الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فيشتكي بعض الآباء والأمهات من أبنائهم الذين هم حديثوا عهد باستقامة، وما ذاك إلا لما لمسوه من جفوة، واستشعروه من قسوة، وقطع الأبناء لكثير من حبل الود.
ففي قول الله سبحانه وتعالى على لسان نبيه عيسى عليه الصلاة والسلام: {قَالَ إِنِّى عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَانِىَ الْكِتَبَ وَجَعَلَنِى نَبِيّاً * وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِى بِالصَّلَوةِ وَالزَّكَوةِ مَا دُمْتُ حَيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّاراً شَقِيّاً} [مريم: 30-32]. وصايا عظيمة، بعد الأمر بالصلاة والزكاة جاء الأمر ببر بالوالدين، وإن كان في الآية ذكر الوالدة لمناسبة حال نبي الله عيسى عليه الصلاة والسلام.
قال العلامة المفسر ابن كثير رحمه الله في ((تفسيره)): ((وقوله: {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي} أي: وأمرني ببر والدتي، ذكره بعد طاعة الله ربه؛ لأن الله تعالى كثيرًا ما يقرن بين الأمر بعبادته وطاعة الوالدين، كما قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23] وقال {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14])) اهـ.
فلهذا كان حق الوالدين عظيم لأن الله قرن حقهما بحقه.
عندما يأتي ذكر هذه الآيات وما فيها من الوصية لنبي من أولى العزم من الرسل، أستشعر أنها رسالة لأهل الاستقامة - خاصة من كان حديث عهد بها - أن يقوموا ببر والديهم حق البر، وأن في هذا الأمر لنبي الله عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أمر لأهل الاستقامة بالدرجة الأولى، لأنه لا يتصور أن يعق نبي، فالكبائر ممتنعة عليهم لعصمة الله عز وجل لهم، وهذا نظير قول الله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65]؛ وحاشا نبينا محمدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يتلطخ بالشرك.
كما أن في هذه الآيات إشارات أذكر منها ما وقفت عليه من أقوال أهل العلم وما فتح الله به عليّ:
1) في هذه الآيات المباركات إشارة لأهل الخير والاستقامة بالتمسك ببر الوالدين، وأنها أتت تأكيدا على هذا الأمر.
2) فيها إشارة بأنكم يا أهل الاستقامة قدورة لمن خلفكم في هذا البر.
3) فيها إشارة إلى أن التقصير الحاصل منكم ليس كتقصير من دونكم.
4) أخرج الطبري في ((تفسيره)) عن عبد الله بن واقد أبي رجاء الهرويّ قال: لا تجد سيِّئ الملِكة إلا وجدته مختالا فخورًا. وتلا: {وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورًا}؛ ولا عاقًّا إلا وجدته جبارًا شقيًا. وتلا: {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} [سورة مريم: 32].
وأخرج ابن أبى حاتم في ((تفسيره)) عن العوّام بن حوشب، قال: إنك لا تكاد تجد عاقا، إلا تجده جبارا، ثم قرأ: {وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا}.
5) قال الماوردي رحمه الله في ((النكت والعيون)): (({وَبَرَّاً بِوَالِدَتِي} يحتمل وجهين:
أحدهما: بما برأها به من الفاحشة.
الثاني: بما تكفل لها من الخدمة)) اهـ.
6) قال الرازي رحمه الله في ((تفسيره)): ((ثم قوله: { وَبَرّاً بِوَالِدَتِى } إشارة إلى تنزيه أمه عن الزنا إذ لو كانت زانية لما كان الرسول المعصوم مأموراً بتعظيمها)) اهـ.
7) قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في ((منهاج السنة النبوية)): ((وقال عن المسيح صلى الله عليه وسلم {وجعلني مباركا أينما كنت} إلى قوله: {وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا} [سورة مريم]. فبين أن الله هو الذي جعله برا بوالدته ولم يجعله جبارا شقيا، وهذا صريح قول أهل السنة في أن الله عز وجل خالق أفعال العباد)) اهـ.
قال العلامة المفسر السعدي رحمه الله في ((تفسيره)): ((ووصاني أيضا، أن أبر والدتي فأحسن إليها غاية الإحسان، وأقوم بما ينبغي له، لشرفها وفضلها، ولكونها والدة لها حق الولادة وتوابعها)) اهـ.
وأختم بذكر ما أخبر الله عز وجل من صفات نبيه يحيى عليه الصلاة والسلام حيث قال: {وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيّاً} [مريم: 14].
قال العلامة المفسر محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في ((أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن)): ((قوله تعالى: {وَبَرّا بِوالِدَيْهِ}، البر بالفتح هو فاعل البر ـ بالكسر ـ كثيراً، أي: وجعلناه كثير البر بوالديه، أي محسناً إليهما، لطيفاً بهما، لين الجانب لهما)) اهـ.
وهذا الذي ينبغي أن تكون عليه صفات أهل الخير والاستقامة كثيرو البر واللطف والود ولينو الجانب.
هذا والله أعلم وبالله التوفيق وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين.
كتبه
عزالدين بن سالم بن الصادق أبوزخار
طرابلس الغرب: يوم الأحد 9 رمضان سنة 1438 هـ
الموافق لـ: 5 يونيو سنة 2017 ف