بسم الله الرَّحمن الرَّحيم


مسَائل متعلِّقة بيوم الجُمُعة
(متجدِّد بإذن الله)

***
( 1 )
ما حُكم غسل الجمعة؟!


سمعتُ شيخنا مصطفى مبرم حفظه الله يقول:
لشدَّة الاختلاف في الاغتسال يوم الجمعة سنتكلَّم عليه بشيءٍ من الاختصار؛ فقد اختلف فيه أهل العلم على قولين رئيسيين، أو على على ثلاثة أقوال إن اعتبرنا تفصيل ابن القيِّم وشيخه شيخ الإسلام -رحمه الله-، وبعض أهل العلم.

القول الأوَّل
وهو مذهب جماهير أهل العلم فهو مذهب الحنفية وجماهير المالكية وهو أيضًا مذهب الشَّافعية وجماهير الحنابلة على أنَّ الاغتسال يوم الجمعة سُنَّة مؤكَّدة وليس واجبًا؛ وقد قطع القاضي عبد الوهاب في "الإشراف على نكت مسائل الخلاف" بأنَّ مذهب المالكية في الاغتسال يوم الجمعة سُنَّة مُؤكَّدة، هكذا قال: (غُسل الجمعة سُنَّة مؤكَّدة خلافًا لمن ذهب إلى وجوبه) أراد يعني من المالكية، لأنَّ طائفة من المالكية ذهبوا إلى وجوب الاغتسال يوم الجمعة، ولكن جمهورهم على أنَّه سُنَّة من السُّنن؛ فعرفنا أنَّ الجماهير من أهل العلم على أنَّ الاغتسال يوم الجمعة سُنَّة مُؤكَّدة.

والإجماع مُنعقد على المشروعية، أنَّه مشروع وأنَّه مُرغَّبٌ فيه هذا لا خلاف فيه بين أهل العلم؛ وإنَّما اختلفوا في الوجوب هل يُقال بأنَّه واجب.

وحُجَّة الجمهور على أنَّه سُنَّة: ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: (
من توضَّأ فأَحْسَنَ الوضُوءَ ثمَّ أتَى الجُمُعَةَ فاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ غُفر لهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعةِ، وزيادةُ ثلاثةِ أيَّامٍ، ومَنْ مَسَّ الحصَى فَقَدْ لَغَا) ووجه الدَّلالة من الحديث أنَّ النَّبي عليه الصَّلاة والسَّلام لم يذكر غسلًا وإنَّما ذكر الوضوء.
ومن أصرح أدلَّتهم ما جاء في سُنن أبي داود والتِّرمذي وغيرهما من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: (
مَن تَوضَّأَ يومَ الجُمُعةِ فَبِهَا ونِعمَتْ، ومَنِ اغتَسَلَ فالغُسْلُ أَفْضَلُ) :
_ فإنَّ النَّبي عليه الصَّلاة والسَّلام أثنى في هذا الحديث على من توضأ وقال: (
فَبِهَا وَنعْمَت) وهذا ثناء، لأنَّ "نعمت" يُثنى بها على الفاعل.
_ والوجه الثَّاني: أنَّه جعل الاغتسال من باب الأفضلية، وهذا الحديث قد صحَّحه جماعة من أهل العلم وحسَّنه آخرون، حسَّنه الحافظ النَّووي -رحمه الله- وصحَّحه العلامة الألباني في صحيح أبي داود وصحيح التِّرمذي وفي غيرها من كتبه، وهذا القول هو القول المرجَّح عند طائفة من أهل العلم.


والقول الثَّاني:
أنَّ الاغتسال واجب، وهذا قول الظَّاهرية وقول طائفة من المالكية وطائفة من الحنابلة -رحمهم الله- واستدلُّوا بحديث ابن عمر في الصَّحيحين (إِذَا جَاءَ أَحَدكُم الجُمُعَةَ فلْيَغْتَسِلْ) فقالوا اللَّام الداخلة على الفعل تدلُّ على الوجوب:
أربع ألفاظٍ بها الأمر دري = افعل لتفعل اسم فعل مصدر
واستدلُّوا أيضًا بالتَّصريح بلفظ الوجوب -وهو حديث أبي سعيد مرفوعًا-: (غُسْلُ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِم) لكن ينبغي أن يُعلم أنَّ الجماهير حملوا الوجوب على التَّأكيد وأنَّهم لم يحملوه على المعنى الاصطلاحي، لأنَّ المعنى الاصطلاحي عند الأُصوليين لم يكن معروفًا كما هو معلوم، ولهم أدلَّة أخرى كثيرة.


والقول الثَّالث
-إذا اعتبرناه قولًا ثالثًا- الَّذي اختاره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيِّم، واختاره شيخنا العلَّامة الفوزان -حفظه الله- واختاره طائفة من أهل العلم: على التَّفصيل من أنَّ الأصل في الإغتسال يوم الجمعة أنَّه من السُّنن لكن إذا دعا السَّبب إلى الاغتسال له بأن يُتأذَّى بالإنسان الَّذي يكون في المهن والأعمال الَّتي تُؤثِّر عليه وتجلب الرَّوائح إلى بدنه وإلى ثيابه فإنَّهم يوجبون ذلك عليه لأنَّه يُؤذي النَّاس بهذا، وهؤلاء استدلُّوا بالأدلَّة المتقدِّمة مع ما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها في الصَّحيحين أنَّها قالت: (كانَ النَّاسُ مهنَة أَنْفُسِهِمْ ، وكانُوا إذَا رَاحُوا إلى الجُمُعَةِ راحُوا في هَيْئَتِهِمْ، فَقِيلَ لهُمْ: لَوْ اغْتَسَلْتُم) وهذا في الصَّحيحين كما تقدَّم، وفي لفظٍ قالت: (كان النَّاسُ ينتابُون الجُمُعَةَ مِنْ مَنَازلِهِم مِنَ العَوَالي، فَيأْتُون في العَباءِ، ويُصِيبُهم الغُبَارُ، فَتَخرُجُ منْهُم الرِّيحُ؛ فأَتَى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ علَيْهِ وسلَّمَ إِنْسانٌ مِنْهُم وَهُوَ عِنْدِي، فَقَال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ:لَوْ أنَّكُم تَطَهَّرتُم لِيَومِكُم هَذَا).
ابن حزم له مماحلة في هذا الحديث وقال بأنَّ "لولا" تدلُّ على التَّخيير وهي كما في قوله تعالى: {
وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ} ولكن نردُّ عليه بالحديث نفسه لأنَّ النَّبي عليه الصَّلاة والسَّلام لم يرُدَّهم ولم يقل لهم لا تحضروا الجمعة إلى غير ذلك من الدَّلائل الَّتي دلَّت على عدم وجوب الاغتسال في يوم الجمعة.
ومنها أيضًا حديث ابن عباس عند أبي داود رضي الله عنهما قال: (
غسل الجمعة ليس بواجب ولكنَّه أطهر وخير لمن اغتسل، وسأُخبركم كيف كان بدء الغسل) فذكر قريبًا من حديث أو لفظ عائشة رضيَ الله عنها في قول النَّبي عليه الصَّلاة والسَّلام: (لَوْ أنَّكُم تَطَهَّرتُم لِيَومِكُم هَذَا)


ولكن نقول بأنَّ من كان عليه وسخ أو غبرة أو ريح فإنَّ الأمر يكون أشدّ تأكُّدًا في حقِّه أن يغتسل أمَّا الوجوب ففي النَّفس منه شيء.

الدَّرس 27 / شرح منهج السَّالكين

تفريغ إدارة حساب: فوائد ش/مصطفى مبرم
www.telegram.me/fawaidmbrm