قال -رحمه الله-: "
مسألة
أخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة أن العذر بالإكراه من خصائص هذه الأمة، لأن قوله: عن أصحاب الكهف {إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ} [18/20] ظاهر في إكراههم على ذلك وعدم طواعيتهم، ومع هذا قال عنهم: {وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا} فدل ذلك على أن ذلك الإكراه ليس بعذر. ويشهد لهذا المعنى حديث طارق بن شهاب في الذي دخل النار في ذباب قربه مع الإكراه بالخوف من القتل. لأن صاحبه الذي امتنع أن يقرب ولو ذباباً قتلوه.
ويشهد له أيضاً دليل الخطاب، أي مفهوم المخالفة في قوله: صلى الله عليه وسلم: "
إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" فإنه يفهم من قوله: "تجاوز لي عن أمتي" أن غير أمته من الأمم لم يتجاوز لهم عن ذلك.
وهذا الحديث وإن أعله الإمام أحمد وابن أبي حاتم فقد تلقاه العلماء قديماً وحديثاً بالقبول، وله شواهد ثابتة في القرآن العظيم والسنة الصحيحة. وقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا "
دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب" في سورة الكهف، في الكلام على قوله: {إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ...}الآية [18/20]. ولذلك اختصرناها هنا. أما هذه الأمة فقد صرح الله تعالى بعذرهم بالإكراه في قوله: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ} [16/106]. والعلم عند الله تعالى.[أضواء البيان].

وقال في موضع آخر:
قوله تعالى: {
وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً}...
أما على القول الأول فلا إشكال في قوله: {
وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى}
وأما على الثاني ففيه إشكال معروف. لأن الناسي معذور فكيف يقال فيه {
وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى}.
وأظهر أوجه الجواب عندي عن ذلك: أن آدم لم يكن معذوراً بالنسيان. وقد بيّنت في كتابي "
دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب" الأدلة الدالة على أن العذر بالنسيان والخطإ والإكراه من خصائص هذه الأمة. كقوله هنا {فَنَسِيَ} مع قوله {وَعَصَى} فأسند إليه النسيان والعصيان، فدّل على أنه غير معذور بالنسيان. ومما يدّل على هذا ما ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس وأبي هريرة: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} قال الله نعم قد فعلت. فلو كان ذلك معفواً عن جميع الأمم لما كان لذكره على سبيل الامتنان وتعظيم المنّة عظيم موقع. ويستأنس لذلك بقوله: {كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} ويؤيد ذلك حديث: "إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" . فقوله "تجاوز لي عن أمتي" يدل على الاختصاص بأمته. وليس مفهوم لقب. لأن مناط التجاوز عن ذلك هو ما خصّه الله به من التفضيل على غيره من الرسل.والحديث المذكور وإن أعلّه الإمام أحمد وابن أبي حاتم فله شواهد ثابتة في الكتاب والسنة. ولم يزل علماء الأمة قديماً وحديثاً يتلقونه بالقبول.
ومن الأدلة على ذلك
حديث طارق بن شهاب المشهور في الذي دخل النار في ذباب قربه مع أنه مكره وصاحبه الذي امتنع من تقريب شيء للصنم ولو ذباباً قتلوه. فدل ذلك على أن الذي قربه مكره. لأنه لو لم يقرب لقتلوه كما قتلوا صاحبه، ومع هذا دخل النار فلم يكن إكراهه عذراً. ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى عن أصحاب الكهف: {إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً} فقوله: {يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ} دليل على الإكراه، وقوله: {وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً} دليل على عدم العذر بذلك الإكراه. كما أوضحنا ذلك في غير هذا الموضع ". [أضواء البيان]

وقال في كتابه "
دفع إيهام الإضطراب " :
قوله تعالى:{إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً}. هذه الآية تدل بظاهرها على أن المكره على الكفر لا يفلح أبدا.وقد جاءت آية أخرى تدل على أن المكره على الكفر معذور إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان وهي قوله تعالى: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً}. الآية.
والجواب عن هذا من وجهين:
الأول: أن رفع المؤاخذة مع الإكراه من خصائص هذه الأمة فهو داخل في قوله تعالى:{وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} ويدل لهذا قوله صلى الله عليه وسلم: " إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". فهو يدل بمفهومه على خصوصه بأمته صلى الله عليه وسلم وليس مفهوم لقب؛ لأن مناط التخصيص هو اتصافه صلى الله عليه وسلم بالأفضلية على من قبله من الرسل واتصاف أمته بها على من قبلها من الأمم. والحديث وان أعله أحمد وابن أبي حاتم فقد تلقاه العلماء قديما وحديثا بالقبول ومن أصرح الأدلة في أن من قبلنا ليس لهم عذر بالإكراه, حديث طارق بن شهاب في الذي دخل النار في ذباب قربه لصنم مع أنه قربه ليتخلص من شر عبدة الصنم, وصاحبه الذي امتنع من ذلك قتلوه فعلم أنه لو لم يفعل لقتلوه كما قتلوا صاحبه ولا إكراه أكبر من خوف القتل ومع هذا دخل النار ولم ينفعه الإكراه, وظواهر الآيات تدل على ذلك فقوله: {وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً} ظاهر في عدم فلاحهم مع الإكراه؛ لأن قوله: {يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِم} صريح في الإكراه وقوله: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} مع أنه تعالى قال: "قد فعلت" كما ثبت في صحيح مسلم يدل بظاهره على أن التكليف بذلك كان معهوداً قبل, وقوله تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ} مع قوله: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّه} فأسند إليه النسيان و العصيان معا يدل على ذلك أيضا وعلى القول بأن المراد بالنسيان الترك فلا دليل في الآية.
وقوله:{
رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} مع قوله:{كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} ويستأنس لهذا بما ذكره البغوي في تفسيره عن الكلبي من أن المؤاخذة بالنسيان كانت من الأصر على من قبلنا وكان عقابها يعجل لهم في الدنيا فيحرم عليهم بعض الطيبات. وقال بعض العلماء: إن الإكراه عذر لمن قبلنا وعليه فالجواب هو:
الوجه الثاني: أن الإكراه على الكفر قد يكون سببا لاستدراج الشيطان إلى استحسانه والاستمرار عليه كما يفهم من مفهوم قوله تعالى: {وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَان} وإلى هذا الوجه جنح صاحب روح المعاني والأول أظهر عندي و أوضح والله تعالى أعلم ".