بسم الله الرَّحمن الرَّحيم


سمعتُ شيخنا مُصطفى مبرم حفظه الله تعالى –عند ذِكرهِ لسيرة الشَّيخ زيد المدخلي رحمه الله- يقول:
اِلتحق [الشَّيخ زيد المدخلي رحمه الله] بالمدرسة السَّلفية التي أسَّسها المجدِّد العلَّامة الإمام مجدِّد التَّوحيد والسُّنَّة في جنوب المملكة ألا وهو الشَّيخ العلَّامة عبدالله بن محمَّد القرعاوي -عليه رحمة الله ومغفرته-؛ والشَّيخ القرعاوي عالمٌ كبير جدًّا، ولمَّا كانت مقاييس النَّاس للعلم بالمصنَّفات فإنَّ كثيرين من طلبة العلم وكثيرين من المعتنين بالعلم لا يعرفون العالِم إلَّا بمصنَّفاته وهذا خطأ، ولا شكَّ قصر هذا الأمر عليه خطأ، بل أيضًا يُعرف بتلامذته ودعوته ونشره للعلم فإنَّ الكثيرين من العلماء في تاريخ الأمَّة لم يورِّثوا المصنَّفات.

لكن من نظر في ترجمة أو في سيرة الشَّيخ القرعاوي -رحمه الله- وما تركه من الأثر في تلك الأماكن وفي غيرها ومن تتلمذ عليه كشيخنا العلَّامة عبدالله بن عبد العزيز العَقيل وشيخنا العَّلامة أحمد بن يحيى النَّجمي وشيخ مشايخنا العَّلامة حافظ حكمي والشَّيخ العلَّامة زيد بن محمد بن هادي المدخلي إلى كثير من العلماء الَّذين سارت بسيرتهم الرُّكبان.

وقد سألتُ شيخنا العلَّامة أحمد بن يحيى النَّجمي -عليه رحمة الله- في مجلس عن مؤلفات الشَّيخ عبدالله بن محمد القرعاوي وأنَّ بعض النَّاس يقولون لماذا لَم يترك مؤلفات؟ فغضب الشَّيخ -رحمة الله عليه-، -ولازلتُ أذكر ذلك المجلس- وقال: (ترك ما هو أنفع من المؤلَّفات أحيا الله به أمَّة على التَّوحيد والسُّنَّة كانت في الشِّرك والجاهلية ثم هؤلاء طلابه وهذه دعوته).

الشَّيخ عبدالله بن محمد القرعاوي ليس فقط عالمًا على ما أُلف في العصور المتأخرة بل رحل إلى الهند وتتلمذ على طلاب نذير حسين الدَّهلوي الَّذي عليه مدار أسانيد الحديث في الهند، تتلمذ على طلَّابه مثل الشَّيخ أحمد الله القُرشي وأجازه بالكُتب السِّتَّة كما هو معروف.

الشَّيخ عبد الله بن محمد القرعاوي أنشأ تلك المدرسة الجليلة التي سمَّاها بالمدرسة السَّلفية وكانت في بيتٍ -رأيناه عندما ذهبنا إلى شيخنا الشَّيخ زيد بن محمد المدخلي- وهو بيت الشَّيخ ناصر بن خُلوفة طياش المباركي -رحمه الله- فأنشأها وكان يُقيم فيها دروس العلم المتعلِّقة بالقرآن من توحيد وعقيدة ومُتعلقة بالحديث خصوصًا "بلوغ المرام"، وما يتعلَّق بالتَّوحيد ككُتب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهَّاب وشيخ الإسلام ابن تيميَّة؛ وتُدرَّس فيها جميع أنواع العلوم المتعلِّقة بالشَّريعة من آلة ومقاصد -يعني من وسائل ومقاصد-، فتُدرَّس فيها النَّحو والصَّرف والبلاغة والعَروض.

وكانت العلوم تُدرَّس دراسة مُتقنة حتَّى أخبرني الشَّيخ عبدالله بن علي الأهدل وهو من تلاميذ الشَّيخ القرعاوي -وغيره من المشايخ الذين درَّسوا هناك- أنَّهم في دراستم للعروض كانوا من شدَّة اتقانهم يُقطعون البيت من الخلف، حتَّى ذكر لي أيضًا الشَّيخ ناصر قُحل -حفظه الله ووفَّقه-، -ولا يزال حيًّا- عند أن زُرته إلى بيته أيضًا أنَّهم كانو يُقطعون البيت بالعروض من الخلف قال: (فجاءنا مرَّة) -وهذه القصة أيضًا تتابع عليها الشَّيخان، ذكرها لي الشَّيخ عبدالله بن علي الأهدل وذكرها لي الشَّيخ ناصر قُحل وقال- : عندما جاءهم بعض المشرفين إلى المعهد فكانوا في حصَّة العروض فأراد المشرف أن يعرف هل أتقنوا أو لم يتقنوا، فقال له المدرِّس: (هل تريد أن يقطعوا البيت من الخلف أو من الأمام؟) فتعجَّب المشرف فقال: (هذا ما يُعقل!)، فقام لا أدري هل هو الشَّيخ ناصر أو الشَّيخ الأهدل -هل قام هو أو هو أو آخر- وقطَّع البيت من الخلف، فذُهل المشرف من هذا؛ ما الشَّاهد من هذا الَّذي ذكرته؟ الشَّاهد من هذا الَّذي ذكرته أنَّ الدِّراسة كانت في غاية الإتقان ولهذا تجد الشَّيخ منهم مُلمًّا بهذه العلوم وعارفًا بها نحوًا وصرفًا وبلاغة، وناهيك عمَّا يتعلَّق بالتَّوحيد والفقة وما شابه ذلك.

تفريغ: أم حور
من الدَّرس الأوَّل \ شرح نظم رسالة إلى أهل القصيم