إن الله يرضى لكم ثلاثا الشيخ ربيع بن هادي المدخلي حفظه الله.


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هلاه.


أما بعد:


أيها الإخوة! فإنه لابدّ لنا من طاعة الله وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ونترسم خُطا هذا الرسول الكريم في العقيدة، والعبادة، والأخلاق، والمنهج، والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، قال تعالى: "لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِر" الأحزاب: (21).


هذا الرسول الکریم الذي ترکنا علی البیضاء لیلها کنهارها لا یزیغ عنها إلا هالك، تركنا على العقائد الصحيحة والمناهج الصحيحة، والأخلاق العالية، والأعمال الصالحة؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: (على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك) (1)، وتوجيهاته كثيرة وعظيمة عليه الصّلاة والسّلام، مما بلغنا من كتاب ربنا وسنة نبينا.


ومما أوصانا به عليه الصّلاة وَالسّلام قوله:" إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا ، وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلَاثًا ، يَرْضَى لَكُمْ : أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ، وَأَنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ ، وَيَسْخَطُ لَكُمْ : قِيلَ وَقَالَ ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ ،وَإِضَاعَةَ الْمَالِ" (2).


فهذه وصايا عظيمة في أمر الدين والدنيا عليه الصّلاة والسّلام، وهذا الحديث من جوامع كلمه عليه الصّلاة والسّلام ، كأنه تلخيص لجميع ما جاء به عليه الصّلاة والسّلام .


فأوصانا بالعقيدة التي هي الأساس، وهي أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا، وهذه دعوته ودعوة الأنبياء جميعا؛ كما قال الله تعالى : "وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ" [النحل : 39]، وهي مضمون ما جاء به الأنبياء جميعا: (لا إله إلا الله).


فعلينا أن نحقق هذه العقيدة ، وأن نصححها ، وأن ننشرها بين الناس، أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا ، نعبده العبادة الصحيحة القائمة على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا ندعو إلا إياه، ولا نذبح إلا له، ولا ننذر إلا لجلاله، ولا نتوكل إلا عليه، ولا نستغيث في الشدائد إلا به، ولا نلجأ في الشدائد إلا إليه تعالى، ولا نصلي إلا له؛ لا نركع ولا نسجد ولا نخضع ولا نخشع ولا نخاف إلا الله تبارك وتعالى.


إذن سائر العبادات التي تضمنها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهي كثيرة، في نصوص القرآن وفي نصوص السنة ودواوينها، فعلينا أن نتعلّمها ونعرفها حق المعرفة حتى نعبد الله مخلصين له الدين ببصيرة وعلم، فلا نقع في البدع، ولا في الضلالات، ولا في الانحرافات، ولا في الشركيات.


والثانية: أن نعتصم بحبل الله جميعا، فهذه مطابقة لقول الله تبارك وتعالى: "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا" [آل عمران: 103] ولقوله تعالى: "وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ "[الأنعام: 103]، لأن القرآن والسنة من مشكاة واحدة، وفيها تفصيل وبيان لما في القرآن من إجمال و مایحتاج الی تفسیر..


فعلينا أن نعتصم بحبل الله جميعا في عقائدنا وعباداتنا و أخلاقنا و دعوتنا و علاقاتنا مع الناس مسلمین و غیر مسلمين ، لا ننطلق إلا من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.


نعتصم به كما ذكرت في العقائد، فلا نعتقد إلا ما جاء به كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في توحيد الربوبية، وفي وتوحيد الألوهية، وفي توحيد الأسماء والصفات، وفي العبادات التي نتقرب بها إلى الله عز وجل ، فلا نعبد الله إلا بما شرع في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.


والثالثة: أن نناصح من ولاه الله أمر المسلمين؛ لا غش، ولا دغل، ولا خيانة، ولا خبث في النفوس،وإنما النصيحة النافعة التي تنفع هؤلاء الذين ولاهم الله أمر المسلمين وتنفع المسلمین، فبصلاحهم و نصیحتهمتستقیم حیاة المسلمین، و بانحرافهمتنحرف حیاة المسلمین، والنصیحة کما في حدیث تميم الداري رضى الله عنه : "ﺍﻟﺪﻳﻦ ﺍﻟﻨﺼﻴﺤﺔ ﻟﻠﻪ ﻭﻟﻜﺘﺎﺑﻪ ﻭﻟﺮﺳﻮﻟﻪ ﻭﻷﺋﻤﺔ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ ﻭﻋﺎﻣﺘﻬﻢ "(3)،


المسلم دائمًا ناصح لكل الناس حکاما و محکومغŒن، الأقارب والبعداء، هو ناصح، ينصح للناس يدعوهم إلى الحق، ويحذرهم من الباطل، يدعوهم إلى الخير، ويحذرهم من الشر، يدعوهم إلى الهدى، ويحذرهم من الضلال، بالعلم والحكمة والبصيرة، وفي نفس الوقت بالأخلاق العالية، من يواجه أذى في دعوته؛ فعليه بالصبر والحلم والصفح؛ لأنه لا يريد للناس إلا الخير، فلا


وهناك أمثلة كثيرة، وعلى رأس هذه الأمثلة رسول الله عليه الصّلاة والسّلام ما كان ينتقم لنفسه أبدًا إلا لله (4) ، إذن حماة دين الله يغضبون لله، أما لأنفسهم فلا يغضبون ولا ينتقمون.


فأحذر الشباب من الصفات التي تنافي هذه الأخلاق ، وأحثهم أن يكونوا ناصحين لله تبارَك وتعالى، صابرين محتسبين لله، وأن يتحلّوا بالأخلاق العالية، وأن يكون من مبادئهم الصبر والحلم والصفح (5)؛ فإن هذه الأخلاق العالية تنفع الدعاة السلفيين، فيتماسكون في دعوتهم، وتنفعهم في مواجهة الآخرين، هذه الأخلاق مطلوبة فيما بين الدعاة إلى کتاب الله و سنة الرسول علی بصیرة و بین الاخرین من المدعوين، فنتعامل بهذه الأخلاق الطيبة حتى يدخل الناس في دين الله، وحتى يقبلوا دعوتنا، هذه الأخلاق لها دور عظيم في إقبال الناس على هذه الدعوة وفي قبولهم لها.


وكل ذلك يرجع إلى ما تضمنه هذا الحديث وتضمنه غيره، وقالها نوح عليه الصلاة والسلام: "وَأَنصَحُ لَكُمْ" [الأعراف: 92]، وقالها هود عليه الصّلاة والسّلام "وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ" [الأعراف: 68].


فکونوا نصحاء؛ و معناه سالکین في ذلك مسلك الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام ؛ لأن العلماء ورثة الأنبياء، علماء السنة والتوحيد وعلماء الحق ورّاث الكتاب والسنة هم ورّاث الأنبياء هذا مستوى عظيم ودرجة عظيمة، لا ينبغي أن يتدلى الداعي إلى الله الصحيح العقيدة والمنهج إلى الأخلاق الدنيئة، فالأخلاق الدنيئة تشوه هذه الدعوة،


فحذار حذار أن تنحدروا إلى هذه المستويات التي ينحدر إليها دعاة البدع والضلال بارك الله فيكم ، فلا غش، ولا خيانة، ولا خب، ولا حقد (6)،


وإنما النصح والبيان للناس وقصد الخير لهم، وقصد نفعهم، وقصد انتشال من وقع منهم في انحراف وضلال فتكون المقاصد نبيلة والأخلاق نبيلة يا إخوتاه.


[المصدر: مدونة مقال السلفية إشعار : كل حقوق التفريغ محفوظة للمدونة].

(1) سنن ابن ماجه : المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، حدیث رقم (3).
قال الشیخ الألباني: صحيح.
مسند أحمد (تحقيق أحمد شاكر وحمزة الزين): حديث العرباض بن ساریة، حدیث رقم (17077).
(2) مسلم: كتاب الأقضية، باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة والنهي عن منع وهات، حدیث رقم (1715)، من روایة أبي هريرة رضى الله عنه.
(3) أخرجه مسلم في صحيحه : كتاب الإيمان، باب بيان أن ﺍﻟﺪﻳﻦ ﺍﻟﻨﺼﻴﺤﺔ برقم (55).
(4) كما ثبت ذلك من حديث عائشة رضى الله عنها عند البخاري: المناقب، باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم (3560).
ومسلم : الفضائل، بَاب مُبَاعَدَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْآثَامِ وَاخْتِيَارِهِ مِنْ الْمُبَاحِ أَسْهَلَهُ وَانْتِقَامِهِ لِلَّهِ عِنْدَ انْتِهَاكِ حُرُمَاتِهِ، برقم (2327).
(5) قال عبد الله بن بريدة الأسلمي: شَتَمَ رَجُلٌ ابْنَ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنَّكَ لَتَشْتُمُنِي وَفِيَّ ثَلاثُ خِصَالٍ : إِنِّي لآتِي عَلَى الآيَةِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَوَدِدْتُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَعْلَمُونَ مِنْهَا مَا أَعْلَمُ ، وَإِنِّي لأَسْمَعُ بِالْحَاكِمِ مِنْ حُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ يَعْدِلُ فِي حُكْمِهِ فَأَفْرَحُ بِهِ ، وَلَعَلِّي لا أُقَاضِي إِلَيْهِ أَبَدًا ، وَإِنِّي لأَسْمَعُ بِالْغَيْثِ قَدْ أَصَابَ الْبَلَدَ مِنْ بِلادِ الْمُسْلِمِينَ فَأَفْرَحُ بِهِ ، مَا لِي بِهِ مِنْ سَائِمَةٍ " .
رواه أبو عبيد في فضائل القرآن برقم (75)، والفسوي في المعرفة والتاریخ (277/1)، ووکیع الضبی فی «أخبار القضاة» (1/ 81)، والطبرانی فی الکبیر (10/ 299، برقم10921)، وأبو نعیم فی الحلیة (1/ 321-322)، وفي معرفة الصحابة (3/ 1702، برقم 271). والبیهقي في شعب الایمان (503/7، برقم 11173 ). قال الهیثمي فی المجمع (93/9): «رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح).
(6) قال سفيان الثوري رحمه الله : «تَعَلَّمُوا هَذَا الْعِلْمَ ، وَاكْظِمُوا ، وَأَفْرِغُوا عَلَيْهِ ، وَلَا تَخْلِطُوهُ بِضَحِكٍ فَتَجْمُدَ الْقُلُوبُ). رواه أبو نعيم في الحلیة (9/ 397)، و رواه ابن المبارك عن سفیان فی الزهد (299) قال: كان يقال: إياكم والبطنة فإنها تقسي القلب، ثم ذكر نحوه. وقال مالك رحمه الله : «إن حقا على من طلب العلم أن يكون له وقار وسكينة وخشية، وأن يكون متبعا لاثر من مضی قبله». رواه أبو نعیم فی الحلية (6/324)، والخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي (1/ 232، برقم 212)، و ابن عبد البر فی الجامع (1/ 270)، والبیهقی فی المدخل إلى السنن (ص 32، برقم 510). وعن الشافعي قال: "زينة العلم الورع والحلم". رواه البيهقي في المدخل برقم (51).