اتْحاف الأَسْمَاعْ:
بِتَوْجِيهِ مَا يُنْسَبُ –لِبَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ- مِنْ نَفْيِ الإِجمَاعْ

***
بِسْمِ الله الرَّحمنِ الرَّحِيم
الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسُول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أمَّا بعد:
قال شيخُنا مُصطفى بن محمَّد مبرم –حفظه الله تعالى-:
[وإِجماعُ هَذهِ الأُمَّة حُجَّة](*)
وهُنا يَحكي بعض الشُّرَّاح وبعض الباحثين وبعض الأصوليين وبعض العلماء الخلاف في هذه المسألة وهو هل الإجماع حُجَّة أو ليس بحجة؛ وينبغي أن يُتنبَّه أنَّ مُجرَّد الإقرار بالخلاف يُضْعِف الكلام وحُجيَّة الإجماع.
وكثيرٌ من هؤلاء الَّذين يَحكون الخلاف يذكرون أمثال النظَّام والبَهْشمي والرَّافضة -ومن شابههم- في منازعتهم في الإجماع، وهؤلاء إذا كان أئمَّة الدِّين والسُّنَّة لا يرفعون رأسًا بموافقتهم فكيف يعتنون بمخالفتهم؟! فلا يُفرح إذا وافقوا فكيف يُلتفت إلى قولهم إذا خالفوا؟!

وإنَّما يقع الإشكال عند كثير من طلبة العلم وعند كثير من الباحِثين من جهة بعض المنتسبين لأئمَّة السُّنَّة ممَّا يتعلَّق بكلامهم في هذه المسألة، وسأشير إلى هذا إشارات فقط، لأنَّ الجواب عنها يطول الكلام عليه:
فمن أرفع ذلك: ما صحَّ عن الإمام أحمد أنَّه قال -رحمه الله-: (من ادَّعى الإجماع فهو كاذب) وهذا القول من الإمام أحمد ينبغي أن يُعرف -كما يُقال- سِباقه ولَحاقه حتَّى يُفهم وحتَّى يُتصوَّر كلام الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- على ما أراده -والعلم عند الله- لأنَّنا نتعامل مع ظاهر الألفاظ كما هو معلوم.أنا سأذكر كلام الإمام أحمد -عليه رحمة الله- كاملًا: جاء في مسائل عبدالله الَّتي رواها عن أبيه قال: (سمعتُ أبي يقول: ما يدَّعي الرَّجل فيه الإجماع هذا الكذب، من ادَّعى الإجماع فهو كاذب، لعلَّ النَّاس قد اختلفوا هذه دعوى بِشر المريسي والأصم، ولكن يقول: لا يعلم النَّاس يختلفون، أو لم يبلغه ذلك، ولم ينته إليه فيقول: لا يعلم الناس اختلفوا) هذا كلام الإمام أحمد مقرون بذكر الأصم وبذكر بِشر المريسي، وفي بعض الألفاظ مقرونٌ بآخرين من رُؤوس البدعة والضَّلالة،ولهذا الإمام أحمد اِستعمل هذا من باب الورع، ولهذا جاء في المسوَّدة لآل تيمية: (إنَّما فقهاء المتكلِّمين كالمريسي والأصم يدَّعون الإجماع ولا يعرفون إلَّا قول أبي حنيفة ومالك ونحوهما، ولا يعلمون أقوال الصَّحابة والتَّابعين)، وأيضًا ما يتعلَّق بكلام تلميذه ابن القيم قال -رحمه الله-: (هذا التَّقسيم أصلٌ من أصول ضلال القوم فإنَّهم فرَّقوا بين ما سمّوه أصولًا و ما سمّوه فروعًا و ادَّعوا الإجماع على هذا التَّفريق، ولا يُحفظ ما جعلوه إجماعًا عن إمام من أئمة المسلمين ولا عن أحدٍ من الصَّحابة والتَّابعين، وهذه عادة أهل الكلام يحكون الإجماع على ما لم يقله أحد من أئمَّة المسلمين بل أئمَّة المسلمين مُجمعون على خلافه، وقال الإمام أحمد: (من ادَّعى الإجماع فقد كذب) أمَّا هذه دعوى الأصم وابن عُليَّة وأمثالهما يُريدون أن يبطلوا سنن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بما يدَّعونه من الإجماع) هكذا قال الحافظ ابن القيِّم -رحمه الله- كما في "مختصر الصَّواعق"؛ وقال تلميذه الحافظ ابن رجب: (وأمَّا ما رُوي من قول الإمام أحمد (من ادَّعى الإجماع فقد كذب) فهو إنَّما قاله إنكارًا على فقهاء المعتزلة الَّذين يدَّعون إجماع النَّاس على ما يقولونه، وكانوا أقل النَّاس معرفةً بأقوال الصَّحابة والتَّابعين) هذا ما يتعلَّق بكلمة الإمام أحمد.
والإمام أحمد -رحمه الله تعالى- قد نُقل عنه حكاية إجماعات ممَّا يدلُّ على عنايته بهذا الباب وأنَّه يعتني بما أجمع عليه الصَّحابة واتَّفقوا عليه.
ومنَ المسائل المهمَّة الَّتي رُبَّما أردتُ التَّنبيه عليها ما يتعلَّق بما قاله شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في مسألة الإجماع المنضبط، وكلام شيخ الإسلام -رحمنا الله وإيَّاه- يُعتبر من أشهر المقولات في هذا الباب، والأُصوليون يردِّدونه، ولاشكَّ من أنَّه قولٌ فيه التَّحقيق التَّام منه -رحمه الله-، يقول: (الَّذي أنكره أحمد دعوى إجماع المخالفين بعد الصَّحابة أو بعدهم وبعد التَّابعين أو بعد القرون الثَّلاثة المحمودة، ولا يكاد يُوجد في كلامه احتجاج بإجماع بعد عصر التَّابعين أو بعد القرون الثَّلاثة مع أنَّ صغار التَّابعين أدركوا القرن الثَّالث وكلامه في إجماع كلِّ عصرٍ إنَّما هو في التَّابعين)، هذا كلام شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-؛ وقد ذَكر في موضع آخر بأنَّ الإجماع المنضبط -يعني في الواسطية- بأنَّ الإجماع المنضبط هو الَّذي يكون في عصر الصَّحابة.
وكذلك شيخ الإسلام -رحمه الله- قد جُمع أكثر ما يقارب ألف مسألة من المسائل الَّتي حكى عليها الإجماع –رحمنا الله وإيَّاه-.

يبقى الكلام على الشَّوكاني وهو من أكثر من تبنَّى هذه المسألة ونُسب إليه القول بإنكار الإجماع، ومن أصرح الكلام الَّذي وقفتُ له عليه ما ذكره في كتابه "وبل الغمام على شفاء الأوام"
وينبغي أن تعلموا قبل هذا أنَّ العُلماء قد يُنكرون الشَّيء بسبب كثرة الدَّعاوى الَّتي تقعُ عليه، فيأتي من لا يجمع أقوالهم وكلامهم ويُقارن بينه ويظنّ أنَّهم يُنكرون هذا الأمر مطلقًا.
الشَّوكاني -رحمه الله- نعم وقع التَّصريح في كلامه في مواضع، ولعلَّ -كما قلتُ لكم- من أصرحها ما وقع في كتاب"شفاء الأوام"، إلَّا أنَّ الشَّوكاني نفسه -رحمه الله- يحكي الإجماع في مسائل كثيرة من العلم ولا يتعقَّبها بشيءٍ، مع أنَّه لا نشك أنَّه ربَّما وَقف على شيءٍ من الخلاف فيها؛ مثلًا حكى الإجماع على سُنِّية صلاة الكسوف في "نيل الأوطار"،ومعلوم أنَّ الشَّوكاني -رحمه الله- يكادُ أن نقول بأنَّه هضم كتب الحافظ ابن حجر وأودعها في كتبه ومنها "فتح الباري" هذا أمرٌ معلومٌ لا يجهله من له عنايةٌ بالعلم والبحث في كتب الشَّوكاني وكتب غيره من أهل العلم، ومع هذا لم يلتفت إلى ما حكاه الحافظ ابن حجر -رحمه الله- من تصريحِ أبي عوانه الإسفراييني على القول بوجوب صلاة الكسوف؛ وأصرح من هذا -في نظري- في كلام الشَّوكاني -رحمه الله- أنَّه لمَّا تكلَّم على جِلسة الاستراحة في الصَّلاة وتكلَّم على حديث مالك بن الحُويرث وتكلَّم على حديث المسيء في صلاته وذكر عنِ النَّووي أنَّه قال بأنَّ جلسة الاستراحة لم تقع في حديث المسيء في صلاته، ثمَّ تعقب النَّووي بأنَّها قد وقعت عند البُخاري في كتاب المغازي وبأنَّ البُخاري أشار إلى شُذوذها، ثمَّ تكلَّم الشَّوكاني على هذه المسألة وقال: (وقد وقعت هذه الرِّواية وفيها ما فيها –يعني من الضَّعف- ولو علمتُ قائلًا بوجوبها لقلتُ به) يعني أنَّه لم يقل بوجوب جلسة الاستراحة أحدٌ ممَّن يُرجع إليه في العلم والفتوى من أهل الإسلام؛ وهذا أيضًا للشَّوكاني في مواطن لا أدَّعي بأنَّها كثيرة لكنَّها موجودة أنَّه لا يجسر على أن يقول قولًا لم يُسبق إليه، وبهذا يُفهم كلام الإمام أحمد عندما قال: (لا تقل قولاً ليس لكَ فيه إمام) كما قاله للميمُوني، فهذا الَّذي يحمل عليه هذا المعنى من أنَّه إذا لم يكن هناك من يقول بهذه المسألة فلا يُمكن أن يقول بها هذا العالم بمفرده؛ وهذا أمرٌ ربَّما يكون ظاهرًا.

وكذلكَ ما يُنسب إلى شيخنا مُقبل -عليه رحمة الله- من إنكار الإجماع، وهو محمولٌ على هذا، وإلَّا فعندي في مقيّدات الشَّيخ -رحمه الله- مسائل حكَى فيها الإجماع، وكان من أكثر المسائل الَّتي يحكي فيها الإجماع ما يتعلَّق بالإجماع على الجرح والتَّعديل والكلام على الرُّواة، ويحكي إجماعات في مسائل أُخرى -رحمه الله وغفر له- هذا شيء ظاهر.

وأيضًا إذا نظرت فيما يتعلَّق بتعقُّبَات من يحتفي بالإجماع كثيرًا تجد هذا المعنى في كلامهم كالنَّووي -رحمه الله- فإنَّه يتعقَّب حتَّى مثل التِّرمذي في بعض حكاياته للإجماع.
ثمَّ أيضًا إذا نظرنا إلى الطَّبقات المتقدِّمة من طبقات أهل العلم نجد أنَّهم يحكون الإجماع، ومن نظر في مصنَّف ابن أبي شيبة، ومُصنَّف عبد الرَّزَّاق، وسُنن سعيد بن منصور، وطائفة من كتب أهل العلم كشرح معاني الآثار للطحاوي -رحمه الله- يجد أنَّهم يحكون الإجماع في طبقات متقدِّمة كإبراهيم النَّخعي وابن سيرين مثلًا، وكذلك ما وقع من الإمام محمَّد بن الحسن الشيباني في موطئه، وما وقع من الإمام أحمد كما ذكرتُ قبل قليل، وما وقع من الإمام الشَّافعي -رحمه الله-.

فإذا صحّ الإجماع بمعنى أنَّه لا قائل بغير هذا القول فإنَّ هذا من القرائن القويَّة؛ أنَّه لا يقول بغير هذا القول أحدٌ فإنَّنا نقول به.

وكذلك حتَّى حُكي الإجماع عن الحسن البصري في مسائل، وهكذا من جاء بعدهم؛ وإنَّما ذكرتُ المتقدِّمين ليُعرف أنَّ هذا أمر ليس مُحدثًا.

فالإجماع لا شكّ في حُجِّيته، ولهذا الَّذين يقولون:" الجمهور على أنَّ الإجماع حُجَّة" هذا فيه إسقاطٌ للإجماع لأنَّه ليس ملزمًا مع وجود الخلاف فيه.
تفريغ: أم حور
من الدَّرس 11 \ شرح متن الورقات
[باختصار يسير]
_______________
(*) من كلام الجويني -رحمه الله-.