الفتوى رقم: ١١٦٧
الصنف: فتاوى العقيدة - أركان الإيمان - مسائل الإيمان
جوابٌ عن إشكالٍ في فتوى:
«في حكم تارك العمل بالكلِّيَّة مع القدرة»


السؤال:
جاء في فتوى الشيخ وفَّقه الله «في حكم تارك العمل بالكلِّيَّة مع القدرة» قولُه: «إذن فمقتضى الحديث:«فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ..» ليس على عمومه في كلِّ مَن ترك العملَ وهو يستطيع فِعْلَه، وإنما يُحْمَل على الخير المنفيِّ مِن جهةِ تمامه وكماله، أو مِن جهةِ عدمِ تمكُّنه مِن أدائه لعذرٍ مَنَعه مِن العمل»، وفي التعليل الأخير نظرٌ؛ لأنَّ غير المتمكِّن من الفعل لعذرٍ مَنَعَه غيرُ مستوجبٍ للعقوبة كما لا يخفى وبالتالي لا يدخل في معنى الحديث، فضلاً عن أنَّ المُقِرَّ بالإسلام في حين دخوله فيه يكون مسلمًا قبل الدخول في عمل الصلاة وصوم رمضان بإقراره واعتقاده وعُقدة نيَّته، فمِن جهة النظر لا يجب أن يكون كافرًا إلاَّ برفع ما كان به مسلمًا وهو الجحودُ لِما كان قد أقرَّ به واعتقده، والله أعلم، وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:
فليس الإشكال المطروح في دخول أقوامٍ النارَ بذنوبٍ وقعوا فيها عن علمٍ بحكمها، وإنما محور الإشكال المطروحِ يدور على خروج أقوامٍ مِن النار ودخولِهم الجنَّةَ بغير عملٍ عملوه، فإنَّ حديثَ أنَّ القوم الذين يُدْخِلُهُمُ اللهُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، وَلاَ خَيْرٍ قَدَّمُوهُ(١) لا يدلُّ على شمول العموم لكلِّ مَن تَرَك العملَ وهو قادرٌ على فعله؛ لمعارضته للنصوص المُحكمة وإجماع السلف في أنَّ الإيمان قولٌ وعملٌ، إذ لا يصحُّ الاستدلال بهذا الحديث على عموم صُوَره بما فيه صورة تاركِ العمل بالكلِّيَّة القادرِ على فعلِه، إذ يترتَّب على هذا التعميم لزومُ إخراج العمل عن دائرة الإيمان، الأمر الذي يتوافق مع قول المرجئة، فإذا كانت هذه النتيجة مردودةً وجب حملُ الخير المنفيِّ في الحديث على جهة تمامه وكماله، أو على جهة عدم تمكُّن المكلَّف مِن أدائه لعذرٍ مَنَعه مِن العمل.
هذا، والمقصود مِن عبارةِ: «أو مِن جهةِ عدمِ تمكُّنه مِن أدائه لعذرٍ مَنَعه مِن العمل» هو أنَّ العبد -مثلاً- قد يكون له أصلُ الإيمان في قلبه والإقرارُ بالشهادتين بلسانه، ولكنَّه لم يتمكَّن مِن أداء العمل لاخترام الموت نَفْسَه، غيرَ أنه سَبَق له عملٌ سيِّئٌ عن علمٍ يستحقُّ به دخولَ النار، كصورة رجلٍ كان على الكفر فأسلم وعليه تبعاتٌ سابقةٌ للناس مِن ديونٍ وحقوقٍ أَكَلها بالباطل وهو يعلم بحرمة ذلك ووجوبِ ردِّها إلى أهلها ولم ينوِ ردَّها، فاخترمه الموتُ بعد إسلامه قبل التمكُّن مِن أداء ما افترض الله عليه مِن أركان الإسلام، فلا يخفى أنَّ الإسلام يَجُبُّ ما قبله، لكنَّه لا يهدم تَبِعاتِ أموالِ الناس وحقوقِهم، فاستحقَّ دخولَ النار بسبب جحدِه للأمانات وأكلِه أموالَ الناس بالباطل، لكنَّه لا يُخَلَّد في النار ولو لم يأتِ بأيِّ عملٍ. قال الشيخ سليمان بنُ عبد الله بنِ محمَّدِ بنِ عبد الوهَّاب -رحمهم الله- موضِّحًا المسألةَ: «وأمَّا إخراجُ اللهِ مِن النار مَن لم يعمل خيرًا قطُّ، بل كفى عن العمل وجودُ أدنى إيمانٍ في قلبه وإقرارٍ بالشهادتين في لسانه، فهو: إمَّا لعدم تمكُّنه مِن أداء ما افترض الله عليه مِن أركان الإسلام، بل بمجرَّد أدنى إيمانٍ في قلبه وشهادةٍ بلسانه خَرَمته المنيَّة، لكنَّه قد عَمِل عملاً مفسَّقًا به لوجودِ ما صدر منه عالمًا به، فاستحقَّ دخولَ النار عليه، ..»(٢).
علمًا أنَّ الجهة المعوَّل عليها في «الخير المنفيِّ» في الحديث هي حملُ الخير المنفيِّ فيه على كماله وتمامه كما نُقل عن ابن خزيمة -رحمه الله- وغيرِه.
أمَّا الاستدلال بأنَّ المُقِرَّ بالإسلام في حين دخوله فيه يكون مسلمًا قبل الدخول في عمل الصلاة وصومِ رمضان بإقراره واعتقاده وعُقدة نيَّته، فهذا ظاهرٌ لأنَّ إقراره واعتقاده هو العلمُ الذي يسبق العملَ، ومِن عمل القلب: عقدُ النيَّة على عمل الجوارح باعتبارِ أنَّ العمل تابعٌ للعلم ومرتبطٌ به، ﻓ«القلب هو الأصل، والبدن فرعٌ له، والفرع يستمدُّ مِن أصله، والأصل يَثبت ويقوى بفرعه»(٣)، فحقيقة الدين كلِّه في التصديق بالقلب والنطقِ باللسان والعملِ بالجوارح الباطنة والظاهرة، وإنما الإسلام -في الأصل- مِن باب العمل: عملِ القلب والجوارح، وأمَّا الإيمان فأصلُه معرفةُ القلب وتصديقُه وإقراره، فهو مِن بابِ قول القلب المتضمِّن عملَ القلب، والأصلُ فيه التصديق والعمل تابعٌ له.
فالمُقِرُّ بالإسلام لا يكون مسلمًا إلاَّ إذا اعتقد صحَّةَ ما يشهد به بإقرارٍ مستلزمٍ لقبول الأخبار والإذعانِ للأحكام، فإن شهد بالرسالة والْتزم بأحكام الإسلام حُكِم بإسلامه، وإلى ذلك أشار الحديثُ بالاستثناء بحقِّ الإسلام في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّ الإِسْلاَمِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ»(٤)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قَالَ: «أُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ»(٥).
وعليه، فإنَّ مجرَّد الإقرار والإخبارِ بصحَّة رسالة الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم لا توجب الإسلامَ إلاَّ أن يلتزم طاعتَه ومتابعته، وهذا باتِّفاق الصحابة والتابعين وأئمَّة السنَّة، وقد بيَّن ابن القيِّم -رحمه الله- هذا المعنى بقوله: «إنَّ الإيمان لا يكفي فيه قولُ اللسان بمجرَّده، ولا معرفةُ القلب مع ذلك، بل لا بدَّ فيه مِن عمل القلب، وهو حبُّه لله ورسولِه، وانقيادُه لدينه، والتزامُه طاعتَه ومتابعةَ رسوله»(٦).
والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلَّم تسليمًا.
الجزائر في: ١٨ من المحرَّم ١٤٣٥ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٢ نوفـمبر ٢٠١٣م

(١) أخرجه البخاري في «التوحيد» بابُ قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٧٤٣٩)، ومسلم في «الإيمان» (١٨٣)، من حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه.

(٢) «التوضيح عن توحيد الخلاَّق» لسليمان بن عبد الله بن محمَّد بن عبد الوهَّاب (١٠٥-١٠٦).

(٣) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٥٤١).

(٤) أخرجه البخاري في «الإيمان» باب: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] (٢٥)، ومسلم في «الإيمان» (٢٢)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

(٥) أخرجه البخاري في «الاعتصام بالكتاب والسنَّة» باب الاقتداء بسنن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم (٧٢٨٤)، ومسلم واللفظ له في «الإيمان» (٢١)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٦) «مفتاح دار السعادة» لابن القيِّم (١/ ٣٣٠).


من موقع الشيخ