تمني العلم أنواع وأحكام
الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد:
فالتمني من أعمال القلب، فمن حسنت أمنيته نال الثواب، ومن ساءت أمنيته استحق العقاب.
والتمني بالعموم على ضربين: ممدوح ومذموم، وفي كليهما أحاديث.
وقد ذكر البخاري في صحيحه كتاب التمني جاء فيه باب ما جاء في التمني ومن تمنى الشهادة، وباب ما يكره من التمني.


وفي تمني العلم جاء حديث.
عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس رضي الله عنهما: إن نوفا البكالي يزعم أن موسى ليس بموسى بني إسرائيل إنما هو موسى آخر.
فقال: كذب عدو الله؛ حدثنا أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((قام موسى النبي خطيبا في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم؟
فقال: أنا أعلم.
فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه فأوحى الله إليه أن عبدا من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك.
قال: يا رب وكيف به؟
فقيل له: احمل حوتا في مكتل فإذا فقدته فهو تم.
فانطلق وانطلق بفتاه يوشع بن نون وحملا حوتا في مكتل حتى كانا عند الصخرة وضعا رءوسهما وناما فانسل الحوت من المكتل، {فاتخذ سبيله في البحر سربا}.
وكان لموسى وفتاه عجبا فانطلقا بقية ليلتهما ويومهما فلما أصبح، قال موسى لفتاه: {آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا}.
ولم يجد موسى مسا من النصب حتى جاوز المكان الذي أمر به.
فقال له فتاه: {أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان}.
قال موسى: {ذلك ما كنا نبغي فارتدا على آثارهما قصصا}.
فلما انتهيا إلى الصخرة إذا رجل مسجى بثوب (أو قال: تسجى بثوبه) فسلم موسى.
فقال الخضر :وأنى بأرضك السلام.
فقال: أنا موسى.
فقال: موسى بني إسرائيل؟
قال: نعم.
قال: {هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا}.
قال: {إنك لن تستطيع معي صبرا}.
يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت وأنت على علم علمكه لا أعلمه.
{قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا}.
فانطلقا يمشيان على ساحل البحر ليس لهما سفينة فمرت بهما سفينة فكلموهم أن يحملوهما، فعرف الخضر، فحملوهما بغير نول، فجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر نقرة أو نقرتين في البحر.
فقال الخضر: يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كنقرة هذا العصفور في البحر.
فعمد الخضر إلى لوح من ألواح السفينة فنزعه.
فقال: موسى قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها؟!
{قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا}.
فكانت الأولى من موسى نسيانا فانطلقا فإذا غلام يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر برأسه من أعلاه فاقتلع رأسه بيده.
فقال موسى: {أقتلت نفسا زكية بغير نفس}.
{قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا}.
(قال ابن عيينة وهذا أوكد).
{فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه}.
قال الخضر بيده فأقامه.
فقال له موسى: {لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال هذا فراق بيني وبينك}.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: يرحم الله موسى لوددنا لو صبر حتى يقص علينا من أمرهما)).
متفق عليه، واللفظ للبخاري.
قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في ((تفسير آيات من القرآن الكريم)): ((تمني العلم ليس من التمني المذموم)) اهـ.


وعلى هذا جاء عن بعض العلماء تمني العلم.
قال ابن معين رحمه الله لما سئل عما يشتهي قال : (بيت خالي وإسناد عالي).
ومما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في السجن إلى ابن رشيق رحمه الله وكان من أخص أصحابه كما في ((العقود الدرية)) لابن عبد الهادي: ((قد فتح الله علي في هذه المرة من معاني القرآن ومن أصول العلم بأشياء كان كثير من العلماء يتمنونها)) اهـ.
وقال العلامة عبد الرحمن المعلمي اليماني رحمه الله في ((التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل)): ((ثم كان الرجل ما أصحاب الحديث يرشح لطلب الحديث وهو طفل ، ثم ينشأ دائباً في الطلب والحفظ والجمع ليلاً ونهاراً ويرتحل في طلبه إلى أقاصي البلدان ويقاسى المشاق الشديدة كما هو معروف في أخبارهم ويصرف في ذلك زهرة عمره إلى نحو ثلاثين أو أربعين سنة وتكون أمنيته الوحيدة من الدنيا أن يقصده أصحاب الحديث ويسمعوا منه ويرووا عنه)) اهـ.

والناس في تمني العلم أحوال:


أولا: من تمنى العلم لله عز وجل.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة فقال: ((إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم قالوا يا رسول الله وهم بالمدينة قال وهم بالمدينة حبسهم العذر)).
أخرجه البخاري.
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فقال: ((إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم المرض)).
أخرجه مسلم.
قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله في ((شرح رياض الصالحين)): ((فمعنى الحديث أن الإنسان إذا نوى العمل الصالح ولكنه حبسه عنه حابس فإنه يكتب له الأجر، أجر ما نوى
ثم قال:
فالمتمني للخير، الحريص عليه إن كان من عادته أنه كان يعمله ولكنه حبسه عنه حابس، كتب له أجره كاملاً .
ثم قال:
أما إذا كان ليس من عادته أن يفعله فإنه يكتب له أجر النية فقط دون أجر العمل)) اهـ.
فمن تمني العلم فله أجر حسن النية، ومن كان يحضر دروس العلم وحبسه حابس فله أجر حضور حلق العلم كاملا.
تنبيه:
قال العلامة عبد المحسن العباد حفظه الله في ((شرح سنن أبي داود)): ((ولكن ما اشتهر من أن: (نية المرء خير من عمله) هذا ورد فيه حديث ضعيف: (نية المرء خير من عمله) ولكن كون النية والقصد الحسن يؤجر الإنسان عليه هذا لا شك فيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الأعمال بالنيات). وأيضاً ثبت في الحديث الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال في غزوة تبوك: (إن في المدينة لرجالاً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم؛ حبسهم العذر) يعني: أنهم معكم بنياتهم وقصدهم وحرصهم ورغبتهم وتأسفهم وتألمهم؛ لكونهم لم يتمكنوا من أن يخرجوا لقلة الظهر، ولعدم قدرتهم على ذلك)) اهـ.


ثانيا: من تمنى العلم لحظوظ دنيوية.
عن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من طلب العلم ليجاري به العلماء أو ليماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار)).
أخرجه الترمذي واللفظ له وابن أبي الدنيا في ((كتاب الصمت)) والهروي في ((أحاديث في ذم الكلام وأهله)) والخطيب في ((الجامع لأخلاق الراوي)) وصححه الألباني.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة)) يعني ريحها.
أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححه الألباني.
قال العلامة ابن رجب رحمه الله في ((شرح حديث ما ذئبان جائعان)): ((وسببُ هذا والله أعلمُ أَنَّ في الدُّنْيَا جنةً مُعجَّلةً، وهي معرفةُ الله ومحبتُهُ، والأُنسُ به والشَّوقُ إِلَى لقائِهِ، وخشيتُهُ وطاعتُهُ، والعلمُ النافعُ يدلُّ عَلَى ذلك، فمن دلَّهُ علمهُ عَلَى دخول هذه الجنةِ المُعجَّلةِ في الدُّنْيَا دَخَلَ الجنةَ في الآخرةِ، ومن لم يشُم رائحتَها لم يشُم رائحةَ الجنةِ في الآخرةِ)) اهـ.
وقال العلامة فيصل آل مبارك رحمه الله في ((تطريز رياض الصالحين)): ((فيه: وعيد شديد لمن تعلّم علوم الدين، ولا يقصد بذلك إلا الدنيا.
قال الله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [هود: 15، 16])) اهـ.
وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله في ((شرح رياض الصالحين)): ((الذي يتعلم شريعة الله عز وجل وما يساندها فهذا علم لا يبتغي به إلا وجه الله إذا أراد به الدنيا فإنه لا يجد ريح الجنة يوم القيامة وهذا وعيد شديد والعياذ بالله يدل على أن من قصد بتعلم الشرع شيئا من أمور الدنيا فإنه قد أتى كبيرة من كبائر الذنوب ولا يبارك له في علمه يعني مثلا قال أريد أن أتعلم من أجل أن أصرف وجوه الناس إلي حتى يحترموني ويعظموني أريد أن أتعلم حتى أكون مدرسا فآخذ راتبا وما أشبه ذلك هذا والعياذ بالله لا يجد ريح الجنة يوم القيامة وقد أشكل على هذا أو قد روع هذا بعض الذين يقرءون في المدارس النظامية كالمعاهد والكليات من أجل أن ينالوا الشهادة فيقال نيل الشهادة ليس للدنيا وحدها قد يكون للدنيا وحدها وقد يكون للآخرة فإذا قال الطالب أنا أطلب العلم لأنال الشهادة حتى أتمكن من وظائف التدريس وأنفع الناس بذلك أو حتى أكون مديرا في دائرة أوجه من فيها إلى الخير فهذا خير ونية طيبة ولا فيها إثم ولا حرج)) اهـ.
وقال رحمه الله في موضع آخر من ((شرح رياض الصالحين)): ((وأما حديث أبي هريرة فهو فيمن طلب علما مما يبتغي به وجه الله وذلك هو العلم الشرعي علم الكتاب والسنة إذا طلب الإنسان علما من علم الكتاب والسنة لا يريد إلا أن ينال به عرض من الدنيا لم يجد عرف الجنة يعني ريحها وأن ريحها سيوجد من مسيرة كذا وكذا فمثلا لو أن إنسان تعلم علم العقائد لأجل أن يقال فلان جيد في العقيدة أو لأجل أن يوظف أو ما أشبه ذلك أو علم الفقه أو علم التفسير أو علم الحديث ليرائي به الناس فإنه لا يجد ريح الجنة والعياذ بالله يعني يحرم دخولها)) اهـ.
وقال رحمه الله في موضع آخر من ((شرح رياض الصالحين)): ((والحديث الذي فيه الوعيد مقيد بالعلم الذي يبتغي به وجه الله فإن قال قائل كثير من الطلبة الآن يدرسون في الكليات يريدون الشهادة الشهادة العليا فيقال إنما الأعمال بالنيات إذا كان يريد بالشهادات العليا أن ينال الوظيفة والمرتبة فهذا أراد به عرضا من الدنيا وإن أراد بذلك أن يتبوأ مكانا لينفع الناس ليكون مدرسا ليكون مديرا ليكون موجها فهذا خير ولا بأس به لأن الناس أصبحوا الآن لا يقدرون الإنسان بعلمه وإنما يقدرونه بشهادته فإذا قال قائل مثلا لو أبقيت بدون شهادة مهما بلغت من العلم لن يجعلوني معلما لكني أتعلم وآخذ شهادة لأجل أن أكون معلما أنفع المسلمين فهذه نية طيبة وليس فيها شيء والله الموفق)) اهـ.


ثالثا: من تمنى العلم لله ويريد شيء من الدنيا.
قال العلامة أبو الحسن عبيد الله المباركفوري رحمه الله في ((مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) عند شرح حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ((وفيه دلالة على أن الوعيد المذكور لمن لا يقصد بالعلم إلا الدنيا، وأما من طلب بعلمه رضا المولى ومع ذلك له ميل ما إلى عرض الدنيا فخارج عن هذا الوعيد، فابتغاء وجه الله يأبى إلا أن يكون متبوعاً ويكون العرض تابعاً)) اهـ.
وهذا كمن أراد الحج والتجارة فقد قال الله تعالى: { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ } [البقرة: 198].
هذا وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كتبه
عزالدين بن سالم بن الصادق أبوزخار
طرابلس الغرب: ليلة الخميس 2 صفر سنة 1440 هـ
الموافق 11 اكتوبر 2018 ف