❍ قال الحافظ ابن رجب الحنبلي - رحمه الله تعالى -

" ... فحينئذٍ فرد المقالات الضعيفة وتبيين الحق في خلافها بالأدلة الشرعية ليس هو مما يكرهه أولئك العلماء ، بل مما يحبونه ويمدحون فاعله ويثنون عليه ، فلا يكون داخلاً في الغيبة بالكلية ، فلو فرض أن أحداً يكره إظهار خطئه المخالف للحق فلا عبرة بكراهته لذلك ، فإن كراهة إظهار الحق إذا كان مخالفاً لقول الرجل ليس من الخصال المحمودة ، بل الواجب على المسلم أن يحب ظهور الحق ومعرفة المسلمين له سواءٌ كان ذلك في موافقته أو مخالفته ، وهذا من النصيحة لله ولكتابه ورسوله ودينه وأئمة المسلمين وعامتهم وذلك هو الدين كما أخبر النبي ﷺ ، وأما بيان خطأ من أخطأ من العلماء قبله إذا تأدب في الخطاب وأحسن في الرد والجواب فلا حرج عليه ولا لوم يتوجه إليه وإن صدر منه الاغترار بمقالته فلا حرج عليه ، وقد كان بعض السلف إذا بلغه قول ينكره على قائله يقول : كذب فلان ، ومن هذا قول النبي ﷺ : (كذب أبو السنابل لما بلغه أنه أفتى أن المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملاً لا تحل بوضع الحمل حتى يمضى عليها أربعة أشهر وعشر) ، وقد بالغ الأئمة الوَرِعون في إنكار مقالات ضعيفة لبعض العلماء وردِها أبلغ الردِ كما كان الإمام أحمد ينكر على أبي ثور وغيره مقالات ضعيفة تفردوا بها ويبالغ في ردها عليهم هذا كله حكم الظاهر ، وأما في باطن الأمر : فإن كان مقصوده في ذلك مجرد تبيين الحق ولئلا يغتر الناس بمقالات من أخطأ في مقالاته ، فلا ريب أنه مثاب على قصده ودخل بفعله هذا بهذه النية في النصح لله ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم ، وسواء كان الذي بين الخطأ صغيراً أو كبيراً فله أسوة بمن رد من العلماء مقالات ابن عباس التي يشذ بها وأُنكرت عليه من العلماء مثل المتعة والصرف والعمرتين وغير ذلك ، ومن ردَ على سعيد بن المسيِب قوله في إباحته المطلقة ثلاثاً بمجرد العقد وغير ذلك مما يخالف السنة الصريحة ، وعلى الحسن في قوله في ترك الإحداد على المتوفى عنها زوجها ، وعلى عطاء في إباحته إعادة الفروج ، وعلى طاووس قوله في مسائل متعددة شذَ بها عن العلماء ، وعلى غير هؤلاء ممن أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم ومحبتهم والثناء عليهم ، ولم يعد أحد منهم مخالفيه في هذه المسائل ونحوها طعناً في هؤلاء الأئمة ولا عيباً لهم ، وقد امتلأت كتب أئمة المسلمين من السلف والخلف بتبيين هذه المقالات وما أشبهها مثل كتب الشافعي وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور ومن بعدهم من أئمة الفقه والحديث وغيرهما ممن ادعوا هذه المقالات ما كان بمثابتها شيء كثير ولو ذكرنا ذلك بحروفه لطال الأمر جداً ... الخ " اهـ .

• انظر : (الفرق بين النصيحة والتعيير) (ص - ٦٦ - ٦٧) .

------------------------

❍ وقال أيضاً - رحمه الله تعالى -

" ... فإن الظن السوء ممن لا تظهر منه أمارات السوء مما حرمه الله ورسوله فقد جمع هذا الظانّ بين اكتساب الخطيئة والإثم ورمي البريء بها ، ويقوي دخوله في هذا الوعيد إذا ظهرت منه - أعني هذا الظان - أمارات السوء مثل : كثرة البغي والعدوان وقلة الورع وإطلاق اللسان وكثرة الغيبة والبهتان والحسد للناس على ما آتاهم الله من فضله والامتنان وشدة الحرص على المزاحمة على الرئاسات قبل
الأوان ... الخ " اهـ .

• انظر : (المصدر السابق) (ص - ٧٠) .

------------------

❍ وقال أيضاً عندما تكلم عن أظهرِ التعيير ، إظهارُ السوء وإشاعتُه في قالب النصح :

" ... ومثال ذلك : أن يريد الإنسان ذمَ رجل وتنقصه وإظهار عيبه لينفر الناس عنه إما محبة لإيذائه أو لعداوته أو مخافة من مزاحمته على مال أو رئاسة أو غير ذلك من الأسباب المذمومة فلا يتوصل إلى ذلك إلا بإظهار الطعن فيه بسبب ديني مثل : أن يكون قد ردَ قولاً ضعيفاً من أقوال عالم مشهور فيشيع بين من يعظِم ذلك العالم أن فلاناً يُبغِضُ هذا العالم ويذمُه ويطعن عليه فيغرُ بذلك كل من يعظِمه ويوهمهم أن بغض الراد وأذاه من أعمال القرب لأنه ذبٌ عن ذلك العالم ورفع الأذى عنه وذلك قُربة إلى الله تعالى وطاعته ، فيجمع هذا المظهر للنصح بين أمرين قبيحين محرَمين :
- أحدهما : أن يحمل ردُ هذا العالم القول الآخر على البغض والطعن والهوى وقد يكون إنما أراد به النصح للمؤمنين وإظهار ما لا يحل له كتمانه من العلم .
- والثاني : أن يظهر الطعن عليه ليتوصل بذلك إلى هواه وغرضه الفاسد في قالب النصح والذب عن علماء الشرع ... " اهـ .

• انظر : (الفرق بين النصيحة والتعيير) (ص - ٧٨) .

--------------------

❍ وقال الحافظ ابن القيم - رحمه الله تعالى -

" ... والله يحب الإنصاف بل هو أفضل حلية تحلى بها الرجل خصوصا من نصب نفسه حكما بين الأقوال والمذاهب وقد قال الله تعالى لرسوله : ﴿وأمرت لأعدل بينكم﴾ ، فورثة الرسول منصبهم العدل بين الطوائف ، وألا يميل أحدهم مع قريبه وذوي مذهبه وطائفته ومتبوعه ، بل يكون الحق مطلوبه يسير بسيره وينزل بنزوله ويدين العدل والإنصاف ويحكم الحجة وما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ، فهو العلم الذي قد شمر إليه ومطلوبه الذي يحوم بطلبه عليه ، ولا يثني عنانه عنه عذل عاذل ولا تأخذه في الله لومة لائم ، ولا يحيده عنه قول قائل ... " اهـ .

• انظر : (إعلام الموقعين) (٩٤/٣) .

----------------------

‏❍ وقال قعنب ابن أم صاحب الفزاري من شعراء بني أمية :

- إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحاً عني .. وما سمعوا من صالح دفنوا ..
- صم إذا سمعوا خيراً ذكرت به .. وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا ..
- جهلاً علي وجبناً عن عدوهم .. لبئست الخلتان الجهل والجبن ..

- أذنوا : يعني استمعوا .

______

✍🏻 قال المكي :

ليت قومنا يعلمون ويفهمون ويعقلون ويرعوون ، والله المستعان وعليه التكلان وحسبنا الله ونعم الوكيل ، واللبيب تكفيه الإشارة ..

○ ليلة الأحد :

○ التاريخ : ٢٨ - ذو القعدة - ١٤٣٨هـ .

..