قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: "تارة بخلا به: يخشى أنه إذا علم الناس صاروا متعلمين، وربما يكون مثله، أو أكثر علماً، فيقول ماذا؟ أكتم العلم لئلا يتعلم الناس، فيكونوا مثلك أو خيرا منك.
وتارة اعتياضا عن إظهاره بالدنيا: يعني أنه يشتغل بالدنيا أو يأخذ على كتمه العلم مصلحة دنيوية سواء كان ذلك عن طريق كبراء أو أمراء أو وزراء أو غير ذلك.
وتارة خوفا أن يحتج عليهم: وهذا أيضا يقع كثيرا نسأل الله العافية لا يبين الحق؛ لأنه لو بينه احتجوا عليه.
مثلا: أن يكون طالب العلم يتعامل معاملة ربوية تحيلاً، ويخشى أن يقول للناس هذا حرام فيحتجون عليه، أو مثلا: يقعد قاعدة يظنها قاعدة صحيحة ثم تنتقض ولا يبين أنها منتقضة، يخشى أن يحتج عليه، ويقال: كيف تعمل بهذه القاعدة في هذا الموضع ولا تعمل بها في هذا الموضع؟ وهذا أيضاً يرد مع الأسف من كبار العلماء تقليداً، مثلا تجده يحتج بحديث واحد على مسألة ولا يحتج به على مسألة أخرى في هذا الحديث نفسه.
وأضرب لهذا مثلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "لا يغتسل الرجل بفضل المرأة ولا المرأة بفضل الرجل وليغترفا جميعاً" (1).
بعض العلماء رحمهم الله قالوا: لا يغتسل الرجل بفضل المرأة وتغتسل المرأة بفضل الرجل، والحديث واحد، بل إن اغتسال الرجل بفضل المرأة جاءت به السنة، فقد اغتسل النبي صلى الله عليه وسلم من جفنة بعد أن اغتسلت بها إحدى نسائه.
فتجد أن التقليد أو الهوى يحمل الإنسان على أن يتناقض في استدلاله، وفي تقعيده، علما بأن من سلك هذا السبيل ففيه شبه باليهود الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا والحق معكم ومحمد رسول الله الذي أخبر به عيسى وجاء ذكره في التوراة والإنجيل.
يقولون هكذا ثم إذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم عند ربكم أفلا تعقلون؟ هذا عقل؟ أن تحدث الإنسان بشيء يكون حجة عليك؟ صحيح أن هذا ليس عقلا، ولكن أعقل من ذلك أن تحدثه بالحق وتتبع الحق.
وعليه، فهذه ثلاثة أسباب لكتم العلم: إما البخل به، وإما مخافة أن ينال غيره ما ناله من الشرف بالعلم، وإما أن يخشى من فوات رئاسة أو جاه إذا أظهر العلم الذي عنده لكونه يخالف ما عليه الناس مما اعتادوه، وإما لكونه حجة لغيره فيكتم الحجة التي لمخالفه حتى لا يحتج بها عليه. المصدر: التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم، ص 27-28
(1) رواه النسائي (23، وأبو داود (81)، وصححه الألباني رحمه الله في صحيح وضعيف سنن أبي داود (81).