قصة زيد مع العلم وأهله وخاتمته المأساوية

هذه القصة ليست من نسج الخيال، بل هي مجموعة وقائع مر بها طائفة من الناس في أوقات مختلفة، جمعت في قصة واحدة ستذكر على شكل مراحل عدة، منهم من مر عبر جميعها ومنهم من هو دون ذلك.
وقصد زيد من هذه القصة أن يعظ نفسه ويذكرها، ويتعظ غيره ممن يمر بنفس الحال.

قال زيد حاكيا عن نفسه:

قذف الله نور الاستقامة في قلبي وأكرمني بها، وأنعم علي بحب العلم والعلماء، وزادني من فضله حيث يسر لي الرحلة لطلب العلم ومجالسة العلماء، وكنت أتقلب في كل هذه النعم ليل نهار.

مرت علي الأيام والأسابيع والشهور والسنوات وبدأت أفهم وأتعلم شيئا فشيئا، وكان عندي حرص على مجالس أهل العلم بالتبكير والتدوين.

سرت على هذا الطريق ما شاء الله، إلا أن نفسي الأمارة بالسوء والشيطان كان لي بالمرصاد حيث جيش الجيوش وأعد لي العتاد والعدة ليفتك بي ولزيح عني ما ذكرت من النعم، فبدأ باستدراجي بتزيين المفضول على الفاضل حتى أوقعني في الشرور وصورها لي في صور الخير والأجر، بل صرت أعتقد أنها أفضل القربات!!

أثناء مرحلة الطلب كنت على تواصل دائم ببعض اخواني من البلاد ممن لهم اهتمام بالعلم والعلماء، وكنت أحاول التقرب من أهل العلم أكثر فأكثر على نية أن أصبح من طلابهم المقربين في يوم من الأيام. هذه النية كان يعتريها شيء من الفساد كتمني أن أكون مثل الطالب فلان في علاقته مع الشيخ والعالم الفلاني مرافقا له وناقلا كل ما يريد نشره من فتاوى ومسائل ومقالات وردود... ولكنني غفلت عن الصواب في ذلك وهو رجاء الله بأن يجعلني مثل الطالب الآخر الملازم للشيخ حيث يستغل قربه من الشيخ في استخلاص نخالة علمه وبحث المسائل وغير ذلك من فوائد ملازمة الأشياخ والقرب منهم.

بدأت تدب إلى نفسي فكرة التعاون مع اخواني وأبناء بلدي والسعي في تواصلهم مع أهل العلم مباشرة وذلك من خلال عقد لقاءات هاتفية، وعرض أسئلتهم لأنهم يعانون في هذا الباب العناء الشديد.
استحسنت الفكرة وقلت هذا أقل الواجب مع اخواني بل ربما يكون واجبا في حقي لأنهم لا يستطيعوا ذلك، فعزمت وبدأت أكلم الشيخ فلان والشيخ الآخر وتيسر أمر عقد اللقاءات وهكذا عرض الأسئلة حيث كانت متعلقة بموضوع اللقاء والمحاضرة في الغالب أو عامة.

مرت الأيام والأيام وصار الإخوة يطلبون مني عرض بعض القضايا والمشاكل المتعلقة بالدعوة بالبلاد قصد الفصل فيها، قلت الحمد لله الإخوة يريدون الارتباط بأهل العلم والرجوع إليهم في أمورهم فهذا خير وعلي الصبر والاجتهاد في ذلك أكثر. تطورت الأمور وبدأت في شرح الوضع بين الإخوة وعرض بعض القضايا على المشايخ، وهذا العمل كان يأخذ مني جل وقتي في ترتيب وتحرير المسائل والأسئلة المتعلقة بها ... فما عدت أحضر للدروس إلا في الناذر ولم يعد عندي ذاك الحرص على التبكير والتدوين حيث أصبح شغلي الشاغل مشاكل الدعوة بالبلاد.

كان يطلب مني بعض الإخوة أرقام بعض من أجالس من أهل العلم وكنت أرفض تسليمهم إياها واعتذر لهم بأن المشايخ تعبوا من كثرة الاتصالات وأنهم يستحون من رد المتصل ونحن أولى الاستحياء وغير ذلك من الاعذار التي هي في الحقيقة وحي من الشيطان؛ لأن المشايخ لم يشتكوا علي بل يتعاونون مع أبنائهم على قدر استطاعتهم، ثم إن في ذلك أمر خفي وهو حظوظ النفس والمراد هو كل صغيرة وكبيرة تمر على يدي لأنني قريب من المشايخ وأنا سأشرح وأبين لهم أكثر من المعني بالأمر بدعوى أنه بعيد ويصعب عليه تصوير المسألة كما ينبغي...

استمر الحال على ذلك وبحكم القرب من أهل العلم صرت أسمع بعض القضايا التي تتعلق ببعض المشايخ وطلبة العلم، وكلما سمعت شيئا سعيت في التفتيش والبحث فيه أكثر من الشيخ المعني بالموضوع، وإذا بلغني أو وقفت على أمر لم يبلغ بعد من أجالس من أهل العلم عن الشيخ والطالب الفلاني شعرت بفرحة خفية وهي أنني سأخبر الشيخ بأمر لا يعلمه عن فلان، فارتقيت من مستوى إلى آخر أشد منه وهو تناول القضايا المتعلقة بالمشايخ والدعاة والخوض في ذلك، ونقل كلام هذا الشيخ الذي أثنى على فلان إلى الشيخ الذي تكلم فيه، طبعا كان القصد حسنا وهو الوصول إلى الحق وازهاق الباطل، لكن الصواب والحقيقة أنني استدرجت من الشيطان واشتغلت بما لا يعنني، فكنت سببا في إثارة الفتن أولا في بلادي وفي بعض البلدان الأخرى لأن كل شيء ينقل ويذاع عبر هذه الوسائل الحديثة للتواصل، ثم الأكبر من ذلك والأدهى والأمر كنت سببا في الفتنة بين المشايخ وطلبة العلم، مع العلم أن هناك من هو أعلم ومطلع أكثر مني لكنه لزم حدوده واشتغل بما ينفعه.

ففساد نيتي وفشلي في الامتحان والابتلاء جر علي البلاء. وأكثر شيء أهلكني حب الظهور الخفي، والله كبر شيء أهلكني هو حب الظهور الخفي المغلف بالحق.

تطور الأمر أكثر وصرت أنقل عن بعض المشايخ كلامهم وأنشره وكأني الناطق الرسمي أو وكلت من جهتهم في كل ما أنقل عنهم وأنشره، وإذا نقل غيري لبعضهم ممن هم أنا على قرب منهم ينتابني شعور خلاصته عدم الرضا، وتفسير ذلك هو إذا أراد الشيخ إذاعة أمر لابد أن أكون أنا الناشر ويذكر اسمي فيه بشكل من الأشكال حتى يقال ما تمنيت في أول القصة زيد ملازم للشيخ فلان، وإذا أردنا شيئا نتصل على زيد لأنه قريب من الشيخ فلان.

والحاصل كما قلت هي أباطيل زينتها لي نفسي الأمارة بالسوء ثم غلفها لي إبليس بغلاف الحق حتى استحسنتها وعملت عليها.
وفي الأخير قدر الله علي الرجوع إلى البلاد لكني خالي الوفاض مخلفا ورائي الشرور والفساد والإفساد[1].

وانتهى بي الحال بأن صرت نسيا منسيا ورميت في مزبلة التاريخ.

* فيا من قرأت قصتي وكان حالك هو حالي اتق الله وتب إليه وسله السلامة والعافية واشتغل بما ينفعك ولا تقحم نفسك فيما لا يعنيك واعط القوس باريها، فأنا ومن هو على شاكلتي هم من شوه الدعوة السلفية، وشق عصاها وفرق الإخوة وكان سببا في انتكاس آخرين، وعلي وزرهم والله المستعان، وكما قيل السعيد من اتعظ بغيره والشقي من اتعظ بنفسه.

* ويا من قرأت قصتي وحدثتك نفسك بأن قالت: لعله يقصدني، فحالك كحال رجل مبتلى بمعصية حضر مجلس وعظ، تناول فيه الواعظ جملة من المعاصي وركز على معصية الرجل المبتلى فصار يحدث نفسه ويقول لعله يعرفني لعله يقصدني، أما من سلموا من هذه المعاصي فينصتون وعليهم السكينة والطمأنينة والواحد منهم يقول في نفسه الحمد لله الذي عافنا مما ابتلى به غيرنا، وفي آخر الوعظ يدعون للواعظ على تذكيره.

أسال الله أن يتجاوز عنا ويغفر لنا وأن يصلح حالنا ظاهرا وباطنا، والحمد لله رب العالمين.
غفر الله لزيد كاتب هذه القصة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــ
1. تركت ذكر الشر الذي أحدثته أيضا في صفوف بالإخوة بعد عودتي حتى لا أزيد القصة إطالة مما هي عليه، والإشارة تكفي.