بسم الله الرحمن الرحيم

بيان تغير معنى كلمة { سُخْرِيا - سِخْرِيا} حسب السياق في القرآن


قال الفراء في معاني القرآن: وقوله: {لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً...}، و"سِخْرِيّاً" وهما واحد هاهنا وفي:
"قد أفلح"، وفى ص - سواء الكسر فيهن والضم لغتان.

قال النحاس في معاني القرآن: ثم قال جل وعز {ليتخذ بعضهم بعضا سخريا}: أي ليكون بعضهم لبعض خولا و سُخري و سِخري واحد.

قال ابن عطية في المحرر الوجيز عن قوله تعالى: {فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ} [المؤمنون: 110]:
وقرأ نافع وحمزة والكسائي «سُخريا» بضم السين، وقرأ الباقون «سِخريا» بكسرها، فقالت طائفة هما بمعنى واحد وذكر ذلك الطبري، وقال ذلك أبو زيد الأنصاري إنهما بمعنى الهزء، وقال أبو عبيدة وغيره: إن ضم السين من «السخرة» هو التخديم، وكسر السين من السخر وهو الاستهزاء ومنه قول الأعشى: [البسيط]
إني أتاني حديث لا أسرّ به ... من علو لا كذب فيه ولا سخر
قال أبو علي قراءة كسر السين أوجه لأنه بمعنى الاستهزاء والكسر فيه أكثر وهو أليق بالآية ألا ترى إلى قوله: وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ.
قال القاضي أبو محمد: ألا ترى إلى إجماع القراء على ضم السين في قوله لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا [الزخرف: 32] لما تخلص الأمر للتخديم، قال يونس إذا أريد التخديم فضم السين لا غير، وإذا أريد تخلص الاستهزاء فالضم والكسر، وقرأ أصحاب عبد الله والأعرج وابن أبي إسحاق كل ما في القرآن بضم السين، وقرأ الحسن وأبو عمرو كل ما في القرآن بالكسر إلا التي في الزخرف فإنهما ضما السين كما فعل الناس لأنها من التخديم. اهـ

وقال أيضا في قوله تعالى {لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا}[الزخرف: 32]:
وقرأ جمهور الناس «سخريا» بضم السين. وقرأ أبو رجاء وابن محيصن: «سخريا» بكسر السين، وهما لغتان في معنى التسخير، ولا مدخل لمعنى الهزء في هذه الآية.

قال صاحب اللباب في علوم الكتاب عند قوله تعالى: {لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً} أي ليستخدم بعضهم بعضاً، فيسخر الأغنياء بأموالهم الأُجَرَاءَ الفقراء بالعمل فيكون بعضهم لبعض سبب المعاش هذا بماله وهذا بأعماله فيلتئم قوام العالم. وقد مضى الكلام في سخرياً في المؤمنين. وقرأ بالكسر هنا عَمْرُو بنُ مَيْمُون، وابن مُحَيصِن، وأبوُ رَجاء وابنُ أبي ليلى، والوليدُ بنُ مُسْلِم، وخلائقُ بمعنى المشهورة وهو الاستخدام. وَيَبْعُدُ قولُ بعضهم: إنه استهزاء الغنيّ بالفقير. [اللباب في علوم الكتاب - 255/17]

قال صاحب روح البيان في قوله تعالى: {لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا} من التسخير والاستخدام ولكون المراد هنا الاستخدام دون الهزؤ لانه لا يليق التعليل به اجمع القراء على ضم السين فى الرواية المشهورة عنهم فما كان من التسخير فهو مضموم وما كان من الهزؤ فهو مكسور والمعنى ليستعمل بعضهم بعضا فى مصالحهم ويسخر الأغنياء باموالهم الأجراء الفقراء بالعمل فيكون بعضهم لبعض سبب المعاش هذا بماله وهذا بعمله فيتم قوام العالم لا لكمال. [روح المعاني - 366/8 ]

قال الشوكاني عند قوله تعالى {لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا} أَيْ: لِيَسْتَخْدِمَ بعضهم بعضا فيستخدم الغنيّ الفقير، والرئيس المرؤوس، وَالْقَوِيُّ الضَّعِيفَ، وَالْحُرُّ الْعَبْدَ، وَالْعَاقِلُ مَنْ هُوَ دونه في الْعَقْلِ، وَالْعَالِمُ الْجَاهِلَ، وَهَذَا فِي غَالِبِ أَحْوَالِ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَبِهِ تَتِمُّ مَصَالِحُهُمْ وَيَنْتَظِمُ مَعَاشُهُمْ وَيَصِلُ كُلٌّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَى مَطْلُوبِهِ، فَإِنَّ كُلَّ صِنَاعَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ يُحْسِنُهَا قَوْمٌ دُونَ آخَرِينَ، فَجُعِلَ الْبَعْضُ مُحْتَاجًا إِلَى الْبَعْضِ لِتَحْصُلَ الْمُوَاسَاةُ بَيْنَهُمْ فِي مَتَاعِ الدُّنْيَا، وَيَحْتَاجُ هَذَا إِلَى هذا، ويصنع هذا لهذا، ويعطي هذا هذا. قال السدّي وابن زيد: سخريا: خولا وخداما، يسخر الأغنياء الفقراء فَيَكُونُ بَعْضُهُمْ سَبَبًا لِمَعَاشِ بَعْضٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ والضحاك: ليملك بعضهم بعضا، وقيل: هو من السُّخْرِيَةُ الَّتِي بِمَعْنَى الِاسْتِهْزَاءِ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُطَابِقًا لِلْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَلَكِنَّهُ بَعِيدٌ مِنْ مَعْنَى القرآن، ومناف لما هو مقصود السياق. [فتح القدير - 634/4]

قال الألوسي في روح المعاني عند قوله تعالى {لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً}: والسخري على ما سمعت نسبة إلى السخرة وهي التذليل والتكليف ، وقال الراغب: السخري هو الذي يقهر أن يتسخر بإرادته ، وزعم بعضهم أنه هنا من السخر بمعنى الهزء أي ليهزأ الغني بالفقير واستبعده أبو حيان ، وقال السمين : إنه غير مناسب للمقام.
وقرأ عمرو بن ميمون. وابن محيصن: وابن أبي ليلى. وأبو رجاء. والوليد بن مسلم { سِخْرِيّاً } بكسر السين والمراد به ما ذكرنا أيضاً.

قال محمد الأمين الشنقيطي عند قوله تعالى: {لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً} التحقيق إن شاء الله أنه من التسخير. [أضواء البيان 112/7]


* وكان الحامل لهذا الجمع قرأت مقالا لفضيلة الشيخ صالح الفوزان حفظه الله في رده على أحد الكتاب حيث جاء فيه ما نصه:
وكذلك ما ذكره الكاتب حول قوله تعالى: (
أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً) قال الكاتب: هذه الآيات في حقيقتها نفي من الله على تلك المجتمعات التي اتخذت التفاوت الاجتماعي والذي هو من صنع البشر أنفسهم ذريعه للتفاخر والكبر والبطر والسخرية ممن هم أقل مستوى منهم ونقول للكاتب هذا قول على الله بغير علم وتفسير للقرآن بغير ما أراده الله فالآية التي ذكرها هي في سياق الأنكار على الذين جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم واحتقروه: (وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) قال الله تعالى رداً عليهم : (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) فإذا كانوا لا يملكون قسمة الأرزاق فكيف يقسمون رحمة الله التي أعظمها النبوة فيعطونها لمن شاءوا أو يحرمون منها من شاءوا وأما قول الكاتب: إن التفاوت الاجتماعي من صنع البشر أنفسهم فنقول كيف يقول هذا والله تعالى قال: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) وبين الحكمة في ذلك: (لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً) أي مسخرا له في العمل بالأجرة كي يستفيد صاحب المال ويستفيد العامل ولو كانوا كلهم أغنياء لم يوجد عمال ولو كانوا كلهم فقراء لم يوجد عمل ولا أجرة فلس المراد بالآية النعي من الله على المجتمعات: وإنما المراد الامتنان من الله علينا فالذي من صنع البشر إنما هو التفاخر والكبر والبطر والسخرية بالفقراء وليس المراد من قوله تعالى: (لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً) السخرية كما فهم الكاتب وإنما المراد التسخير في العمل فهناك فرق بين (سُخْرِيّاً) بضم السين و سخريا بكسر السين كما في قوله تعالى: (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً) فالأول من التسخير والثاني من السخرية فليفهم الفرق كيلا يلتبس هذا بهذا - كما التبس على الكاتب ففهم من الآية غير ما أراد الله بها. اهـ

والله الموفق.