الحلبي يوهم الناس أنه على منهج الجبال من أئمة الحديث ونقاد الرجال

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه.
اطلعتُ على المقال الذي نشره الحلبي في منتداه تحت عنوان " مناهج الأئمة الجِبال، والردّ على المتطاولين الجُهّال في باب (نقد الرجال)..."، بتأريخ (3/9/1433هـ).

وقد ردَّ بعض الإخوة السلفيين الرجال على سفسطة الحلبي في هذا المقال، وبيّنوا ما فيه من الجهل والتخبط والتلبيسات.
ولي وقفات مع بعض تهويشات الحلبي في هذا المقال.
الأولى- هذا العنوان كأنما يصف الحلبي نفسه وحزبه في تطاولهم على المنهج السلفي وأصوله وحملته بالجهل والكذب والتأصيلات الفاسدة.
فمن أصولهم: "نُصحح ولا نُجرح"، و "إذا حكمت حوكمت".
ومنها- "نريد منهجاً واسعاً أفيح يسع أهل السنة والأمة كلها".
ومنها- أصل "لا يلزمني"، و "لا يقنعني".
وكل هذه الأصول الباطلة وُضعت لمقاومة منهج السلف وأصولهم وللدفاع عن أهل الضلالات الكبرى.
ومنها الدفاع عن من يقول بوحدة الأديان، ويطعن في بعض الأنبياء وفي الصحابة الكرام، وعن من يعطل صفات الله ويقول بأزلية الروح وبالاشتراكية، وبكفر الأمة من قرون حتى أنه ليكفر من يطيع الحاكم في جزئية.
ثم تمادى بهم الأمر إلى توسيع دائرة الدفاع عن أهل الضلال والحرب على المنهج السلفي وأهله، فصار رؤوسهم يدافعون عن أهل وحدة الأديان وحرية الأديان وأخوة ومساواة الأديان، ومن رؤوس هذه الفرقة من أعلن الدعوة إلى وحدة الأديان، ولم يصدر من فرقته أي نكران.
ومن أصول الحلبي وجوب التثبت من أخبار الثقات، والتثبت حتى من أخبار الصحابة.
معارضاً بذلك الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح.
ومن حربه لمنهج الجرح والتعديل قوله: "إن الجرح والتعديل ليس له أدلة من الكتاب والسنة".
ومن حربه لمنهج السلف أنه يرى أنه لا يصح تبديع أحد إلا إذا تم الإجماع على تبديعه.
فهل رأيت فرقة من فرق الضلال تؤصل لحرب المنهج السلفي وأهله مثل طائفة الحلبي؟؟
الثانية- كتب الحلبي هذا المقال ليوهم الأغبياء أنه يحترم منهج السلف في الجرح والتعديل، وقد عرف السلفيون أقواله ومواقفه ومواقف فرقته ضد منهج السلف، وأنهم لا يحترمونه، بل يؤصلون الأصول الباطلة ضده وللدفاع عن أهل الضلال وحرب السلفيين الدعاة إلى الكتاب والسنة ومنهج السلف.
الثالثة- مع بعض فقرات هذا المقال:
أ - قال الحلبي:
" ابتدأ الإمامُ الحافظُ -بحق- شمسُ الدين الذهبيُّ-رحمه الله-هذا الكتابَ المباركَ بحمدِه الله-تعالى-الذي"جَعل في الناس أئمّة ونُقّاداً ؛ يُدققون في النَّقير والقِطمير، ويتبصّرون في ضبط آثار نبيِّهم أتمَّ التبصير، ويَعُوذون بالله مِن الهوى والتقصير، ويتكلّمون في مراتب الرجال وتقرير أحوالهم- مِن الصدق والكذب، والقوة والضعف- أحسنَ تقرير".
ثم تكلّم –رحمه الله-عن منهجه وطريقته –في كتابه-قائلاً –من ضمن كلام-:
«... وفيه مَن تُكُلِّم فيه -مع ثقته وجلالته- بأدنى لين، وبأقلِّ تجريح؛ فلولا أن ابن عدي -أو غيرَه من مُؤلِّفي كتب الجرح- ذكروا ذلك الشخصَ : لَـَما ذكرتُه –لثقته-([1]) .
ولم أر من الرأي أن أحذفَ اسمَ أحدٍ ممّن له ذكرٌ بتليينٍ –ما- في كتب الأئمة المذكورين؛ خوفاً من أن يُتعقَّب عليّ؛ لا أني ذكرته لضعف فيه- عندي-"...
أقول: هل أنت وحزبك على منهج هؤلاء الأئمة النقاد الذين يدققون في النقير والقطمير، ويتبصرون في ضبط آثار نبيهم أتم التبصير، ويعوذون بالله من الهوى والتقصير؟
فهل من يدافع عن أهل وحدة الوجود وأهل وحدة الأديان وحرية الأديان ومحبة أهل الأديان يدققون لحماية الدين في النقير والقطمير حماية لدين الله العلي الكبير أو يدافعون عن ضلالات كبرى أعظم من الجبال ولا تحتملها السماوات والأرض، ويدافعون عن أهلها بالجهل والكذب والتضليل؟
وهل أنت وحزبك تتكلمون في مراتب الرجال ولا سيما أهل البدع، وتقررون أحوالهم أحسن تقرير؟، أو يقول بعضكم في الدعوة إلى وحدة الأديان وأخواتها: إنها شارحة للإسلام ومبينة لوسطيته إلى آخر المدح والدفاع عن هذه الطوام ، مع مدح من يؤيدها من رؤوس الروافض والخوارج وغلاة الصوفية والعلمانيين بأنهم علماء ثقات ورؤساء أمناء، وأنصاره يؤيدونه في هذه الأوابد، ويدافعون عنه وعنها.
ب- قال الحلبي:
"ثم قال (يعني الإمام الذهبي):
«وقد احتوى كتابي –هذا- على ذِكر الكذّابين الوضّاعين المتعمِّدين -قاتلهم الله-، وعلى...».
إلى أن قال –رحمه الله-:
«... ثم على الثقات الأَثْبات الذين فيهم بدعةٌ، أو الثقات الذين تَكَلَّم فيهم مَن لا يُلْتَفَتُ إلى كلامه -في ذلك الثقة-؛ لكونه تعنّت فيه، وخالف الجمهورَ -من أُولي النقد والتحرير-؛ فإنّا لا ندّعي العصمةَ من السهو، والخطأ في الاجتهاد: في غير الأنبياء».
أقول: فهل أنت تبين حال الكذابين الذين يدافعون عن أهل الضلالات الكبرى التي أسلفناها؟
وهل أنت تبين حال من يعتبر أهل الضلالات الكبرى من الإخوان المسلمين وجماعة التبليغ يعتبرهم من أهل السنة ويتبجح بذلك؟
وهل بيّنتَ حال من أيدوا وحدة الأديان وحرية الأديان وأخوة أهل الأديان ومحبتهم أو أثنيتَ عليهم واعتبرتهم علماء ثقات رغم أنهم من رؤوس الروافض والخوارج..الخ؟
يا حلبي إن السلف ومنهجهم في واد، وأنت في واد.
وإن الذهبي ومنهجه في واد -أيضاً-، وأنت في واد.
وهل تريد أن تضحك على الناس بنقلك لكلام الذهبي لتوهمهم أنك على منهج السلف ومنهج الذهبي في نقد الرجال؟، فأنت في الثرى وهم في الثريا، مع مخالفاتك الشنيعة الواضحة لمنهجهم.
وتريد أن تضحك على الببغاوات فتوهمهم أن السلفيين حقاً في هذا العصر السائرين في درب السلف من المتطاولين الجهال، وهذا من الكذب ومن قلب الحقائق.
فأنت وحزبك من المتطاولين الجهال، وهذه أصولكم وكتاباتكم ومواقفكم تشهد عليكم بأنكم من أشد خصوم المنهج السلفي والمتطاولين عليه وعلى أهله، فيقال لكم: "رمتني بدائها وانسلت".
والناظر المنصف في ميزان الذهبي وغيره من كتب الجرح والتعديل وكتب الجرح الخاص وكتب العقائد، والناظر في أصولكم ومنهجكم وكتاباتكم يجزم ويقطع بأنكم من أشد أهل الأهواء مصادمة لأئمة الجرح والتعديل وأئمة العقيدة والمنهج السلفي.
وهذا أمر لا ينازع فيه إلا صاحب هوى أو جاهل بمنهج أئمة الجرح والتعديل وأئمة العقائد.
جـ- قال الحلبي:
" حوى([2]) كتابُ «ميزان الاعتدال» على أكثرَ من عشرة آلاف ترجمة ..
فـ :
1- هل جميع هؤلاء الرواة –المذكورون فيه- مجروحون جرحاً يُسقطهم عن حدّ القَبول ، ويردّ أدنى وجوه الثقة بهم؟!
2-فإن كانوا (جميعاً) كذلك-وليسوا هم كذلك-بداهةً!-:
فهل (أجمع) على تجريحهم -كافّةً- علماءُ الجرح والتعديل –قاطبةً-؟!
3- أم أنّ بين أئمة علم الجرح والتعديل في هؤلاء المجروحين اختلافاً واختلافاً؟!".
أقول: الظاهر أن الحلبي يعتقد أن هناك خلافاً محتدماً بين أئمة الجرح والتعديل في كل المجروحين الذين احتوى عليهم كتاب الذهبي أو في جلهم، وأن اتفاقهم قليل وقليل.
وأقول: هل هبَّ الإمام الذهبي لتأليف كتابه "الميزان" دفاعاً عن الكذابين الوضاعين المتعمدين؟
أو عن الكذابين في أنهم سمعوا ولم يكونوا سمعوا ؟
أو عن المتهمين بالوضع والتزوير؟ أو عن الكذابين في لهجتهم لا في الحديث النبوي؟
أو عن المتروكين الهلكى الذين كثر خطؤهم وترك حديثهم ولم يعتمد على روايتهم؟
أو عن الحفاظ الذين في دينهم رقة وفي عدالتهم وهن؟
أو عن المحدثين الضعفاء من قبل حفظهم الذين لهم غلط وأوهام، ولم يترك حديثهم بل يقبل ما رووه في الشواهد والاعتبار بهم لا في الأصول والحلال والحرام[3]؟
أو عن خلق كثير من المجهولين؟؟؟
وهذه الأصناف هم محاور كتابه لا كما يموه الحلبي ليشعر الناس أن الذهبي على شاكلته.
إن من دوافع الذهبي إلى تأليف هذا الكتاب هو نصح الأمة ببيان أحوال هؤلاء المجروحين، والاقتداء بأئمة الجرح والتعديل الذين ألّفوا الكتب في بيان الجرح والتعديل، بل ألّفوا عدداً من الكتب خاصة بالجرح حماية للدين ونصحاً للمسلمين.
ثم بعد أن ذكر الذهبي الأصناف السابق ذكرهم من الكذابين...الخ ذكر الثقات الذين تكلم فيهم من لا يلتفت إلى كلامه في ذلك الثقة لكونه تعنت فيه وخالف الجمهور من أولي النقد والتحرير.
ولعل هؤلاء الثقات في غاية من القلة، مع أن الجمهور من أولي النقد والتحرير قد خالفوا من تكلم فيهم.
فهل المخالفون لأهل السنة في نقد دعاة وحدة الأديان وأخوة الأديان وحرية الأديان والمخالفون في تبديع أهل البدع الكبرى كالإخوان المسلمين وجماعة التبليغ ومن على شاكلتهم، هل هؤلاء المخالفون المنحرفون المتهوكون يقاسون بجمهور أئمة النقد والتحرير؟
دع التمويه والتلبيس، فالذهبي وأئمة الجرح والتعديل ومنهجهم ومقاصدهم النبيلة في واد، وأنت وحزبك ومنهجكم ومقاصدكم الفاسدة ومواقفكم الباطلة في واد سحيق عنهم.
فقولك: "1- هل جميع هؤلاء الرواة –المذكورون فيه- مجروحون جرحاً يُسقطهم عن حدّ القَبول ، ويردّ أدنى وجوه الثقة بهم؟!".
يقال: هل نفهم من كلامك أنك تدافع عن الكذابين والمتهمين بالكذب والوضع والتزوير إلى آخر الأنواع الذين أودعهم الذهبي في كتابه لنقدهم وجرحهم وإسقاطهم وبيان أحوالهم الرديئة، نصيحة لله ولكتابه وللمسلمين؟
وهل تريد أن توهم الناس أن هؤلاء الرواة كلهم أو جلهم لم يؤثر فيهم جرح أئمة النقد والجرح والتعديل؟

د- قال الحلبي: "2-فإن كانوا (جميعاً) كذلك-وليسوا هم كذلك-بداهةً!-:
فهل (أجمع) على تجريحهم -كافّةً- علماءُ الجرح والتعديل –قاطبةً-؟!
3- أم أنّ بين أئمة علم الجرح والتعديل في هؤلاء المجروحين اختلافاً واختلافاً؟!".

فيقال:
1- إن هذه الأصناف جعلها الذهبي هدفاً للنقد وهم الغالبية العظمى في كتابه، وهم مجروحون ساقطون رغم أنف الحلبي، ولا عبرة بالنادر.
وليس بين أئمة علم الجرح والتعديل في غير الثقات الحفاظ اختلاف واختلاف، كما يرجف الحلبي، وهؤلاء الثقات المُنتقَدون قلة.
2- وقولك: " فهل (أجمع) على تجريحهم -كافّةً- علماءُ الجرح والتعديل –قاطبةً-؟!".
يفيد أنك تشترط الإجماع على قبول الجرح فأدنى اختلاف يسقط الجرح عن المجروحين، وهذا شيء لا يلحق فيه أساطين المعتزلة.
فإن قلت: لا أشترط هذا الإجماع، فيقال لك: ولماذا تتفوه بهذا الإجماع المؤكد بأقوى تأكيد بكافة وقاطبة؟، فهل نعتبره من كلام المجانين؟
يا حلبي إنك تخيل للناس أن هناك صراعاً بين أئمة الجرح والتعديل في الكذابين والمتهمين وفي أهل البدع والمتروكين وفي سائر الأصناف الذين ذكر الذهبي أنهم موضوع كتابه.
لا أعرف مهوشاً على أئمة الجرح والتعديل ونقدهم النـزيه مثلك؟

هـ- قال الحلبي: "4-بل هل ألّف الإمام الذهبيُّ كتابَه -أصلاً-بسبب(إجماع)هؤلاء العلماء-في أحكامهم على الرواة-،أم (اختلافهم)-فيهم-؟!".
أقول: قد بينتُ دافع الذهبي إلى تأليف هذا الكتاب، فإن كان عند الحلبي دليل على دافع آخر دفع الذهبي إلى تأليف هذا الكتاب فليبينه، وأرى أن الرجل يدندن حول اشتراط الإجماع على قبول الجرح.
ويرى أن استفحال الخلاف بين أئمة الجرح والتعديل في المجروحين هو الذي دفع الذهبي إلى تأليف كتابه الذي احتوى على أكثر من عشرة آلاف ترجمة.
ثم قال مراوغاً متملصاً من اشتراط الإجماع لقبول الجرح:
" مع التنبيه والتوكيد على عدم اشتراطي الإجماعَ على قَبول الجرح-كما افتراه المفترون!ولا يزالون يفترون !-!".
أقول: يا حلبي قف عند حدك، واعرف قدر نفسك، ولا تكذب الصادقين، ودع المكابرات بإنكار أقوالك الواضحات.
لقد قلتَ يا حلبي في شريط لك مشهور[4] خلال حربك لمنهج الجرح والتعديل:
"ثم موقف عامة الطلبة إذا أجمع أهل العلم على تبديع واحد لا يسعهم أن يخالفوه، إذا ما أجمعوا، أنا أقول إذا استطاعوا الترجيح لهم أن يرجحوا، ما استطاعوا يأخذوا الأحوط كأي مسالة شرعية، ثم إذا كنت مقلداً حتى لو رجحت حسبك أن تكون مقلدا، أما أن تكون مقلداً ومجتهداً وناشراً وحامل لواء التعديل والجرح في هذا الباب، هذا الحقيقة يخالف منهج السلف".

فكلامك واضح كل الوضوح في اشتراط إجماع أهل العلم على تبديع المبتدع، فلا تصف الصادقين بالافتراء، وإنكار ما صرّحتَ به وأعلنتَه هو الافتراء.

ثم أضفتَ طامة من طوامك في هذا الشريط، فقلتَ:
" لكن المشكلة الآن من سلوكيات وتصرفات الشباب؛ حيث لم يفهموا أنَّ علم الجرح والتعديل أصلاً وجِدَ للمصلحة، علم الجرح والتعديل لا هو موجود في أدلة الكتاب ولا في أدلة السنة([5])، هو علم ناشئ نشأ لحفظ الكتاب والسنة؛ أليس كذلك؟! إذن هو علم مصلحة!، فما بالنا نستخدم هذا العلم الذي أُنشئ للمصلحة لضرب المصلحة"([6]).
1- ففي الشريط المشار إليه اشترطت الإجماع لقبول التبديع.
2- وهنا في مقالك هذا صرّحتَ باشتراط الإجماع في قبول الجرح، ولو كنتَ لا تشترط ذلك فلماذا ذكرتَه هنا مؤكداً بأقوى أنواع التوكيد؟ أليس هذا من الأدلة على أن هذا الاشتراط داء وبيل راسخ في نفسك.
3- واشترطتَ الاتفاق على اعتبار كلمة "غثاء" سباً إذا أطلقها سلفي على الصحابة الكرام، وترى أن إطلاقها من السلفي على الصحابة لا يعتبر سباً.
ثم قولك هنا: " مع التنبيه والتوكيد على عدم اشتراطي الإجماعَ على قَبول الجرح".
إنما هو من المراوغات والتلاعب اللذين صارا لك منهجاً لا ينفك عنك.
و- قال الحلبي: "5-هل كل من دافع عنهم الإمام الذهبي –في «ميزانه»-وردَّ ما قيل فيهم من جرح!-مجروحون جرحاً مبهماً دون حجة!؟
6-أم أن فيهم –ولعله الأكثر!-من هو مجروحٌ جرحاً مفسَّراً مبيَّن السبب؟!".
يقال: هل الإمام الذهبي جنّد نفسه للدفاع عن الكذابين والمتهمين والمتروكين إلى آخر الأصناف التي أودعها في كتابه، وهل هو مثل الحلبي وحزبه يسير على أصول فاسدة يدافع بها عن الباطل والبدع الكبرى؟
يقول الحلبي المسكين خلال استفهاماته:
" أم أن فيهم –ولعله الأكثر!-من هو مجروحٌ جرحاً مفسَّراً مبيَّن السبب؟!".
فيقال: إن الذهبي ليقبل كثيراً وغالباً الجرح المبهم فضلاً عن المفسر، وحاشاه أن يسير على منهج حزب الحلبي في رد الجرح المفسر المبين السبب.
ودع قولك: "ولعله الأكثر" ، وجئنا فعلاً بهذا الأكثر من جملة أكثر من عشرة آلاف مجروح، فإن عجزتَ (ولا بد أن تعجز) تَبينَ للناس أنك مبطل مجازف، وتفتري على الذهبي ما يتنـزه عنه من رده لجروح أئمة النقد الجبال المفسرة المبينة الأسباب.
إن قولك هذا فيه هدم لجهود أئمة الإسلام في حماية دين الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- من كذب الأفاكين والمتهمين بالوضع والتزوير والمتروكين الهلكى والضعفاء والمجهولين.
وسوف أنقل للقراء عدداً كبيراً من المجروحين الذين جرحهم الأئمة جرحاً مبهماً، وقبله الذهبي دون تردد.
فهل من يقبل ويسلم للأئمة نقدهم المبهم يتصدى لانتقاداتهم المفسرة المبينة الأسباب كما يرجف الحلبي؟
ز- قال الحلبي: "7-وعليه:
فهل أكثرُ اختلاف علماء الجرح والتعديل –وهم أهل الفكر العتيق، والنظر الأنيق، والفهم الدقيق-في المبهم من الجرح-فقط-؟!
8-أم أن اختلافهم العملي -هذا-قائمٌ على اختلاف علميٍّ يسبقه ، وهو : اختلافُهم فيما يجرحُ وما لا يجرح من الأسباب -أصلاً-؟!
9-بل:
لماذا أوجب العلماء -أساساً- على الجارح –عندما يجرح!-ذكرَ السبب ، وتفسيرَ الجرح؟!
-هل ليقبلوه -فوراً-لكونِه-فقط!- مبيَّن السبب! مفسَّراً؟!
-أم ليقبلوه بعد تمحيص النظر فيه ، ومعرفة ما يُقبل منه مما لا يقبل-بناءاً على اختلاف أنظارهم في ذلك-؟!
10-ولنعكس السؤال الأخير –وما تبعه-:
-هل كل المجروحين –المذكورين في«ميزان الاعتدال»-مجروحون جرحاً مفسَّراً ، مبيَّن السبب ؟!
-أم أن فيهم..وفيهم ؟!
-فإن كان (الأول)؛ فلماذا ناقشهم الأمام الذهبي ، وخالف -في مناقشته- مَن خالف من كبار علماء الجرح والتعديل؟!
-وبالتالي :
فهل كل (جرح مفسَّر) مقبولٌ؟!
-وإن كان (الثاني)؛ فأين دعاوى إخواننا (الغلاة)-التي بَنَوْا عليها شبهاتِهم المتهاويةَ المتهافتة!- من حقائق أئمة علم الجرح والتعديل -الهُداة-الراسخة الثابتة؟!
-وبالتالي:
هل أقوال العلماء- في باب الجرح والتعديل- من باب (الأخبار)-التي أصلُها إما الصدق ، أو الكذب-؟!
أم من باب (الأحكام)-التي أصلها الاجتهاد –خطاً أو صواباً-؟!".

أقول: إنك لتركز على الجرح المفسر المبين السبب، وتوهم القراء أن العلماء أجمعوا على وجوبه في كل جرح، وأنهم لا يقبلون الجرح المبهم.
وهذا كلام باطل يدل على جهل وتهويل.
إن واقع كتب الجرح والتعديل وواقع العلماء ومنهم الذهبي ليدل دلالات واضحة على قبول الجرح المبهم، وهو الغالب في جرحهم، فكيف بالمفسر؟
والصحيح أنهم لا يشترطون التفسير إلا بعد حصول التعارض بين الجرح والتعديل.
فإذا فسر المجرح كلامه ببيان السبب الجارح التزم العلماء قبوله والعمل به والبناء عليه، هذا هو الأصل الأصيل عندهم، ومنهم الذهبي.
ودع عنك ما يردُّ من الجرح المفسر فإنه من أندر النادر، ولا عبرة بالنادر، الذي يريد أهل الأهواء أن يجعلوه أصلاً أصيلاً، ثم يرجفون به لنصرة أباطيلهم.
ويرى القارئ النبيه كيف يرجف الحلبي بالاختلاف بين أئمة الجرح والتعديل، وكأنه هو الأصل والغالب عليهم وعلى منهجهم، فاتقِ الله يا حلبي ودع هذه الأراجيف والتهاويل الظالمة التي تشوه أئمة الجرح والتعديل وتشوه منهجهم، وتثير الشكوك في أخبارهم وأحكامهم وفي عدلهم وإنصافهم.
إن الثناء على هؤلاء الأئمة من فحول العلماء الذين درسوا أقوالهم وأخلاقهم وأحوالهم، ودانوا بصدقهم وأمانتهم وعدلهم لكثير، ومن ذلك ثناء الإمام الذهبي الذي تصوره كأنه ثائر عليهم ليرد أكثر أقوالهم وجروحهم المفسرة في أكثر من عشرة آلاف مجروح.
فمن ثنائه عليهم قوله في مقدمة الميزان:
" الحمد لله الحكم العدل، العلى الكبير، اللطيف الخبير، الماجد البصير، الذى خلق كل شئ فأحسن التقدير، ودبر الخلائق فأكمل التدبير، وقضى بحكمته على العباد بالسعادة والشقاوة، فريق في الجنة وفريق في السعير، وأرسل رسله الكرام بأصدق الكلام، وأبين التحرير، وختمهم بالسيد أبى القاسم البشير النذير، السراج المنير، فأرسله رحمة للعالمين من نار السعير، وحفظ شريعته من التبديل والتغيير، وصير أمته خير أمة أخرجت [ للناس ] فيا حبذا التصيير، وجعل فيهم أئمة ونقادا يدققون في النفير والقطمير، ويتبصرون في ضبط آثار نبيهم أتم التبصير، ويتعوذون بالله من الهوى والتقصير، ويتكلمون في مراتب الرجال وتقرير أحوالهم، من الصدق والكذب، والقوة والضعف، أحسن تقرير".
وقوله في مقدمة المغني:
" الحمد لله العادل في القضية الحاكم في البرية الذي قضى على الخلق بالسهو والنسيان وحرم عليهم الكذب والبهتان في جميع الملل والأديان وحفظ دينه بالحفاظ أولي الصدق والإتقان والحذق والتبيان وجبلهم على الإنصاف وحماهم من المحاباة والاختلاف وبصرهم في نقد حملة الآثار ورزقهم ذوقا في التمييز بين الثقة والمغفل المكثار وضبط بهم السنن في سائر الأقطار فشهادة الفرد منهم ترد الكثير من الأخبار وتوثيق الحجة منهم موجبة للاحتجاج بما ثبتوه من أحاديث سيد الأبرار إن هذا لهو الفخار وإن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار".

انظر إلى هذه الأوصاف العظيمة التي وصف الذهبي بها أئمة الجرح والتعديل، ومنها الصدق والإتقان والحذق والتبيان، وأن الله جبلهم على الإنصاف وحماهم من المحاباة والاختلاف إلى آخر الجميل من الأوصاف.
وأنت تصورهم كأن الأصل فيهم الاختلاف، وذلك ناشئ عن هواك وعن جهلك العميق بأحوالهم وعدم ثقتك بصدقهم وتحريهم وعدلهم وإنصافهم، ولعل كل ذلك ناشئ من قياسهم على حالك وحال أمثالك من المتوثبين على المنهج السلفي وأهله بالجهل والكذب والفجور.

حـ- وقول الحلبي:
" هل أقوال العلماء- في باب الجرح والتعديل- من باب (الأخبار)-التي أصلُها إما الصدق ، أو الكذب-؟!
أم من باب (الأحكام)-التي أصلها الاجتهاد –خطاً أو صواباً-؟!".
أقول: إن أقوال أئمة الجرح والتعديل الأمناء الصادقين العادلين من باب الأخبار؛ لأنها قائمة على دراسات لأحوال الرواة ورواياتهم وعلى معرفتهم بسيرهم وأخلاقهم وصدقهم وضبطهم وإتقانهم، أو كذبهم أو سوء حفظهم أو سوء معتقدهم، ومن طرق كثيرة توصلهم إلى معرفة مراتب الرجال ومراتب رواياتهم؛ لأن الله الذي تعهد بحفظ دينه أحلهم هذه المنـزلة.
فيجب على المسلمين قبول أخبارهم عن أحوال الرجال وعن أحوال رواياتهم وعقائدهم، هذا هو الأصل.
ومن الأدلة على أن أقوال العلماء في الجرح والتعديل من باب الأخبار الحديثان النبويان الآتيان:
" عن أنس بن مالك –رضي الله عنه- قال: مر بجنازة فأثني عليها خيرا فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم وجبت وجبت وجبت ومر بجنازة فأثني عليها شرا فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم وجبت وجبت وجبت قال عمر فدى لك أبي وأمي مر بجنازة فأثني عليها خيرا فقلت وجبت وجبت وجبت ومر بجنازة فأثني عليها شرا فقلت وجبت وجبت وجبت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض أنتم شهداء الله في الأرض أنتم شهداء الله في الأرض" ، متفق عليه، أخرجه البخاري في "صحيحه" حديث (1367)، ومسلم حديث (949)، واللفظ لمسلم.
الشاهد من هذا الحديث:
1- إقرار النبي -صلى الله عليه وسلم- شهادة بعض أصحابه على أناس بالخير والشر.
2- حكمه -صلى الله عيه وسلم- بالجنة لمن شُهد له بالخير، وبالنار لمن شُهد عليه بالشر، بناء على هذه الشهادة.
3- قوله -صلى الله عليه وسلم- ثلاث مرات (تأكيداً لما سبق): " أنتم شهداء الله في الأرض".
4- أئمة الجرح والتعديل من أفضل وأكمل شهداء الله في الأرض بعد صحابة محمد -صلى الله عليه وسلم-، فيجب أن تُقبل أخبارهم في الجرح والتعديل، ولا يردها إلا ضال مضل.
وفي معنى هذا الحديث ما رواه البخاري بإسناده إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ قَالَ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَجَبَتْ ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَجَبَتْ ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شَرًّا فَقَالَ وَجَبَتْ فَقَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ فَقُلْتُ وَمَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ فَقُلْنَا وَثَلَاثَةٌ قَالَ وَثَلَاثَةٌ فَقُلْنَا وَاثْنَانِ قَالَ وَاثْنَانِ ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنْ الْوَاحِدِ" ، أخرجه البخاري في "الجنائز" حديث (1368)، وأخرجه أيضاً في "الشهادات" برقم (2643).
فعمر والصحابة -رضي الله عنهم- على هذا المنهج في قبول الجرح والتعديل من الثقات، واعتبار ذلك من الأخبار، لا من الأحكام، ولعل الذين شهدوا في عهد عمر -رضي الله عنه- من التابعين، وعلماء السنة على هذا المنهج.
قال الخطيب البغدادي في "الكفاية" (ص39) خلال استدلاله على مشروعية الجرح للنصيحة:
"ففي قول النبي -صلى الله عليه و سلم للرجل بئس رجل العشيرة دليل على أن أخبار المخبر بما يكون في الرجل من العيب على ما يوجب العلم والدين من النصيحة للسائل ليس بغيبة إذ لو كان ذلك غيبة لما أطلقه النبي صلى الله عليه و سلم وإنما أراد عليه السلام بما ذكر فيه والله أعلم أن بئس للناس الحالة المذمومة منه وهى الفحش فيجتنبوها لا أنه أراد الطعن عليه والثلب له وكذلك أئمتنا في العلم بهذه الصناعة إنما أطلقوا الجرح فيمن ليس بعدل لئلا يتغطى أمره على من لا يخبره فيظنه من أهل العدالة فيحتج بخبره والإخبار عن حقيقة الأمر إذا كان على الوجه الذي ذكرناه لا يكون غيبة".
ثم قال: ومما يؤيد ذلك حديث فاطمة بنت قيس .
وساق إسناده إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن عن فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب بالشام....
وساق الحديث إلى قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "فإذا حللت فآذنيني"، قالت: فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبى سفيان وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله -صلى الله عليه و سلم-: "أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه وأما معاوية فصعلوك لا مال له انكحى أسامة بن زيد"، قالت: فكرهته، ثم قال: "انكحى أسامة بن زيد"، فنكحته، فجعل الله فيه خيرا كثيرا واغتبطت به.
ثم قال: في هذا الخبر دلالة على أن إجازة الجرح للضعفاء من جهة النصيحة لتجتنب الرواية عنهم وليعدل عن الاحتجاج بأخبارهم لأن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما ذكر في أبى جهم أنه لا يضع عصاه عن عاتقه وأخبر عن معاوية أنه صعلوك لا مال له عند مشورة استشير فيها لا تتعدى المستشير كان ذكر العيوب الكامنة في بعض نقلة السنن التي يؤدى السكوت عن إظهارها عنهم وكشفها عليهم إلى تحريم الحلال وتحليل الحرام وإلى الفساد في شريعة الإسلام أولى بالجواز وأحق بالإظهار".

أقول: الشاهد منه استدلال الخطيب بهذين الحديثين على مشروعية الجرح للنصيحة وبأن قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الرجل: "بئس أخو العشيرة" من باب الإخبار ومن باب النصيحة وتحذير للناس من أن يقعوا في الفحش، وأن أئمة الإسلام إنما أطلقوا الجرح في من ليس بعدل؛ لئلا يتغطى أمره على من لا يخبره فيظنه من أهل العدالة فيحتج بخبره.
أي أن العلماء إنما أطلقوا الجرح في المجروحين إلا لأنهم يقصدون بذلك النصح للمسلمين.
واستدل بحديث فاطمة بنت قيس على جواز الجرح للضعفاء من جهة النصيحة.
واعتبر قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نصيحة لفاطمة بأن أبا جهم لا يضع عصاه عن عاتقه، وأخبر أن معاوية صعلوك لا مال له، اعتبر الخطيب هذا الكلام من باب الأخبار، لا من باب الأحكام.

"وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- عن الشهادة على العاصي والمبتدع: هل تجوز بالاستفاضة والشهرة؟ أم لابد من السماع والمعاينة؟ وإذا كانت الاستفاضة في ذلك كافية، فمن ذهب إليه من الأئمة؟ وما وجه حجيته؟
والداعي إلى البدعة والمرجح لها، هل يجوز الستر عليه؟ أم تتأكد الشهادة ليحذره الناس؟ وما حد البدعة التي يعد بها الرجل من أهل الأهواء؟

فأجاب: ما يجرح به الشاهد وغيره مما يقدح في عدالته ودينه فإنه يشهد به إذا علمه الشاهد به بالاستفاضة، ويكون ذلك قدحا شرعيا، كما صرح بذلك طوائف الفقهاء من المالكية والشافعية والحنبلية وغيرهم في كتبهم الكبار والصغار، صرحوا فيما إذا جرح الرجل جرحا مفسدا أنه يجرحه الجارح بما سمعه منه أو رآه، واستفاض. وما أعلم في هذا نزاعا بين الناس، فإن المسلمين كلهم يشهدون في وقتنا في مثل عمر بن عبد العزيز والحسن البصري وأمثالهما من أهل العدل والدين بما لم يعلموه إلا بالاستفاضة. ويشهدون في مثل الحجاج بن يوسف والمختار بن أبي عبيد وعمر بن عبيد وغيلان القدري وعبد الله بن سبأ الرافضي ونحوهم من الظلم والبدعة بما لا يعلمونه إلا بالاستفاضة.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه مر عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرا؛ فقال: (وجبت)، ومر عليه بجنازة فأثنوا عليها شرا، فقال: ( وجبت وجبت )، قالوا: يا رسول الله ما قولك: وجبت وجبت؟ قال: ( هذه الجنازة أثنيتم عليها خيرا فقلت وجبت لها الجنة، وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرا فقلت وجبت لها النار. أنتم شهداء الله في الأرض). هذا إذا كان المقصود تفسيقه لرد شهادته وولايته.
وأما إذا كان المقصود التحذير منه واتقاء شره فيكتفى بما دون ذلك، كما قال عبد الله بن مسعود: اعتبروا الناس بأخدانهم؛ وبلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلا يجتمع إليه الأحداث فنهى عن مجالسته. فإذا كان الرجل مخالطا في السير لأهل الشر يحذر عنه.
و( الداعي إلى البدعة ) مستحق العقوبة باتفاق المسلمين، وعقوبته تكون تارة بالقتل، وتارة بما دونه، كما قتل السلف جهم بن صفوان والجعد بن درهم وغيلان القدري وغيرهم. ولو قدر أنه لا يستحق العقوبة أولا يمكن عقوبته فلا بد من بيان بدعته والتحذير منها، فإن هذا من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أمر الله به ورسوله"، "مجموع الفتاوى" (35/412-414).

1- صرّحَ شيخ الإسلام أنه يحق للشاهد وغيره أن يجرح بما يقدح في عدالة الراوي ودينه بناء على ما علمه الشاهد وغيره بالاستفاضة، وأن ذلك يكون قدحاً شرعياً، ونسب ذلك إلى طوائف العلماء من مختلف المذاهب، وأنه للجارح أن يجرح بما سمعه ورآه، وأن شيخ الإسلام لا يعلم في ذلك نزاعاً بين الناس.
وضرب مثلاً للتزكية بالاستفاضة بعمر بن عبد العزيز والحسن...الخ
وضرب مثلاً للجرح بالاستفاضة بالحجاج من الظلمة، وللملاحدة بالمختار بن أبي عبيد، وللمبتدعة المعتزلة بعمرو بن عبيد، وللقدرية بغيلان، وللرافضة بابن سبأ.

والمراد أن الجرح والتعديل لابد أن يقوما على العلم، إما بالسماع أو بالرؤية، وإما بالاستفاضة، وأن ذلك جرح شرعي وتعديل شرعي.
وهذا أمر لا يعلم فيه شيخ الإسلام نزاعاً بين الناس، ومعنى هذا أنه لا مجال للاجتهاد في هذه المجالات، بل لا بد من العلم على ما ذكره شيخ الإسلام، وصرّح به طوائف الفقهاء.
2- أكد ذلك شيخ الإسلام بالاستدلال بالحديث المذكور، فهو يرى أن المؤمنين الصادقين، وعلى رأسهم أئمة الجرح والتعديل يعتبرون من شهداء الله في الأرض على أهل الظلم والفساد.
ثم قال –رحمه الله-:
" هذا إذا كان المقصود تفسيقه لرد شهادته وولايته.
وأما إذا كان المقصود التحذير منه واتقاء شره فيكتفى بما دون ذلك كما قال عبد الله بن مسعود: اعتبروا الناس بأخدانهم".
أي لا يشترط في هذا النوع العلم القائم على السماع والرؤية أو الاستفاضة، بل يكتفي بالقرائن.
ثم قال: " و( الداعي إلى البدعة ) مستحق العقوبة باتفاق المسلمين وعقوبته تكون تارة بالقتل وتارة بما دونه".
ومثّل لذلك بثلاثة من الدعاة إلى البدع ممن قتلهم السلف درأ لشرهم.
وإذا لم يتمكن من عقوبة الداعي إلى البدعة، فلا بد من بيان بدعته والتحذير منها، وهذا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فشيخ الإسلام يقرر هنا منهج السلف الذي يحاربه أهل البدع والأهواء، ومنهم الحلبي وحزبه الذين يخالفون هذا المنهج بالدفاع عن أهل الضلال وبمحاربة منهج السلف في النقد والجرح والتعديل بشتى الطرق؛ لأنهم يتخبطون في أوحال الضلال ...الخ

قال النووي -رحمه الله- في كتاب "الأذكار" (ص241-243):
" (باب النهي عن سب الأموات)
روينا في " صحيح البخاري " عن عائشة -رضي الله عنها- قالت : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا ".
وروينا في " سنن أبي داود " والترمذي بإسناد ضعيف ضعفه الترمذي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : " اذكروا محاسن موتاكم ، وكفوا عن مساويهم ".
قلت : قال العلماء : يحرم سب الميت المسلم الذي ليس معلناً بفسقه.
وأما الكافر ، والمعلن بفسقه من المسلمين ، ففيه خلاف للسلف ، وجاءت فيه نصوص متقابلة ، وحاصله: أنه يثبت في النهي عن سب الأموات ما ذكرناه في هذا الباب.
وجاء في الترخيص في سب([7]) الأشرار أشياء كثيرة ، منها : ما قصه الله علينا في كتابه العزيز ، وأمرنا بتلاوته ، وإشاعة قراءته ، ومنها : أحاديث كثيرة في الصحيح.
كالحديث الذي ذكر فيه -صلى الله عليه وسلم- عمرو بن لحي.
وقصة أبي رغال والذي كان يسرق الحاج بمحجنه.
وقصة ابن جدعان وغيرهم ، ومنها الحديث الصحيح الذي قدمناه لما مرت جنازة فأثنوا عليها شرا([8])، فلم ينكر عليهم النبي -صلى الله عليه وسلم- ، بل قال : وجبتْ.
واختلف العلماء في الجمع بين هذه النصوص على أقوال . أصحها وأظهرها : أن أموات الكفار يجوز ذِكْر مساويهم ، وأما أموات المسلمين المعلنين بفسق أو بدعة أو نحوهما ، فيجوز ذِكْرهم بذلك إذا كان فيه مصلحة ، لحاجة إليه للتحذير من حالهم ، والتنفير من قبول ما قالوه ، والاقتداء بهم فيما فعلوه ، وإن لم تكن حاجة لم يجز ، وعلى هذا التفصيل تنـزل هذه النصوص ، وقد أجمع العلماء على جرح المجروح من الرواة ، والله أعلم".

أقول: الشاهد من كلام النووي:
في قوله: " وجاء في الترخيص في سب الأشرار أشياء كثيرة ، منها : ما قصه الله علينا في كتابه العزيز ، وأمرنا بتلاوته، وإشاعة قراءته ، ومنها : أحاديث كثيرة في الصحيح...إلى قوله: "ومنها الحديث الصحيح الذي قدمناه".
يريد حديث أنس وحديث عمر -رضي الله عنهما- اللذين استدللنا بهما آنفاً.
والشاهد -أيضاً- وهو مقصودنا هنا:
قوله: " وقد أجمع العلماء على جرح المجروح من الرواة" .
إذ الجرح والتعديل يعدان من الأخبار، لا من الأحكام.

بعد هذا الاستطراد نعود لبيان منهج الحافظ الذهبي الذي شوهه المتخرص الحلبي.
فأقول: لقد قمتُ بدراسة نقد الذهبي لمائة وواحد من الأشخاص في "ميزانه" من حرف الألف ممن يسمى بإبراهيم من رقم (23) إلى رقم (124) فوجدتُ أنه قد وافق أئمة الجرح والتعديل على إسقاط أربعة وتسعين ممن سددت إليهم رماح وسهام الجرح القاتل فأجهزتْ عليهم، وأكدَّ ذلك الحافظ الذهبي دون تردد، ولم يدفع الجرح إلا عن سبعة فقط من هذا العدد الكبير.
وهذا مما يسوء الحلبي وحزبه، ويسقط منهجهم الباطل المضاد لمنهج السلف، والذي اخترع للدفاع والمحاماة عن أهل البدع والضلال.

ويحسن أن أسوق أسماء السبعة الذين رجّح الذهبي فيهم التعديل على الجرح:
1- إبراهيم بن أبي حُرّة الجزري، برقم (67).
2- إبراهيم بن خالد أبو ثور الكلبي برقم، (80).
3- إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف برقم، (97).
4- إبراهيم بن سعيد الجوهري، برقم (99).
5- إبراهيم بن طهمان، برقم (116).
6- إبراهيم بن العباس السامرائي، برقم (118).
7- إبراهيم بن عبد الله الهروي الحافظ، برقم (121).
فهؤلاء سبعة فقط نفى الذهبي عنهم الجرح، وأكد جرح الأئمة في أربعة وتسعين، وهذه الجروح العادلة من السلف ومن الحافظ الذهبي تعتبر من أشد أنواع الغلو في التجريح عند الحلبي وحزبه.
وإذا نظرنا في جرح أهل السنة المعاصرين نراه دون جرح السلف بمراحل في عدد المجروحين وفي أسباب الجرح.
فكيف يطيق الحلبي وحزبه منهج السلف في الجرح وهم قد ضاقوا ذرعاً وجنّ جنونهم من جرح السلفيين المعاصرين لأهل البدع الكبرى ولدعاة وحدة الأديان وحرية الأديان وأخوة الأديان ومساواة الأديان، ويعتبرون هذا النقد الضعيف من الغلو في التجريح، ويصفونهم دائماً بالغلاة (فاعتبروا يا أولي الأبصار)، واعرفوا منهج هؤلاء المعارضين الضائقين بمنهج السلف وأهدافهم الخطيرة.

وهاك نموذجاً من سبعة وعشرين شخصاً من ضمن مائة شخص ممن انتقدهم أئمة الجرح، وأكدَّ جرحهم الحافظ الذهبي:
23 - إبراهيم بن أحمد الحراني الضرير.
وهو إبراهيم بن أبى حميد.
يروى عن عبد العظيم بن حبيب.
قال أبو عروبة: كان يضع الحديث.
24 - إبراهيم بن أحمد الميمذي([9]) القاضي.
روى عن أبى خليفة وأبى يعلى.
وعنه يحيى بن عمار الواعظ.
قال الخطيب: كان غير ثقة.
25 - إبراهيم بن أحمد العجلي.
عن يحيى بن أبى طالب وغيره ممن يضع الحديث.
ذكره ابن الجوزي.
26 - إبراهيم بن أحمد / بن مروان.
روى الحاكم عن الدارقطني، قال: ليس بالقوى.
قلت: يروى عن هدبة وجبارة بن المغلس([10]).
مات قبل التسعين ومائتين.
27 - إبراهيم بن أبان.
بصري.
روى عن أبيه عن عمرو بن عثمان.
ضعفه الدارقطني.
28 - إبراهيم بن إسحاق.
عن طلحة بن كيسان.
قال أبو حاتم: مجهول.
29 - إبراهيم بن إسحاق.
عن الحسن البصري، لا يعرف من هو.
ويجوز أن يكون الأول.
30 - إبراهيم بن إسحاق الواسطي.
عن ثور بن يزيد.
قال ابن حبان: لا يجوز أن يحتج به.
روى عنه أبو يوسف يعقوب بن المغيرة الغسولي.
31 - إبراهيم بن إسحاق الصيني([11]).
عن مالك وغيره.
قال الدارقطني: متروك الحديث.
قلت: تفرد عن قيس بن الربيع، عن الأسود بن قيس، عن أبيه، عن عمر،
قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فاته شيء من رمضان قضاه في عشر ذي الحجة.
لا يروى عن عمر إلا بهذا الاسناد.
32 - إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن عيسى، من ولد حنظلة الغسيل([12]).
روى عن بندار وغيره.
كان يسرق الحديث.
وقد روى عن يحيى بن أكثم، عن مبشر بن إسماعيل، عن معاوية بن صالح، عن أبى الزاهرية، عن جبير بن نفير، عن عوف بن مالك - مرفوعا: من أراد بر والديه فليعط الشعراء.
قال ابن حبان: وهذا باطل.
33 - إبراهيم بن إسحاق الضيى الكوفى.
قال الازدي: يتكلمون فيه [ زائغ عن القصد ]([13]).
34 - إبراهيم بن إسحاق.
لا أدرى من ذا، والخبر فمنكر.
قال أحمد - في المسند: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن إسحاق، عن سعيد المقبرى، عن أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بجدار مائل فأسرع، فقيل له في ذلك، فقال: إنى أكره موت الفوات.
[ زائغ عن القصد ]([14]).
35 - إبراهيم بن إسماعيل - بن مجمع الانصاري المدنى [ ق ].
عن الزهري، وسالم بن عبدالله.
وعنه وكيع، وأبو نعيم.
ضعفه النسائي.
وقال ابن معين: ليس بشئ.
وقال أبو حاتم: كثير الوهم
ليس بالقوى.
وقال البخاري: كثير الوهم، واستشهد به في صحيحه.
36 - إبراهيم بن إسماعيل بن أبى حبيبة الاشهلى المدنى [ ت، ق ] أبو إسماعيل.
عن داود بن الحصين وغيره.
قال البخاري: عنده مناكير.
وقال النسائي: ضعيف.
وقال أحمد: ثقة.
وقال ابن معين مرة: صالح الحديث.
ومرة قال: ليس بشئ.
وقال الدارقطني: ليس بالقوى.
وقال ابن عدى: يقال صام ستين سنة.
وقال عبد العزيز بن عمر الزهري، عن إبراهيم بن الزهري، عن إبراهيم بن إسماعيل، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس - أحسبه رفعه: من قال لرجل: يا مخنث، فاجلدوه عشرين.
أبو القاسم بن أبى الزناد، حدثنى إسماعيل بن إبراهيم، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رجلا طلق امرأته ثلاثا، فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا نفقة لك ولا سكنى.
مات سنة خمس وستين ومائة.
37 - إبراهيم بن إسماعيل بن بشير.
عن نميم بن الجعد، كوفى قال الأزدي: يتكلمون فيه.
وروى أيضا عن جعفر بن عون.
حدث عنه إبراهيم ابن أبى بكر بن أبى شيبة.
قال أبو زرعة: لم يقض لي أن أسمع منه، ثم سمعت من أبى شيبة عنه.
قلت: هو كوفي.
38 - إبراهيم بن إسماعيل المكي.
لا يكاد يعرف.
قال يحيى: ليس بشيء.
39 - إبراهيم بن إسماعيل [ ت ] بن يحيى بن سلمة بن كهيل.
لينه أبو زرعة، وتركه أبو حاتم.
يروى عن أبيه، تأخر.
40 - إبراهيم بن إسماعيل [ ق ] اليشكري.
شيخ حدث ابن ماجة عن شيخ له عنه.
لا يعرف حاله.
حدث عنه أبو كريب وغيره.
وهذا في عداد الشيوخ.
41 - إبراهيم بن إسماعيل [ د، ق ]، عن أبى هريرة.
قال أبو حاتم: مجهول.
روى عنه حجاج بن عبيد، وعمرو بن دينار.
وقال البخاري: لم يثبت حديثه [ يعنى ]([15]) في صلاة النافلة.
42 - إبراهيم بن إسماعيل / بن علية.
عن أبيه.
جهمي هالك.
كان يناظر ويقول بخلق القرآن.
مات سنة ثمان عشرة ومائتين.
43 - إبراهيم بن الأسود، هو إبراهيم بن [ أبى ]([16]) عبدالله.
فيه نظر.
سمع ابن أبى نجيح.
44 - إبراهيم بن الاشعث، خادم الفضيل بن عياض.
قال أبو حاتم الرازي: كنا نظن به الخير، فقد جاء بمثل هذا الحديث وذكر حديثا ساقطا، وروى عبدة بن عبدالرحيم المروزي وهو ثقة، حدثنا إبراهيم بن الأشعث حدثنا عيسى غنجار، عن عثمان بن راشد، عن يحيى بن أبى كثير، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، ومن كثرت ذنوبه فالنار أولى به.
45 - إبراهيم بن أعين [ ق ] الشيباني.
بصري.
سكن مصر.
عن صالح المري.
ضعفه أبو حاتم الرازي.
روى عنه أبو همام السكوني، وإبراهيم بن محمد بن
يوسف الفرياني، ويشتبه بإبراهيم بن أعين شيخ لهشام بن عمار، مع أنى أجوز أنه الشيباني.
فأما إبراهيم بن أعين الكوفي شيخ أبى سعيد الأشج فقال ابن أبي حاتم: سمعت الأشج يقول: كان من خيار الناس.
روى عن الثوري.
46 - إبراهيم بن أيوب البرساني([17]) الأصبهاني.
عن الثوري، وعن فائد الأعمش.
قال أبو حاتم: مجهول، قاله عنه ابن الجوزي، وما رأيته أنا في كتاب ابن أبى حاتم([18])، بل فيه أنه روى عنه النضر بن هشام، وعبد الرزاق بن بكر الأصبهانيان.
47 - إبراهيم بن باب البصري القصار.
عن ثابت البناني.
واه، لا يكاد يعرف [ إلا بحديث الطير ]([19]).
48 - إبراهيم بن بديل بن ورقاء الخزاعي.
مصري.
عن الزهري.
ضعفه ابن معين، مقل.
49 - إبراهيم بن البراء بن النضر بن أنس بن مالك الأنصاري.
عن شعبة والحمادين.
قال ابن عدى: ضعيف جدا.
حدث بالبواطيل.
وقال العقيلي: حدثنا بكر بن سهل، حدثنا إبراهيم بن البراء بن النضر، حدثنا شعبة عن الحكم، فذكر حديثا منكرا.
ثم قال العقيلى: يحدث عن الثقات بالبواطيل.
وممن روى عنه سلم بن عبد الصمد، وساق([20]) له ابن عدى ثلاثة أحاديث باطلة.
وقال ابن حبان: إبراهيم بن البراء من ولد النضر بن أنس شيخ كان يدور
بالشام ويحدث عن الثقات بالموضوعات، لا يجوز ذكره إلا على سبيل القدح فيه.
روى عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن جابر - مرفوعا انكحوا من فتياتكم أصاغر النساء فإنهن أعذب أفواها، وأنتق أرحاما.
أنبأنا ابن ناجية، حدثنا عبد السلام بن عبد الصمد الحراني، حدثنا إبراهيم [ به ]([21]).
ثم قال ابن حبان: هو الذي روى عن الشاذكوني، عن الدراوردي، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة - مرفوعا: من ربى صبيا حتى يتشهد وجبت له الجنة.
وهذا باطل.
قلت: أحسب أن إبراهيم بن البراء هذا الراوي عن الشاذكوني آخر صغير.
وقال أبو بكر الخطيب: إبراهيم بن حبان بن البراء بن النضر بن أنس بن مالك روى عنه محمد بن سنان الشيزري، فنسبه هكذا الخطيب.
وقد روى عنه الحسن بن سعيد الموصلي، فقال: حدثنا إبراهيم بن حبان بن النجار، حدثنا أبى عن أبيه النجار، عن جده أنس، فذكر حديثا، فأظنه دلسه.
وقال أبو الفتح الأزدي: إبراهيم بن حيان بن البختري، كذا سماه أبو الفتح ثم قال: روى عن شعبة وشريك، ساقط.
قلت: وروى إبراهيم بن البراء أيضا عن مالك وطائفة، وكان يكون بالموصل.
قد أرخ بعضهم وفاته في سنة أربع أو سنة خمس وعشرين ومائتين.
50 - إبراهيم بن البراء، عن سليمان الشاذكوني بخبر باطل فيمنن ربى صبيا حتى يقول لا إله إلا الله.
الظاهر أنه آخر غير الأول، والشاذكوني فهالك.

هذا هو منهج الذهبي في نقد الرجال، إنه لقائم على احترام أقوال وجروح أئمة الحديث والنقد، وعلى قبوله لها بكل ثقة وبصدر رحب؛ لاعتقاده فيهم أنهم جبال في الصدق والأمانة والإخلاص والعدل والتحرير.
وسير منه على منهج الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح في قبول أخبار الثقات.
وحاشاه وحاشا السلف، ومنهم أئمة الجرح والتعديل أن يسيروا على منهج الحلبي وأمثاله في الشك والتشكيك في أخبار الثقات.

خلاصة عن منهج الحافظ الذهبي:
من دراستي لكثير من التراجم التي أودعها الذهبي في "ميزان الاعتدال" تبين لي أن منهج الحافظ الذهبي هو قبول جرح الأئمة؛ الجرح المبهم منها والمفسر، وأن هذا هو الأصل الأصيل عنده.
1- فتراه كثيراً وكثيراً يقبل الجرح المبهم، ويحكيه عن الجارحين بكل طمأنينة.
2- وتراه كثيراً ما يقبل الجرح المبهم من العالم الواحد.
3- وأحياناً يؤكد جرح الأئمة بالأمثلة الدالة على جرح المجروحين من الكذابين وغيرهم.
4- وأحياناً يسوق الجرح والتعديل، ولا يرجح أحدهما على الآخر.
5- وإذا كان المجروح من الثقات ولا سيما الحفاظ منهم، فإنه يرد هذا الجرح بناء على تعديل الأئمة لذلك الثقة المجروح وعلى مكانته، مع العلم أن هذا النوع من الجرح لا يوجد في "الميزان" إلا نادراً حسب اطلاعي.
وهو بهذا المنهج سائر على طريقة أئمة الجرح والتعديل من سلف هذه الأمة.
وهذا يبين لك بطلان تخرصات الحلبي وتجنيه على الذهبي ومنهج السلف.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

كتبه
ربيع بن هادي عمير المدخلي
13/9/1433هـ





[1] - وإذن فهذا الصنف لا يدخل في مقاصد الذهبي في هذا الكتاب، بل هو كالمضطر إلى ذكرهم، لكي لا ينتقد في عدم ذكرهم.

[2] - كذا.

[3] - ذكر الذهبي أن كتابه "الميزان" قد احتوى على هذه الأصناف، انظر مقدمة هذا الكتاب (ص3)، وألحق آخرين، سأذكرهم إن شاء الله.

[4] - وقد ردَّ على ما تضمّنه هذا الشريط من الباطل الأخ سعد الزعتري -حفظه الله-.

[5] - لقد صرّح بهذه المقولة الخطيرة جداً، ثم لما نوقش فيها، أجاب بأنها خطأ لفظي، ثم زين له الشيطان أن ينكر أنه قالها، ويصر على ذلك.

[6] - يقال هل في نقد أهل الضلال؛ حماية للدين ضرب للمصلحة؟

[7] - والسب من أشد أنواع الجرح.

[8] - استدلاله على جواز الجرح بهذا الحديث.

[9] - بفتح الميمين بينهما ياء تحتها نقطتان ساكنة وآخره ذال معجمة (اللباب).

[10] - المغلس، كالمحدث (القاموس).

[11] - ه: العينى. والمثبت في المخطوطة، ولسان الميزان،

[12] - ه: حنظلة بن الغسيل، وهو خطأ، والمثبت في ل أيضا.
وفي مطبوعتنا من الاستيعاب حنظلة الغسيل وهو حنظلة بن أبى عامر، وحنظلة معروف بغسيل الملائكة، قتل يوم أحد شهيدا وأخبر النبي أن الملائكة غسلته.

[13] - زيادة في ل. وفي ل: وعندي أنه الذى قبله تصحف الصينى بالضبى (1 - 30).

[14] - هذه العبارة في المخطوطة وحدها. وبدلها في ل، ه: وإنما يعرف هذا بإبراهيم بن الفضل كما سيأتي.

[15] - ليس في خ.

[16] - ساقط من ه.

[17] - ه: الفرسانى.

[18] - في "الجرح والتعديل": سألت أبي عنه (أي عن إبراهيم هذا)، فقال: لا أعرفه.

[19] - ليس في خ، وهو في ه، ل.

[20] - ل: روى.

[21] - من ل.





المصدر