السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.

أما بعد، فإن أصدق الحديث كلام الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فإن من العلوم التي اعتنى بها العلماء على مر الزمن، في القديم والحديث، علمان هما : علم أصول الفقه، وقواعد الفقه، وهذان العلمان لهما من الفضائل والثمار الشيء الكبير بالنسبة لطالب العلم والعالم، إذ لا يستغني عنهما كل منهما.
فعلم أصول الفقه يمكن لمحصله القدرة على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها على وجه سليم، وكذلك العلم بالأصول يشعر صاحبه بالثقة و الاطمئنان لما دونه فقهاء الإسلام، أنه مبني على قواعد ثابتة، مقررة شرعا، ممحصة بحثا.
وقواعد الفقه علم يسهل الإحاطة بشوارد المسائل الفقهية، ويكون الملكة الفقهية لصاحبه، كما أن حفظ قواعده يسهل الرجوع إلى مسائلها الفرعية بأدلتها.
ولهذا نجد كثيرا من العلماء اهتم بهذين العلمين هذا الاهتمام الكبير، فصنفوا وألفوا المطولات والمختصرات، نظموا ونثروا، وشرحوا وعلقوا، وضبطوا مسائل كلا العلمين.
وإن من المسائل التي تذكر في هذا الباب : الفرق بين أصول الفقه وقواعد الفقه، وهذه المسألة عرج عليها العلماء المصنفون في الأصول والقواعد، وبينوا وجه الفرق بين العلمين من عدة جوانب.
وذلك لأن القواعد الفقهية والقواعد الأصولية بينهما قدر من التشابه، وهذا القدر من التشابه هو الذي جعل بعض الناس لا يستطيع أن يميز بينهما، ووجه التشابه بينهما: أن كلا منهما عبارة عن قواعد يندرج تحتها عدد من الفروع والجزئيات، إضافة إلى أن كلا من القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية خادمة للفقه، سواء كانت خادمة للفقه مباشرة وهي القواعد الفقهية، أو موصلة إلى معرفة الأحكام الفقهية بطريق استنباط الأحكام وهي القواعد الأصولية.
وفي هذه الأسطر القليلة أحاول جمع شتات ما زبره العلماء في هذا الشأن في خلال مؤلفاتهم –على حسب ما وقفت عليه على قدر القدرة والطاقة، وليس المراد استيفاء البحث في الموضوع-.
وليس هذا استقراءا أو مقارنة مني بين الفنين، وإنما أجمع صريح كلام العلماء في الفرق بينهما.
أسأل الله تعالى النفع والسداد.
إن من أوائل من عرج على الفرق بين العلمين –أصول الفقه وقواعد الفقه- القرافي رحمه الله في مقدمة كتابه الفروق.
قال محمد البورنو في كتابه الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية (ص 19) : "إن من أوائل من فرق بين قواعد هذين العلمين وميز بينهما الإمام شهاب الدين القرافي في مقدمة كتابه الفروق".
حيث قال القرافي رحمه الله في الفروق (1/62) : "فإن الشريعة المحمدية –زاد الله منارها شرفا وعلوا- اشتلمت على أصول وفروع، وأصولها قسمان :
أحدهما : المسمى بأصول الفقه، وهو في غالب أمره ليس فيه إلا قواعد الأحكام الناشئة عن الألفاظ العربية خاصة، وما يعرض لتلك الألفاظ من النسخ والترجيح، ونحو : الأمر للوجوب، والنهي للتحريم، والصيغة الخاصة للعموم ونحو ذلك، وما خرج عن هذا النمط إلا كون القياس حجة، وخبر الواحد وصفات المجتهدين.
والقسم الآخر : قواعد كلية فقهية جليلة، كثيرة العدد، عظيمة المد، مشتملة على أسرار الشرع وحكمه، لكل قاعدة من الفروع في الشريعة ما لا يحصى، ولم يذكر منها شيء في أصول الفقه، وإن اتفقت الإشارة إليه هنالك على سبيل الإجمال، فبقي تفصيله لم يتحصل".
ثم اجتهد العلماء من بعده في بيان هذه الفروق بين العلمين، وإن الباحث في هذا الشأن يجد أن العلماء المتأخرين اهتموا بهذه المسألة واعتنوا بها اهتماما واعتناء أكثر من العلماء المتقدمين –والله أعلم-، فما من مؤلِّف في الأصول أو القواعد أو محقق فيهما أو شارح، إلا ويقدم بهذه المقدمة التي يبزر من خلالها ميزة كل منهما.
ومن خلال النظر في الفروق التي ذكرها العلماء تبين أنها مبنية على اختلاف مبادئ كل منها، واختلاف هيأته، ومتعلقه.
فمن هذه الفروق :
1 _ من حيث التسمية : فإن تسمية العلمين مختلفة، فالأول يطلق عليه اسم : علم أصول الفقه، والثاني : قواعد الفقه، أو القواعد الفقهية، وهذا ظاهر.
2 _ من حيث الحد والتعريف : فمجمل ما قيل في تعريف أصول الفقه باعتباره لقبا للفن : هو علم يبحث في أحوال أدلة الفقه الإجمالية وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد.
أما تعريف قواعد الفقه : فهو حكم أغلبي ينطبق على معظم جزئياته لتعرف أحكامها منه.
3 _ من حيث الموضوع : فموضوع علم أصول الفقه الأدلة الإجمالية، والأحكام الكلية، وكيفية استنباط الحكم من الدليل الإجمالي.
أما القواعد فموضوعها ما تشابه من المسائل والأحكام الفقهية، وما يربط كل مجموعة متشابهة منها من قياس أو ضابط فقهي.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى في شرح نظم الورقات في أصول الفقه (ص 15) : "وهناك شيء يسمى بأصول الفقه، وهناك شيء آخر يسمى بقواعد الفقه.
فأصول الفقه يبحث في أدلة الفقه، وقواعد الفقه تبحث في مسائل الفقه، وليس لها علاقة بالأدلة إطلاقا، فكتاب ابن رجب مثلا لا يبحث في الأدلة، وإنما يبحث في قواعد وضوابط في الفقه، ينبني عليها مسائل، لكن أصول الفقه يبحث في أدلة الفقه وقواعدها. وهذا هو الفرق بينهما".
وقال رحمه الله في شرح منظومته للقواعد الفقهية (ص 27) : "الفرق بينهما أن أصول الفقه موضوع البحث فيها أدلة الأحكام، من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وما يتعلق بذلك، أما قواعد الفقه فموضوع البحث فيها في الفقه، الذي هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية المتعلقة بأفعال المكلفين، فهي قواعد للفقه وليست قواعد لأصول الفقه، ولكنها تكون قاعدة تشتمل على فروع متعددة".
وقال محمد البورنو في كتابه الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية (ص 21) : "أن قواعد الأصول إنما وضعت لتضبط للمجتهد طرق الاستنباط واستدلاله، وترسم للفقيه مناهج البحث والنظر في استخراج الأحكام الكلية من الأدلة الإجمالية، وأما قواعد الفقه فإنما تراد لتربط المسائل المختلفة الأبواب برباط متحد وحكم واحد هو الحكم الذي سيقت القاعدة لأجله".
وقال الشيخ محمد سعيد رسلان حفظه الله في التعليق على شرح منظومة القواعد الفقهية للعلامة السعدي رحمه الله (ص 37) : "فموضوع علم أصول الفقه الأدلة الإجمالية، والأحكام الكلية، وكيفية استنباط الحكم من الدليل الإجمالي.
ثم قال حفظه الله (ص 37) : "فموضوع علم هذه القواعد : هو ما تشابه من المسائل والأحكام الفقهية، وما يربط كل مجموعة متشابهة منها من قياس أو ضابط فقهي هو القاعدة".
4 _ من حيث الاستمداد : فعلم الأصول يستمد التراكيب اللغوية، ودلالات الألفاظ، أما قواعد الفقه فيستمد من النصوص الشرعية وما دلت عليه من أحكام مباشرة.
قال الشيخ رسلان حفظه الله تعالى في مقدمة تعليقه على شرح منظومة القواعد الفقهية (ص 42) : "أصول الفقه" علم يعتمد في أصله على الدلالات من جهة التراكيب اللغوية، بينما "علم القواعد الفقهية" يعتمد على ما دلت عليه النصوص الشرعية".
وقال حفظه الله (ص 43) : "فاختلفت الأصول عن القواعد، من جهة الاستمداد، هذا مستمد من دلالة النص نفسه، وهذا مستمد من دلالة التراكيب اللغوية في الأصل".
قال الشيخ حمد العثمان حفظه الله في التعليق على القواعد والأصول الجامعة للسعدي رحمه الله (ص : "وقواعد الفقه تختلف عن أصول الفقه، وقواعد الفقه نصوصها منطوقة بالكتاب والسنة، كقاعدة "لا ضرر ولا ضرار"، أما القواعد الأصولية فهي مستنبطة من استقراء أدلة الشرع كقاعدة "الأصل في الأمر الوجوب"".
5 _ من حيث المتعلق : فأصول الفقه متعلق بدلالات الألفاظ، أما القواعد فمتعلقة بالأحكام الشرعية وأفعال المكلفين.
قال محمد البرنو في الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية (ص 21) : " إن قواعد الأصول تتعلق بالألفاظ ودلالتها على الأحكام في غالب أحوالها، وأما قواعد الفقه فتتعلق بالأحكام ذاتها".
قال الشيخ حمد العثمان حفظه الله في التعليق على القواعد والأصول الجامعة للسعدي رحمه الله (ص : " أن القاعدة الفقهية متعلقة بأفعال المكلفين، أما القاعدة الأصولية فمتعلقة بالأدلة الشرعية.
مثال : قاعدة الفقه "اليقين لا يزول بالشك"، متعلقة بكل فعل للمكلف تيقنه أو تيقن عدمه، أما قاعدة أصول الفقه "الأمر يقتضي الوجوب" متعلقة بكل دليل في الشرعة فيه أمر".
6 _ من حيث الانضباط والاطراد والشمول : فقواعد الأصول مطردة منضبطة وهي كلية، أما قواعد الفقه فهي غير مطردة لها مستثنيات كثيرة، فهي أغلبية.
قال العلامة عبيد بن عبد الله الجابري حفظه الله تعالى في تنوير المبتدي شرح منظومة القواعد الفقهية لابن السعدي (ص 37) : "القواعد الأصولية، والقواعد النحوية، ليس فيها استثناء فهي منضبطة".
ثم قال حفظه الله (ص 36) : "أما القواعد الفقهية لما نوادر واستثناءات كثيرة".
قال محمد البرنو في الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية (ص 21) : "إن قواعد الأصول إذا اتفق على جميع مضمونها لا يستثنى منها شيء فهي قاعدة كلية مطردة –كقواعد العربية- بلا خلاف.
أما قواعد الفقه فهي مع الاتفاق على مضمون كثير منها يستثنى من كل منها مسائل تخالف حكم القاعدة بسبب من الأسباب كالاستثناء بالنص أو الإجماع أو الضرورة أو غير ذلك من أسباب الاستثناء؛ ولذلك يطلق عليها كثيرون أنها قواعد أغلبية أكثرية لا كلية مطردة".
قال شيخنا العلامة محمد علي فركوس حفظه الله في فتوى له بعنوان "العلاقة بين القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية" في موقعه : "القاعدة الفقهية قاعدة كلية، ولا يعنى بلفظ "كلي" أنه يصدق على جميع الأفراد بحيث لا يخرج منها فرد كما هو أمر القاعدة الأصولية أو النحوية في الجملة، وإنما المراد من ذلك: أنها كليَة نسبية لا شمولية؛ بالنظر إلى وجود مستثنيات وشذوذ".

قال الدكتور عبد الكريم النملة رحمه الله في كتابه الجامع لمسائل أصول الفقه وتطبيقها على المذهب الراجح (ص 12) : "القواعد الأصولية كلية تضم جميع جزئياتها، بخلاف القواعد الفقهية، حيث إنها أغلبية".

7 _ من حيث الهيئة : فأصول الفقه هيأتها طريقة استنباط الأحكام من الأدلة الإجمالية، أما القواعد الفقهية فهي مسائل معلومة جمعة تحت قاعدة شاملة لمعظم الجزئيات متشابهة.
قال الشيخ رسلان حفظه الله في مقدمة تعليقه على شرح منظومة القواعد الفقهية (ص 44) : "أن هيئة أصول الفقه هي كيفية الاستنباط، بينما هيأة القواعد الفقهية سوى هذا تماما، هي وضع أمر كلي لمسائل شرعية معروفة لديك قد ثبتت عندك واستقرت لديك".
8 _ من حيث إفادة الأحكام : فأصول الفقه يبين الطريقة التي تستفيد بها الحكم من الدليل، أما القواعد الفقهية فتفيد الحكم مباشرة.
قال الشيخ حمد العثمان حفظه الله تعالى في تعليقه على القواعد والأصول الجامعة لابن سعدي (ص : "كما أن القاعدة الفقهية يستفاد منها الحكم مباشرة، أما القاعدة الأصولية فيستفاد منها الحكم بواسطة الدليل.
مثال : "الأمور بمقصادها" أفادت وجوب النية في العبادات، أما "الأمر يقتضي الوجوب" أفادت وجوب الصلاة، لكن ليس مباشرة، بل بواسطة الدليل، وهو قوله تعالى {وَأقِيمُوا الصَّلَاةَ} [البقرة 433]".
قال محمد البورنو في الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية (ص 21) : "إن قواعد الأصول إنما تبنى عليها الأحكام الإجمالية وعن طريقها يستنبط الفقيه أحكام المسائل الجزئية من الأدلة التفصيلية.
أما قواعد الفقه فإنما تعلل بها أحكام الحوادث المتشابهة وقد تكون أصلا لها".
9 _ من حيث الحصر والعد : فقواعد الأصول محصورة معدودة في مظانها، أما قواعد الفقه فهي أكثر من أن تحصى أو تعد.
قال محمد البورنو في الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية (ص 21) : "إن قواعد الأصول محصورة في أبواب الأصول ومواضعه ومسائله، وأما قواعد الفقه فهي ليست محصورة أو محدودة العدد بل هي كثيرة جدا منثورة كتب الفقه العام والفتوى عند جميع المذاهب ولم تجمع للآن في إطار واحد".
10 _ من حيث الوجود : فإن القواعد الأصولية تنشأ ابتداء في التصور الذهني قبل تطبيقها على الفروع، أما القواعد الفقهية فإنها وجدت بعد وجود الفروع.
قال الدكتور عبد الكريم النملة رحمه الله في كتابه الجامع لمسائل أصول الفقه وتطبيقها على المذهب الراجح (ص 12) :"القواعد الأصولية قد وجدت قبل الفروع، بخلاف القواعد الفقهية فإنها قد وجدت بعد وجود الفروع".
هذا ما يسر الله تعالى جمعه من كلام العلماء في هذه المسألة، أسأل الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا وأن يعلمنا ما جهلنا.
سبحانك الله وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

_منقول من شبكة التصفية و التربية_
كتبه

يوسف صفصاف

22 ذو القعدة 1437

25 أوت 2016