اليائسون من رحمة الله تشبهوا بإبليس


الحمد لله حمد الشاكرين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد:
فقد حرم الله عز وجل اليأس من رحمته، لأن فيه سوء ظن بالله، وجهلا بسعة رحمته ومغفرته.
فقال عز من قائل: { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ }.
قال العلامة صالح الفوزان حفظه الله في ((الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد)): ((فنهى سبحانه عباده أن تحملهم كثرة ذنوبهم على ترك التوبة واليأس من المغفرة)) اهـ.
وقال الله تعالى في كتابه على لسان نبيه يعقوب عليه الصلاة والسلام: {إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87]


واليأس من رحمة الله من كبائر الذنوب.
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الكبائر؟
فقال: ((الشرك بالله ، واليأس من روح الله ، والأمن من مكر الله)).
أخرجه البزار في ((المسند)) وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) والطبراني في ((الأوسط)).
قال السيوطي في ((الدر المنثور)): إسناده حسن .
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (أكبر الكبائر الإشراك بالله ، والأمن من مكر الله ، والقنوط من رحمة الله ، واليأس من روح الله).
أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) و ((تفسيره)) ومن طريقه الطبراني ((الكبير)) و ((مكارم الأخلاق)) والبيهقي في ((الشعب))، أخرجه الطبري في ((تفسيره)) وابن أبي الدنيا في ((التوبة)).
قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)): إسناده صحيح.
قال العلامة صالح آل الشيخ حفظه الله في ((التمهيد لشرح كتاب التوحيد)): ((في هذا الأثر ما في الحديث قبله ، لكن هنا فصل في القنوط من رحمة الله ، واليأس من روح الله ، فجعل القنوط من رحمة الله شيئا ، وجعل اليأس من روح الله شيئا آخر ، وهذا باعتبار بعض الصفات لا باعتبار أصل المعنى ، وإلا فإن القنوط من الرحمة واليأس من الروح بمعنى واحد ، لكن يختلفان من حديث ما يتناوله هذا ويتناوله هذا ، فالقنوط من رحمة الله عام ؛ لأن الرحمة أعم من الروح ، والرحمة تشمل جلب النعم ودفع النقم ، وروح الله - جل وعلا - يطلق في الغالب في الخلاص من المصائب ، فقوله : القنوط من رحمة الله هذا أعم ؛ ولهذا قدمه فيكون ما بعده من عطف الخاص على العام ، أو أن يكون هناك ترادف في أصل المعنى ، واختلاف في الصفات ، أو بعض ما يتعلق باللفظ)) اهـ.


وإبليس يئس من رحمه الله.
قال الله تعالى: { فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ } [الحجر: 34-35].
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (إنما سمي إبليس لأن الله أبلسه من الخير كله آيسه منه).
أخرجه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ثم قال: وروي عن السدي نحو قول ابن عباس.
وذكر السيوطي في ((الدر المنثور)) ممن أخرج أثر ابن عباس رضي الله عنهما ابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري.
وقال السيوطي رحمه الله في ((الدر المنثور)): وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد {فإذا هم مبلسون} قال : الاكتئاب . وفي لفظ قال : آيسون .
وقال الألوسي رحمه الله في ((تفسيره)): (({ فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ } أي آيسون من النجاة والرحمة كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما)) اهـ.
وقال النووي رحمه الله في ((تهذيب الأسماء)): ((قال الإمام أبو الحسن الواحدي: قال أكثر أهل اللغة والتفسير: سمى إبليس؛ لأنه أبلس من رحمة الله تعالى، أي: أيس، والمبلس المكتئب الحزين الآيس. قال: وعلى هذا هو عربي مشتق.
وقال ابن الأنباري: لا يجوز أن يكون مشتقًا من أبلس؛ لأنه لو كان مشتقًا لصرف، كما أن إسحاق إذا كان عربيًا مأخوذًا من أسحقه الله إسحاقًا انصرف، فلو كان إبليس مشتقًا لصرف كإكليل وبابه، فلما لم يصرف دل على أنه عجمي معرفة، والعجمي ليس مشتقًا. وقال ابن جرير: إنما لم يصرف، وإن كان عربيًا؛ لقلة نظيره في كلام العرب، فشبهوه بالأعجمي، وهذا الذى قاله ابن جرير يبطل بباب إفعيل، فإنه مصروف كله إلا إبليس.
قال الواحدي: والاختيار أنه ليس بمشتق؛ لإجماع النحويين على أنه منع الصرف للعجمة والمعرفة
)) اهـ.
قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله في ((القول المفيد على كتاب التوحيد)): ((قوله: (إبليس): على وزن إفعيل، فقيل: من أبلس إذا يئس; لأنه يئس من رحمة الله تعالى)) اهـ.
ولهذا عندما يدخل أهل النار النار يصيبهم اليأس.
يقول الله عز وجل: { إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ } [الزخرف: 74-75].
والإبلاس هو اليأس.
فمن يئس من رحمة الله ففيه شبه بإبليس.
هذا والله أعلم وبالله التوفيق وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين.
كتبه
عزالدين بن سالم بن الصادق أبوزخار
طرابلس الغرب: يوم الثلاثاء 26 ربيع الأول سنة 1440 هـ
الموافق 4 ديسمبر 2018 ف