيسي للجمع في المطر .

    [7]
    وأعود مبيناً الباعث على هذه الكتابة في هذا الوقت، فأقول إن الحافز على ذلك ما رأيته من تبجح للرافضة ذكرته أعلى المقال، بل وما رأيته من بعض المتخاذلين الذين يدَّعون أنهم من أهل السنة فيقولون: لا ندري لماذا ينكر أهل السنة على الشيعة في مسألة الجمع بدون عذر وأحاديث ذلك في صحاحهم! البخاري ومسلم .

    ويصورون أهل السنة في مظهر سيء بأنهم ليس لهم اطلاع على البخاري بله أن يكون لهم ذلك في مسلم .

    وصاحب هذه الدعوى الرئيسي متخاذل يدعى التيجاني، ينسب نفسه لأهل السنة والجماعة! ويدعي أنه من أدخل سنة الجمع بدون عذر إلى تونس، بعد أن أفحمه الرافضة في النجف وأقنعوه بذلك وعلى رأسهم الصدر!

    فجاءت النقول عن الأئمة والسلف بحمد الله وفضله تدك ما اعتلى وبهرج هو ومن قال بقوله من الضلاَّل ممن ذكروا في هذا المقال .

    وإني أحذر من الانخداع بدعوى الرافضة لجهلة أهل السنة بتلك القصص كالتي نُقلت عن التيجاني وغيره، فإن للرافضة أحاديث مكذوبة رواها رواتهم صريحة في أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلَّم- كان يجمع من دون علَّة، وأنه كان يريد أن يريهم أن الوقت واسع .

    ففي أحاديثهم المخترعة ما يدل على ما ذهبوا إليه من الصلاة يومياً يجمعون بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء .
    فأرادوا أن يلبسوا على أهل السنة، وأن يحملوا أحاديث ابن عباس -رضي الله عنهما- ما لا تحتمل، كي يجعلوها موافة لأحاديثهم .

    وأقصى ما تدل عليه أحاديث ابن عباس جواز الجمع في الحضر إذا كان من حرج أحياناً وليس عادةً كما يفعله الروافض .
    هذا ما نُقل عنه -صلى الله عليه وسلَّم- فكان يصلي الصلاة في وقتها إلا من حرج، وما ذهب إليه الروافض إبطال لأحاديث المواقيت التي أجمع عليها الصدر الأول بالنصوص الصريحة واتفق عليها من بعدهم من المسلمين .

    وقد أشار الشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- إلى أن المسلمين قد قاتلوا الروافض بسبب جمعهم من دون عذر .
    كما تقدم نقله .

    وليعلم بأن أوسع الأقوال في هذه المسألة لأهل السنة قول أحمد بجواز الجمع إن كان من حاجة بشرط ألا يتخذ خلقاً وعادة، وهو قول ابن سيرين وأشهب والقفال الكبير وابن المنذر وغيرهم، وعليه يعلم كذب هؤلاء حينما ينقلون بأن من نقلت يرون بجواز الجمع مطلقاً، بل وقد أضافوا إليهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله(!) والذي نقل الإجماع على خلاف ما ذهب إليه شر من وطئ الحصى .

    وقد تناقض أحد هؤلاء الرافضة في بحث طويل كتبه، واعترف بتلبيسه بأن من أهل السنة من يقول بقول الروافض، فاعترف بالحقيقة المرة، فقال: " بعد أن اتضح لنا نقض الشبهة حول الجمع بين الصلاتين وبطلانها، رأينا أن مَن تحرر من تلك الشبهة وردها بأجمعها وأبطلها من أهل السنة – وهم كثيرون قديماً وحديثاً – رأيناهم مع ذلك كله قيدوا الجمع بين الصلاتين بوقت الحاجة فقط، وبعدم اتخاذه عادة . . ." [الجمع بين الصلاتين للبغدادي الرافضي].

    فعجباً لحقيقة يقرها رافضي كذاب يريد أن يلوي أعناق النصوص، ثم ينكرها بعض الأفاضل زعماً منه بأن الجمع بغير عذر مطلقاً قول لأهل السنة! أسأل الله أن يرجع إلى الحق .

    قال الخطابي -رحمه الله-: "الجمع بين الصلاتين لا يكون إلا لعذر" .

    قال الإمام ابن عثيمين -رحمه الله-: " لا يجوز التهاون في الجمع، فيجمع بدون سبب . . . وهذا غلط كبير؛ لأن الجمع بدون سبب محرَّم ولا تقبل به الصلاة المجموعة إلى ما قبلها أو ما بعدها، فمثلاً: لو جمع العشاء إلى المغرب بدون سبب صحت صلاة المغرب ولم تصح صلاة العشاء؛ لأنها صارت قبل وقتها في حال لا يجوز فيه الجمع، وقد قال الله تبارك وتعالى في الكتاب العزيز: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً} [النساء:103] أي: محدودة بوقت، الفجر من كذا إلى كذا، والظهر من كذا إلى كذا، والعصر من كذا إلى كذا، والمغرب من كذا إلى كذا، والعشاء من كذا إلى كذا، محدد، وبين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تلك الأوقات، فمن صلى الصلاة في غير وقتها بغير حجة شرعية فهو آثم، والصلاة التي صليت في غير وقتها باطلة . . . لأن الأصل وجوب فعل الصلاة في وقتها، ولا يجوز العدول عن هذا الأصل إلا بدليل شرعي . . . لا بد من تحقق العذر الذي يبيح الجمع، وإلا أقدم الإنسان على أمرٍ لا يحل له" [اللقاء الشهري 32 للشيخ محمد بن صالح العثيمين].

    وأزيد في ردِّ دعوى الجمع الصوري ما قاله العلاَّمة أحمد شاكر في الحديث الذي استدل به على الجمع الصوري: " إسناده صحيح. أبو الشعثاء هو جابر بن زيد، والحديث رواه الشيخان كما في (نيل الأوطار) ج3/ 266. وهذا الجمع الصوري من تأويل أبي الشعثاء، ولا حجة له فيه"[مسند الإمام أحمد ج3/280، ط دار المعارف بمصر/ رقم الحديث 1918].

    وقال أيضاً -رحمه الله-: " ومنهم من تأوله على تأخير الأولى إلى آخر وقتها فصلاها فيه، فلما فرغ منها دخلت الثانية فصلاها، فصارت صلاته صورة جمع، وهذا أيضاً ضعيف أو باطل، لأنه مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل، وفعلُ ابن عباس الذي ذكرناه حين خطب، واستدلاله بالحديث لتصويب فعله، وتصديق أبي هريرة له، وعدم إنكاره صريح في رد هذا التأويل" [من شرحه لـ (سنن الترمذي) ج1/357 ] .

    والحمد لله .


    [8]

    هذا؛ وقد هاتفت أبا الفضل، محمد بن عمر الأثري، أحد طلبة الشيخ مقبل-رحمه الله-؛ وقد أفادني بأن الشيخ مقبلاً لايرى بالجمع إلا من ضرورة أو سفر، وأنه لا يعلم عنه غير ذلك .
    فبارك الله فيه .

    . . .
    قال يحيى بن معاذ الرازي: " اختلاف الناس كلهم يرجع الى ثلاثة أصول، لكل واحد منها ضد، فمن سقط عنه وقع في ضده: التوحيد ضده الشرك، والسنة ضدها البدعة، والطاعة ضدها المعصية" (الاعتصام للشاطبي 1/91)

  2. #2

    افتراضي

    من أبوصهيب الأثري - مصر السلفية
    السلام عليكم و رحمة الله ....
    كنت قد قرأت النقاش الطيب في سحاب حول الجمع بغير عذر فوجدت فيه بعض الأخطاء من حيث النقل عن الشيخ الوادعي رحمه الله و استشكل الأخ الآجري بعض كلامه فأحببت أن أبينه و أرجو من أحد الإخوة وضع الرابط على سحاب في نفس الصفحة حتى يعم النفع به إما عن طريق
    1- أن ينقل الكلام لكن مع الإحالة على المصدر و يكون منسقاً حتى يتم به النفع و لا تمل منه النفس.
    2- أن يضع الرابط فقط مع توضيح حول الموضوع ....
    و هذا رابط الموضوع على سحاب ((الجمع بغير عذر))
    و أسأل الله أن يجزيه خيراً.
    و الآن مع النقاط:
    1- قال الأخ علي بن محمد ((ناقشت هده المسألة مع احد طلبة العلم ممن كانوا في اليمن وهو ثقة عندي, وحضروا دروساً للإمام الراحل الشيخ مقبل,حيث سمع منه أن شيخ يرى بالجمع بدون عذر استنادا لحديث ابن عباس رضى الله عنهما))
    - أقول أن الشيخ مقبل لا يرى الجمع بغير عذر و أن نسبة هذا الكلام له خطأ ولعل ناقل الكلام التبس عليه و كلنا معرضين للخطأ و الدليل هو أنه سئل سؤال صريح في (( إجابة السائل على أهل المسائل)) عن الذي يجمعون العصر مع الظهر فرد بفتوى طويلة أذكر الأجزاء التي تهمني فيها قال ((هذا تلاعب بالدين سيسأل عنه من سن هذه السنة السيئة )...((فهكذا ينبغي لنا و على كل فهو مطالب أن يصلي كل صلاة في وقتها اللهم إلا إذا كان في وقت السفر ))..((و هكذا في سائر الوقت لمن ليس مسافراً يعني مثلاً في السنة مرة أو في العمر مرة إذا حصل أمر يضايقه فقد جمع النبي صلى الله عليه و سلم بالمدينة من غير خوف و لا مطر قبل لابن عباس ما أراد بذلك قال أراد أن لا يحرج أمته , فينبغي أن نضع كل شيء من الأدلة في موضعه بارك الله فيكم)).
    2- استشكل الأخ الآجري كلام للشيخ الوادعي رحمه الله مشابه لقوله ((في السنة مرة أو في العمر مرة)) حيث يوحي أن الشيخ يرى أنه يجوز الجمع بغير عذر في النادر و أقول أخي رحمك الله و حفظك إنما أراد الشيخ بهذا غير ما فهمته و أدلل على ما أقول من كلام الشيخ ثم أوجه ما يريده الشيخ و تبيين قصده .
    أولاً : هذا يتعارض مع الفتوى السابقة التي جمع فيها الشيخ أنه لا يجيز الجمع بغير عذر إلا إن طرأت الحاجة أو كما عبر عنها بقوله ((حصل أمر يضايقه)) .
    ثانياً: قال الشيخ في ((إجابة السائل على أهم المسائل)) س412 ذكر له حديث بن عباس و سؤال عن صحته و إذا كان صحيحاً لماذا ينهى العلماء عن الجمع بين الصلوات؟
    فأجاب:
    بين كلام أهل العلم على الحديث ثم قال ((و إذا كان مشغولاً شغلاً نادراً أما أن يكون كل يوم و هو مشغول فلا, لا بد أن يصلي كل صلاة في وقتها و لكن لو كان في السنة أو السنتين أو في الشهر, المهم تأتي بعض الأوقات أمور تكون ما يستطيع الشخص أن يتصرف معها)).
    قلت: و هذا صريح أن الشيخ يستدل بالحديث على جواز الجمع للحاجة كما هو كلام بن سيرين رحمه الله و غيره ممن أخذ بقوله و أيضاً كلام الشيخ العثيمين رحمه الله من المعاصرين و الشيخ البسام رحمه الله و غيرهم ممن ذكروا إما في البحث الأصل الذي على سحاب أو ممن لم يذكروا.
    فإذا كان هكذا, فما أراد الشيخ رحمه الله بهذا الكلام...
    قلت: الشيخ رحمه الله يرى أن حتى الجمع للحاجة لا يجوز إلا في النادر بخلاف مثلاً الشيخ العثيمين رحمه الله فانظر كلامه هذا من شرحه لبلوغ المرام الشرح المختصر حيث قال:
    ((من أسباب الجمع أيضا إذا كان هناك شغل يشغل الإنسان بحيث يكون مثلا في دراسة والحصة تكون في وقت الصلاة ويشق عليه أن يدعها ويذهب إلى المسجد أو يبقى يصلي فله أن يجمع وهذا يحتاج إليه الناس في غير هذه البلاد لان هذه البلاد وله الحمد إذا آذن خرج الناس يصلون لكن في بلاد أخرى في بلاد الكفر يكون وقت الدراسة في وقت الصلاة يشق على الطالب أن يذهب ليصلي وربما لا يرخص له فمثل هذا يجوز له الجمع على أن هؤلاء الذين يدرسون لهم الجمع من وجهين الوجه الأول أنهم مسافرون يترخصون برخص السفر والوجه الثاني أن يشق لعيهم مغادرة القاعة من اجل الصلاة والضابط ))الخ كلامه رحمه الله
    نلاحظ من كلام الشيخ شيئين:
    1- تشابه عبارته مع كلام الشيخ الوادعي حيث قال ((إذا كان هناك شغل يشغل الإنسان)) و الشيخ الوادعي قال ((و إذا كان مشغولاً شغلاً نادراً)).
    2- أن الشيخ مقبل رحمه الله قيدها بالشغل النادر (و لعل هذه فهمه من تقيد من قال بهذا من السلف أنه جائز إن لم يتخذه عادة) فهو لا يجيز الجمع في الصورة التي ذكرها الشيخ العثيمين رحمه الله.
    3- أن الشيخ العثيمين رحمه الله يظهر من كلامه أن حتى لو كان الحاجة مستمرة فإنه يجوز له الجمع.
    3- قال الأخ الآجري حفظه الله: ((وأن الشيخ مقبلاً -رحمه الله- لا يرى بالجمع في الحضر بعذر المطر، فهو لا يراه عذراً شرعياً، مع أنه يسبب الحرج)).
    قلت: أخي الكريم قد سئل الشيخ مقبل رحمه الله كما في ((إجابة السائل على أهم المسائل)) س224 بعد أن سأله السائل في السؤال الذي قبله عن الصلاة في المطر في البيت ثم سأله في هذا السؤال قال :
    هل يجمع الصلاة و هو في البيت؟
    فأجاب:
    يصلي كل صلاة في وقتها و يجوز له أن يجمع, و يستدل بحديث بن عباس...(ذكر الحديث) فلو جمع الشخص في عمره مرة أو مرتين أو ثلاثاً أو أربعاً (يريد الشيخ أن لا يكون عادة له و لا يقصد التحديد) أما أن يستمر عليه كما يفعل المخزنون فلا.
    و أما الجمع في المطر فهناك حديث مرسل, لآن المرسل من قسم الضعيف و هو أن النبي صلى الله عليه و على آله و سلم جمع في يوم المطر و يجوز له أن يجمع في المطر لكن لا يتخذه عادة للدليل على أنه يجوز له أن يصلى في بيته حديث ((صلوا في رحالكم)).
    قلت فيفهم من كلام الشيخ :
    1- أنه يدخل المطر من ضمن الحاجات التي تبيح الجمع لكن بالضابط السابق و هو أن يكون نادراً.
    2- أنه يرجح أيضاً جواز الجمع في المطر في البيت و لا يشترط أن يكون في المسجد هذا الذي رجحه الشيخ العثيمين أيضاً كما في الشرح الممتع مع بعض الشروط و التفصيل رحم الله الجميع.
    و السلام عليكم و رحمة الله ..
    كتبه: أبوصهيب عاصم بن علي الأغبري.
    قال يحيى بن معاذ الرازي: " اختلاف الناس كلهم يرجع الى ثلاثة أصول، لكل واحد منها ضد، فمن سقط عنه وقع في ضده: التوحيد ضده الشرك، والسنة ضدها البدعة، والطاعة ضدها المعصية" (الاعتصام للشاطبي 1/91)

  3. شكر أبو صهيب الكوني السلفي يشكركم "جزاك الله خيرًا "
  4. #3

    افتراضي

    نشكر الإخوة في محاولتهم لإثراء النقاش .
    وكذا من نقلوا عنهم .
    وقد استفدت مما نقل الأخ من كلام العلامة الوادعي في إجابة السائل .

    ولكن . .

    بعد أن نقل الأخ عاصم -وفقه الله- عن الشيخ مقبل ثم عن الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- بعض النقولات، رأيته قد استخلص منها بعض نقاط ختم بها تعقبه ظاناً أنه قد دفع دفع بها بعض الإشكالات، ولكنَّ هذه النقاط تحتاج إلى وضع النقاط فوقها حتى تتضح؛ وإلا فإنَّها تحتاج للمراجعة والتعديل .

    أولاً: ينبغي علينا حين البحث في المسائل الفقهية وغيرها، أن ندعمها بالأصول، بل وينبغي أن نفهم كلام أهل العلم على أساسها، حتى لا نقع في سوء الفهم بله التناقض .

    ثانياً: ينبغي على من يريد استخلاص مذهب عالم ما، بشيء من الجزم، فضلاً عن أن يكون مصححاً خطأ آخرين أن يجمع أقوال ذلك العالم وأن يبذل في ذلك جهده، ومن ثم يكون الفهم والاستخلاص .

    وينبغي أن يتهم الإنسان نفسه إذا وصل إلى خلاصة فيها تعارض مع أصول اتفق عليها أهل السنة والجماعة، فإنَّه يبعد من علماء راسخين، من أعمدة الاستقراء أن يخالفوا تلك الأصول العامة .




    --------------------------------------------------------------------------------


    أبدأ الآن في مناقشة أقوال أخينا عاصم -سدده الله- .

    النقطة الأولى: يقر الأخ عاصم في بداية الردّ، أن الشيخ مقبلاً لا يرى بجواز الجمع بغير عذر بحزم وجزم، فيقول رادًا على أخينا محمد: " الشيخ مقبل لا يرى الجمع بغير عذر"، بل وينفي حتى ضابط الندرة، فيقول: " استشكل الأخ الآجري كلام للشيخ الوادعي رحمه الله مشابه لقوله ((في السنة مرة أو في العمر مرة)) حيث يوحي أن الشيخ يرى أنه يجوز الجمع بغير عذر في النادر و أقول أخي رحمك الله و حفظك إنما أراد الشيخ بهذا غير ما فهمته و أدلل على ما أقول من كلام الشيخ ثم أوجه ما يريده الشيخ و تبيين قصده" ، فأول كلام الشيخ في رسالته في أحكام السفر وحمله على كلامه في إجابة السائل، وأغلب تعقيبه حمل لما في رسالة أحكام السفر على الكلام في إجابة السائل، ولا أدري أي أولى بالحمل على الآخر، وعلى أي حال، فإن أثبات أنَّ الشيخ مقبل -رحمه الله- مع أهل السنة وموافق لأصولهم في أن الجمع لا يجوز بغير عذر هو غايتي، ونحن نتفق إلى حدِّ الآن فيما قررته، واستشكالي في محله عند عبارة الشيخ التي نقلت، خصوصاً وأن من تلاميذه من عمل بها وفهمها على ما استشكلت، فجئت أنت وأثبتت العكس، فبارك الله فيك، وهو ما طلبته حين قلتُ: " وأملي أن أؤيد أو أعارض حتى يتضح كلام الشيخ أكثر ويفهم على وجهه ومراده" .

    النقطة الثانية: الغريب أنك أخي العزيز، بعد أن قررت ما قررت أخذت تُناقضه!
    فانظر إلى قولك -رعاك الله-: " قال الأخ الآجري حفظه الله: ((وأن الشيخ مقبلاً -رحمه الله- لا يرى بالجمع في الحضر بعذر المطر، فهو لا يراه عذراً شرعياً، مع أنه يسبب الحرج))" وقولك: " أنه يرجح أيضاً جواز الجمع في المطر في البيت و لا يشترط أن يكون في المسجد هذا الذي رجحه الشيخ العثيمين(!) أيضاً كما في الشرح الممتع مع بعض الشروط و التفصيل رحم الله الجميع" اهـ .

    فهذا أخي العزيز، بالنسبة لأنَّ الشيخ مقبل لا يرى بالجمع في المطر في المساجد فهو ((صريح)) من رسالته في أحكام السفر .
    فالأصل عنده أن الجمع لا يجوز إلا فيما وردت به أحاديث صحيحة، ولا يرى أن الجمع في المطر منها .
    بل يرى أنَّ فيها مخالفة لحديث الصلاة في الرحال .

    فأي حمل لهذا القول على ما في إجابة السائل -بارك الله فيك-؟
    بل فيه تأكيد له، وتأكيد لما استشكلت .
    من أنَّ الشيخ مقبلاً يرى بالصلاة في الرحال حين المطر، لا الجمع في المساجد .
    بل وفيه تأكيدٌ أنه يرى بالجمع بدون عذر أحياناً! وهو ما استغربتُه الآن -ولكنه قد تبين، فبارك الله فيك على نقله- وذلك حين سُئل: " هل يجمع الصلاة و هو في البيت؟
    فأجاب:
    يصلي كل صلاة في وقتها و يجوز له أن يجمع, و يستدل بحديث بن عباس...(ذكر الحديث) فلو جمع الشخص في عمره مرة أو مرتين أو ثلاثاً أو أربعاً (يريد الشيخ أن لا يكون عادة له و لا يقصد التحديد) أما أن يستمر عليه كما يفعل المخزنون فلا".

    فهو صريح في هذا، ذلك أن الجمع بعذر المطر في ((البيت)) هو جمع بدون عذر!
    شاء من شاء، وأبى من أبى .

    واستدل -رحمه الله- على ذلك بحديث ابن عبَّاس، ولما خشي التعميم قال: " فلو جمع الشخص في عمره مرة أو مرتين أو ثلاثاً أو أربعاً أما أن يستمر عليه كما يفعل المخزنون فلا".

    فالمخزنون - أصحاب القات- يجمعون بغير عذر دائماً، أما يفتي به الشيخ مقبل هو الجمع بغير عذر أحياناً .

    ولكن في السؤال استدراكاً يفيد أن كلامه للعموم وليس بخصوص الجمع في المطر في البيت!

    ذلك حين قال: " و أما الجمع في المطر فهناك حديث مرسل, لآن المرسل من قسم الضعيف و هو أن النبي صلى الله عليه و على آله و سلم جمع في يوم المطر و يجوز له أن يجمع في المطر لكن لا يتخذه عادة للدليل على أنه يجوز له أن يصلى في بيته حديث ((صلوا في رحالكم))".

    وذلك يفيد أنه لم يكن يتكلم عن الجمع في المطر فتطرق إليه الآن، ثم أفاد جوازه بعدم اتخاذه عادة، وهو نفس قيد الجمع بدون عذر عنده .
    فأكد ما نقلت عنه من أنَّه لا يرى الجمع في المطرعذراً سائغاً، لذلك جعله جمعاً بدون عذر فقيده بعدم اتخاذه خلقاً أو عادة .

    النقطة الثالثة: من أين لك -وفقك الله- أن الشيخ ابن عثيمين يجوز الجمع في الحضر بعذر المطر في البيت!!!
    أنه مناقض مناقضة شديدة لأصوله وتقريراته .
    فهو جمع بدون سبب أو عذر!

    أقول أخيراً: أصل المسألة أن الجمع في الحضر بغير عذر لا يجوز، هذا ما عليه أهل السنة والجماعة .
    بيد أنه بجوز للحاجة، أما غيرها فلا .
    ذلك وجه الاختلاف بيننا وبين الروافض .
    فاحفظ ذلك .

    واعلم أن الجمع في الحضر بعذر المطر بغير عذر ومن ذلك الجمع في البيت، جمع بدون عذر، فهو فرع للأصل السابق .

    والأصل حمل أقوال وفتاوى أهل العلم السلفيين على ذلك، للإجماع المنقول فيه .

    أما ما أشكل، وأوهم المخالفة فلنتهم أنفسنا فيه لأنه غير صريح .

    وأما ما كان صريحاً فلنعتذر بما اعتذر به شيخ الإسلام في رفع الملام .

    أسأل الله أن يُحسن الختام .
    قال يحيى بن معاذ الرازي: " اختلاف الناس كلهم يرجع الى ثلاثة أصول، لكل واحد منها ضد، فمن سقط عنه وقع في ضده: التوحيد ضده الشرك، والسنة ضدها البدعة، والطاعة ضدها المعصية" (الاعتصام للشاطبي 1/91)

  5. #4
    تاريخ التسجيل
    Jul 2006
    الدولة
    بلاد الحكمة والإيمان
    المشاركات
    1,472
    السلام عليكم و رحمة الله...
    بعد أن وضع الموضوع على سحاب علق الأخ عبدالله الآجري بكلام أوافقه في بعض النقاط و أخالفه و أخالفه في النقاط الأخرى...
    إن شاء الله أضع كلام أخي عبدالله ثم أعلق بما أظن أنه الصواب:
    ((قلت في تعليقك :
    ((أولاً: ينبغي علينا حين البحث في المسائل الفقهية وغيرها، أن ندعمها بالأصول، بل وينبغي أن نفهم كلام أهل العلم على أساسها، حتى لا نقع في سوء الفهم بله التناقض .
    ثانياً:
    ينبغي على من يريد استخلاص مذهب عالم ما، بشيء من الجزم، فضلاً عن أن يكون مصححاً خطأ آخرين أن يجمع أقوال ذلك العالم وأن يبذل في ذلك جهده، ومن ثم يكون الفهم والاستخلاص))

    و هذا طبعاً نقلته هنا للفائدة و لا يشك اثنان في هذا الكلام فالله يعيننا على تطبيقه.

    ثم قلت : ((وينبغي أن يتهم الإنسان نفسه إذا وصل إلى خلاصة فيها تعارض مع أصول اتفق عليها أهل السنة والجماعة، فإنَّه يبعد من علماء راسخين، من أعمدة الاستقراء أن يخالفوا تلك الأصول العامة .))

    نعم هذا صحيح و ما أظن أني فعلت هذا, و هذا ما يجب أن يكون عليه حسن الظن بالعلماء إلا إن ورد له كلام أو نص صريح يكون توجيهه بتكلف شديد فلا مانع أن يقال حينها (( كل يؤخذ من كلامه و يرد إلا صاحب هذا القبر)).

    و الآن مع النقاط:
    1- قلت : النقطة الأولى: ((بل وينفي حتى ضابط الندرة)) .
    أنا لم أنف مطلقاً و لكن قلت أن الشيخ رحمه الله يقيد هذا الندرة أن تكون لحاجة و لا يقول يجوز في النادر و لو لغير حاجة.(هذا فقط توضيح للإخوة و ليس لمن قرأ بقية الكلام هناك)

    2- ثم أقول ليس أنا الذي قلت بل لقد نقلت عن الشيخ في موضعين تقيده لجواز الجمع في النادر للحاجة فمرةً قال ((إذا حصل أمر يضايقه)) و زاد و قال ((قال أراد أن لا يحرج أمته , فينبغي أن نضع كل شيء من الأدلة في موضعه)) فبين أنه يريد هذا التقيد بذكره تعليل بن عباس رضي الله عنهما لما سئل.
    و المرة الثانية قيدها بقوله ((و إذا كان مشغولاً شغلاً نادراً)) و ذكرت كلام الشيخ العثيمين رحمه الله و استخدامه نفس العبارة ما عدا التقيد بالنادر حتى يطمئن القاريء إلى أن هذه الكلمة تفيد ما أريده من أنه يقيدها بالحاجة كما هو حال الشيخ العثيمين رحمه الله.

    3- قلت: (( الغريب أنك أخي العزيز، بعد أن قررت ما قررت أخذت تُناقضه!
    فانظر إلى قولك -رعاك الله-: " قال الأخ الآجري حفظه الله: ((وأن الشيخ مقبلاً -رحمه الله- لا يرى بالجمع في الحضر بعذر المطر، فهو لا يراه عذراً شرعياً، مع أنه يسبب الحرج))" وقولك: " أنه يرجح أيضاً جواز الجمع في المطر في البيت و لا يشترط أن يكون في المسجد)) .
    فهذا أخي العزيز، بالنسبة لأنَّ الشيخ مقبل لا يرى بالجمع في المطر في المساجد ((صريح)) من رسالته في أحكام السفر .
    فالأصل عنده أن الجمع لا يجوز إلا فيما وردت به أحاديث صحيحة، ولا يرى أن الجمع في المطر منها بل يرى أنَّ فيها مخالفة لحديث الصلاة في الرحال .))


    أقول : نعم الشيخ مقبل يرى أن الحديث غير صحيح لكنه يرى دخول عذر المطر ضمن حديث بن عباس رضي الله عنهما و هو أنه يجوز الجمع للحاجة لكن إذا كانت هذه الحاجة متكررة فلا يجوز و كنت أظن أن هذا واضح حيث أجاب ((فكان سؤال السائل عن الجمع في المطر ... فأجاب : ((يصلي كل صلاة في وقتها و يجوز له أن يجمع)) فكيف يفهم كلامه ثم أردفه بذكر الضابط الذي يذهب إليه أنه رغم أن الجمع في المطر جائر للحاجة لدخوله ضمن حديث بن عباس رضي الله عنهما إلا أنه لا يجوز المداومة على الجمع للحاجة و إنما في النادر فقط.

    4- قلت: فأي حمل لهذا القول على ما في إجابة السائل -بارك الله فيك-؟
    بل فيه تأكيد له، وتأكيد لما استشكلت .
    من أنَّ الشيخ مقبلاً يرى بالصلاة في الرحال حين المطر، لا الجمع في المساجد .
    بل وفيه تأكيدٌ أنه يرى بالجمع بدون عذر أحياناً! وهو ما استغربتُه الآن -ولكنه قد تبين، فبارك الله فيك على نقله- وذلك حين سُئل: " هل يجمع الصلاة و هو في البيت؟
    ثم نقلت نص الفتوى ثم قلت: فهو صريح في هذا، ذلك أن الجمع بعذر المطر في ((البيت)) هو جمع بدون عذر!
    شاء من شاء، وأبى من أبى .


    أقول: سبحان الله.. أخي بدأت الكلام على حمل كلام العلماء لما يوافق أصول أهل السنة و الجماعة ما دام أن هناك مجال لهذا, بل أوردت لك كلام للشيخ صريح أنه يقيد جواز الجمع في النادر بالحاجة و أوردت كلام للشيخ العثيمين رحمه الله مشابه له حتى تطمئن نفسك له ثم تعرض عن هذا و تتمسك بكلمة للشيخ أو رأي فقهي و تقول هذا جمع بغير عذر إذا هو يرى هذا قد يكون أخطأ في هذا الجزئية أو أصاب لكن المسألة ليس عنده أصل أن الجمع بغير عذر جائز...

    5- قلت حفظك الله: النقطة الثالثة: من أين لك -وفقك الله- أن الشيخ ابن عثيمين يجوز الجمع في الحضر بعذر المطر في البيت!!!
    أنه مناقض مناقضة شديدة لأصوله وتقريراته .
    فهو جمع بدون سبب أو عذر!
    واعلم أن الجمع في الحضر بعذر المطر بغير عذر ومن ذلك الجمع في البيت، جمع بدون عذر، فهو فرع للأصل السابق .
    والأصل حمل أقوال وفتاوى أهل العلم السلفيين على ذلك، للإجماع المنقول فيه .
    أما ما أشكل، وأوهم المخالفة فلنتهم أنفسنا فيه لأنه غير صريح .

    أقول: سبحان الله... لعلك لم تقرأ كلامي بشكل واضح أنا قلت ((هذا الذي رجحه الشيخ العثيمين أيضاً كما في الشرح الممتع)) و لم أقل أني فهمته من كلامه في شرح البلوغ و لم أنقل كلامه لما سأذكره في النهاية.
    أخي أنا أظن فيك خيراً و سأقول أنك رجعت للشرح الممتع و قرأت كلامه ثم أشكل عليك شيء فعددته ليس بصريح كما هو الحال معي و أنا أقول أن كلام الشيخ العثيمين في الشرح الممتع أصرح من كلام الشيخ مقبل رحمه الله و أطالبكبأن تحكم أي القولين أصرح هذا إن صح كلام الشيخ العثيمين قلت فيه – على ما فيه من التصريح من أن هذا ما يرجحه كما سيرى القاريء- حسب ظني أنك قرأته.
    ((أنه مناقض مناقضة شديدة لأصوله و تقريراته . فهو جمع بدون سبب أو عذر!))
    أما كلام الشيخ مقبل رحمه الله فلم تحمله هذا المحمل الطيب.
    على الأقل قل أن الشيخ يرى هذا الرأي في هذه الجزئية و هي جواز الجمع في البيت دون وجود عذر لكنها ليست قاعدة عنده و قد أخطأ و كذلك الشيخ العثيمين رحمه الله( إن لم يكن هناك خطأ مطبعي) و لكن لا أقول أن الشيخ العثيمين يرى جواز الجمع بغير عذر سواء نادراً أو مطلقاً بل أقول رجح الشيخ رحمه الله المرجوح و جزاه عنا و عن المسلمين خيراً و هو بين الأجر و الأجرين))

    و هذا كلام الشيخ العثيمين رحمه الله كما في الشرح الممتع ص285:
    المتن ((و يجوز الجمع بين الظهرين و بين العشاءين في وقت إحداهما في سفر قصر........ و بين العشاءين لمطر يبل الثياب ووحل, و ريح شديدة باردة, و لو صلى في بيته))
    الشرح:
    قال الشيخ العثيمين رحمه الله:
    (( لو)) هذه إشارة إلى الخلاف تشير إلى أن بعض العلماء قال: إذا ان يمكنه أن يصلى في بيته فإنه لا يجوز أن يجمع لأجل المطر, لأنه يمكنه أن يتحرز عن هذه المشقة بصلاته في البيت, و كذا إذا كان في مسجد طريقه تحت سباط.
    ..... و الصحيح ما ذكره المؤلف: أنه يجوز أن يجمع و لو كان في طريقه إلى المسجد تحت ساباط أو صلى في بيته ))..

    ثم أقول و إن كنت بدأت أشك صراحة في نقل الكتاب فأرجو من لديه طبعة اخرى أن يتأكد بأنه لا يوجد خطأ مطبعي و الطبعة هي طبعة دار الهيثم الجزء الثاني صفحة 285 فإذا لدى أحد من الإخوة طبعة ثانية فليتحقق من النص لأني بدأت أشك أن هناك خطأ مطبعي.
    و إن ظهر أنه خطأ مطبعي فالحمدلله و هذا خير وفق له الشيخ مع استمراري في المحاولة أن أجد للشيخ العثيمين رحمه الله فتوى أو تفصيل في مكان آخر حتى نتأكد من رأيه في المسألة و على العموم هذا لا يؤثر على النقاش السابق إن اتضح أنه خطأ فنقاشنا الرئيسي هو حول كلام الشيخ مقبل رحمه الله...

    فأنا هذا الذي فهمته من كلامه و أنت ذاك ما فهمته و الحمدلله فكلنا متفقين على عدم جوز الجمع لغير عذر.
    وأخيراً لعل من قال هذا القول سواء من المتأخرين أو المتقدمين مع قلتهم قد اغتروا ببعض التصحيفات و النقولات الغير دقيقة كما ذكرته في بداية النقاش فنسأل الله أن يجزيهم خير الجزاء و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.

  6. #5

    افتراضي

    بارك الله في أخينا عاصم . .
    وأقول:

    1- نعم أنت لم تنف ضابط الندرة مطلقاً، وقد فهمت ذلك من أول كلامك، ثم وضحت عدم الإطلاق في النهاية، فاعذرني .

    2-بارك الله فيك على توضيح تقييد كلام الشيخ مقبل -رحمه الله-، ولعلي أقوم بالاطلاع على الفتوى في إجابة السائل، ولكنه ليس عندي الآن، وليتك تقوم -إلى حينها- بنقل الفتوى من الكتاب كاملة بدون اختصار حتى يتم تحقيق أقواله .

    3- بارك الله فيك، نعم هو ما ذكرت، والذي دفعني إلى ذلك الفهم عن الشيخ، اقتصاري على ما في رسالته في أحكام السفر، وكلامه في إجابة السائل -على الرغم من إشكاله- إذا فهم على ضوء الرسالة الأخرى، فهو أقرب إلى فمهك أنت من فهمي أنا، ولكنه مازال مشكلاً .

    لأنَّه قد قال -رحمه الله-: " لا يثبت حديث في الجمع في المطر، وقد جاء حديث مرسل، والمرسل من قسم الضعيف. وأما حديث ابن عباس أنّ النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم جمع في المدينة من غير خوف ولا مطر. فليس بصريح في الجمع في المطر.

    وقد شرع لنا أن نصلي في رحالنا في المطر كما في حديث ابن عباس وابن عمر وغيرهما: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر أن يقول المؤذن في الأذان بدل حي على الصلاة حي على الصلاة: صلوا في رحالكم، صلوا في رحالكم. وفي حديث ابن عمر أنّها تقال بعد الأذان، وحديث ابن عباس متفق عليه، وحديث ابن عمر متفق عليه" اهـ .

    5- نعم ما قمتُ به يخالف الأصول التي قررتُها، وأتراجع عنه، قلا يلزم من القائل بجواز الجمع في البيت لعذر المطر القول بجواز الجمع بدون عذر مطلقاً، فهذه مسألة معروفة عند الفقهاء، بستدلون بأخبار تأولوها على أن الرسول -صلى الله عليه وسلَّم- قد جمع في بيته حال المطر، وهو قول الشافعي في القديم وهو الذي حكاه صاحب المهذب وسائر العراقيين وجماعات من الخراسانيين على قولين .

    وقد نقل النووي حجتهم في المجموع، فقال: " إنَّ بُيُوتَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَتْ مُخْتَلِفَةً؛ فَمِنْهَا مَا هُوَ بِجَنْبِ الْمَسْجِدِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ بِخِلَافِهِ، قَالَ: فَلَعَلَّهُ حِينَ جَمَعَ بِالْمَطَرِ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَيْتِ الْمُلَاصِقِ" انْتَهَى .

    أقول: الأثر الموجود الذي استدلوا به فيه جمع الرسول ببيته مطلاقاً ولا يوجد تقييد بالمطر، فالأثر إن صحَّ؛ فهل كان في المطر؟!

    أقول: هذا الدليل الذي كان به استدلالهم، يتطرق إليه الاحتمال؛ فهو عام، هل كان جمعه -صلى الله عليه وسلَّم- لمطر أو لعذر آخر؟
    وقد يكون في العهد الذي ضاق فيه المسجد النبوي عن المصلين فكانوا يصلُّون في بيوت أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث «الموطأ»، فيصح عندها الجمع لأنَّها تعتبر من المسجد كما نقل ابن عاشور في تفسيره، قال: " لأن البيوت بناها النبي -صلى الله عليه وسلم- تباعاً تبعاً لبناء المسجد" [التحرير والتنوير 11/247]، ونقل أن هذه البيوت كانت قريبة من المسجد، وقد سماها الشارع بالحجرات دون البيوت، لأن البيت كان بيتاً واحداً مقسماً إلى حجرات تسع، قريبة من المسجد، وقد يكون ذلك سبب تراجع الإمام الشافعي عن هذا القول الشاذ في الجديد.

    أما إن كان هذا الجمع في البيت لغير المطر من الأعذار الأخرى والتي تسبب الحرج فهو ما تؤيده النصوص وتتظافر عليه الأدلة .

    وقد تعقب هذا القول -أي قول الشافعي في القديم- صاحب "التلخيص الحبير" [2/184] فقال: " هَذَا يَحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ، وَقَدْ وُجِدَ النَّقْلُ بِخِلَافِهِ، فَفِي الْمُوَطَّأِ عَنْ الثِّقَةِ عِنْدَهُ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَدْخُلُونَ حُجَرَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ وَفَاتِهِ يُصَلُّونَ فِيهَا الْجُمُعَةَ وَكَانَ الْمَسْجِدُ يَضِيقُ عَنْ أَهْلِهِ، وَحُجَرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَتْ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَلَكِنَّ أَبْوَابَهَا شَارِعَةٌ فِي الْمَسْجِدِ "اهـ وقد أكد ذلك القاضي الشوكاني في "النيل" باب الاعتكاف، قال الحافظ ابن حجرفي "الفتح" فقال: " الْحُجَر بُيُوت أَزْوَاج النَّبِيّ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَكَانَتْ لَاصِقَة بِالْمَسْجِدِ، وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيح بِذَلِكَ فِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْن بِلَال عَنْ يَحْيَى سَعِيد عَنْ عَمْرَة عِنْد مُسْلِم وَلَفْظه " فَخَرَجَتْ فِي نِسْوَة بَيْن ظَهْرَانَيْ الْحُجَر فِي الْمَسْجِد فَأَتَى النَّبِيّ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ مَرْكَبه حَتَّى أَتَى إِلَى مُصَلَّاهُ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ . . ." اهـ وفي هذا باب كامل في الصحيح بعنوان: "بَاب مَا جَاءَ فِي بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" فليُرجع إليه .

    وكما سبق فإن الاستدلال بهذا الدليل فيه مخالفة لقاعدتين أصوليتين، وهما: ((الدليل إذا احتمل عدة معان فإنه لا يُحمل على المعنى المشكل))، والثانية أنَّ: ((الدليل إذا تطرَّق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال))، لذلك فإن هذا القول يخالف مذهب المحققين من أهل العلم، ومسلك السلف الصالح في الاستدلال.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: " فظهر بذلك أن الجمع هو لرفع الحرج، فإذا كان في التفريق حرج، جاز الجمع، وهو وقت العذر والحاجة" [من مجموع الفتاوى]‏ .

    ولكن الشيخ مقبل -رحمه الله- لم يكن استدلاله بذلك كله، وإنَّما استدل بحديث ابن عباس -رضي الله عنه- عليه، لذلك فهمت عنه هذا الفهم (!)

    لذلك أقول كلام الشيخ مقبل لا يزال مشكلاً .

    6- أمَّا بالنسبة لكلام الإمام ابن عثيمين -رحمه الله-؛ فما نقلتَه لا تصحيف فيه، ولكنك لم تكمل كلام الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- إلى نهايته! حتى تفهمه على مراده، وربما يكون فيه سقط عندك بعده، والله أعلم .

    فقد قال في الشرح الممتع بعدها مباشرة: " والراجح أنه لا يجوز الجمع في هذه الصور الثلاث، أما في الصورة الثانية فإنه لا يستفيد بهذا الجمع شيئاً، وأما في الصورة الثالثة فلأن المرأة ليست من أهل الجماعة.
    فمراد المؤلف في قوله: «ولو صلّى في بيته، أو في مسجد طريقه تحت ساباط»، إذا كان من أهل الجماعة ويصلّي معهم فلا حرج أن يجمع مع الناس؛ لئلا تفوته صلاة الجماعة" انتهى من الشرح الممتع.

    وخلاصة الموضوع أن لم يتغير شيئ جوهري فيه .
    فالنتائج بقيت كما هي مع تغير طفيف:

    1- الشيخ مقبل -رحمه الله- كلامه مشكل، فقد كان إشكاله يميل إلى فهمي له، ثم إذا بنقولك في إجابة السائل تزيده إشكالاً، ولكنها في الجملة تؤيد فهمك -أنت- له .

    2- الشيخ ابن عثيمين لا يقول مطلقاً بالجمع بدون عذر، ومن ذلك الجمع في الحضر بعذر المطر في المنزل، فهو فرع لهذه المسألة، وقد فهم الإمام ابن عثيمين كلام صاحب الزاد الموهم بذلك على ضوء تقريرات الحنابلة وأصولهم في المسألة، فقال: " فمراد المؤلف في قوله: «ولو صلّى في بيته، أو في مسجد طريقه تحت ساباط»، إذا كان من أهل الجماعة ويصلّي معهم فلا حرج أن يجمع مع الناس؛ لئلا تفوته صلاة الجماعة" اهـ .

    3- الجمع يجوز للحاجة، بشرط ألا يُتخذ خلقاً أو عادة .

    وفقك الله أخي الفاضل .
    وبارك فيك على مداخلتك الطيبة .
    قال يحيى بن معاذ الرازي: " اختلاف الناس كلهم يرجع الى ثلاثة أصول، لكل واحد منها ضد، فمن سقط عنه وقع في ضده: التوحيد ضده الشرك، والسنة ضدها البدعة، والطاعة ضدها المعصية" (الاعتصام للشاطبي 1/91)

  7. #6

    افتراضي

    وهذا كلام الإمام ابن عثيمين في الشرح الممتع كاملاً: "

    قوله: «ولو صلى في بيته أو في مسجد طريقه تحت ساباط» يعني: يجوز الجمع بين العشائين للمطر، ولو صلى في بيته أو في مسجد طريقه تحت سقف.
    و«لو» هذه إشارة خلاف تشير إلى أن بعض العلماء قال: إذا كان يصلّي في بيته فإنه لا يجوز أن يجمع لأجل المطر، وكذا إذا كان المسجد طريقه تحت ساباط.
    والساباط: السقف أي: لو أن الشارع أو السوق الذي يؤدي إلى المسجد طريقه مسقوف بساباط، فإنه لا يجوز له أن يجمع لأنه لا مشقة عليه في الذهاب إلى المسجد.
    والراجح أنه يجوز أن يجمع ولو كان طريقه إلى المسجد تحت ساباط لأنه يستفيد الصلاة مع الجماعة. وأما الصلاة في البيت فلها صور:
    الأولى: أن يكون معذوراً بترك الجماعة لمرض أو مطر ونحوهما. فظاهر كلام المؤلف: أنه يجوز له الجمع.
    الثانية: أن يصلي في بيته بلا عذر وظاهر كلام المؤلف أنها كالأولى.
    الثالثة: أن لا يكون يدعو مدعواً لحضور الجماعة كالأنثى فيحتمل أن يكون كلام المؤلف شاملاً لها ويحتمل أن لا يكون شاملاً لها فلا تجمع لأنها ليست من أهل الجماعة.
    والراجح أنه لا يجوز الجمع في هذه الصور الثلاث، أما في الصورة الثانية فإنه لا يستفيد بهذا الجمع شيئاً، وأما في الصورة الثالثة فلأن المرأة ليست من أهل الجماعة.
    فمراد المؤلف في قوله: «ولو صلّى في بيته، أو في مسجد طريقه تحت ساباط»، إذا كان من أهل الجماعة ويصلّي معهم فلا حرج أن يجمع مع الناس؛ لئلا تفوته صلاة الجماعة" اهـ .


    وقولك أن من قال بهذا القول من أهل العلم قد اغتر بتصحيفات ونقولات غير دقيقة، لا أتفق معك فيه، فقد بينت سابقاً أدلة من قال به وهو حديث الحجرات وجمعه فيها .

    وفق الله الجميع إلى ما فيه رضاه .
    قال يحيى بن معاذ الرازي: " اختلاف الناس كلهم يرجع الى ثلاثة أصول، لكل واحد منها ضد، فمن سقط عنه وقع في ضده: التوحيد ضده الشرك، والسنة ضدها البدعة، والطاعة ضدها المعصية" (الاعتصام للشاطبي 1/91)

  8. #7
    تاريخ التسجيل
    Jul 2006
    الدولة
    بلاد الحكمة والإيمان
    المشاركات
    1,472
    و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته...
    بارك الله فيك أخي عبدالله.
    1- ما أدري ايش اسم الطبعة التي تنقل منها لأن صراحة في الطبعة التي معي(هو داربن الهيثم) لم يذكر هذا الكلام و إنما اشترط أن يكون من أهل الجماعة كما أشرت إلى ذلك بقول (إلا أنه اشترط بعض الشروط) في أول تعليق..
    2- قلت: أما أن كلام الشيخ مقبل رحمه الله مشكل فأنا أقول نعم هو كذلك عندي إلا أني أرى أن ما قلته أقرب و لا أنفي أنه مشكل.
    3- قولك ((وقولك أن من قال بهذا القول من أهل العلم قد اغتر بتصحيفات ونقولات غير دقيقة،......))
    أنا قصدت بهذا من فهم أن هناك قول لأهل السنة بجواز الجمع بغير عذر و لذلك أحلت على ما كنتَ رددتَ بهِ في أول النقاش جزاك الله خيراً.
    و لا أقصد الجمع في البيت في المطر و أنا كنت وقفت على هذا الحديث في مسألة الحجرات و أذكر أني دونت كلام لأهل العلم فيه إن شاء الله أنقله إذا تيسر.


  9. #8

    افتراضي

    انتهت المسألة إذاً وأُغلقت . . فقد اتفق الطرفان على النتائج .
    آتيك بالطبعة قريباً . . فهي بعيدة عني الآن .

    1- الشيخ مقبل -رحمه الله- كلامه مشكل، فقد كان إشكاله يميل إلى فهمي له، ثم إذا بنقولك في إجابة السائل تزيده إشكالاً، ولكنها في الجملة تؤيد فهمك -أنت- له .

    2- الشيخ ابن عثيمين لا يقول مطلقاً بالجمع بدون عذر، ومن ذلك الجمع في الحضر بعذر المطر في المنزل، فهو فرع لهذه المسألة، وقد فهم الإمام ابن عثيمين كلام صاحب الزاد الموهم بذلك على ضوء تقريرات الحنابلة وأصولهم في المسألة، فقال: " فمراد المؤلف في قوله: «ولو صلّى في بيته، أو في مسجد طريقه تحت ساباط»، إذا كان من أهل الجماعة ويصلّي معهم فلا حرج أن يجمع مع الناس؛ لئلا تفوته صلاة الجماعة" اهـ .

    3- الجمع يجوز للحاجة، بشرط ألا يُتخذ خلقاً أو عادة .
    وفق الله الجميع إلى ما فيه رضاه .
    قال يحيى بن معاذ الرازي: " اختلاف الناس كلهم يرجع الى ثلاثة أصول، لكل واحد منها ضد، فمن سقط عنه وقع في ضده: التوحيد ضده الشرك، والسنة ضدها البدعة، والطاعة ضدها المعصية" (الاعتصام للشاطبي 1/91)

  10. #9

    افتراضي

    بالنسبة للطبعة التي نقلت منها أنت أخي فهي ليست معتمدة .
    وينبغي تحري الطبعات المعتمدة من كتب الشيخ -رحمه الله- لا غيرها .

    فانظر كيف أدى ذلك السقط الذي وقت لأصحاب التسرع والمادة، فجعلوك أخي تنسب إلى الشيخ -رحمه الله- ما لا يقول به .

    وكذا حصل مع أخينا معاذ الشمري حينما اكتشف تحريفاً لكلامه في الواسطية في مسألة من مسائل العقيدة .

    لذلك، أهيب بإخواننا أن يقاطعوا هذه الطبعات، وألا يستنبطوا منها كلام الشيخ فهي غير مأمونة .

    والبديل يسير لهم، فخيرية الإمام ابن عثيمين -بارك الله فيهم- قد وضعوا كتب الشيخ المعتمدة في موقعه، والشرح الممتع منها .
    وهو الذي نقلت منه الكلام الكامل الذي لا سقط فيه .

    ومن أراد أن يشتري طبعة ورقية لا بد، فعليه بطبعة ابن الجوزي، فهي المعتمدة من كتاب الشرح الممتع .
    قال يحيى بن معاذ الرازي: " اختلاف الناس كلهم يرجع الى ثلاثة أصول، لكل واحد منها ضد، فمن سقط عنه وقع في ضده: التوحيد ضده الشرك، والسنة ضدها البدعة، والطاعة ضدها المعصية" (الاعتصام للشاطبي 1/91)

  11. #10
    ابو النصر غير متواجد حالياً نرجو من العضو أن يراسل الإدارة لتغيير الاسم وفق النظام
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    28

    بارك الله فيك

    احمد الله اني تعرفت لهدا المنتدى فاهله صالحون

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •