إعـــــــلان

تقليص
1 من 3 < >

تحميل التطبيق الرسمي لموسوعة الآجري

2 من 3 < >

الإبلاغ عن مشكلة في المنتدى

تساعدنا البلاغات الواردة من الأعضاء على منتدى الآجري في تحديد المشكلات وإصلاحها في حالة توقف شيء ما عن العمل بشكل صحيح.
ونحن نقدّر الوقت الذي تستغرقه لتزويدنا بالمعلومات عبر مراسلتنا على بريد الموقع ajurryadmin@gmail.com
3 من 3 < >

فهرسة جميع الشروح المتوفرة على شبكة الإمام الآجري [مبوبة على حسب الفنون] أدخل يا طالب العلم وانهل من مكتبتك العلمية

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه - وعلى آله ومن ولاه وبعد :

فرغبة منا في تيسير العلم واشاعته بين طلابه سعينا لتوفير جميع المتون وشروحها المهمة لتكوين طلبة العلم ، وقد قطعنا شوطا لابأس به في ذلك ولله الحمد والمنة وحده ، إلا أنه إلى الآن يعاني بعض الأعضاء والزوار من بعض الصعوبات في الوصول للشروح والمتون المرادة لتداخل الشروح أو لقلة الخبرة التقنية .

من أجل هذا وذاك جاء هذا الموضوع ليكون موضوعا مرجعا جامعا مرتبا بإذن الله لكل المواد العلمية الموضوعة حاليا في شبكتنا ومرتبا على حسب أبواب الفنون العلمية (العقيدة، الفقه، الحديث،...)وسنحاول أيضا ترتيبها على مستويات الطلب (المبتدئ ، المتوسط ، المنتهي) سيتم تحديثه تبعا بعد إضافة أي شرح جديد .

من هـــــــــــنا
شاهد أكثر
شاهد أقل

الســـــبيلُ المرشــــِـــد لمعرفةِ حُكمِ مكثِ الُجنبِ والحائضِ في المســجِـد

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الســـــبيلُ المرشــــِـــد لمعرفةِ حُكمِ مكثِ الُجنبِ والحائضِ في المســجِـد


    الســـــبيلُ المرشــــِـــد
    لمعرفةِ حُكمِ مكثِ الُجنبِ والحائضِ في المســجِـد


    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدِّين؛ أما بعد:

    فإنَّ مسألة "مكث الجُنب والحائض في المسجد" من المسائل التي اختلفت فيها مذاهب أهل العلم من لدن الصحابة وإلى عصرنا هذا؛ وإليك تفصيل هذه الأقوال:

    أقوال أهل العلم في هذه المسألة:
    قال الفقيه ابن رشد رحمه الله تعالى [بداية المجتهد 1/35]: ((اختلف العلماء في دخول المسجد للجنب على ثلاثة أقوال:
    - فقوم منعوا ذلك بإطلاق وهو مذهب مالك وأصحابه.
    - وقوم منعوا ذلك إلا لعابر فيه، لا مقيم ومنهم الشافعي.
    - وقوم أباحوا ذلك للجميع ومنهم داود وأصحابه فيما أحسب)).
    وزاد شيخ الإسلام رحمه الله تعالى قولاً رابعاً فقال [المجموع 26/178]:
    ((ولهذا ذهب أكثر العلماء كالشافعي وأحمد وغيرهما إلى: الفرق بين المرور واللبث جمعاً بين الاحاديث.
    ومنهم من: منعها من اللبث والمرور كأبي حنيفة ومالك.
    ومنهم من: لم يحرم المسجد عليها، وقد يستدلون على ذلك بقوله تعالى: "ولا جنبا إلا عابري سبيل".
    - وأباح أحمد وغيره اللبث لمن يتوضأ؛ لما رواه هو وغيره عن عطاء بن يسار قال: رأيت رجالاً من أصحاب رسول الله يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤوا وضوء الصلاة)).
    وذكر الإمام البغوي رحمه الله تعالى ما ذكره شيخ الإسلام عن الإمام أحمد وغيره ولم يقيده بـ "لمن يتوضأ" فقال في [شرح السنة 2 /46]: ((وجوَّز أحمد والمزني: المكث فيه، وضعَّف أحمد الحديث – [يقصد: حديث "وجِّهوا هذه البيوت عن المسجد؛ فإني لا أحلُّ المسجد لحائض ولا جنب"] - لأنَّ راويه "أفلت" مجهول، وتأوَّل الآية على أنَّ "عابري السبيل" هم: المسافرون تصيبهم الجنابة فيتيممون ويصلون؛ وقد رُوي ذلك عن ابن عباس)).

    سبب الاختلاف في هذه المسألة:
    أما سبب اختلاف أهل العلم في ذلك؛ فيلخصه لنا ابن رشد [بداية المجتهد 1/35] فيقول:
    ((وسبب اختلاف الشافعي وأهل الظاهر: هو تردد قوله تبارك وتعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى" الآية:
    بين أن يكون في الآية مجاز حتى يكون هناك محذوف مقدر وهو: موضع الصلاة، أي: لا تقربوا موضع الصلاة، ويكون عابر السبيل استثناء من النهي عن قرب موضع الصلاة.
    وبين ألا يكون هنالك محذوف أصلاً وتكون الآية على حقيقتها، ويكون عابر السبيل هو: المسافر الذي عدم الماء وهو جنب. فمن رأى أنَّ في الآية محذوفاً: أجاز المرور للجنب في المسجد، ومن لم يرَ ذلك لم يكن عنده في الآية دليل على منع الجنب الإقامة في المسجد.
    وأما من منع العبور في المسجد: فلا أعلم له دليلاً إلا ظاهر ما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: "ولا أحل المسجد لجنب ولا حائض" وهو ثابت ثم [لعله: عند] أهل الحديث؛ واختلافهم في الحائض في هذا المعنى: هو اختلافهم في الجنب)).

    عرض أدلة المختلفين:
    عرفنا أنَّ ما ذكره الفقيه ابن رشد هو مختصر لسبب الاختلاف؛ وإلا فإنَّ للمختلفين أدلة أُخرى لم يتطرق إليها بالذكر؛ وإليك بيان أدلة الأقوال:
    * اختلافهم في قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ، وَلا جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا، وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً؛ فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً)) النساء/43.

    قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى [الصواعق المرسلة 1/208]: ((وتنازعوا – يقصد: الصحابة- في تأويل قوله: "ولا جنباً إلا عابري سبيل" النساء/43؛ هل هو المسافر يصلي بالتيمم مع الجنابة؟ أو المجتاز بمواضع الصلاة كالمساجد وهو جنب؟)).
    وقال الإمام الطبري رحمه الله تعالى في [جامع البيان 5/97-100]: ((اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضهم معنى ذلك: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوها جنباً إلا عابري سبيل؛ يعني: إلا أن تكونوا مجتازي طريق؛ أي: مسافرين حتى تغتسلوا؛ – [ثم ذكر من قال بهذا القول]–
    ثم قال: وقال آخرون معنى ذلك: لا تقربوا المصلَّى للصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا تقربوه جنباً حتى تغتسلوا إلا عابري سبيل؛ يعني: إلا مجتازين فيه للخروج منه؛ فقال أهل هذه المقالة: أُقيمت الصلاة مقام المصلَّى والمسجد إذ كانت صلاة المسلمين في مساجدهم أيامئذ لا يتخلفون عن التجميع فيها، فكان في النهي عن أن يقربوا الصلاة كفاية عن ذكر المساجد والمصلى الذي يصلون فيه ـ [ثم ذكر من قال بهذا القول؛ ورجحه] -)).
    وقال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في [الجامع لأحكام القرآن 5/202]: ((اختلف العلماء في المراد بالصلاة هنا؟ فقالت طائفة: هي العبادة المعروفة نفسها وهو قول أبي حنيفة؛ ولذلك قال: "حتى تعلموا ما تقولون"، وقالت طائفة: المراد مواضع الصلاة وهو قول الشافعي؛ وقد قال تعالى: "لهدِّمت صوامع وبيع وصلوات" فسمى مواضع الصلاة: صلاة؛ ويدل على هذا التأويل: قوله تعالى: "ولا جنباً إلا عابري سبيل" وهذا يقتضي جواز العبور للجنب في المسجد لا الصلاة فيه، وقال أبو حنيفة: المراد بقوله تعالى: "ولا جنباً إلا عابري سبيل" المسافر إذا لم يجد الماء فإنه يتيمم ويصلي؛ وسيأتي بيانه، وقالت طائفة: المراد الموضع والصلاة معاً؛ لأنهم كانوا حينئذ لا يأتون المسجد إلا للصلاة ولا يصلون إلا مجتمعين فكانا متلازمين)).

    من كلام الأئمة يتبين لنا؛ أنَّ المراد بـ ((الصلاة)) في الآية الكريمة:
    * إما العبادة المعروفة نفسها.
    * وإما مواضع الصلاة؛ كالمسجد والمصلَّى.
    * وإما كلاهما.
    وقد ضعَّفَ شيخ الإسلام رحمه الله تعالى القولين الأولين ثم رجَّح الأخير، ووجَّه الأول؛ حيث قال [شرح العمدة 1/388-392]:
    ((وقد احتج أصحابنا على هذه المسألة بقوله: "لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنباً إلا عابري سبيل" لأنَّ ابن مسعود وابن عباس وغيرهما فسروا ذلك: بعبور الجنب في المسجد؛ قال جماعة من أصحابنا وغيرهم يكون المراد بالصلاة: مواضع الصلاة؛ كما قال تعالى: "لهدِّمت صوامع وبيع وصلوات".
    وقد فسرها آخرون: بأنَّ المسافر إذا لم يجد الماء تيمم؛ لأنَّ الصلاة هي الأفعال أنفسها؛ القول على ظاهره ضعيف:
    - لأنَّ المسافر قد ذُكِرَ في تمام الآية، فيكون تكريراً!!.
    - ولأن المسافر لا تجوز له صلاة مع الجنابة إلا في حال عدم الماء؛ وليس في قوله: "إلا عابري سبيل" معترض كذلك.
    - ولأنه كما تجوز الصلاة مع الجنابة للمسافر؛ فكذلك للمريض، ولم يستثن كما استثني المسافر؛ فلو قصد ذلك لبين كما بين في آخر الآية المريض والمسافر إذا لم يجد الماء.
    - ولأنَّ في حمل الآية على ذلك: لزوم التخصيص في قوله تعالى: "عابري سبيل" ويكون المخصوص أكثر من الباقي؛ فإنَّ واجد الماء أكثر من عادمه، ولقوله: "ولا جنباً" لاستثناء المريض أيضاً.
    - وفيه تخصيص أحد السببين بالذكر مع استوائهما في الحكم.
    - ولأنَّ عبور السبيل حقيقته: المرور والاجتياز، والمسافر: قد يكون لابثاً وماشياً؛ فلو أريد المسافر لقيل: "إلا من سبيل" كما في الآيات التي عني بها المسافرين.
    والتوجيه المذكور عن أصحابنا على ظاهره ضعيف أيضاً:
    - لِما تقدَّم من أنَّ الآية نزلت في: قوم صلَّوا بعد شرب الخمر؛ ولم يكن ذلك في المسجد!!، وإنما كان في بيت رجل من الأنصار.
    - ولأنه جوَّز القربان للمريض والمسافر إذا عُدِمَ الماء بشرط التيمم، وهذا لا يكون في المساجد غالباً.
    وإنما الوجه في ذلك:
    أن تكون الآية عامة في قربان الصلاة ومواضعها: واستثنى من ذلك عبور السبيل، وإنما يكون في موضعها خاصة؛ وهذا إنما فيه حمل اللفظ على حقيقته ومجازه؛ وذلك جائز عندنا على الصحيح؛ وعلى هذا فتكون الآية: دالة على منع اللبث.
    أو تكون الصلاة هي الأفعال: ويكون قوله: "إلا عابري سبيل" الاستثناء منقطعاً، ويدل ذلك على منع اللبث؛ لأنَّ تخصيص العبور بالذكر: يوجب اختصاصه بالحكم، ولأنه مستثنى من كلام في حكم النفي كأنه قال: لا تقربوا الصلاة ولا مواضعها إلا عابري سبيل)).
    وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى في تفسيره [1/468]: ((وفي القول الأوّل قوّة: من جهة كون الصلاة فيه باقية على معناها الحقيقي، وضعف: من جهة ما في حمل عابر السبيل على المسافر، وإنَّ معناه: أنه يقرب الصلاة عند عدم الماء بالتيمم؛ فإنَّ هذا الحكم يكون في الحاضر إذا عدم الماء كما يكون في المسافر!!.
    وفي القول الثاني قوّة: من جهة عدم التكلف في معنى قوله: "إلا عابري سبيل"، وضعف: من جهة حمل الصلاة على مواضعها!!.
    وبالجملة؛ فالحال الأولى أعني قوله: "وأنتم سكارى" : تقوّي بقاء الصلاة على معناها الحقيقي من دون تقدير مضاف، وكذلك ما سيأتي من سبب نزول الآية يقوّي ذلك. وقوله: "إلا عابري سبيل" يقوّي تقدير المضاف؛ أي: لا تقربوا مواضع الصلاة.
    ويمكن أن يقال: إنَّ بعض قيود النهي أعني: «لا تقربوا» وهو قوله: "وأنتم سكارى" يدل على أنَّ المراد بالصلاة: معناها الحقيقي، وبعض قيود النهي وهو قوله: "إلا عابري سبيل" يدل على أنَّ المراد: مواضع الصلاة، ولا مانع من اعتبار كل واحد منهما مع قيده الدالّ عليه، ويكون ذلك بمنزلة نهيين مقيد كل واحد منهما بقيد؛ وهما: لا تقربوا الصلاة التي هي ذات الأذكار والأركان وأنتم سكارى، ولا تقربوا مواضع الصلاة حال كونكم جنباً إلا حال عبوركم في المسجد من جانب إلى جانب، وغاية ما يقال في هذا أنه من الجمع بين الحقيقة، والمجاز، وهو جائز بتأويل مشهور)).
    وحمل اللفظ على الحقيقة والمجاز جمعاً؛ فيه خلاف، ولهذا قال الآلوسي عند تفسيره هذه الآية: ((وروي عن الشافعي رضي الله تعالى عنه: أنه حمل الصلاة على الهيئة المخصوصة، وعلى مواضعها؛ مراعاة للقولين، وفي الكلام حينئذٍ الجمع بين الحقيقة والمجاز!!، ونحن لا نقول به)).
    أقول: كما ترى أيها القارئ الكريم أنَّ الخلاف في تفسير المراد بـ ((الصلاة)) في الآية خلاف شديد؛ وترجيح أحد الأقوال من الصعوبة بمكان؛ لكن الذي تطمئن إليه النَّفس – والله تعالى أعلم بمراده - : هو أنَّ المراد بـ ((الصلاة)) العبادة المعروفة نفسها.
    أما ما ذكره شيخ الإسلام والشوكاني في تضعيف هذا القول فيمكن دفعه بما نقله المفسِّر العلامة الآلوسي في تفسيره لهذه الآية [5/39] حيث قال في دفع شبهة التكرير والإختصاص: ((والاقتصار فيما قبل على استثناء السفر مع مشاركة الباقي له في حكم الترخيص: للإشعار بأنه العذر الغالب المبني على الضرورة، الذي يدور عليها أمر الرخصة.
    ولهذا قيل: المراد بـ(غير عابري سبيل): غير معذورين بعذر شرعي؛ إما بطريق الكناية أو بإيماء النص ودلالته، وبهذا يندفع الإيراد السابق على الحصر، وإنما لم يقل: إلا عابري سبيل أو مرضى - فاقدي الماء حساً أو حكماً - لِما أنَّ ما في النظم الكريم أبلغ وأوكد منه؛ لما فيه من الإجمال والتفصيل، ومعرفة تفاضل العقول والأفهام ... ثم قال:
    وإيراد المسافر صريحاً مع سبق ذكره بطريق الاستثناء: لبناء الحكم الشرعي عليه وبيان كيفيته؛ فإنَّ الاستثناء ـ كما أشار إليه شيخ الإسلام ـ بمعزل من الدلالة على ثبوته فضلاً عن الدلالة على كيفيته.
    وقيل: ذكر السفر هنا لإلحاق المرض به والتسوية بينه وبينه؛ بإلحاق الواجد بالفاقد بجامع العجز عن الاستعمال)).
    والمقصود: أنَّ في الآية نهي المؤمنين عن قربان الصلاة وهم سكارى؛ وعن قربانها وهم جُنب غير مسافرين - لأنَّ السفر هو العذر الغالب المبني على الضرورة عند عدم الماء؛ أما ما سواه فمبنية على العذر الوارد في الشرع - حتى يغتسلوا، ثم بَيَّنت الآية حكم مَنْ فقد الماء (وهو المسافر غالباً) وضمَّت إليه مَنْ عجز عن استعماله مع وجوده (وهو المريض)؛ فليس في الآية تكرير: فالأول استثناء المسافر من الجُنب لبيان أنَّ السفر هو العذر الغالب على فقد الماء؛ ولا نحتاج أن نقيده بقيد ((عدم الماء)) لأنَّه لم يُذكر هنا لبيان حكم المسافر إذا كان جُنب ولم يجد الماء، وكيف يصنع؟؛ وإنَّما هذا الحكم مأخوذ من تكملة الآية؛ وقد تكرر فيها حال المسافر لبيان ذلك؛ والله تعالى أعلم.

    ومما يقوي هذا الفهم من الآية الكريمة: ما ورد في سبب نزولها؛ وإليك ذلك:
    * سبب نزول قوله تعالى: ((وَلا جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا)):
    قال ابن جرير الطبري [تفسيره 5/97-99]: ((حدثنا ابن حميد: قال ثنا هارون بن المغيرة عن عنبسة عن ابن أبي ليلى عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبد الله عن علي رضي الله عنه قال: نزلت في السفر؛ "ولا جنباً إلا عابري سبيل" وعابر السبيل: المسافر إذا لم يجد ماء تيمم، ...
    حدثني المثنى قال ثنا أبو صالح قال ثني الليث قال ثني يزيد بن أبي حبيب عن قول الله: "ولا جنباً إلا عابري سبيل" أنَّ رجالاً من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد تصيبهم جنابة ولا ماء عندهم، فيريدون الماء ولا يجدون ممراً إلا في المسجد؛ فأنزل الله تبارك وتعالى: "ولا جنباً إلا عابري سبيل")).
    فهذان سببان في نزول الآية:
    1- في السفر؛ وعابر السبيل: هو المسافر إذا لم يجد ماءً تيمم وصلَّى.
    قال الشوكاني في تفسيره [1/473]: ((وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقيّ عن عليّ قوله: "ولا جنباً إلا عابري سبيل" قال: نزلت في المسافر تصيبه الجنابة، فيتيمم ويصلي)).

    لكن هل المراد بقول علي رضي الله تعالى عنه أنَّها نزلت في السفر؛ أو نزلت في المسافر تصيبه الجنابة فيتيمم ويصلي: ذكر سبب نزول الآية؟! أو معنى الآية؟! وقد قال الآلوسي في تفسيره [24/39] في أول سورة غافر: ((قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قولهم "نزلت الآية في كذا"؛ يراد به تارة: سبب النزول، ويراد به تارة: أنَّ ذلك داخل في الآية وإن لم يكن السبب؛ كما تقول: عنى بهذه الآية كذا، وقال الزركشي في البرهان: قد عُرف من عادة الصحابة والتابعين أنَّ أحدهم إذا قال: نزلت الآية في كذا فإنه يريد بذلك أنها تتضمن هذا الحكم لا أنَّ هذا كان السبب في نزولها؛ فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية لا من جنس النقل لما وقع)).
    لكن مما يؤكِّد أنَّ مراد عليٍّ رضي الله تعالى عنه هو ذكر سبب نزول الآية؛ ما ذكره الآلوسي في المصدر السابق [5/41] في شرحه لقوله تعالى: "وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا" : ((أنَّ نزولها في غزوة المريسيع حين عرَّس رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة، فسقطت عن عائشة رضي الله تعالى عنها قلادة لأسماء، فلما ارتحلوا ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث رجلين في طلبها، فنزلوا ينتظرونهما، فأصبحوا وليس معهم ماء، فأغلظ أبو بكر على عائشة رضي الله تعالى عنها وقال: حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين على غير ماء فنزلت، فلما صلوا بالتيمم؛ جاء أسيد بن الحضير إلى مضرب عائشة فجعل يقول: ما أكثر بركتكم يا آل أبـي بكر ـ وفي رواية ـ يرحمك الله تعالى يا عائشة ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله تعالى فيه للمسلمين فرجاً؛ وهذا يدل على: أنَّ سبب النزول كان فقد الماء في السفر؛ وهو ظاهر)) انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
    والقصة التي ذكرها الآلوسي أخرجها البخاري في باب: فضل عائشة رضي الله عنها برقم (3562)، وأخرجها مسلم في باب الحيض؛ حيث قالت أنَّها: ((استعارت من أسماء قلادة فهلكت، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناساً من أصحابه في طلبها، فأدركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء!!، فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم شكوا ذلك إليه؛ فنزلت آية التيمم، فقال أسيد بن حضير: جزاك الله خيراً فوالله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله لك منه مخرجاً، وجعل للمسلمين فيه بركة)).

    2- السبب الثاني المذكور في نزول الآية: في رجال من الأنصار تصيبهم جنابة ولا ماء عندهم، فيريدون الماء ولا يجدون ممراً إلا في المسجد؛ فقد روى ابن جرير الطبري في تفسيره فقال: حدثني المثنى قال حدثنا أبو صالح قال حدثني الليث قال حدثني يزيد بن أبي حبيب عن قول الله: {ولا جنباً إلا عابري سبيل} أنَّ رجالاً من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد تصيبهم جنابة ولا ماء عندهم فيريدون الماء ولا يجدون ممراً إلا في المسجد فأنزل الله تبارك وتعالى: {ولا جنبا إلا عابري سبيل}.
    وهذا إسناد ضعيف كما هو ظاهر؛ وعلته إرسال يزيد بن أبي حبيب قال الألباني [تمام المنة ص117]: ((وهو أبو رجاء المصري؛ وكان فقيهاً من ثقات التابعين إلا أنه كان يرسل؛ فهذه الرواية معللة بالإرسال فلا يُفرح بها)).
    وأما قول الإمام ابن كثير في تفسيره: ((ويشهد لصحة ما قاله يزيد بن أبي حبيب رحمه الله ما ثبت في صحيح البخاري: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "سدوا كلَّ خوخة في المسجد إلا خوخة أبي بكر"، وهذا قاله في آخر حياته صلى الله عليه وسلم علماً منه أنَّ أبا بكر رضي الله عنه سيلي الأمر بعده ويحتاج إلى الدخول في المسجد كثيراً للأمور المهمة فيما يصلح للمسلمين؛ فأمر بسد الأبواب الشارعة إلى المسجد إلا بابه رضي الله عنه)).
    وهذا بعيد؛ لأنَّ الأمر بسدِّ أبواب الصحابة التي كانت شارعة في المسجد إنما أراد به صلى الله عليه وسلم أن تصان المساجد عن التطرق إليها لغير ضرورة؛ إلا باب أبي بكر تنبيهاً على خلافته وبالتالي حاجته إلى المسجد، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((لا تتخذوا المساجد طرقاً إلا لذكرٍ أو صلاةٍ)) [السلسلة الصحيحة]، فعلة سدِّ الأبواب من أجل أن لا يُتخذ مسجده صلى الله عليه وسلم طريقاً وليس من أجل صيانته من دخول الجنب.

    الأحاديث التي استدَّل بها المانعون من مكث الجنب والحائض في المسجد:
    قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى [شرح العمدة 1/388-392]: ((يُحرم عليه – أي: الجُنب - اللبث في المسجد بغير وضوء، فأما العبور فيه فلا بأس؛ لما روت عائشة رضي الله عنها: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا أُحِلُّ المسجد لحائض ولا جنب" رواه أبو داود، وعن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إنَّ المسجد لا يحل لجنب ولا حائض" رواه ابن ماجة، ولأنَّ المسجد منزل الملائكة لما فيه من الذكر، والملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب ولا جنب ولا تمثال كذلك رواه علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه مسلم وغيره، ففي لبث الجنب في المسجد: إيذاء للملائكة)).
    فالأحاديث هي:
    1- ما أخرجه أبو داود في سننه: حدثنا مسدد حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا الأفلت بن خليفة قال حدثتني جسرة بنت دجاجة قالت: سمعت عائشة رضي الله عنها تقول: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال: ((وجهوا هذه البيوت عن المسجد))، ثم دخل النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصنع القوم شيئاً رجاء أن تنزل فيهم رخصة، فخرج إليهم بعد فقال: ((وجهوا هذه البيوت عن المسجد؛ فإنّي لا أحل المسجد لحائض ولا جنب)).
    2- وما أخرجه ابن ماجه في سننه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن يحيى قالا ثنا أبو نعيم ثنا بن أبي غنية عن أبي الخطاب الهجري عن محدوج الذهلي عن جسرة قالت: أخبرتني أم سلمة قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم صرحة هذا المسجد، فنادى بأعلى صوته: ((إنَّ المسجد لا يحل لجنب ولا لحائض)).
    وقد تكلَّم الشيخ الألباني رحمه الله تعالى عن تضعيف هذين الحديثين في كتابه تمام المنَّة ص118-119 وبيَّن أنَّهما حديثٌ واحد عن عائشة؛ وأنَّ مدارهما على "جسرة" وقد اضطربت فيه؛ فمرَّة روته عن عائشة، وأخرى عن أم سلمة، ولم يوثقها غير العجلي وابن حبَّان؛ وبين الألباني أنَّ للحديث شاهدان لا ينهضان لتقويته لأنَّ في أحدهما متروكاً، وفي الآخر كذاباً، وانظر "ضعيف سنن أبي داود رقم:32"، وفصَّل ذلك وردَّ على مَنْ صححه في كتابه الثمر المستطاب 2/746؛ فراجعه إن شئت.
    3- وعن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة ولا كلب ولا جنب" رواه أبو داود والنسائي؛ وهوصحيح دون كلمة (ولا جُنب) كما قال الشيخ الألباني في تخريجه لسنن النَّسائي.

    * ومما استدل به البعضُ على هذا المذهب الحديثَ المتفق عليه عن أمِّ عطية رضي الله تعالى عنها في مَنْ يشهد العيد أنَّها قالت: ((أُمِرنا أن نُخرِج الحُيَّضَ يوم العيدين، وذوات الخدور: فيشهدن جماعة المسلمين ودعوتهم، ويعتزل الحُيَّضُ عن مصلاهنَّ)).
    قال النووي [شرح صحيح مسلم 6/179]: ((قولها: "وأَمَرَ الحُيَّضَ أن يعتزلن مصلَّى المسلمين" هو بفتح الهمزة والميم في "أمر"، فيه: منع الحيض من المصلَّى، واختلف أصحابنا في هذا المنع؛ فقال الجمهور: هو منع تنزيه لا تحريم؛ وسببه الصيانة والاحتراز من مقارنة النساء للرجال من غير حاجة ولا صلاة, وإنما لم يُحرم لأنه ليس مسجداً!!.
    وحكى أبو الفرج الدارمي من أصحابنا عن بعض أصحابنا أنه قال: يُحرم المكث في المصلَّى على الحائض كما يحرم مكثها في المسجد؛ لأنه موضع للصلاة فأشبه المسجد، والصواب الأول)).
    وقال ابن حجر في [الفتح 1/424]: ((وقال ابن المنير: الحكمة في اعتزالهن أنَّ في وقوفهن وهنَّ لا يصلين مع المصلِّيات إظهار استهانة بالحال، فاستحب لهنَّ اجتناب ذلك)).
    وقال السندي في [حاشيته على سنن النسائي 1/194]: (("وتعتزل الحيض المصلَّى" أي: في وقت الصلاة، وفيه: أنه ليس لحائض أن تحضر محل الصلاة وقت الصلاة، والله تعالى أعلم)) ويؤكِّد هذا المعنى ما ورد عند البخاري – واللفظ له -، ومسلم، وأبي داود: ((حتى نخرج الحيض فيكنَّ خَلفَ الناس؛ فيكبرن بتكبيرهم ويدعون بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته)) ، بل أصرح منه: ما جاء عند الدَّارمي بلفظ: ((فأما الحيض: فإنَّهن يعتزلن الصفَّ، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين))؛ بل ما يدفع أدنى شك في ذلك: قول أمِّ عطية عند مسلم تحت [باب: ذكر إباحة خروج النساء في العيدين إلى المصلى، وشهود الخطبة؛ مفارقات للرجال]: ((أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن نخرجهن في الفطر والأضحى؛ العواتق والحيض وذوات الخدور، فأما الحيض: فيعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين))؛ وهذه الرواية تُعدّ مفسِّرة لرواية: ((ويعتزلن الحُيَّضُ مصلَّى النَّاس)) وما شابهها من الروايات.
    وبهذا يندفع هذا الدليل الذي استدلَّ به البعض على منع الحائض من المكث في المسجد؛ بل وينتقل إلى أدلة القائلين بالجواز؛ ذلك لأنَّ في الحديث إشارة على جواز بقاء الحُيَّض – ولا شك أنَّهنَّ قاعدات يستمعن الخطبة - في مواضع الصلاة حتى تُقام الصلاة، فيعتزلنَّ صفوف المصلين، فيكنَّ خلفَ النَّاس.

    الأحاديث التي استدلَّ بها المجيزون لهما العبور أو المرور من المسجد لا المكث:
    قال شيخ الإسلام [شرح العمدة 1/389]: ((فأما المرور: فيجوز لما روت عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ناوليني الخمرة من المسجد" فقلت: إني حائض، فقال: "إنَّ حيضتك ليست في يدك" رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي، وقالت ميمونة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل على إحدانا وهي حائض، فيضع رأسه في حجرها فيقرأ القرآن وهي حائض، ثم تقوم إحدانا بخمرته فتضعها في المسجد وهي حائض؛ رواه أحمد والنسائي، وقال جابر بن عبد الله: كان أحدنا يمرُّ في المسجد جنباً مجتازاً ؛ رواه سعيد في سننه]، وقال زيد بن أسلم: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشون في المسجد وهم جنب؛ رواه ابن المنذر)).
    وحديث ميمونة حسنه الشيخ الألباني في تخريجه لسنن النَّسائي، وهذا الحديث وحديث عائشة الذي قبله يدلان على جواز دخول الحائض في المسجد للحاجة، أما أثر جابر فقد ضعفه الشيخ رحمه الله تعالى في تخريجه لصحيح ابن خزيمة، وأثر زيد كما نقله شيخ الإسلام – إن صحَّ – فيه دلالة على جواز دخول الجنب في المسجد، لكن لا دلالة فيه على المنع من الجلوس أو المكث؛ كما هو ظاهر.
    وهذا العبور أجازه مَنْ قال به للحاجة؛ قال شيخ الإسلام [المصدر السابق 1/392]: ((وهذا العبور إنما يجوز: إذا كان لحاجه وغرض، وإن لم يكن ضرورياً، فأما لمجرد العبث: فلا، فإن اضطر إلى اللبث في المسجد أو إلى الدخول ابتداء أو اللبث فيه لخوف على نفسه وماله: جاز ذلك ولزمه التيمم في أحد الوجهين؛ كما يلزم إذا لبث فيه لغير ضرورة وقد عدم الماء، والمنصوص عنه: أنه لا يلزمه لأنه ملجأ إلى اللبث والمقام غير قاصد له فيكون في حكم العابر المجتاز؛ كالمسافر لو حبسه عدو أو سلطان كان في حكم المجتاز في رخص السفر، ولهذا لو دخل المسجد بنية اللبث أثِمَ وإن لم يلبث، اعتباراً بقصد اللبث كما يعتبر قصد الإقامة)).

    الأدلة التي استدل بها القائلون بجواز مكث الجنب إذا توضأ:
    قال شيخ الإسلام [شرح العمدة 1/391]: ((وإذا توضأ الجنب جاز له اللبث:
    لما روى أبو نعيم ثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدثون في المسجد وهم على غير وضوء، وكان الرجل يكون جنباً فيتوضأ، ثم يدخل فيتحدث. وقال عطاء بن يسار: رأيت رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يجلسون في المسجد وهو مجنبون إذا توضئوا وضوء الصلاة؛ رواه سعيد.
    وهذا لأنَّ الوضوء يرفع الحدثين عن أعضاء الوضوء، ويرفع حكم الحدث الأصغر عن سائر البدن؛ فيقارب مَنْ عليه الحدث الأصغر فقط، ولهذا أمر الجنب إذا أراد النوم والأكل بالوضوء؛ ولولا ذلك لكان مجرد عبث.
    يبين ذلك؛ أنه قد جاء في نهي الجنب أن ينام قبل أن يتوضأ أن لا يموت فلا تشهد الملائكة جنازته؛ فهذا يدل على أنه إذا توضأ شهدت جنازته ودخلت المكان الذي هو فيه، ونهى الجنب عن المسجد لئلا يؤذي الملائكة بالخروج؛ فإذا توضأ أمكن دخول الملائكة المسجد، فزال المحذور)).
    أما الآثار عن الصحابة أنَّهم كانوا يتوضؤون إذا كانوا جُنب ليجلسوا في المسجد – فعلى فرض صحتها؛ لأنَّ في الأثر الأول: هشام بن سعد؛ وقد ضعفه النَّسائي وابن معين وابن عدي - فلا تدل على وجوب ذلك الوضوء لأنَّها مجرد فعل، وأما أنَّه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أمر الجنب إذا أراد النوم والأكل بالوضوء، ونهاه عن النوم قبل أن يتوضأ فهذا أيضاً لا يدل على الوجوب لحديث عمر رضي الله تعالى عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أينام أحدنا وهو جنب؟ فقال: "نعم؛ ويتوضأ إن شاء" أخرجه ابن حبان وابن خزيمة في صحيحيهما؛ وصححه الألباني؛ وانظر كتابه "آداب الزفاف" فصل: توضؤ الجنب قبل النوم.
    قال النووي [شرح صحيح مسلم 3/217-218]: ((ولا خلاف عندنا: أنَّ هذا الوضوء ليس بواجب؛ وبهذا قال مالك والجمهور, وذهب ابن حبيب من أصحاب مالك إلى وجوبه, وهو مذهب داود الظاهري)).
    فإذا كان حكم الوضوء في الأصل – قبل النَّوم والأكل ومعاودة الجماع – غير واجب؛ فحكمه في الفرع – المكث في المسجد – كذلك؛ كما لا يخفى في موضوع القياس.
    بل إنَّ كلَّ وضوء لغير الصلاة فليس بواجب كما قال شيخ الإسلام نفسه [المجموع 21/274]: ((وقد ثبت عنه في الصحيح: أنه لما خرج من الخلاء وأكل وهو محدث؛ قيل له: ألا تتوضأ؟ قال: "ما أردت صلاة فأتوضأ" يدل على أنه لم يجب عليه الوضوء إلا إذا أراد صلاة، وأنَّ وضوءه لما سوى ذلك مستحب ليس بواجب؛ وقوله: "ما أردت صلاة فأتوضأ" ليس إنكاراً للوضوء لغير الصلاة؛ لكن إنكار لإيجاب الوضوء لغير الصلاة. فإنَّ بعض الحاضرين قال له: ألا تتوضأ؟ فكأنَّ هذا القائل ظنَّ وجوب الوضوء للأكل، فقال: "ما أردت صلاة فأتوضأ"، فبين له أنه إنما فرض الله الوضوء على من قام إلى الصلاة)).
    بل صرَّح شيخ الإسلام نفسه [المجموع 21/343-344] باستحباب الوضوء قبل النَّوم والأكل والمعاودة؛ حيث سئل: ((أيما أفضل للجنب أن ينام على وضوء أو يكره له النوم على غير وضوء؟ وهل يجوز له النوم في المسجد إذا توضأ من غير عذر أم لا؟
    فأجاب: الجنب يستحب له الوضوء إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يعاود الوطء، لكن يكره له النوم إذا لم يتوضأ، فإنه قد ثبت في الصحيح أنَّ النبي سئل هل يرقد أحدنا وهو جنب؟ فقال:"نعم إذا توضأ للصلاة"، ويستحب الوضوء عند النوم لكل أحد؛ فإنَّ النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال لرجل: "إذا أخذت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم قل: اللهم إني أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت".
    وليس للجنب أن يلبث في المسجد؛ لكن إذا توضأ جاز له اللبث فيه عند أحمد وغيره، واستدل بما ذكره بإسناده عن هشام بن سعد: أنَّ أصحاب رسول الله كانوا يتوضؤون وهم جنب ثم يجلسون في المسجد ويتحدثون، وهذا لأنَّ النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أمر الجنب بالوضوء عند النوم، وقد جاء في بعض الأحاديث: أنَّ ذلك كراهة أن تقبض روحه وهو نائم فلا تشهد الملائكة جنازته، فإنَّ في السنن عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه قال: "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه جنب" وهذا مناسب لنهيه عن اللبث في المسجد، فإنَّ المساجد بيوت الملائكة، كما نهى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن أكل الثوم والبصل عند دخول المسجد؛ وقال: "إنَّ الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم"، فلما أمر النبي الجنب بالوضوء عند النوم دلَّ ذلك على: أنَّ الوضوء يرفع الجنابة الغليظة، وتبقى مرتبة بين المحدث وبين الجنب؛ لم يرخص له فيما يرخص فيه للمحدث من القراءة ،ولم يمنع مما يمنع منه الجنب من اللبث في المسجد، فإنه إذا كان وضوؤه عند النوم يقتضي شهود الملائكة له دلَّ على أنَّ الملائكة تدخل المكان الذي هو فيه إذا توضأ)).
    وهل تقاس الحائض على الجنب في الوضوء قبل النَّوم؟
    عرفنا أنَّ الجنب أمره الشارع استحباباً أن يتوضأ قبل النوم، فهل تُقاس الحائض عليه؟
    قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى [فتح الباري 1/395]: ((وقال ابن دقيق العيد: نصَّ الشافعي رحمه الله على أنَّ ذلك ليس على الحائض, لأنها لو اغتسلت لم يرتفع حدثها بخلاف الجنب, لكن إذا انقطع دمها استحب لها ذلك)).
    أما اللبث في المسجد مع الوضوء فقد فرَّق شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بين الجنب والحائض فقال [26/179]:
    ((وقد أمر النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الجنب بالوضوء عند الأكل والشرب والمعاودة؛ وهذا دليل أنه إذا توضأ ذهبت الجنابة عن أعضاء الوضوء، فلا تبقى جنابته تامة، وإن كان قد بقي عليه بعض الحدث، كما أنَّ المحدِث الحدث الأصغر عليه حدث دون الجنابة، وإن كان حدثه فوق الحدث الأصغر فهو دون الجنب؛ فلا تمتنع الملائكة عن شهوده، فلهذا ينام ويلبث في المسجد، وهذا يدل على: أنَّ الجنابة تتبعض، فتزول عن بعض البدن دون بعض؛ كما عليه جمهور العلماء.
    وأما الحائض فحدثها دائم؛ لا يمكنها طهارة تمنعها عن الدوام، فهي معذورة في مكثها ونومها وأكلها وغير ذلك، فلا تمنع مما يمنع منه الجنب مع حاجتها إليه))، فالجُنب يُمنع من اللبث في المسجد حتى يتوضأ، وأما الحائض فلا ينفعها الوضوء في رفع شيء من الحدث فلا تُمنع، وإنما إذا احتاجت إلى اللبث في المسجد لبثت فيه بغير وضوء.
    والحاجة التي بها تستبيح الحائض اللبث في المسجد هي في مرتبة الضرورة بقرينة قوله رحمه الله تعالى بعد ذلك: ((لكن إذا احتاجت إلى الفعل استباحت المحظور مع قيام سبب الحظر لأجل الضرورة كما يباح سائر المحرمات مع الضرورة من الدم والميتة ولحم الخنزير)).
    وهذا يعني أنَّ الأصل حرمة لبثها في المسجد ولعلَّه لذلك قال في شرح العمدة 1/459: ((والحائضُ لا يجوز لها أن تلبث في المسجد توضأت أو لم تتوضأ)).
    أما إن انقطع دمها وأمِنت من تلويث المسجد وتوضأت جاز لها أن تلبث فيه؛ قال رحمه الله تعالى في شرح العمدة 1/460: ((ولها العبور في المسجد لكن إنْ كان دمها جارياً فإنها تتلجم لتأمن من تلويث المسجد، وقيل: لا تدخله إلا لأخذ شيء منه دون وضع شيء فيه للحاجة إلى ذلك وقد تقدمت الأحاديث في جواز ذلك،وأما اللبث فيه بالوضوء: فيجوز إذا انقطع دمها، وأما قبل فلا يجوز نصَّ عليه؛ لأنَّ طهارتها لا تصح وسبب الحدث قائم، ولذلك لم يستحب لها الوضوء لنوم أو أكل ونحو ذلك)).

    أدلة المجيزين للحائض والجنب أن يمكثا في المسجد مطلقاً:
    قال ابن حزم [المحلَّى 2/184-187]: ((لأنه لم يأت نهي عن شيء من ذلك، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن لا ينجس"، وقد كان أهل الصفة يبيتون في المسجد بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم جماعة كثيرة؛ ولا شكَّ في أنَّ فيهم من يحتلم، فما نهوا قط عن ذلك.
    وقال قوم: لا يدخل المسجد الجنب والحائض إلا مجتازين؛ وهذا قول الشافعي وذكروا قول الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا" فادعوا أنَّ زيد بن أسلم أو غيره قال: معناه لا تقربوا مواضع الصلاة.
    ولا حجة في قول زيد، - ولو صح أنه قاله لكان خطأ منه - لأنه لا يجوز أن يظن أنَّ الله تعالى أراد أن يقول: لا تقربوا مواضع الصلاة فيلبِّس علينا فيقول: "لا تقربوا الصلاة"، وروي أنَّ الآية في الصلاة نفسها عن علي بن أبي طالب وابن عباس وجماعة.
    وقال مالك: لا يمرا فيه أصلاً، وقال أبو حنيفة وسفيان: لا يمرا فيه؛ فإن اضطرا إلى ذلك تيمما ثم مرا فيه ...
    ثم ذكر دليلهم وهو: " إنَّ المسجد لا يحل لجنب ولا لحائض" من طرق وضعفها جميعها، وحكم عليه بالبطلان، ثم قال:
    حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ثنا إبراهيم بن أحمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا عبيد بن إسماعيل ثنا أبو أسامة هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين: أنَّ وليدةً سوداء كانت لحي من العرب، فأعتقوها، فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت فكان لها خباء في المسجد أو حفش؛ فهذه امرأة ساكنة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، والمعهود من النساء الحيض فما منعها عليه السلام من ذلك، ولا نهى عنه، وكل ما لم ينه عليه السلام عنه فمباح.
    وقد ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: "جعلت لي الأرض مسجداً" ولا خلاف في أنَّ الحائض والجنب مباح لهما جميع الأرض؛ وهي مسجد، فلا يجوز أن يخص بالمنع من بعض المساجد دون بعض.
    ولو كان دخول المسجد لا يجوز للحائض: لأخبر بذلك عليه السلام عائشة إذ حاضت فلم ينهها إلا عن الطواف بالبيت فقط؛ ومن الباطل المتيقن: أن يكون لا يحل لها دخول المسجد فلا ينهاها عليه السلام عن ذلك، ويقتصر على منعها من الطواف؛ وهذا قول المزني وداود وغيرهما؛ وبالله تعالى التوفيق)).
    أما حديث أهل الصفة (والصفة: موضع مظلل في المسجد النبوي) فقد أخرجه الحاكم والبيهقي وابن حبَّان والطبراني وأخرجه أحمد مختصراً، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وأقرَّهما الألباني، أما حديث الوليدة السوداء التي كان لها خباء في المسجد أو حفش (وهو البيت الضيق الصغير) فقد أخرجه البخاري؛ وبعد أن نقل الشيخ الألباني هذين الحديثين في كتابه "الثمر المستطاب 2/117- 120" قال: ((قال ابن بطال: "فيه: أنَّ مَنْ لم يكن له مسكن ولا مكان مبيت: يباح له بالمبيت في المسجد سواء كان رجلاً أو امرأةً؛ عند حصول الأمن من الفتنة، وفيه اصطناع الخيمة وشبهها للمسكين رجلاً كان أو امرأةً " نقله في "العمدة" )).
    وقال شيخ الإسلام [المجموع 26/177]: ((فإنَّ لبثها – أي: الحائض - فى المسجد لضرورة: جائز؛ كما لو خافت مَنْ يقتلها إذا لم تدخل المسجد، أو كان البرد شديداً، أو ليس لها مأوى إلا المسجد))؛ ولهذا فهذان الدليلان لا يسلمان من معارضة كذلك، فإنَّهما فيمن لم يكن له مأوى؛ وهذه ضرورة، ولا شكَّ أنَّ الضرورات تبيح المحظورات.
    وانظر كذلك ما ذكره عبد الرزاق في مصنَّفه [1/414] باب "المشرك يدخل المسجد" من الأحاديث التي تدل على مكث المشركين في المسجد ومبيتهم والبناء لهم فيه؛ فراجع ذلك إن شئت؛ حديث: (1620)، (1621)، (1622)، وكلُّها معلولة.

    خلاصة هذه المسألة:
    أنَّ العلماء اختلفوا فيها إلى أربعة أقوال:
    1- فمنهم من منع الجنب والحائض من المكث أو اللبث في المسجد مطلقاً لحديث جسرة: "إنَّ المسجد لا يحل لجنب ولا لحائض" وقد تبين أنَّه ضعيف.
    2- ومنهم من ذهب إلى جوازه مطلقاً، لأنه الأصل ولا ناقل عنه صحيح.
    3- ومنهم من فرَّق بين العبور واللبث جمعاً بين حديث جسرة الآنف الذكر وبين قوله تعالى: "وَلا جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا" وحديث عائشة وفيه: "ناوليني الخمرة من المسجد"، وحديث ميمونة وفيه: "ثم تقوم إحدانا بخمرته فتضعها في المسجد وهي حائض" وما جاء في نهيه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لعائشة من الطواف وكانت حائضاً، ولم ينهها عن الدخول في المسجد؛ وهذه الأحاديث لا شكَّ في صحة دلالتها على جواز دخول الحائض في المسجد، أما الآية الكريمة فقد تقدَّم فيها الخلاف، وأنَّ الراجح فيها أنَّها نزلت في السفر، ولهذا فلا دلالة فيها على التفريق بين العبور واللبث.
    4- أما القول الأخير من أقوال أهل العلم في هذه المسألة: فهو يجوز للجنب أن يلبث في المسجد إذا توضأ؛ لأنَّ الوضوء يرفع الجنابة الغليظة فيقرب من الحدث الأصغر، أما الحائض فلا يرفع الوضوء لها شيئاً فلهذا لا تُمنع من اللبث في المسجد إذا كان لها فيه حاجة؛ وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى؛ وهو القول الأقرب إلى الصواب؛ لولا أنَّ هذا الوضوء الذي اشترطه في مكث الجنب في المسجد قيس على وضوء الجنب قبل النَّوم والأكل ومعاودة الجماع، وهو مستحب كما تقدَّم، فكما أنَّ للجنب أن ينام بلا وضوء مع عدم الإثم، فكذلك له أن يمكث في المسجد مع عدم الإثم؛ لأنَّ هذا فرع على ذاك الأصل.

    ولهذا فالصواب في هذه المسألة:
    قول مَنْ ذهب إلى جواز مكث الحائض والجنب في المسجد؛ لأنَّ الأصل في الأشياء الإباحة فلا يُنقل عنها إلا ناقلٌ صحيحٌ لم يُعارضه ما يُساويه أو يُقدَّم عليه؛ والأدلة التي استدلَّ بها المخالفون لهذا القول لا يُمكن أن تعارض هذا الأصل؛ إما لضعف إسنادها، أو لضعف دلالتها؛ وقد تقدَّم بيان ذلك في مواضعها؛ وقد قال الشوكاني [نيل الأوطار 1/255] في شرح حديث "حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً": ((قال النووي في شرح مسلم: وهذا الحديث أصل من أصول الإسلام، وقاعدة عظيمة من قواعد الدين؛ وهي: أنَّ الأشياء يُحكم ببقائها على أصولها حتى يتيقن خلاف ذلك، ولا يضر الشك الطارئ عليها)).

    وأورد البعض إيراداً فقال: إنَّ صلاة تحية المسجد واجبة عند الدخول إذا أرادت المرأة الجلوس فيه؛ ولا يجوز للحائض أن تصلي؛ فكيف لها أن تجلس؟!
    وجواب ذلك: أنَّ لها أن تجلس من غير أن تصلي تحية المسجد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة عندما حاضت في الحج: ((فافعلي ما يفعل الحاج غير أنْ لا تطوفي بالبيت ولا تصلي حتى تطهري))، والحاجُّ له أن يجلس في المسجد الحرام، فلم ينهها صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وبهذا يكون هذا الحديث – كذلك – من أدلة تجويز أن تمكث الحائض في المسجد؛ لأنه صلى الله عليه وسلم منعها من الطواف والصلاة ولم يمنعها من المكث في المسجد مع حاجتها لذلك كما لا يخفى، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فدلَّ ذلك على جواز أن تمكث فيه. [وهذا خلاصة ما أجاب به الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في أحد مجالسه].
    هذا والله تعالى أعلم؛ وأسأله تعالى أن يوفقنا إلى السداد في الأقوال والأعمال، وأن يغفر لنا زلاتنا وجهلنا وأخطاءنا وكل ذلك عندنا إنَّه هو الغفور الرحيم.
    سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.


    وكتبــــه:

    أبو معاذ رائد آل طاهر

    22 من شهر الله المحرَّم 1425
    التعديل الأخير تم بواسطة أبو الحسين عبد الحميد الصفراوي; الساعة 27-Oct-2013, 02:59 PM.

  • #2
    الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله محمد بن عبدالله الصادق الأمين ...أما بعد

    نشكر الأخ الفاضل على بحوثه القيمة التي افاد فيها وأجاد وكما قال الأخ الفاضل معاذ الشمري : فيها نفس التحقيق" وإني لما رأيت هذا البحث سارعت لقرائته فهي مسألة عويصة وخاصة تحقيق القول في تفسير الآية وقد سمعت مشايخنا في اليمن تكلموا عليها في مناسبات عدة لإشكال بعض الأدلة فيها وما زال المشايخ عندنا يفتون بجواز مكث الجنب والحائض في المسجد وعلى هذا كان الشيخ مقبل رحمه الله وما أعلم أحدا من طلبته المشايخ خالفه في هذا بل لكثرة الأسئلة الموجهة للمشايخ قال الشيخ يحي: قد قام أحد الباحثين في دماج بكتابة بحث في المسألة حتى إن سئلنا أحلنا على الكتاب ونكتفي ا.هـ من إحدى المحاضرات له في صنعاء.. ولكن عند قرائتي للبحث المسطور هنا وجدت بعض الأمور المرجوحة المؤثرة في البحث فأحببت أن أنبه عليها مع شكري لك على جهدك وجمعك وكذا تنبيهي لبعض النقول التي لم أكن قد اطلعت عليها مثل موقف المفسر الآلوسي رحمه الله من الجمع بين الحقيقة والمجاز في الآية ..ومن باب الزيادة فممن ذهب إليه من المفسرين المتأخرين الشيخ السعدي رحمه الله.
    والآن مع التنبيه الأول :
    1- قلت : " لكن مما يؤكِّد أنَّ مراد عليٍّ رضي الله تعالى عنه هو ذكر سبب نزول الآية؛ ما ذكره الآلوسي في المصدر السابق [5/41] في شرحه ...-إلى قولك- والقصة التي ذكرها الآلوسي أخرجها البخاري في باب: فضل عائشة رضي الله عنها برقم (3562)، وأخرجها مسلم في باب الحيض ...ا.هــ
    فأقول إن ترجيح الآلوسي ومن ذهب إلى هذا من قبله غير صحيح لما ذكر الحافظ في الفتح وسأنقله من رسالة شيخنا يحي حفظه الله "أحكام التيمم" ففيها:
    اختلف العلماء في أي الآيتين آية التيمم, حتى قال ابن العربي رحمه الله تعالى كما في "فتح الباري .." للحافظ (1/434): هذه معضلة ما وجدت لدائها من دواء, لأنا لا نعلم أي الآيتين عنت عائشة رضي الله عنها. وقالت ابن بطال: هي آية النساء لا ذكر فيها للوضوء, فيتجه تخصيها بآية التيمم.
    وذهب الواحدي أنها آية النساءأ.هـ بتصرف ثم قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى "الفتح" (1/434) بعد ذكر هذه الأقوال: وخفي على الجميع ما ظهر للبخاري من أن المراد بها آية المائدة بغير تردد. ا.هـ المراد من الفتح.
    قلت: نعم قد أخرج البخاري رحمه الله في صحيحة (8/272) رقم(460 حدثنا يحي بن سليمان, قال: حدثني ابن وهب, قال: أخبرني عمرو أن عبدالرحمن بن القاسم حدث عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها- نفسها- أنها قالت: سقطت قلادة لي بالبيداء ونحن داخلون المدينة, فأناخ النبي صلى الله عليه وسلم ونزل فثنى رأسه في حجري راقداً, أقبل أبو بكر فلكزني لكزة شديدة, وقال :حبست الناس في قلادة فبي الموت لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقد أوجعني, ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ وحضرت الصبح فالتُمِسَ الماء فلم يوجد فنزلت: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ" الآية, فقال أسيد بن حضير: لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر ما أنتم إلا بركة لهم ا.هـ
    وأخرجه مسلم(367), واللفظ للبخاري.
    وهذه آيةالمائدة أما آية النساء فهي {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ .. }الآية النساء43
    ونص آية المائدة:
    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى ... } الآية المائدة6
    ثم ذكر كلاما ثم قال:
    فعلم بحمد الله أن الآية التي نص عليها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وهي سبب نزول الآية هي: آية المائدة, وثبت نصها في البخاري, فلا ينبغي أن يختلف في ذلك مع وجود النص القاطع أنها آية المائدة, ولكن كما قال الحافظ رحمه الله: خفي على من قال أنها آية النساءالحديث المتقدم والله المستعان, وهذا يرشدنا جميعا أن الحق في مسائل الخلاف لا يتعدد.
    وكما قال الشاعر:
    وليس كل خلاف جاء معتبرا إلا خلاف له وجه من النظر.ا.هـ النقل من الرسالة بتصرف يسير.
    قلت وهذا ترجيح العلامة الوادعي كما في الصحيح المسند من أسباب النزول فذكر الحديث عند سورة المائدة الآية 60.
    هذه نهاية التنبيه الأول...ثم أقول:
    هذا ما كنت كتبته أولاً ثم رجعت إلى رواية علي رضي الله في المصادر التي ذكرها الشوكاني والسيوطي من قبله لأطلع على أسانيدها فوجدت أن الرواة عنه لم يتفقوا على اللفظ بل من رواها بهذا اللفظ أيضا رواها بغير هذه الزيادة وسيأتي بيان الصواب في هذه الرواية ولا يقال إن الأمر سهل في الآثار فلم هذا التنطع والجواب أن أسباب النزول لها حكم الرفع في الغالب مع أن الصحابة قد يجتهدوا في بعض المواضع, وكذا لأن هذه اللفظة لها أثر في ترجيح أحد الوجهين في الآية مع ما سبق أن بينته من أهمية هذه الآية في هذه المسألة العلمية الدقيقة فوجب هذا التشدد في هذا الأثر على خلاف العادة مع أني قد عجبت من صنيعك بعد ما رجعت ووجدت ابن جرير قد أورد اللفظ الآخر وكذا ابن كثير ولم تتعرض أنت له بل وأعرضت عنه عندما أردتَ معرفة مراد علي رضي الله عنه بقوله "نزلت في" مع أن أول ما يرجع إليه في فهم الألفاظ المحتملة في المتون جمع ألفاظه فكيف إن كانت الرواية الأخرى مذكورة في نفس المصادر بل ونبه عليه الشوكاني بعد ما نقلته مباشرة فقال: " قال : نزلت في المسافر تصيبه الجنابة فيتيمم ويصلي وفي لفظ قال : لا يقرب الصلاة إلا أن يكون مسافرا تصيبه الجنابة فلا يجد الماء فيتيمم ويصلي حتى يجد الماء" ا.هـ بل إن المراجع التي أحلت عليها بهذا اللفظ بعضها لم يروها إلا باللفظ الثاني ولهذا عطف الشوكاني الرواية الأخرى حتى لا يوهم بأن كل الكتب المحال عليها أخرجت الرواية بذلك اللفظ كما أوهمت أنت فسبحان ربي ..ويتبع بتحقيق الكلام حول تلك الروايات في التنبيه الثاني والله أعلم.
    التعديل الأخير تم بواسطة أبو الحسين عبد الحميد الصفراوي; الساعة 27-Oct-2013, 03:03 PM.

    تعليق


    • #3
      الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين؛ أما بعد:
      شكر الله تعالى لأخينا الفاضل أبي صهيب على تقييمه لما أكتب؛ وإنما هو كما قال جمعٌ لكلام أهل العلم، وأرجو من الله تعالى أن ينفع به الآخرين وأن يكتب لي أجره يوم لا ينفع مال ولا بنون، كما أشكره على هذا التعليق العلمي الذي نبـَّه فيه على مسألتين:
      الأولى: تحقيق القول في قول عائشة رضي الله عنها في قصة ضياع القلادة: ((فأنزل الله آية التيمم)) هل قصدتْ الآيةَ التي في النساء أم آيةَ المائدة؟ فإذا كانت تقصد آية المائدة فلا حجة لي في تقوية أثر علي رضي الله عنه حين سُئل عن قوله تعالى: ((وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ)) فقال: نزلت في السفر، لأنَّ هذا الجزء من الآية من آية النساء لا المائدة!!. وإن قصدتْ آية النساء فالحجة ثابتة لي، وقد نبَّه أخي الفاضل أبو صهيب بما نقله عن الشيخ الفاضل يحيى الحجوري حفظه الله تعالى أنَّ الإمام البخاري رحمه الله تعالى قد روى ما ينصُّ على أنَّ مراد عائشة رضي الله عنها هو آية المائدة، وأنَّ الذي أشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح.
      الثانية: تحقيق القول في أثر علي رضي الله عنه أنَّ آية ((وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ)) نزلت في السفر، ففي لفظ عنه آخر ليس صريحاً بما يدل على أنَّ سبب نزوله في المسافر، وذكر أخي أبو صهيب أني قد أعرضتُ عن اللفظ الثاني مع أنه في نفس المصادر الذي أنقلُ منها وأحيل لها؛ مع أنَّ هذا اللفظ له أثر في فهم اللفظ الأول، وبهذا أكون قد أوهمتُ القراء بأنه ليس لأثر علي إلا لفظاً واحداً.
      وحقاً كان لهذين التنبيهين أثر في مسألتنا وهما بلا ريب يستحقان التأمل والبحث، ولكني إن شاء الله تعالى لم أقصد الإيهام، ولم أعرض عن ذلك إلا لكوني قد خَفيتْ عليَّ هذه الرواية ولم أطَّلع عليها إلا في تعليقك، ثم إني لم أُدرك أنَّ لاختلاف اللفظين في أثر علي أثراً كما أدركتَ أخي الفاضل وأشرتَ إليه؛ فجزاك ربي خيراً وزادك علماً ونصحاً.
      ولكن بعد بحثٍ في هاتين المسألتين من جديد وهذه المرَّة بتحقيق تبيَّن لي: أنَّ الأمر كما نقلتُ أولاً وأنَّك أخي الحبيب لم تحقق في المسألة أكثر حتى يكتمل تعليقك فعلاً، ويظهر ذلك بهذه الوقفات:

      الوقفة الأولى: في صنيع البخاري في روايته للقصة
      إنَّ الإمام البخاري رحمه الله تعالى ذكر قصة القِلادة في صحيحه في سبعة أبواب:
      1- باب: إذا لم يجد ماء ولا تراباً
      2- باب: فضل عائشة رضي الله عنها
      3- باب: {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط}
      4- باب: قوله {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً}
      5- باب: استعارة الثياب للعروس وغيرها
      6- باب: استعارة القلائد
      7- باب: من أدَّب أهله أو غيره دون السلطان.
      في كل الأبواب يذكر فيها البخاري قول عائشة رضي الله عنها في القصة بلفظ: ((فأنزل الله آية التيمم)) أو: ((فنزلت آية التيمم))؛ إلا باب قوله "فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً" في تفسير آية المائدة نقل عنها قولها بلفظ: ((فنزلت: "يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة" الآية)) هذه من جهة.
      من جهة أخرى أنَّ البخاري ذكر القصة كذلك في تفسير آية النساء في باب: ((وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط)).
      قلتُ: وبهذا فلم يَخرج البخاريُّ عما نقلتُه عن المفسرين في مقالي؛ حين ذكروا القصة في تفسير آية النساء!!.

      الوقفة الثانية: حول كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى.
      وأما تعليق الحافظ على القصة بقوله في الفتح: ((قوله: "فأنزل الله آية التيمم"؛ قال ابن العربي: هذه معضلة ما وجدت لدائها من دواء لأنا لا نعلم أي الآيتين عنت عائشة؟ قال ابن بطال: هي آية النساء أو آية المائدة، وقال القرطبي: هي آية النساء ووجهه بأنَّ آية المائدة تسمى آية الوضوء وآية النساء لا ذكر فيها للوضوء فيتجه تخصيصها بآية التيمم، وأورد الواحدي في أسباب النزول هذا الحديث عند ذكر آية النساء أيضا؛ وخفي على الجميع ما ظهر للبخاري من أنَّ المراد بها آية المائدة بغير تردد لرواية عمرو بن الحارث إذ صرح فيها بقوله فنزلت يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة الآية)).
      قلتُ: هذا هو ما استظهره الحافظ رحمه الله تعالى عن البخاري في هذا الموضع، ولكن ظهر له في موضع آخر أنَّ البخاري يقول بتعددها في آية النساء وفي آية المائدة فقال [الفتح 1/435]: ((وقد جنح البخاري في التفسير إلى تعددها حيث أورد حديث الباب في تفسير المائدة، وحديث عروة في تفسير النساء، فكان نزول آية المائدة بسبب عقد عائشة، وآية النساء بسبب قلادة أسماء، وما تقدم من اتحاد القصة أظهر والله أعلم))، ولم يجزم في موضع ثالث في نقله عن البخاري فقال: ((آية النساء قد ترجم لها المصنف في التفسير؛ وأورد حديث عائشة أيضاً، ولم يرد خصوص نزولها في قصتها بل اللفظ الذي على شرطه محتمل للأمرين)).
      قلتُ: فهذا ما ستظهره الحافظ من صنيع البخاري في صحيحه، وليس للبخاري في ذلك قول ظاهر، ولكن صنيعه في التفسير يؤيِّد ما ذهب إليه الآلوسي وغيره ممن ذكر القصة في تفسير آية النساء، وحسبنا أن ننسب للبخاري ما صنعه هو لا ما ستظهره غيره.
      بل ذكر الحافظ نفسه في [الفتح 1/435] ما رواه الطبراني في المعجم الكبير من طريق عباد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة أنها: ((قالت: لما كان من أمر عقدي ما كان وقال أهل الإفك ما قالوا؛ خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة أخرى فسقط أيضاً عقدي حتى حبس الناس على التماسه. فقال لي أبو بكر: يا بُنية في كلِّ سفرة تكونين عناء وبلاء على الناس، فأنزل الله عز وجل الرخصة في التيمم، فقال أبو بكر: إنك لمباركة ثلاثاً. وفي إسناده محمد بن حميد الرازي وفيه مقال، وفي سياقه من الفوائد: بيان عتاب أبي بكر الذي أبهم في حديث الباب، والتصريح بأنَّ ضياع العقد كان مرتين في غزوتين؛ والله أعلم)) انتهى كلام الحافظ.
      قلتُ: محمد بن حميد بن حيان التيمي؛ أثنى عليه أحمد ويحيى بن معين ومحمد بن يحي الذهلي، وتكلَّم فيه البخاري والنسائي وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيين وغيرهم حتى بلغ ببعضهم أن وصفه بالكذب المتعمَّد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: إنَّ أحمد ويحيى لم يعرفانه ولو عرفاه ما أثنا عليه أصلاً.
      وقد ضعَّفه الحافظ في التقريب فقال [1/475]: ((حافظ ضعيف؛ وكان ابن معين حسن الرأي فيه))، بينما أشار إلى توثيقه في لسان الميزان فقال [7/492]: ((أبو عبد الله الحافظ عن: يعقوب القمي، وجرير، وابن مالك، وطائفة، وعنه أبو داود والترمذي وابن ماجة قال يحيى بن معين: ثقة كيس))، فالله أعلم به.
      وأشار الحافظ رحمه الله تعالى أنَّ من قال بتعدد القصة أعتمد على هذه الرواية فقال [الفتح 1/433]: ((واعتمد بعضهم في تعدد السفر على رواية للطبراني صريحة في ذلك كما سيأتي؛ والله أعلم)).
      بل إنَّ الحافظ ابن حجر نفسه ذكر هذه القصة في أحد أسباب نزول آية النساء وساق طرقاً لها كما في مصنَّفه العجاب في بيان الأسباب [2/876] فأنظره إن شئت.
      وأخيراً: فإذا كان البخاري قد ذكر القصة مندرجة تحت تفسير آية النساء!!، والحافظ قد اختلف قوله فيما استظهره من صنيع البخاري!!، وذكر القصة كذلك في سبب نزول آية النساء!!؛ فلم يبق لك حجة على ما ذكرتَ إلا الكلام حول الحديث بتلك الزيادة، وها هو بيانه مفصَّلاً.

      الوقفة الثالثة: الكلام حول طرق قصة القلادة في صحيح البخاري
      بعد تتبع طرق القصَّة نجد أنَّ لها طريقين:
      الأول: من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة؛ وهذا بلفظ ((فأنزل الله آية التيمم)) بإبهام الآية.
      والثاني: من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة؛ وهذا بلفظين:
      أولهما بالإبهام كالأول ورواه عن عبد الرحمن: الإمام مالك.
      وثانيهما بالبيان بلفظ: ((فنزلت: "يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة" الآية)) ورواه عن عبد الرحمن: عمرو بن الحارث.
      وعمرو بن الحارث هو: أبو أمية المصري؛ وهو ثقة فقيه حافظ كما قال الحافظ في التقريب، لكن له غرائب أو مناكير؛ فقد ذكر المزي في التهذيب [21/537]: ((وقال أبو بكر الأثرم: سمعت أبا عبد الله يقول: "ما في هؤلاء المصريين أثبت من الليث بن سعد لا عمرو بن الحارث ولا أحد وقد كان عمرو بن الحارث عندي ثم رأيت له أشياء مناكير"، وقال في موضع آخر عن أحمد: عمرو بن الحارث حمل عليه حملاً شديداً قال يروي عن قتادة أحاديث يضطرب فيها ويخطىء))، وقال الذهبي في [الكاشف 2/74]: ((حجة له غرائب))، ولهذا زاد الحافظ في لسان الميزان [7/ 324] فقال: ((قال أحمد: رأيت له مناكير)).
      وحتى نعرف معنى ذلك:
      أنقل لك قول الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى: ((فتلخص من هذا: أنَّ النكارة لا تزول عند يحيى القطان والإمام أحمد والبرديجي وغيرهم من المتقدمين إلا بالمتابعةِ، وكذلك الشذوذ كما حكاه الحاكم. وأما الشافعي وغيره فيرون أنَّ ما تفرد به ثقة مقبول الرواية ولم يخالفه غيره فليس بشاذ، وتصرف الشيخين - يعني البخاري ومسلم - يدل على مثل هذا المعنى. وفرق الخليلي: بين ما ينفرد به شيخ من الشيوخ الثقات، وما ينفرد به إمام أو حافظ، فما انفرد به إمام أو حافظ قبل واحتُجَّ به، بخلاف ما تفرد به شيخ من الشيوخ، وحكى ذلك عن حفاظ الحديث، والله أعلم)) [شرح العلل لابن رجب 2/659 بتحقيق د. همام عبدالرحيم سعيد. مكتبة المنار/الأردن].
      وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: ((وهذا مما ينبغي التيقظ له: فقد أطلق الإمام أحمد والنسائي وغير واحد من النقاد لفظ المنكرِ على مجرد التفرد؛ لكن حيث لا يكون المتفرد في وزن من يحكم لحديثه بالصحة بغير عاضد يُعضِّده)).
      قلتُ: فمثله لا تطمئنُّ النفسُ بما يتفرَّد به، فكيف وقد خالف في موضع تفرده مَنْ هو أحفظ منه وأتقن وهو الإمام مالك رحمه الله تعالى وطريقهما واحد، وإنما روى مالك القصة بالإبهام كما روها غيره من غير هذا الطريق كذلك.
      ثم الذي روى عن عمرو بن الحارث هو شيخ البخاري يحيى بن سليمان؛ قال عنه المزي في التهذيب[31/369]: ((قال أبو حاتم: شيخ، وقال النسائي: ليس بثقة، وذكره بن حبان في كتاب الثقات؛ وقال: ربما أغرب))، زاد الحافظ في التهذيب [11/199]: ((وقال الدارقطني: ثقة، وقال مسلمة بن قاسم: لا بأس به، وكان عند العقيلي: ثقة وله أحاديث مناكير))، وقال في التقريب [1/591]: ((صدوق يُخطىء)).
      نعم؛ البخاريُّ أعلم به من غيره لأنه شيخه لكن قد يتفرد شيخُ البخاري ويُغرب؛ فالله تعالى أعلم مَنْ الذي أغرب منهما فروى هذه الزيادة؟

      الوقفة الرابعة: في تحقيق أثر عليٍّ رضي الله عنه
      وأثر علي رضي الله عنه:
      1- رواه ابن جرير في تفسيره قال: حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبي عن أبن أبي ليلى عن المنهال عن عباد بن عبد الله - أو عن زر - عن علي رضي الله عنه: {ولا جنباً إلا عابري سبيل} قال: إلا أن تكونوا مسافرين فلم تجدوا الماء فتيمموا.
      2- وكذلك أخرجه ابن جرير من طريق ابن حميد قال حدثنا هرون بن المغيرة عن عنبسة عن ابن أبي ليلى عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبد الله عن علي رضي الله عنه قال: نزلت في السفر {ولا جنباً إلا عابري سبيل} وعابر السبيل: المسافر إذا لم يجد ماء تيمم.
      3- ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه فقال: حدثنا علي بن هاشم عن بن أبي ليلى عن المنهال عن عباد بن عبد الله وزر عن علي: "ولا جنباً إلا عابري سبيل" قال: المارُّ الذي لا يجد الماء يتيمم ويصلي.
      4- ورواه البيهقي في السنن فقال: أخبرنا أبو الحسن بن بشران أنا أبو الحسن علي بن محمد المصري أنا مالك بن يحيى ثنا أبو بدر شجاع بن الوليد ثنا عبد الرحمن بن عبد الله وليس هو المسعودي عن المنهال بن عمرو عن زر بن حبيش عن علي قال: أنزلت هذه الآية في المسافر "ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا" قال: إذا أجنب فلم يجد الماء تيمم وصلى حتى يدرك الماء فإذا أدرك الماء اغتسل.
      5- ورواه الفريابي فقال: أنا قيس بن الربيع عن ابن أبي ليلى عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبد الله عن علي في قوله تعالى: "ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا" قال: نزلت في المسافر تصيبه الجنابة فيتيمم ثم يصلي. ومن طريق قيس أخرجه ابن أبي حاتم.
      والمتأمِّل في هذه الروايات يرى أنها واردة من طريقين:
      أ- من طريق زر بن حبيش عن علي.
      ب- ومن طريق عباد بن عبد الله عن علي.
      وعبَّاد بن عبد الله هو الكوفي وهو ضعيف، بينما زر بن حبيش ثقة مخضرم؛ ورواه عنهما المنهال بن عمرو الأسدي وهو من رجال البخاري؛ وهو صدوق ربما وهم كما قال الحافظ في التقريب، ورواه عن المنهال: ابن أبي ليلى وهو أبو عبد الرحمن الكوفي القاضي الفقيه وكان سيء الحفظ جداً؛ ولكن تابعه عبد الرحمن بن عبد الله ولا يُعرف ممن روى عن المنهال بهذا الاسم إلا المسعودي وقد أسند له البخاري في حديث وهو صدوق ولكنه اختلط قبل موته؛ فما حدَّث به في بغداد فبعد الاختلاط كما ذكر ذلك الحافظ، وأما مَنْ سمع منه بالكوفة والبصرة فسماعه منه جيد كما نقل ذلك عبد الله عن أبيه أحمد بن حنبل, والراوي عنه أبو بدر شجاع بن الوليد الكوفي سكن بغداد، وهو من رجال الصحيحين، قال عنه الحافظ: صدوق ورع له أوهام.
      وقول الحافظ في الأثر بعد أن ساق رواية الفريابي [العجاب في بيان الأسباب 2/880]: ((وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق قيس؛ وفيه ضعف وانقطاع))، فالضعف من قبل عبَّاد بن عبد الله، وأما الانقطاع فلا أدري أين هو؟، وعلى كلٍّ فقد ورد الأثر بطريق آخر، فالحديث بمجموعه لا ينزل عن درجة الحسن؛ وقد صحح إسناده الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في [إرواء الغليل 1/210] فقال بعد تضعيف حديث جسرة [لا أحل المسجد لجنب ولا لحائض]: ((قال البيهقي: "وهذا إنْ صح فمحمول في الجنب على المكث فيه دون العبور بدليل الكتاب" يعني قوله تعالى: "ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا", ثم روي في تفسيرها عن ابن عباس قال: "لا تدخل المسجد وأنت جنب إلا أن يكون طريقك فيه ولا تجلس"؛ لكن فيه: أبو جعفر الرازي وهو ضعيف، ومع ضعفه فإنه مخالف لسبب نزول الآية؛ فقد قال علي رضي الله عنه: {أنزلت هذه الآية في المسافر "ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا"} قال: {إذا أجنب فلم يجد الماء تيمم وصلَّى حتى يدرك الماء, فإذا أدرك الماء اغتسل} رواه البيهقي 1/216، و ابن جرير في تفسيره 5/62، من طريقين عن المنهال بن عمرو عن زر بن حبيش عنه؛ وهذا سند صحيح, ورواه الفريابي وابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور 2/165)).
      وأما اللفظان المرويان عن علي رضي الله عنه فيُكمِّل بعضهما بعضاً، فليس بينهما تعارض، بل إنَّ عليَّاً رضي الله عنه أخبر أنَّ الآية نزلت في المسافر؛ وهذا هو اللفظ الأول، ثم بـيَّن ذلك فذكر اللفظ الثاني، فالثاني هو شرح لقوله "أنها نزلت في المسافر"، يعني لعلَّ السامع يقول: كيف يجوز للمسافر الجنب أن يقرب الصلاة؟ فأراد علي رضي الله عنه أن يبيِّن أكثر فقال: إذا أجنب المسافر فلم يجد الماء تيمم ولا غسل عليه، أما غير المسافر فمعلوم أنه لا يقرب الصلاة إذا كان جنباً حتى يغتسل.
      فإنْ قال قائل: والمقيم الذي لا يجد الماء كالمسافر؛ فلِمَ خُصَّ المسافر بها؟ قيل: خصَّ المسافر بالذكر في قوله ((وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُوا)) لأنه هو الذي يُعدم الماء في الغالب؛ كما خصَّ إكراه الإماء في قوله تعالى: ((وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)) بشرط إرادة التحصن لأنَّ الإكراه لا يكون إلا على مَنْ أرادت التحصن في الغالب فليتأمل.
      وأما حكم مَنْ لم يجد الماء سواء كان مسافراً أو مقيماً وسواء كان جنباً أو طاهراً فهو في قوله تعالى بعدها: ((وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ))، فالآية تكلَّمت أولاً عن الذي لا يقرب الصلاة، ثم بيِّنت حكمه، وهكذا علي رضي الله عنه، ذكر الذي لا يقرب الصلاة وهو الجنب حتى يغتسل إلا المسافر فيجوز له أن يقرب الصلاة، ثم بيَّن حكمه؛ فلا ينبغي أن نجعلهما لفظين متعارضين، وإنما لفظ مجمل ولفظ مبيِّن، ولعلَّ مَنْ روى عن عليٍّ رضي الله عنه رواه عنه باختلاف اللفظين، وإنما قاله علي في رواية واحدة ويقوي ذلك رواية البيهقي فتأملها.
      والعجيب أنَّ الحافظ بن حجر في كتابه [العجاب 2/880] ذكر أثر عليٍّ بلفظ: ((نزلت في المسافر تصيبه الجنابة فيتيمم ثم يصلي))، والحافظ السيوطي في كتابه [لباب النقول 1/64] كذلك، ولم يذكرا اللفظ الثاني تماماً، فهل نعجب كذلك من صنيعهما لأنهما أعرضا عن اللفظ الثاني؟! وهل صنيعهما فيه إيهام؟! بالطبع لا.
      ثم إني تتبعتُ على حدِّ إطلاعي فلم أجد أثراً يثبتُ في سبب نزول الآية غير أثر علي رضي الله عنه، فإنْ كان الأمر كذلك، فهو – على فرض اللفظ الثاني لا الأول الصريح – قول لصحابي في بيان الآية ولا مخالِف له، وكفى بذلك حجة كما هو معلوم. والله تعالى أعلم.
      هذا ما توصَّلتُ إليه بعد بحث فإن كان صواباً فمنة من الله تعالى وفضل على عبده الفقير الضعيف، وإن كان غير ذلك فإنما هي زلة؛ والله يعفو عن الزلات بعفوه ومغفرته.
      وجزى الله تعالى أخي أبا صهيب الذي دفعني إلى هذا البحث، وأسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعاً إلى القول السديد ويرزقنا الإخلاص فيه.
      كما أسأله تعالى أن يُبارك في دعوة مشايخ اليمن الأفاضل تلامذة العلامة الشيخ مقبل رحمه الله تعالى، وأن يجعل ما يُقدِّمونه من جهد كبير في نشر العلم والدفاع عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم وكشف أباطيل المنتحلين، أن يجعل ذلك في ميزان أعمالهم وأن يحفظهم شيوخاً وطلاباً من عدوان الشانئين ومن كيد الحزبيين؛ إنه سبحانه وليُّ المؤمنين.
      وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين وأتباعه إلى يوم الدِّين.

      تعليق


      • #4
        السلام عليكم ورحمة الله وبركاته....
        اعتذر أولا عن تأخرهذه المشاركة وسببه عدة أمور منها الوقوف على مشاركتك الثانية مما جعلني أتوقف عما كنت ابتدأت في كتابته حتى أعيد النظر في الحديث وكذا انشغلت فما استطعت الإطلاع على بقية كلامك إلا ليلة أمس والله المستعان.1
        ثانياً أحببت أن أنبه أني ما قصدت التقليل ممن القيمة العلمية لبحوثك فإن صدرت مني عبارات تحتمل هذا المعنى فاحملها على الوجه الحسن, ومصداق هذا أني سألت عنك بعض الأحباب حيث إنه قد وصل إلى اليمن قبل شهرين أو أكثر بعض الإخوة من العراق -فلسطيني الأصل- من سكان بغداد وهم على سنة والحمدلله وكان لهم مسجد في مُجمع الفلسطينين في بغداد وزرنا معهم الشيخ محمد الإمام فسألتهم عنك فلم يعرفوك وقالوا: لعله لا يصرح باسمه الحقيقي بسبب أذى الرافضة..الخ كلامهم, وما كان هذا مني إلا من تتبع أخبار أهل السنة خاصة من أعرفهم بطلب العلم وهم قليل خاصة ممن يكتب على الشبكة والله المستعان.
        والآن الشروع في المقصود (سيكون كلامي مختصرا):
        أ‌- من الأمور التي يجب التنبه إليها قبل الخوض في هذا البحث أن صحيح البخاري ومسلم لهما مكانة خاصة عند أهل العلم وليس تعليل رواية في البخاري كتعليل رواية في مسلم وكذا ليس تعليل رواية في الصحيحين كتعليل رواية خارج الصحيحين وذلك لما قد عُلم من تلقي العلماء للكتابين بالقبول وإن كان هذا التلقي بالجملة فعلى طالب العلم أن يسعى إلى الجمع بين الألفاظ ما أمكنه ثم إن لم يمكنه الجمع فعليه أن يتبع سبل أهل العلم في الترجيح.
        ب‌- كذلك علينا التنبه أن هذا الكتاب قد تتبع مروياته جماعة من أهل العلم كالدارقطني وغيره وتصدى لشرحه جماعة من أئمة العلل والحديث كالحافظ ابن حجر وابن رجب2 وكذلك ليستحضر الباحث أن المخالفين لهذه الرواية وهم جماعة لو كانوا يرون وجها صحيحا للطعن فيها لسبقوه إليه فانظر إلى كل هذه المراحل التي مرت بها الرواية ومع هذا لم ينتقد هذه الرواية أحد حسب علمي القاصر فهذا حري بأن يجعل طالب العلم شديد التأني قبل الحكم على رواية بالشذوذ ناهيك عن تحري البخاري في اختيار هذه الأحاديث بل اعتماده لها في صحيحه وإلا لما بوب عليها في جامعه وهذا دليل على قبول تلك الزيادة بعينها لا أصل الحديث فقط.
        ت‌- ذكرت طرق الحديث عند البخاري وكان الأولى استقصاء الروايات ولو في خارج الصحيح خاصة أنك دعمت ترجيحك للشذوذ بما ذكر من التضعيف في شيخ البخاري.
        ث‌- نقلت كلام الحافظ ابن رجب وابن حجر حول التفرد وإن شاء الله ليس هذا بخاف لكن كلام ابن رجب لا يتنزل على مطلق التفرد وإن فهمه البعض هكذا بإطلاق وقال هؤلاء قد اتفق أهل العلم من بعدهم على خلافه وهو مذهب صاحبي الصحيح –وهو في كلام ابن رجب الذي نقلته- ومنهم من قال أن المراد بكلامه هنا أنه يوصف بالنكارة أي التفرد ولا يلزم من كلامهم أن الحديث ضعيف وهذا لا يساعد عليه السياق وإنما جرهم إلى هذا التأويل أن هذا القول ينتج عنه طرح جلة من الأحاديث الصحيحة بل كثير منها في الصحيح وقد قال مسلم للزهري سبعون حديثا لا يشاركه فيها غيره أو كلاما نحوه وذهب بعضهم أن المراد بالنكارة ضعف الحديث لكن هذا مع وجود قرينة تدل على الخطأ مثل التفرد عن حافظ اهتم الرواة بمروايته فيأتي أحدهم فيروي عنه حديثا ويتفرد به مع أنه ليس ممن اشتهر بالأخذ عنه الخ كلامهم كما هو مبين في موضعه ولهذا قال الحافظ فيما نقلته عنه "لكن حيث لا يكون المتفرد في وزن من يحكم لحديثه بالصحة "ا.هــ فانظر إلى هذا الفهم الدقيق والتقييد المحقق ..وممن تصدى كذلك لبيان كلامه أحمد أبوالعينين كما في القول الحسن في بيان الإحتجاج بالحديث الحسن وقدم له الشيخ مقبل رحمه الله وكذا تعرض له الشيخ محمد آدم الإثيوبي في تعليقاته على منظومته الألفية في العلل3 وللشيخ الرازحي تفصيل في تعليقاته على علل ابن رجب وشرحه على الموقضة وكذا مختصر شرح الموقضة...هذا ما أذكره الآن حول كلام ابن رجب رحمه الله ومرادي أن هذه القاعدة لها ضوابط وإلا لو أخذناها على الإطلاق لوقع خلل كبير وفتح باب التضعيف على أوسع أبوابه وهو أحد الأبواب التي دخل منها المليباريون.
        ج‌-قلت في عمرو بن الحارث الرواي عن عبدالرحمن بن القاسم "فمثله لا تطمئنُّ النفسُ بما يتفرَّد به، .." ا.هــ
        هذا والله هو العجب!!! يا أخي هل أنت على يقين أنك قرأت ترجمة الرجل حتى تقول "لا تطمئن النفس بما يتفرد به" فإن كان كذلك فما أدري ما وجه وصفك إياه بثقة حافظ عندما ترجمت له إلا إن كنت تفهم كلام ابن رجب على الإطلاق دون النظر للقيود ومنها ما سبق ونقلته أنت عن ابن حجر وهو أن لا يكون المتفرد في وزن من يحكم لحديثه بالصحة...وهاك بعض كلام الأئمة في عمرو بن الحارث لعلك تعيد النظر في كلامك:
        قال السيوطي في المبطأ " وثقه بن معين والنسائي وغير واحد وقال أبو حاتم كان أحفظ أهل زمانه"ا.هـ
        وفي الجرح والتعديل " نا عبد الرحمن قال سئل أبى عن عمرو بن الحارث فقال كان احفظ الناس في زمانه ولم يكن له نظير في الحفظ في زمان"ا.هـ
        وقال ابن حبان في الثقات " وكان من الحفاظ المتقنين وأهل الورع في الدين"ا.هــ ومعلوم تتبع ابن حبان لمن كان في حديثه نكارة وتفرد ومخالفة بل وشدته في هذا الباب.
        وفي تهذيب التهذيب " وقال يعقوب بن شيبة كان بن معين يوثقه جدا"ا.هـ
        وكذا في التهذيب " وقال بن وهب سمعت من ثلاثمائة وسبعين شيخا فما رأيت أحدا أحفظ من عمرو بن الحارث"ا.هـ4 .
        وكذا في التهذيب " وقال بن وهب ثنا عبد الجبار بن عمرو قال قال ربيعة لا يزال بذلك المصر علم ما دام بها ذلك القصير وقال أيضا لو بقي لنا عمرو ما احتجنا إلى مالك قال وقال لي بن مهدي اكتب إلي من حديث عمرو بن الحارث فكتبت له من حديثه وحدثته به" ا.هــ
        فانظر يا رعاك الله رجل قيل فيه "أحفظ أهل زمانه" ومن يقول هذا؟ رجل عرف بالتشدد في الرجال والقدح بالخطأ والخطأين وقال فيه ابن وهب "ما رأيت أحفظ منه" وهو قد روى- أي ابن وهب- عن السفاينين ومالك وغيرهم من كبار الحفاظ فأين تذهب بهذه التزكيات بل رجل قال فيه ابن حبان "متقن" وأبوحاتم "لم يكن له نظير في الحفظ في زمانه" وكان ابن معين يوثقه جداً ..كل هؤلاء الجماعة وفيهم من عرف بتتبع أخطاء الرواة واللمز بالخطأ والخطأين وتقول لا يطمئن إلا تفرده فعلى هذا فما أرى ابن عقيل وابن لهيعة ومن شابههم عندك إلا وضاعيين لا يلتفت لحديثهم إن كان هذا حال من قيل فيهم أحفظ أهل الزمان وشهدت لهم الجموع بالإتقان.
        فإن قلت فقد قال أحمد رحمه الله ما قال فيجاب بأن عندنا كلام أحمد مقابل كلام هؤلاء فهم يجعلونه في قمة الحفظ وأحمد ينزله قليلا بل ظاهر الرواية الأخرى أن أحمد إنما وجد ما أنكر عليه في حديث قتادة أما عن غيره فلا, فلا تعارض حينها فإن حدث عن قتادة أخذنا حذرنا مع إمكان تصحيح حديثه أو تحسينه عن قتادة في أقل الأحوال أما أن تهدر هذه التزكيات أمام كلام أحمد فلا خاصة مع الرواية الأخرى وأقل ما يقال أنه بعيد جدا فكيف إن كان المراد من هذا التوصل إلى تضعيف رواية في صحيح البخاري فهذا مما لا يقبله منصف.
        ح‌-قلت " ثم الذي روى عن عمرو بن الحارث هو شيخ البخاري يحيى بن سليمان" ا.هـ ما أدري هل تريد الراوي عنه مباشرة أم تريد طرف السند وأسفله وظاهر كلامك الأول وحقيقة القول أن الراوي عنه هنا ليس يحي بن سليمان بل ابن وهب فالسند عند البخاري هكذا قال:
        حدثنا يحيى بن سليمان قال حدثني ابن وهب قال أخبرني عمرو أن عبد الرحمن بن القاسم حدثه عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها. الخ الحديث.
        أما ابن وهب فهو كما قال الحافظ في التقريب " ثقة حافظ عابد" .
        أما شيخ البخاري يحي بن سليمان قد نقلت بعض ما قيل فيه لكن مدار الحديث على عبدالرحمن بن القاسم فهو مخرج الحديث واختلف عليه بين مالك وعمرو بن الحارث فإن أردت أن تُوهِم راو فوهم عمرو بن الحارث أو مالك أما أن تصعد إلى يحي سليمان وتهمل ابن وهب فهذا بعيد أولاً لأن البخاري أدرى بشيوخه كما ذكرت ولن يخرج لهم إلا ما تأكد من ضبطهم له خاصة إن اعتمد على تلك الزيادة التي زادها شيخه- إن سلمنا بهذا- وأكد اعتماده عليها بتبويبه أن المراد سورة المائدة هذا أولا.
        أما ثانيا فلأن الحديث قد رواه بهذا اللفظ عن ابن وهب غير يحي بن سليمان فهو بريء من الوهم في هذا الحديث فقد أخرجه البيهقي في السنن فقال: أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الله الأديب أنا أبو بكر الإسماعيلي ثنا أبو عبد الله محمود بن محمد الواسطي ثنا أحمد بن عيسى المصري ثنا بن وهب أخبرنا عمرو بن الحارث أن عبد الرحمن بن القاسم حدثه عن أبيه عن عائشة وذكر الحديث, فالرواية صحيحة إلى عمرو بن الحارث فلم يهم بها وبيان سند البيهقي كالتالي:
        فـأما أحمد المصري هذا فهو من شيوخ البخاري ومسلم وقد تكلم فيه جماعة وقال الخطيب وتابعه ابن حجر والذهبي: تكلموا فيه بلاحجة...وجعله الحافظ في التقريب في مرتبة من يحسن حديثه وقال في الفتح 1/387: أحمد بن عيسى التستري المصري عاب أبو زرعة على مسلم تخريج حديثه ولم يبين سبب ذلك وقد احتج به النسائي مع تعنته وقال الخطيب لم أر لمن تكلم فيه حجة توجب ترك الاحتجاج بحديثه قلت وقع التصريح به في صحيح البخاري في رواية أبي ذر الهروي وذلك في ثلاثة مواضع..الخ كلامه.
        وقال الذهبي في السير: الامام المحدث الصدوق ..- ثم ذكر أقواله من ضعفه- .. وقال النسائي وغيره: ليس به بأس.
        وكان أبو بكر الخطيب يقول: ما رأيت لمن ترك الاحتجاج بحديثه حجة ... قلت: العمل على الاحتجاج به..فأين ما انفرد به حتى نلينه به ؟ !ا.هــ
        وأما محمود بن محمد الواسطي الآخذ عنه فترجمته في سير أعلام النبلاء 14/242 وفيها قال: الحافظ المفيد العالم...الخ وانظر تاريخ الإسلام حوادث 307هـ.
        وفي سؤالات حمزة للدارقطني: سألت الدارقطني عن أبي عبد الله محمود بن محمد الواسطي فقال ثقة.ا.هـ
        والإسماعيلي هو صاحب المعجم والمستخرج وقد صرح بالتحديث هنا عن شيخه محمود وقد أورده في معجم شيوخه.
        وأما الواسطة بين البيهقي وبين الإسماعيلي فهو محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن أحمد الرزجاهي البسطامي ويلقبه البيهقي بالأديب وهو مكثر عنه خاصة عن الإسماعيلي قال فيه الذهبي في تاريخ الإسلام: الفقيه الشافعي الأديب المحدث ا.هـ وكذا في السير 17/505 وينظر مراجع أخرى في معجم المؤلفين لكحالة 10/195.
        فبهذا يتبين صحة السند إلى ابن وهب وأن الإختلاف ليس منشأه من يحي بن سليمان بل الإختلاف على عبدالرحمن بن القاسم رحمه الله.
        خ‌- فإذا ثبت صحة سند الرواية سواء عند البيهقي أو عند البخاري وأن مدارها على عبدالرحمن بن القاسم وعلم مما تقدم أن كلا من مالك وعمرو بن الحارث حفاظ أئمة قد وصفوا بأنهم أحفظ أهل زمانهم وأن كلام الإمام أحمد في عمرو بن الحارث ليس دليل على تضعيف كل ما تفرد به عمرو بن الحارث بل ولا كل ما خالف فيه غيره إلا إن كان في قتادة وأضيف إلى هذا اعتماد البخاري لهذه الزيادة والتبويب على دلالتها في جامعه واستحضرنا ما تقدم ذكره من منزل الصحيح عن العلماء وكذا أن البخاري قد تتبع مروياته جماعة من أهل العلل5 وكذا أن شراح البخاري اعتمدوا الزيادة سواء عللوا بتعدد القصة أو غيره فلم يضعفوها مثل الحافظ ابن حجر فتح 1/432, وكذا الحافظ ابن رجب في الفتح باب"لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا...", والكشميري في فيض الباري في أول كتاب التيمم, ووافقهم السيوطي في شرح الموطأ وصاحب عون المعبود باب التيمم..فهؤلاء جماعة من الحفاظ علماء الحديث والعلل جمعوا بين الروايات وجعلوا هذا من قبيل البيان لا المخالفة والشذوذ 6 فحري بنا اتباعهم والإهتداء بهم فهم فرسان الحديث وعلله.
        ومن تبين له ما سبق من القرائن التي ذكرتها ووقف على كلام هؤلاء الأئمة صح لديه هذا الجمع واستبعد الشذوذ إلا إن كان قد تقرر في ذهنه صحة أثر علي وأن مراده رضي الله عنه سبب النزول لا التفسير فحرك هذا الظن الراجح النفس إلى القول بالشذوذ لتوهم التعارض عنده وقد كنت أرغب بالإختصار وعدم التطويل لكن شاء الله ما وقع من التطويل في بعض المواطن واعتذر عن عدم توثيق كثير من المسائل فلم أكن على استعداد ولكن تأخر جوابي على المشاركة فاستعجلت الرد على ما أستطيع في هذه العجالة ولذا لم أرجع في كثير إلى المصادر لأنقل الكلام بحروفه.
        وإن شاء الله في المشاركة التالية أتمم النقاش عما كنت وعدت به وقد رأيت نقاشا في مسألة وجوب التتابع في صيام الكفارة وفيه مسائل تحتاج إلى نقاش مستقل مثل القراءة الشاذة وكذا الخلط بين التواتر الحديثي والتواتر في القراءات فلعل الله ييسر وأشارك فيه وأن يبارك في الأوقات.
        في الختام أحمد الله على منه وكرمه والله أعلى وأعلم.
        الهامش
        1كتبت هذا قبل فترة ثم وجدت الموقع قد أغلق باب المشاركات فيه وأنا لا أدخل على الشبكة إلا كل فترة ثم إذا دخلت ورأيت الإعلان في صفحة الموقع أخرج مباشرة ثم دخلت اليوم فوجدت أن المشاركة مفتوحة رغم الإعلان فسارعت إلى وضع الرد والله المستعان.
        2 وإن كان الشيخ مقبل رحمه الله لا يرى أنه علماء علل بل يقول هم نقلة لكلام المتقدمين والله أعلم.
        3 وهو عبارة عن تلخيص فوائد شرح ابن رجب والترمذي في علله.
        4 بالمناسبة ابن وهب هو شيخه في هذا الحديث لا كما ذكرت أن الرواي عنه يحي بن سليمان.
        5 وإن كان الدارقطني وغيره لم يتتبعوا الزيادات لكن هذه زيادة رتب عليها البخاري بابا في جامعه.
        6 خاصة وأني قد رأيت لك كلاما في سحاب تذهب فيه لقول ابن حجر والسخاوي وغيرهم أن الزياة لا يقال بشذوذها إلا عند التنافي وأنا مجرد الزيادة وإن كانت مخالفة فلا توجب الرد فعجبا كيف خالفت مذهبك هنا.

        تنبيه: كنت قلت فيما سبق أنه حسب علمي القاصر لا أعلم من طلبة الشيخ مقبل الكبار من يفتي بعدم جواز دخول الحائض والجنب المسجد فيسر الله بأن كنت في محاضرة للشيخ الذماري حفظه الله ليلة الجمعة فسئل عن المسألة فأفتى بالمنع فالحمدلله رب العالمين.
        التعديل الأخير تم بواسطة أبوصهيب عاصم الأغبري اليمني; الساعة 31-May-2008, 07:34 AM.

        تعليق


        • #5
          الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين أما بعد:
          1-أما التقليل من قيمتي العلمية (!!) وسؤالك للأخوة الأفاضل عني؛ فليس لي قيمة علمية حقاً وهذا ما أعرفه من نفسي، وأنت أخي الكريم لم يصدر منك ما فيه انتقاص أو تقليل لما أكتب من بحوث؛ بل العكس هو الواقع منك، فلعلَّك فهمتَ من تقييمي لبحوثي أنه تقييم منك لي!!، كما أنه لا يحتاج الأمر منك إلى سؤال عني فلستُ بطالب علم فضلاً أن أكون مشهوراً عند طلبة العلم الأفاضل؛ أسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعاً لرضوانه وأن يعيننا جميعاً على طاعته، وأن يُبارك لنا في أوقاتنا وجهودنا ومعلوماتنا، وأن يرزقنا الإخلاص والسداد.
          2-أُذكِّر نفسي وأخي الكريم والقرَّاء الأفاضل: أنَّ هذا النقاش مداره هل يصح الاستدلال بقصة ضياع القلادة في سبب نزول آية التيمم في سورة النساء؛ قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً))النساء/43، كما أقول به تبعاً لجمهور أهل التفسير، أم أنَّ عائشة رضي الله تعالى عنها أرادت بقولها: ((فأنزل الله آية التيمم)) الآية التي في المائدة؛ قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِنْ كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ))المائدة/6 كما يقول به أخي أبو صهيب تبعاً لكلام الحافظ رحمه الله تعالى في الفتح.
          بل وقال به من قبل الحافظِ ابن حجر الحافظُ ابن رجب في فتحه فقال: [الفتح 3/2]: ((والآية التي نزلت بسبب هذه القصة كانت أية المائدة؛ فإنًَّ البخاري خرج هذا الحديث في التفسير من كتابه هذا من حديث ابن وهب عن عمرو عن عبد الرحمن بن القاسم، وقال في حديثه: "فنزلت: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} هذه الآية))، بل ونصر هذا القول ورد على المخالف فليُراجعه مَنْ شاء.
          فإنْ صحَّ الاستدلال بقصة ضياع قلادة عائشة رضي الله عنها في سورة النساء؛ فهذا يعني أنَّ قوله تعالى: ((وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ)) نزلت في السفر، وعندها يتقوَّى القول في أنَّ علياً رضي الله تعالى عنه أراد أنها نزلت في السفر وليس مجرد تفسير له، وعندها فلا حجة فيها للمانعين عن مكث الجنب في المسجد.
          وقد عرفنا من صنيع الإمام البخاري رحمه الله تعالى أنَّه ذكر قصة القلادة في سورتي النساء والمائدة، وأنَّ الحافظ رحمه الله تعالى نفسه ذكر القصة في سورة النساء كغيره من أهل العلم في كتابه [العجاب في بيان الأسباب 2/876].
          ومع هذا لم يتطرق أخي الكريم أبو صهيب إلى نقد صنيع البخاري حين أورد القصة في تفسير آية النساء؛ مع أنَّ هذا خلاف ما يقول به، فلعلَّه سيكون في التعليق الموعود.
          3-أخي الكريم؛ كلامُك حول (عمرو بن الحارث) وقبول زيادته، وما سبقه من كلام في مكانة البخاري وبيان منزلة صحيحه، وما تبع ذلك من تشديد القول فيما قلتُه من عدم الاطمئنان إلى تفرد عمرو بن الحارث كلامٌ رصين، وأنا إنما دفعني إلى ذلك:
          أ‌-كلام الإمام أحمد والحافظ الذهبي وإشارة الحافظ ابن حجر؛ بأنَّ عمرو بن الحارث مع كونه حجة حافظ إلا أنَّ له مناكير أو غرائب، وهذا وإنْ لم يستلزم تضعيف ما تفرَّد به لكنه يوجب الحذر في ذلك كما هو معلوم، بل في مذهب الإمام أحمد ومَنْ وافقه لا يُقبل تفرده.
          وقد نقلتُ لك قول الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في شرح علل الترمذي حين قال: ((فتلخص من هذا: أنَّ النكارة لا تزول عند يحيى القطان والإمام أحمد والبرديجي وغيرهم من المتقدمين إلا بالمتابعةِ))، مع التنبيه أنَّ هذه الخلاصة التي توصل لها ابن رجب إنما ذكرها بعد أن ذكر ستة من رواة الصحيح منهم (عمرو بن الحارث!!) أطلق عليهم الإمام أحمد في مروياتهم لفظ النكارة واستنكر ما تفرَّدوا به، ثم ذكر ابن رجب تصرف الشيخين والأكثرين من أهل الشأن وأنهم على خلاف ذلك، وذكر قول الشافعي والخليلي والحاكم، حتى توصَّل إلى تلك الخلاصة. وانظر [شرح علل الترمذي لابن رجب 2/656-659 حد المنكر].
          فقولي: ((عمرو بن الحارث لا تطمئن النفس إلى تفرده)) ليس بغريب بل مسبوق بإمام من أئمة الحديث ألا وهو الإمام أحمد، وقد عَلِم رحمه الله تعالى أنَّ له مناكير وغيره لم يعلم، ومَنْ عَلِمَ حجة على مَنْ لم يعلم، وفي هذا جواب عن قولك: ((فإن قلت: فقد قال أحمد رحمه الله ما قال؛ فيجاب: بأن عندنا كلام أحمد مقابل كلام هؤلاء فهم يجعلونه في قمة الحفظ وأحمد ينزله قليلاً)).
          وأما تعقيبك بعدها: ((بل ظاهر الرواية الأخرى أنَّ أحمد إنما وجد ما أنكر عليه في حديث قتادة أما عن غيره فلا، فلا تعارض حينها فإنَّ حدث عن قتادة أخذنا حذرنا مع إمكان تصحيح حديثه أو تحسينه عن قتادة في أقلِّ الأحوال))، جوابه: أنَّ الحافظين ابن رجب وابن حجر رحمهما الله تعالى نقلا عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى ما استنكره ولم يُقيِّداه في حديث قتادة خاصة، ثم النكارة شيء والاضطراب شيء آخر، فاضطرابه وخطؤه في رواياته عن قتادة علة أخرى كان بسببها يحمل الإمام أحمد على عمرو بن الحارث حملاً شديداً.
          ب‌-أنَّ قصة ضياع القلادة وردت من طريقين؛ الأول: من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة؛ وليس فيه الزيادة، والثاني: من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة؛ وهذا من روايتين: الأولى رواية مالك وليس فيها الزيادة، والثانية رواية عمرو بن الحارث وفيها الزيادة؛ فعمرو في الطريق الثاني خالف مالكاً، ومالكٌ أحفظ وأتقن منه بلا ريب.
          وأما أنَّ عمرو بن الحارث أحفظ أهل زمانه؛ فهذا مقيَّد في أهل بلده مصر، ولهذا نرى أنَّ أهل الجرح والتعديل يذكرونه مقروناً بأهل مصر.
          قال عبد الله بن أحمد: قيل لأبي وأنا أسمع: حيوة بن شريح، وعمرو بن الحارث؟ فقال: جميعًا؛ كأنه سوَّى بينهما. [العلل/سؤال (1497)].
          وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: ليس فيهم، يعني أهل مصر، أصح حديثًا من الليث، وعمرو بن الحارث يقاربه. [تهذيب الكمال 21/4341].
          وعن ابن أبي حاتم قال: ذكر أبي عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين أنه قال: عمرو بن الحارث ثقة، قال سمعت أبي يقول: عمرو بن الحارث أحفظ وأتقن من ابن لهيعة. [تاريخ دمشق 45/466]، علماً أنَّ الحافظ ابن حجر نقل عن أبي حاتم قوله في ابن لهيعة [التهذيب 5/331]: ((وابن لهيعة أمره مضطرب يكتب حديثه على الاعتبار)).
          وقال البَرْقانِيّ - بعد أن ذكر حديثاً اختلف فيه عمرو بن الحارث وابن لهيعة - قيل للشيخ (الدارقطني) أيهما أقوى (عمرو بن الحارث، أو ابن لهيعة)؟ قال: عمرو بن الحارث أثبت. [علل الدارقطني 10/ 156].
          فيا أبا صهيب؛ هل يُقرن مالكٌ بابن لهيعة؟!! أم هل يُقرن أحفظ أهل الزمان مطلقاً به؟! فتـنبَّه.
          ج‌-الزيادة التي وردت من رواية عمرو بن الحارث هي زيادة أوجبت اختلافاً بين أهل العلم في تحديد موضع الآية؛ لأنَّ ذكر الوضوء فيها مشكل، قال الحافظ في الفتح: ((قال ابن عبد البر معلوم: عند جميع أهل المغازي أنه صلى الله عليه وسلم لم يصلِّ منذ افترضت الصلاة عليه إلا بوضوء ولا يدفع ذلك إلا جاهل أو معاند، قال: وفي قوله في هذا الحديث "آية التيمم" إشارة إلى أنَّ الذي طرأ إليهم من العلم حينئذ حكم التيمم لا حكم الوضوء، قال: والحكمة في نزول آية الوضوء مع تقدم العمل به ليكون فرضه متلواً بالتنزيل. وقال غيره: يحتمل أن يكون أول آية الوضوء نزل قديماً فعلموا به الوضوء ثم نزل بقيتها وهو ذكر التيمم في هذه القصة وإطلاق آية التيمم على هذا من تسمية الكل باسم البعض؛ لكن رواية عمرو بن الحارث التي قدمنا أنَّ المصنف أخرجها في التفسير تدل على إنَّ الآية نزلت جميعاً في هذه القصة فالظاهر ما قاله ابن عبد البر. قوله: "فأنزل الله آية التيمم" قال ابن العربي: هذه معضلة ما وجدت لدائها من دواء لأنا لا نعلم أي الآيتين عنت عائشة، قال بن بطال: هي آية النساء أو آية المائده، وقال القرطبي: هي آية النساء ووجهه بأنَّ آية المائدة تسمى آية الوضوء وآية النساء لا ذكر فيها للوضوء فيتجه تخصيصها بآية التيمم، وأورد الواحدي في أسباب النزول هذا الحديث عند ذكر آية النساء أيضاً؛ وخفي على الجميع ما ظهر للبخاري من أنَّ المراد بها آية المائدة بغير تردد لرواية عمرو بن الحارث إذ صرح فيها بقوله "فنزلت يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة" الآية)).
          وقال الحافظ ابن رجب في الفتح: ((وأما تصدير الآية بذكر الوضوء؛ فلم يكن لأصل مشروعيته؛ فإنَّ الوضوء كان شرع قبل ذلك بكثير، كما سبق تقريره في أول (كتاب الضوء)، وإنما كان تمهيداً للانتقال عنه إلى التيمم عند العجز عنه، ولهذا قالت عائشة: فنزلت آية التيمم، ولم تقل: آية الوضوء))
          فالوضوء كان معروفاً عندهم قبل الحادثة، بل ورد في القصة: ((فأدركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء)) وفي لفظ آخر: ((فحضرت الصلاة وليسوا على وضوء، ولم يجدوا ماء فصلوا وهم على غير وضوء))، وآية المائدة أغلبها في شأن الوضوء:
          فالمشكل الأول: أن تكون عائشة رضي الله عنها تذكر أنَّ آية التيمم نزلت في تلك الحادثة ثم تسرد آية الوضوء من أولها.
          والمشكل الآخر: أنَّ آية النساء قطعاً قبل آية المائدة؛ لأنَّ آية النساء اقترن بها تحريم قربان الخمر عند حضور الصلاة وهذا كان قبل غزوة أحد بينما قصة عائشة كانت بعد أُحد بلا خلاف كما نصَّ على ذلك ابن رجب في الفتح، وحينئذ فلا يُمكن أن يكون التيمم قد ذُكِرَ في آية النساء ثم يجهل الصحابة ذلك في حادثة ضياع القلادة حتى تنزل فيه آية أُخرى؛ وقد أشار إلى ذلك ابن عبد البر.
          د- الاختلاف الواقع بين الروايات في سياق القصة؛ وكثير منها في رواية عمرو بن الحارث، حتى أنَّ البخاري لما أوردها في المائدة من رواية عمرو بن الحارث كأنَّها قصة أخرى لسبب آخر؛ قال الحافظ رحمه الله تعالى [الفتح 1/435]: ((وقد جنح البخاري في التفسير إلى تعددها؛ حيث أورد حديث الباب في تفسير المائدة وحديث عروة في تفسير النساء، فكان نزول آية المائدة بسبب عقد عائشة، وآية النساء بسبب قلادة أسماء)).
          بل الزيادات والاختلاف حتى في قول عائشة؛ فمرة ((فأنزل الله آية التيمم))، ومرة ((فأنزل الله آية التيمم؛ فتيمموا))، ومرة ((فإنْ لم تجدوا ماء فتيمموا)) قال الحافظ في الفتح: ((وقع التصريح بذلك في رواية حماد بن سلمة عن هشام عن أبيه عن عائشة في قصتها المذكورة قال: "فأنزل الله آية التيمم فإنْ لم تجدوا ماء فتيمموا الحديث))، وآخرها ((فنزلت: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة)) الآية، وهي رواية عمرو بن الحارث.
          فنلاحظ أنَّ ثمة اختلاف بين الروايات في قول عائشة رضي الله عنها؛ وأنَّ أغلبها تنصُّ على التيمم خاصة خلافاً لرواية عمرو التي تنصُّ على سرد الآية بطولها.
          والظاهر أنَّ آية التيمم إذا أُطلقت فإنما يُراد بها التيمم خاصة؛ وقد أخرج إسحاق بن راهويه في مسنده وابن أبي شيبه في مصنفه من طريق برد بن سنان عن سليمان بن موسى عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما أنزل الله تعالى آية التيمم لم أدر كيف أصنع؟ فأتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في منزله فلم أجده، وقيل قد خرج الوقت الدرجة الذي أخذ فيه فاتبعته، فأراني عرف حاجتي، فقام ثم ضرب ضربة على الأرض فمسح وجهه ويديه، لم يزد على ذلك، فرجعت ولم أسأله.
          وهذا كلُّه يُشعر بأنَّ ثمة تباين بين رواية عمرو بن الحارث وبين غيره.
          فلم أُخالِف ما ذكرتُه في مقال سابق في سحاب من: أنَّ الزيادة لا يقال بشذوذها إلا عند التنافي وأنَّ مجرد الزيادة وإنْ كانت مخالفة فلا توجب الرد؛ فكيف وتفرد عمرو بن الحارث وإنْ لم يُخالِف يوجب الحذر على مذهب الإمام أحمد وقد تقدَّم؟.
          وبعد هذا الكلام في (عمرو بن الحارث) وزيادته، وبعد تعقيبات أخي الكريم أبي صهيب، وبعد بحث واسع في مرويات عمرو في صحيح البخاري وصنيعه؛ تبيِّن لي:
          أن أقتصر بعدم الاطمئنان لتفرد عمرو بن الحارث في هذه الزيادة خاصة، وأنْ أترك إطلاق عدم الاطمئنان في كلِّ ما تفرد به؛ لأنَّ لكلِّ رواية قرائن تحفُّ بها توجب قبولها أو الحذر منها، والله تعالى أعلم.
          بل وظهر لي: أنَّ القول بتعدد القصة قولٌ قويٌّ، وهو صنيع البخاري في صحيحه، فلم يحتج رحمه الله تعالى بالزيادة كمخصِّص أو كتفسير لرواية: ((فأنزل الله آية التيمم))، ولو صحَّت رواية الطبراني في معجمه المصرِّحة بتعدد القصة فالقول بتعددها هو المتعيَّن. والله أعلم.
          4-أما أنَّ شيخ عمرو بن الحارث هو ابن وهب وليس هو شيخ البخاري يحي بن سليمان؛ فهذا هو الصواب؛ وإنما زلَّ القلم وزاغ البصر بما لا أقصد، فالأمر عندي ظاهر وجزاك ربي خيراً على التنبيه.
          وأما تبرئة شيخ البخاري من النكارة في هذه الرواية فقد أجدتَ في جوابك يا رعاك الله، وكنتُ قد ترددتُ فقلتُ: ((فالله تعالى أعلم مَنْ الذي أغرب منهما فروى هذه الزيادة؟)) ولكن بما ذكرتَ من متابعة أحمد بن عيسى المصري عند البيهقي ولم أعلم بها، بهذه المتابعة يتبرأ شيخ البخاري ويتعيَّن عمرو بن الحارث.
          وأخيراً: فأنا بانتظار جواب الأخ الفاضل أبي صهيب على ما مضى من تعليقات والتي لم يتطرق لها بعد؛ أسأل الله تعالى أن يُعيننا على ذلك وأن يُبارك لنا في أوقاتنا، وأن يوفقنا إلى الصواب وأن يرزقنا العدل والإخلاص.

          تعليق

          يعمل...
          X