بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ، حمدا يليق بجلاله وجماله وكماله ،أحمده سبحانه كما يحب ويرضى ، وأحمده بعد الرضى ، وأحمد بجميع محامده حتى يرضى ، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وسلم .
أما بعد :
سمعت أحدا الوعاظ المدرسين يعظ في بعض النّاس في مرض القلوب ، ومن أعظمها كما قال الحسد ، ثم قال : وفي الأثر : (( لا يخلو جسد من حسد )) .
ولم يعز الأثر إلى مصدر أو مرجع يمكن أن نستفيد منه ، فاستغربت ذلك منه ، وقلت في نفسي وأين هذا الأثر من كتب السنة ؟؟

ومن أين له ذلك أنه أثر بمفهوم الحديث يرفع إلى رسول الله ، ولا يمكن للرسول أن يقول ذلك ، وخاصة وأن هذا تعميم يشمل الأنبياء والمرسلين وعباد الله الأتقياء الصالحين ، فليس من شك أن الأنبياء والمرسلين ، وعباد الله المخلصين الصادقين والأتقياء الصالحين لا يشملهم ذلك ولو شملهم لكان اتهاما لهم وطعنا في نبوتهم ورسالتهم ، فهم جاءوا ليحملوا النّاس على مكارم ، الأخلاق ، ومحاسنها ، ويحاربوا الحسد والبغضاء والشحناء والتدابر والتقاطع التي يثمر الحسد أو يكون بسببه ..
وقد قال صلى الله عليه وسلم :((
لا تحاسدوا و لا تناجشوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، ولا يبع بعضكم على بيع بعض ، وكونوا عباد الله إخوانا ، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ، ولا يخْذُلُه ، ولا يَحْقره التقوى هاهنا - وأشار إلى صدره - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه و ماله وعرضه)). أخرجاه .
وقد أمرنا الله أن نتعوذ به من شر الحاسد فلا يمكن أن يرسل رسلا في أجسادهم حسد ، ولا يمكن أن يكون في أتقياء خلقه حساد يحسدون النّاس على ما أتاهم من فضله .
وكنت أعرف أن هناك حديث ضعيف لا يصح نسبته إلى النبي صلى الله عليه وبلفظ : (( كل بني آدم حسود ولا يضر حاسدا حسده ما لم يتكلم باللسان أو يعمل باليد))الجامع الصغير (4222) فقد مر علي حين كتبت رسالتي تحفة الأكياس بحسن الظن بالله ثم بالنّاس .
فلما رجعت إلى البيت بدأت أبحث عن ذلك الأثر، وبالفعل وجدته في كتاب أمراض القلوب للشيخ الإسلام ابن تيمية (1/21) والمجموع (10/125) ولكن بدون أن يذكر أنه أثر ؛ وإنما ذكره بقوله : وَالْمَقْصُود أَن الْحَسَد مرض من أمراض النَّفس وَهُوَ مرض غَالب فَلَا يخلص مِنْهُ إِلَّا الْقَلِيل من النَّاس وَلِهَذَا يُقَال مَا خلا جَسَد من حسد لَكِن اللَّئِيم يبديه والكريم يخفيه ..
ووجدته في المقاصد الحسنة للسخاوي حيث قال : 955 – حَدِيث : مَا خَلا جَسَدٌ مِنْ حَسَدٍ، لم أقف عليه بلفظه، ولكن معناه عند أبي موسى المديني في نزهة الحفاظ له من طريق خلف بن موسى العمي عن أبيه عن قتادة عن أنس رفعه : (( كل بني آدم حسود، وبعض أفضل في الحسد من بعض، ولا يضر حاسدا حسده ما لم يتكلم باللسان أو يعمل باليد)) .
وسنده ضعيف ، وهو عندنا أيضا مسلسل بجماعة يسمون خلفا في علوم الحديث للحاكم ، وبعلو في فوائد إسحاق الصابوني..
ولابن أبي الدنيا في ذم الحسد له بسند ضعيف.
وكذا أخرجه ابن أبي الدنيا أيضا من وجه آخر مرسل ضعيف ، وللطبراني من حديث حارثة بن النعمان نحوه، وقد بسطت الكلام عليه فيما كتبته من شرح الترمذي. انتهى من المقاصد الحسنة للسخاوي .
وفي الأجوبة المرضية فيما سئل السخاوي عنه من الأحاديث النبوية (1/381) تحقيق د. محمد إسحاق محمد إبراهيم.
99 - وسئلت عما اشتهر: "ما خلا جسدٌ من حسد، والعداوة في الأهل، والحسد في الجيران". فقلت: لم أقف على أصل بهذا اللفظ، نعم أخرج أبو موسى المديني في "نزهة الحفاظ" له معناه من طريق خلف بن موسى العمي عن أبيه عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل بني آدم حسود، وبعض أفضل في الحسد من بعض ولا يضر حاسدًا حسده ما لم يتكلم باللسان أو يعمل باليد" وسنده ضعيف.
وروينا من طريق بشر بن الحارث أنه قال: العداوة في القرابة والحسد في الجيران والمنفعة في الإخوان.
وفي السلسلة الضعيفة برقم (3091) وقال الشيخ هناك ضعيف . وفيها تحت ( 6822) (كل بني آدم حسود، وبعض الناس أفضل في الحسد من بعض، ولا يضر حاسداً حسده ما لم يتكلم بلسانه، أو يعمل باليد) . وقال الشيخ ضعيف جدا وكتب فوق متنه مضى برقم (برقم 3091).
فالأثر الأول بلفظه ليس بحديث أصلا ولا ينبغي أن يطلق عليه لفظ الأثر إلا مقيدا لمن أثر عنه ممن مضى ، والثاني : لا يصح نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ضعيف جدا ..
والمصيبة كل المصيبة أنه قد كثر القصاص والوعاظ والمدرسين الذين ملئوا الدنيا أو كادوا بالأحاديث الضعيفة والواهية ، والموضوعة في بعض الأحايين والتي لا أصل لها ينسبونها إلى النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة – رضوان الله عليهم - وآخر ما سمعت من ذلك أن أحدهم قال : قال النبي : (( إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَقَدْ
قَامَتْ قِيَامَتُهُ )).
قلت : رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أَنَسٍ – رضي الله عنه - مَرْفُوعًا بِهذا اللَفْظِ.. قال الزيلعي في تخريج أحاديث (1/436) : قلت غَرِيب .
وَرَوَى الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره أخبرنَا أَبُو كريب ثَنَا وَكِيع ثَنَا سُفْيَان عَن زِيَاد بن علاقَة عَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة : قَالَ يَقُولُونَ الْقِيَامَة الْقِيَامَة وَإِنَّمَا قِيَامَة الرجل مَوته ..
وَذكر أَبُو شُجَاع الديلمي فِي كتاب الفردوس من حَدِيث أنس مَرْفُوعا: (( إِذا مَاتَ أحدكُم فقد قَامَت قِيَامَته)).
وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (1/1403) أخرجه ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الْمَوْت من حَدِيث أنس بِسَنَد ضَعِيف.
قلت : العراقي له مصطلح خاص إذا أطلق لفظ الضعيف فإنه يعني به الواهي والموضوع .وهو كذلك ؛ لأن سند هذا الأثر مظلم .
ففي كنز العمال للتقي الهندي(15/54 (42123):(( أكثروا ذكر الموت، فإنكم إن ذكرتموه في غنى كدره، وإن ذكرتموه في ضيق وسعه عليكم، الموت القيامة، إذا مات أحدكم فقد قامت قيامته، يرى ما له من خير وشر)) .
أخرجه العسكري في الأمثال - عن أنس، وفيه داود بن المحبر - كذاب - عن عنبسة ابن عبد الرحمن وهو - متروك متهم - عن محمد بن زاذان - قال البخاري: لا يكتب حديثه" فأنت ترى أن الحديث مظلم فيه ، متهم بالكذب ، ومتروك ولا يلتفت إليه ، ومن لا يكتب حديثه .

ولذلك حكم عليه الفتني في تذكرة الموضوعات (1/215) أنه موضوع ، والألباني في الضعيفة ( 5462 ).
هذا من حيث السند حتى لا ننسب للنبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقله فنقع في من كذب عليه .. في قوله صلى الله عليه وسلم : (( .. ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النّار..)) . بل المسألة أشد وأعظم جرما من ذلك ؛ فلو قال أحد من النّاس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو(( يَرى )) بفتح الياء المبني للمفعول ، أو(( يُرى ))بضمها أي المبني للمجهول على الوجهين أن ذلك الحديث كذب فهو أحدا الكَاذِبَيْنِ ، أو الكَاذِبِين.
وهذا الحديث رواه مالك في الموطأ (رقم 26) ومسلم في مقدمة صحيحه (1/حديث (1863) من حديث المغيرة بن شعبة عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ».
وفي سنن ابن ماجة برقم (3 عن عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي حَدِيثًا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبَيْنِ».أنظر صحيح الجامع (6199).
فالأمر خطير إذا ، فلا بد أن ننظر بما نحدث عنه صلى الله عليه وسلم وما نسمع ، ونتأكد من صحة الحديث والأثر وإلا كنّا من الكاذبين أو المتقولين عليه ما لم يقل .فمن سمع الحديث الواهي أو المكذوب وسكت عنه فإنه مشارك في الإثم لمن قال واعتقده وإلا ما يمنعه أن يبينه على أقل الأحوال لمن جاء به .
فينبغي علينا معشر طلبة العلم أن نتعاون ونبين للنّاس ما يأتي به هؤلاء القصاص والوعاظ ، وأن نحذرهم من ابتلاع واعتقاد كل ما يسمعونه منهم ؛ فوالله لا تكاد تسمع عامي أو مثقف أو طالب علم مبتدئ إلا تجد عنده من هذه الآثار والأحاديث الضعيفة والواهية والقصص والخرافات العجيب ، والعجيب ينسبونها للنبي صلى الله عليه وسلم أو إلى بعض أصحابه ..
ومن ذلك أن أحدهم قال : مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يختم القرآن من الصحابة أحد ، وكرر ذلك وبنفس متحمس يريد أن يؤكد الأمر ..
وخالف المسكين أقل ما ورد في ذلك مما ذكره البخاري في صحيحه وإلا فقد ختم كتاب الله الكثير من الصحابة في حياته صلى الله عليه وسلم ، وبعضهم مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبق عليه إلا القليل ، وقد أحسن البقلاني في كتابه الانتصار للقرآن الكريم وفند كلام من يقول لم يختم القرآن إلا القليل ، ولكن صاحبي يقول لم يختمه أحد ، والله وحده المستعان على هؤلاء الذين يطعنون في الصحابة جملة وتفصيلا .
أسأله الله تعالى أن يبصرنا بالحق وأن يرزقنا العمل به واثبات عليه إنه سميع مجيب .