القاعدة الذهبية في كتابة المقالات الأثرية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فهذه قاعدة من القواعد التي يضعها أهل العلم نصب أعينهم دائما فيما يقولون ويكتبون، وهي سر عظيم في نجاحك يا طالب العلم بعد توفيق الله.
فعليك يا رعاك الله أن تضع هذه القاعدة نصب عينيك، يا من سخرت قلمك لاقتناص الفوائد والدرر المتناثرة في بطون كتب أهل العلم، وجمعت شتاتها وصياغتها والتأليف بينها، وتقديمها في حلة قشيبة لترضي رب العالمين ثم لتسر الناظرين وينتفع بها المؤمنون.
هذه القاعدة كثيرا ما يدندن حولها أهل الحديث والأثر، وكثيرا ما سمعت الأمام الألباني رحمه الله يرددها من خلال أشرطته.
وهذه القاعدة لإمام أهل السنة في زمانه الإمام المبجل أحمد بن حنبل رحمه الله، وهو قول مشهورة وفي الكتب العلماء مسطور، حق أن يكتب بماء الذهب.
قال الميموني كما في ((سير أعلام النبلاء)): قال لي أحمد: يا أبا الحسن، (إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام).
وقد أخذ بهذه القاعدة أهل العلم فساروا عليها وقرروها في كتبهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في ((إقامة الدليل على إبطال التحليل)): ((وكل قول ينفرد به المتأخر عن المتقدمين، ولم يسبقه إليه أحد منهم، فإنه يكون خطأ، كما قال الإمام أحمد بن حنبل: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام)) اهـ.
وقال رحمه الله في ((إقامة الدليل)) أيضا: ((وحمل كلام الإمام على ما يصدق بعضه بعضا أولى من حمله على التناقض، لاسيما إذا كان القول الآخر مبتدعا لم يعرف عن أحد من السلف. وأحمد يقول: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام)) اهـ.
وقال رحمه الله في ((الرد على الأخنائي)): ((المجيب ولله الحمد لم يقل قط في مسالة إلا بقول سبقه إليه العلماء فإن كان قد يخطر له ويتوجه له فلا يقوله وينصره إلا إذا عرف أنه قد قاله بعض العلماء كما قال الإمام أحمد: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام. فمن كان يسلك هذا المسلك كيف يقول قولا يخرق به إجماع المسلمين وهو لا يقول إلا ما سبقه إليه علماء المسلمين)) اهـ.
وقال الشيخ عبد الرزاق البدر حفظه الله في ((تذكرة المؤتسي شرح عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي)): ((إذا أردت أن تقول قولاً فقل فيما قال السلف ولا تزد. كما قال الإمام أحمد رحمه الله: (إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام من السلف)؛ لأنَّهم أهل هدى وحق وبصيرة في دين الله تعالى)) اهـ.
وللإمام أحمد بن حنبل رحمه الله أقوال أخرى تصب كلها في مصب هذه القاعدة.
قال رحمه الله: (إن استطعت أن لا تحك رأسك إلاّ بأثر فافعل) كما في ((الآداب الشرعية)) وهو قول مشهور عن الإمام الثوري رحمه الله.
وقال رحمه الله: (إنّما العلم ما جاء من فوق) كما جاء في مقدمة المحقق لكتاب ((مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه)) لابن منصور.
وفي محنته كان يقول: (كيف أقول ما لم يقل؟) كما في ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية.
هذه الأقوال تدل على حرصه وعنايته رحمه الله على الأخذ عمن سلفه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في ((مجموع الفتاوى)): ((وإتباع أحمد للسنة والآثار وقوة رغبته في ذلك وكراهته لخلافه من الأمور المتواترة عنه يعرفها من يعرف حاله من الخاصة والعامة)) اهـ.
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله في ((إعلام الموقعين)): ((وكان شديد الكراهة والمنع للإفتاء بمسألة ليس فيها أثر عن السلف كما قال لبعض أصحابه إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام )) اهـ.
وللإمام الأوزاعي رحمه الله قول يشبه قول الإمام أحمد قال: (اصبر على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل في ما قالوا، وكف عما كفوا، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنَّه يسعك ما وسعهم).
وقال الإمام الشاطبي رحمه الله في ((الموافقات)): ((فالحذر الحذر من مخالفة الأولين. فلو كان ثَمَّ فضل ما، لكان الأولون أحق به. والله المستعان)) اهـ.
بل هذه القاعدة من مميزات وأصول السلفيين.
سُئل العلامة ربيع المدخلي حفظه الله كما في ((مجموعة كتبه ورسائله)) (15/2: هل يشترط لكل مسألة سلف، نرجو التفصيل؟
فأجاب حفظه الله: ((نعم، هذا الأصل في أمور الدين أنه لابد من سلف في أمور العقيدة، وأمور المنهج، لابد من سلف، وكلام الإمام أحمد رحمه الله في هذا مشهور: (إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام).
فمسائل الدين فيها اتّباع وليس فيها اختراع؛ كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وما كان عليه أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام.)) اهـ.
فهذه القاعدة الذهبية كما تضعها في معرض تقرير المسائل العلمية فهي أيضا قاعدة تضعها في وجه كل مبتدع أو ضال يحدث أقوال ما أنزل الله بها من سلطان، فتحاججه بها.
فهي سلاحك يا سني ترفعه في وجه من يقول: نصحح ولا نجرح أو يقول: إذا حاكمت حوكمت وهذا منهج واسع أفيح يسع الجميع أو ترفعه أمام من يقول بمهج الموازنات، أو من يقول: لا نجعل خلافنا مع غيرنا خلاف بيننا.
كما ترفعه يا أثري أمام القاعدة الإخوانية التي تقول نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا بيننا أو من يقول بحمل المجمل على المفصل على إطلاقه من كلام البشر، أو ترد بها كل قاعدة خلفية حزبية تصادم السنة.
فهذه الأقوال المحدثة تستطيع أن تقمعها بقول الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: (إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام).
وتقول لهم: هذه القواعد التي قعدتموها لتلميع والدفاع عن أهل البدع مَن مِن الأئمة قال بها، ومن سبقكم بها؟
وأختم بوصية سلفية أثرية منسوبة إلى عمر بن عبد العزيز رحمه الله: (فارضَ لنفسك ما رضي به القوم لأنفسهم، وقِف حيث وقفوا؛ فإنَّهم على علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، ولَهُم كانوا على كشف الأمور أقوى، وبفضل فيه لو كان أحرى، فإنَّهم هم السابقون، ولئن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه، ولئن قلت حدَث بعدهم حدَثٌ، فما أحدثه إلاَّ من تبع غير سبيلهم ورغب بنفسه عنهم، ولقد تكلموا فما دونهم مقصر، وما فوقهم محسر، لقد قصر دونهم قوم فجفوا، وطمح عنهم آخرون فغلوا، وإنَّهم مع ذلك لعلى صراط مستقيم، فلئن قلت: فأين آية كذا؟ ولِمَ قال الله كذا وكذا؟ لقد قرؤوا منه ما قرأتم، وعلموا من تأويله ما جهلتم) انتهى نقلا من ((الانتصار لأهل السنة والحديث في رد أباطيل حسن المالكي)) للعلامة المحدث عبد المحسن العباد رحمه الله.
هذا والله أعلم، وبالله التوفيق، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كتبه
عزالدين بن سالم بن الصادق أبوزخار
طرابلس الغرب: يوم الأحد 9 ذي الحجة سنة 1437 هـ
الموافق لـ: 11 سبتمبر سنة 2016 ف