حثُّ الأحبةِ على الاستغفارِ و التوبةِ [4]

الحمد لله و صلى الله على محمد رسول الله و على آله و صحبه و من اهتدى بهداه.
أما بعد، فهذا جزء آخر من موضوع "حث الأحبة على الاستغفار و التوبة"، نفعنا الله به.
زمنُ قبولِ التوبةِ وَ انتهائِه
أمر الله تعالى و حث على المسارعة إلى فعل الخيرات في كتابه، من عدة وجوه.
فقد أثنى على بعض أنبيائه فقال {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء 90].
و أثنى على عباده المؤمنين فقال {أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون 61].
و أثنى على المؤمنين من أهل الكتاب و وصفهم بالصلاح فقال {يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران 114].
روى مسلم في صحيحه و غيره عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا".
قال المباركفوري رحمه الله في تحفة الأحوذي (6/441) : "قوله : (بادروا) أي : سابقوا و سارعوا (بالأعمال)، أي : بالاشتغال بالأعمال الصالحة".
و من جملة الأعمال الصالحة : التوبة و الاستغفار.
فالمطلوب من العبد أن يسارع إلى استغفار ربه و التوبة إليه، و هذا قد جاء الحث عليه خاصة في كتاب الله حيث قال الله تعالى {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران 133].
إلا أن النفس البشرية قد تضعف، و تذهل و تنسى، و يوسوس لها الشيطان، إلى غير ذلك من المعوقات و الملهيات عن التوبة، فيتأخر العبد عن التوبة و يرجئها عن وقتها و هذا خطر عظيم.
لكن ينبغي أن يتفطن المذنب و يتدارك قبل فوات الأوان، و فوات الأوان يكون بانتهاء زمن التوبة.
و ينتهي زمن التوبة بثلاثة أمور :
1 _ الموت.
فإذا حل الأجل على الإنسان فإنه لا تقبل منه التوبة، قال الله تعالى {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء 18].
و قال تعالى {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَٰئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء 17].
قال العلامة السعدي رحمه الله في تفسيره (ص 153) : "{ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ} يحتمل أن يكون المعنى : ثم يتوبون قبل معاينة الموت، فإن الله يقبل توبة العبد إذا تاب قبل معاينة الموت و العذاب قطعا، و أما بعد حضور الموت، فلا يقبل من العاصين توبة، و لا من الكفار رجوع".
روى ابن حبان و ابن ماجه و الترمذي عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال : "إن الله تبارك وتعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" حسنه الألباني رحمه الله في صحيح الجامع (1903).
2 _ حلول العذاب.
فإذا حل العذاب فلا تقبل التوبة، قال الله تعالى {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (85)} [غافر].
قال القرطبي رحمه الله في الجامع لأحكام القرآن (18/386) : "{فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} أي : عاينوا العذاب".
قال ابن جرير الطبري رحمه الله في جامع البيان عن تأويل آي القرآن (7/ 225) : " {بَأْسَنَا} يعني عقاب الله الذي وعدتهم رسلهم قد حل بهم".
و قال تعالى {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91)} [يونس].
قال ابن جرير الطبري رحمه الله في جامع البيان عن تأويل آي القرآن (12/ 27 : "{آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} يقول تعالى ذكره معرفا فرعون قبح صنيعه أيام حياته، و إساءته إلى نفسه أيام صحته، بتماديه و معصيته ربه، حين فزع إليه حغال حلول سخطه به، و نزول عقابه به، مستجيرا من عذابه الواقع به، لما ناداه و علته أمواج البحر، و غشيته كرب الموت".
3 _ طلوع الشمس من مغربها.
قال الله تعالى {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ} [الأنعام 158].
و روى أبو داود عن معاوية بن أبي سفيان قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها" صححه الألباني رحمه الله في صحيح الجامع (7469).
روى مسلم عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال : "إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها ".
روى الترمذي عن صفوان بن عسال عن النبي صلى الله عليه وسلم : "المرء مع من أحب يوم القيامة"، فما زال يحدثنا حتى ذكر بابا من قبل المغرب مسيرة عرضه، أو يسير الراكب في عرضه أربعين أو سبعين عاما، قال سفيان : قبل الشام خلقه الله يوم خلق السموات والأرض مفتوحا -يعني للتوبة- لا يغلق حتى تطلع الشمس منه. صححه الألباني رحمه الله في صحيح الترغيب و الترهيب (85).
و لمسلم عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها، تاب الله عليه".
أسأل الله أن يوفقنا للتوبة النصوح، و أن يغفر لنا ذنوبنا إنه غفور رحيم.
و صلى الله و سلم على نبيه محمد و على آله وصحبه.
يوسف صفصاف

04 جمادى الآخر 1436
الموافق لـ 25 مارس 2015