الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
التشويش على المصلين والتالين للقرآن والذاكرين في المساجد خطأ جسيم.
فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليلني منكم، أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم ثلاثا، وإياكم وهيشات الأسواق)).
أخرجه مسلم.
قال النووي في ((شرح مسلم)): ((هيشات الأسواق هي: بفتح الهاء وإسكان الياء وبالشين المعجمة، أي: اختلاطها والمنازعة والخصومات وارتفاع الأصوات واللغط والفتن التي فيها)) اهـ.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال: ((ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضا ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة أو قال في الصلاة)).
أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) ومن طريقه أحمد في ((المسند)) وأبو داود في ((السنن)) وعبد بن حميد في ((المسند)) والنسائي في ((الكبرى)) والبيهقي في ((الكبرى)) و ((الشعب)) وابن خزيمة في ((صحيحه)) والحاكم في ((المستدرك)) وابن جميع الصيداوي في ((معجم الشيوخ)) وتابعه ابن المنذر في ((الأوسط)).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في ((نتائج الأفكار)): ((صححه ابن خزيمة والحاكم من طريق عبد الرزاق بهذا ورجاله رجال الصحيحين)) اهـ.
وقال الإمام الألباني رحمه الله في ((الثمر المستطاب)): ((وهذا سند صحيح على شرط الستة. وقد أخرجه منهم أبو داود من هذا الوجه)) اهـ.
وعن البياضي فروة بن عمرو رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال: ((إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه به ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن)).
أخرجه مالك في ((الموطأ)) ومن طريقه أحمد في ((المسند)) والبخاري في ((خلق أفعال العباد)) والنسائي في ((الكبرى)) والبيهقي في ((الكبرى)) و ((الشعب)) والبغوي في ((شرح السنة)) والقاسم بن سلام في ((فضائل القرآن)) وأبو نعيم الأصبهاني في ((معرفة الصحابة)) وصحح إسناده الألباني في ((صفة الصلاة)).
قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله في ((التمهيد)): ((وحديث البياضي وحديث أبي سعيد ثابتان صحيحان والله أعلم والحمد لله وليس فيهما معنى يشكل يحتاج إلى القول فيه)) اهـ.
في هذه الأحاديث النهي عن التشويش وأذية أهل المساجد.
قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله في ((التمهيد)): ((وإذا لم يجز للتالي المصلي رفع صوته لئلا يغلط ويخلط على مصل إلى جنبه، فالحديث في المسجد مما يخلط على المصلي أولى بذلك وألزم وأمنع وأحرم والله أعلم.
وإذا نهي المسلم عن أذى أخيه المسلم في عمل البر وتلاوة الكتاب فأذاه في غير ذلك أشد تحريما)) اهـ.
وقال العلامة عبد المحسن العباد حفظه الله في ((شرح سنن أبي داود)): ((أورد أبو داود حديث أبي سعيد الذي يبين أنه إذا كان فيه تأذٍ في رفع الصوت بالقراءة فإنه لا يفعل، وإنما تحصل القراءة ورفع الصوت فيما إذا كان لا يتأذى بجهره أحد، ولا يتأذى برفع الصوت أحد، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان معتكفاً، فسمعهم يقرءون رافعي أصواتهم، فكشف الستر وقال: ((إن كل منكم يناجي)). ((ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضاً)) يعني: بالتشويش؛ لأن الصوت إذا ارتفع يشوش بعضهم على بعض مثل ما يحصل للإنسان، يعني: الإنسان إذا كان يقرأ ويرفع صوته وهناك أناس يقرءون فإنه يشوش عليهم فلا يتمكنون من القراءة، ولكن إذا كانوا كلهم خافضين للأصوات، وكل يتمكن من القراءة ولا يشوش أحد على أحد. قوله: أو قال: في الصلاة. يعني: في القراءة أو الصلاة، سواء كان الإنسان يقرأ في الصلاة، أو خارج الصلاة كل ذلك لا يرفع الصوت إذا كان يتأذى أحد، سواء كان يصلي فلا يرفع صوته بالقراءة، أو كان يقرأ بدون صلاة، لا يرفع صوته بالقراءة حيث يتأذى بجهره أحد)) اهـ.
هذا إذا كان التشويش بقراءة القرآن منهي عنه فالكلام واللغط من باب أولى، ويشتد الأمر سوء بالأذكار البدعية والطرق الشركية، وهذا أشد نهيا من الكلام المباح وأولى بالنهي والزجر.
قال العلامة حمود بن عبد الله بن حمود التويجري رحمه الله في ((الإيضاح والتبيين لما وقع فيه الأكثرون من مشابهة المشركين)): ((إذا كان المصلي منفردًا ومثله التالي للقرآن في غير صلاة منهيًا عن الجهر الذي يحصل منه تشويش على من حوله من المصلين والتالين للقرآن، فنهي أهل الاجتماعات المحدثة والضجيج المنكر في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحول قبره يكون بطريق الأولى والله أعلم)) اهـ.
أما إذا صدر الكلام المباح في المسجد بما لا يحدث تشويش ولا أذية، فهو جائز وإن تخلله بعض الضحك.
فعن سماك بن حرب قال: قلت لجابر بن سَمُرة رضي الله عنه: أكنت تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: نعم، كثيرا كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح أو الغداة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قام وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم.
أخرجه مسلم.
هذا والله أعلم وبالله التوفيق وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كتبه
عزالدين بن سالم بن الصادق أبوزخار
العلوص: يوم السبت 25 ذي الحجة سنة 1438 هـ
الموافق لـ: 16 سبتمبر سنة 2017 ف