إعـــــــلان

تقليص
1 من 3 < >

تحميل التطبيق الرسمي لموسوعة الآجري

2 من 3 < >

الإبلاغ عن مشكلة في المنتدى

تساعدنا البلاغات الواردة من الأعضاء على منتدى الآجري في تحديد المشكلات وإصلاحها في حالة توقف شيء ما عن العمل بشكل صحيح.
ونحن نقدّر الوقت الذي تستغرقه لتزويدنا بالمعلومات عبر مراسلتنا على بريد الموقع ajurryadmin@gmail.com
3 من 3 < >

فهرسة جميع الشروح المتوفرة على شبكة الإمام الآجري [مبوبة على حسب الفنون] أدخل يا طالب العلم وانهل من مكتبتك العلمية

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه - وعلى آله ومن ولاه وبعد :

فرغبة منا في تيسير العلم واشاعته بين طلابه سعينا لتوفير جميع المتون وشروحها المهمة لتكوين طلبة العلم ، وقد قطعنا شوطا لابأس به في ذلك ولله الحمد والمنة وحده ، إلا أنه إلى الآن يعاني بعض الأعضاء والزوار من بعض الصعوبات في الوصول للشروح والمتون المرادة لتداخل الشروح أو لقلة الخبرة التقنية .

من أجل هذا وذاك جاء هذا الموضوع ليكون موضوعا مرجعا جامعا مرتبا بإذن الله لكل المواد العلمية الموضوعة حاليا في شبكتنا ومرتبا على حسب أبواب الفنون العلمية (العقيدة، الفقه، الحديث،...)وسنحاول أيضا ترتيبها على مستويات الطلب (المبتدئ ، المتوسط ، المنتهي) سيتم تحديثه تبعا بعد إضافة أي شرح جديد .

من هـــــــــــنا
شاهد أكثر
شاهد أقل

الوِفاقُ في تفسيرِ آيةِ الميثاقِ {وإذ أخذ ربُّك مِن بني آدمَ مِن ظهورِهم ذريَّتَهم} - الحلقة الثانية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الوِفاقُ في تفسيرِ آيةِ الميثاقِ {وإذ أخذ ربُّك مِن بني آدمَ مِن ظهورِهم ذريَّتَهم} - الحلقة الثانية

    • ذِكْرُ قولي أهلِ العلمِ في معنى الإشهادِ المذكورِ في الآيةِ الكريمةِ:
    - قال العلّامةُ محمدُ الأمين الشنقيطيُّ رحمه اللهُ: (في هذه الآيةِ الكريمةِ وجهان مِن التفسيرِ معروفان عندَ العلماءِ:
    أحدُهما: أنّ معنى أَخْذِهِ ذريةَ بني آدمَ مِن ظهورِهم: هو إيجادُ قَرْنٍ منهم بعدَ قَرْنٍ، وإنشاءُ قومٍ بعدَ آخرين.
    قال تعالى: {كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ} [الأنعام: 133]، وقال: {هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ} [فاطر: 39]، وقال: {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ} [النمل: 62]، ونحو ذلك مِن الآياتِ.
    وعلى هذا القولِ فمعنى قولِه: {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} أنّ إشهادَهم على أنفسِهم إنما هو بما نَصَبَ لهم مِن الأدلةِ القاطعةِ بأنه ربُّهم المُسْتَحِقُّ منهم لأنْ يَعبدوه وحده، وعليه فمعنى {قَالُوا بَلَى} أي: قالوا ذلك بلسانِ حالِهم لظهورِ الأدلةِ عليه، ونظيرُه مِن إطلاقِ الشهادةِ على شهادةِ لسانِ الحالِ قولُه تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} [التوبة: 17] أي بلسانِ حالِهم على القولِ بذلك، وقولُه تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ} [العاديات: 6، 7] أي: بلسانِ حالِه أيضًا على القولِ بأنّ ذلك هو المرادُ في الآيةِ أيضًا.
    واحتجَّ مَن ذَهَبَ إلى هذا القولِ بأنّ اللهَ جلّ وعلا جَعَلَ هذا الإشهادَ حُجَّةً عليهم في الإشراكِ به جلّ وعلا في قولِه: {أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ}، قالوا: فلو كان الإشهادُ المذكورُ الإشهادَ عليهم يومَ الميثاقِ - وهم في صورةِ الذَّرِّ - لَمَا كان حجةً عليهم! لأنه لا يَذْكُرُه منهم أحدٌ عندَ وجودِه في الدنيا، وما لا عِلْمَ للإنسانِ به لا يكونُ حُجَّةً عليه! فإنْ قيلَ: إخبارُ الرُّسُلِ بالميثاقِ المذكورِ كافٍ في ثبوتِه؛ قلنا: قال ابنُ كثيرٍ في تفسيرِه: (الجوابُ عن ذلك: أنّ المكذِّبِين مِن المشركين يُكَذِّبُون بجميعِ ما جاءتْهم به الرُّسُلُ مِن هذا وغيرِه، وهذا جُعِلَ حُجَّةً مستقلةً عليهم، فدلَّ على أنه الفطرةُ التي فُطِروا عليها مِن التوحيدِ، ولهذا قال: {أَنْ تَقُولُوا} الآية) (11)، انتهى منه بلفظِه.
    فإذا علمتَ هذا الوجهَ الذي ذكرنا في تفسيرِ الآية؛ وما استدلَّ عليه قائلُه به مِن القرآنِ؛ فاعلمْ أنّ:
    الوجهَ الآخرَ في معنى الآيةِ: أنّ اللهَ أَخْرَجَ جميعَ ذريةِ آدمَ مِن ظهورِ الآباءِ في صورةِ الذَّرِّ، وأشهدَهم على أنفسِهم بلسانِ المقالِ: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} ثم أَرْسَلَ بعد ذلك الرُّسُلَ مُذَكِّرةً بذلك الميثاقِ الذي نَسِيَه الكلُّ ولم يُوْلَدْ أحدٌ منهم وهو ذَاكِرٌ له، وإخبارُ الرُّسُلِ به يَحْصُلُ به اليقينُ بوجودِه.
    قال مُقَيِّدُه - عفا اللهُ عنه -: هذا الوجهُ الأخيرُ يدلُّ له الكتابُ والسُّنَّةُ.
    أمّا وجهُ دلالةِ القرآنِ عليه: فهو أنّ مقتضى القولِ الأولِ أنّ ما أقام اللهُ لهم مِن البراهينِ القطعيةِ كخَلْقِ السماواتِ والأرضِ وما فيهما مِن غرائبِ صُنْعِ اللهِ الدالةِ على أنه الربُّ المعبودُ وحدَه؛ وما رَكَزَ فيهم مِن الفطرةِ التي فَطَرَهم عليها؛ تقومُ عليهم به الحُجَّةُ ولو لم يأتِهم نذيرٌ! والآياتُ القرآنيةُ مُصَرِّحَةٌ بكثرةٍ بأنّ اللهَ تعالى لا يُعَذِّبُ أحدًا حتى يُقِيْمَ عليه الحُجَّةُ بإنذارِ الرُّسُلِ، وهو دليلٌ على عدمِ الاكتفاءِ بما نَصَبَ مِن الأدلةِ؛ وما رَكَزَ مِن الفطرةِ؛ فمِن ذلك قولُه تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]؛ فإنه قال فيها: {حَتَّى نَبْعَثَ رَسُوْلًا} ولم يَقُلْ: "حتى نَخْلُقَ عقولًا، وننصبَ أدلةً، ونَرْكُزَ فطرةً"!
    ومِن ذلك قولُه تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165]، فصَرَّحَ بأنّ الذي تقومُ به الحُجَّةُ على الناسِ؛ ويَنْقَطِعُ به عُذْرُهم: هو إنذارُ الرُّسُلِ؛ لا نَصْبَ الأدلةِ والخَلْقَ على الفطرةِ! وهذه الحُجَّةُ التي بَعَثَ الرُّسُلَ لِقَطْعِها بَيَّنَها في "طه" بقوله: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى} [طه: 134]،
    وأشارَ لها في "القصص" بقوله: {وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [القصص: 47]،
    ومِن ذلك أنه تعالى صَرَّحَ بأنّ جميعَ أهلِ النارِ قَطَعَ عُذْرَهم في الدنيا بإنذارِ الرُّسُلِ؛ ولم يكتفِ في ذلك بنصبِ الأدلةِ، كقولِه تعالى: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ( قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ} [الملك: 8، 9]، وقولِه تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [الزمر: 71]، ومعلومٌ أنّ لفظةَ "كلما" في قوله: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيْهَا فَوْجٌ} صيغةُ عمومٍ؛ وأنّ لفظةَ: {الَّذِيْن} في قوله: {وَسِيْقَ الَّذِيْنَ كَفَرُوا} صيغةُ عمومٍ أيضًا - لأنّ الموصولَ يَعُمُّ كلَّ ما تشملُه صِلَتُه -.
    وأمّا السُّنَّةُ: فإنه قد دَلَّتْ أحاديثُ كثيرةٌ على أنّ اللهَ أَخْرَجَ ذريةَ آدمَ في صورةِ الذَّرِّ؛ فَأَخَذَ عليهم الميثاقُ كما ذُكِرَ هنا - وبعضُها صحيحٌ -.
    قال القرطبيُّ في تفسيرِ هذه الآيةِ: (قال أبو عمر - يعني: ابنَ عبدِ البَرِّ -: لكنّ معنى هذا الحديثِ قد صَحَّ عن النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم مِن وجوهٍ ثابتةٍ كثيرةٍ، مِن حديثِ عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه، وعبدِ الله بن مسعود، وعليّ بن أبي طالب، وأبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين وغيرهم) (12)، انتهى محلُّ الحاجةِ منه بلفظِه، وهذا الخلافُ الذي ذكرنا "هل يُكتفى في الإلزامِ بالتوحيدِ بنَصْبِ الأدلةِ؟ أو لا بُدّ مِن بَعْثِ الرُّسُلِ لِيُنْذَروا؟ " هو مبنى الخلافِ المشهورِ عندَ أهلِ الأصولِ في أهلِ الفترةِ "هل يَدخلون النارَ بكُفْرِهم؟ " وحكى القَرَافِيُّ عليه الإجماعَ (13)، وجَزَمَ به النوويُّ في "شرح مسلم" (14)؛ أو يُعْذَرُون بالفترةِ - وهو ظاهرُ الآياتِ التي ذكرناها -) (15).

    • أهلُ الحديثِ وكبراءُ أهلِ العلمِ على أنّ الإشهادَ هو الاستنطاقُ:
    - قال ابنُ الأنباري (16): (مذهبُ أصحابِ الحديثِ وكبراءِ أهلِ العلمِ في هذه الآيةِ هو: أنّ اللهَ عزّ وجلّ أَخْرَجَ ذرياتِ آدمَ مِن صُلْبِهِ وأصلابِ أولادِه - وهم في صورِ الذَّرِّ - وأَخَذَ عليهمُ الميثاقَ أنه خالقُهم؛ وأنهم مَصْنُوعوه؛ فاعترفوا بذلك، وقَبِلُوا، وذلك بعدَ أنّ رَكَّبَ فيهم عقولًا عَرَفوا بها ما عُرِضَ عليهم؛ كما جُعِلَ للجبلِ عقلًا حين خُوْطِبَ، وكما فُعِلَ ذلك بالبعيرِ لَمّا سَجَدَ؛ والنخلةِ حتى سمعتْ وانقادتْ حين دُعِيَتْ) (17).
    - وقال إسحاقُ بن راهويه: (أَجْمَعَ أهلُ العلمِ أنها الأرواحُ قبلَ الأجسادِ، استنطقَهم {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ}) (1.
    - وقال الشوكانيُّ رحمه اللهُ: (وهذا هو الحقُّ الذي لا ينبغي العدولُ عنه ولا المصيرُ إلى غيرِه؛ لثبوتِه مرفوعًا إلى النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم؛ وموقوفًا على غيرِه مِن الصحابةِ، ولا ملجَأ للمصيرِ إلى المجازِ، وإذا جاء نهرُ اللهِ بَطَلَ نهرُ مَعْقِلٍ) (19).
    - وقال العلّامةُ محمد الأمين الشنقيطيُّ رحمه اللهُ: (وعليه أكثرُ المتقدِّمِين مِن السَّلَفِ، وهو الذي يدلُّ له بعضُ الأحاديثِ الصحيحةِ، والقرآنُ قد يُرْشِدُ إليه) (20).
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    (11) يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/ 506).
    (12) يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (7/ 315).
    (13) أمّا دعوى القَرَافِيِّ رحمه اللهُ فمُشْكِلَةٌ، والتعليقُ عليها هو:
    قولُ القَرَافِيُّ رحمه اللهُ: (فائدةٌ: حكايةُ الخلافِ في أنه عليه الصلاةُ والسلامُ كان مُتَعَبّدًا قَبْلَ نبوّتِه بشرعِ مَن قَبْلَه؛ يجبُ أنْ يكونَ مخصوصًا بالفروعِ دونَ الأصولِ، فإنّ قواعدَ العقائدِ كان الناسُ في الجاهليةِ مُكَلَّفِين بها إجماعًا، ولذلك انْعَقَدَ الإجماعُ على أنّ موتاهم في النارِ يُعَذَّبُون على كُفْرِهم، ولولا التكليفُ لَمَا عُذِّبوا، فهو عليه الصلاةُ والسلامُ مُتَعَبَّدٌ بشرعِ مَن قَبْلَه - بفتحِ الباءِ - بمعنى مُكَلَّفٌ، هذا لا مِرْيَةَ فيه، إنّما الخلافُ في الفروعِ خاصّةً، فعمومُ إطلاقِ العلماءِ مخصوصٌ بالإجماعِ)!! ((شرح تنقيح الفصول)) للقرافي (ص: 297).
    ووجهُ الشاهدِ منه أنّ الناسَ في الجاهليةِ ليسوا بمعذورين - كما دَلَّ عليه الإجماعُ المنقولُ -!
    قلتُ: والجواب أنّ هذا الإجماعَ المزعومَ غيرُ مُسَلَّمٍ بصحته - فضلًا عن انْعِقَادِه! -، وذلك لأوجهٍ:
    1 - أنه ثَبَتَ في الحديثِ الصحيحِ أنّ مَن مات في الفترةِ فهو ممن يَحْتَجُّ إلى ربِّه جلّ وعلا بكونه لم يأتِه رسولٌ، إضافةً لعمومِ ما جاء في حقِّهم مِن الآياتِ الكريمةِ، وقد سَبَقَ الكلامُ عليهم في مسألةٍ خاصَّةٍ مِن هذا البحث فلْيُرْجَعْ إليها.
    2 - أنّ كلامَ القرافي رحمه اللهُ مُعَارَضٌ بكلامه في مواطنَ أُخَرَ مِن كُتُبِه.
    فقد قال رحمه اللهُ: (ويدلُّ على اشتراطِ العلمِ في التكليفِ قولُه تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]، نفى التعذيبَ حتى يَحْصُلَ العلمُ بالتبليغِ للسامعِ، وقولُه تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] يدلُّ على أنّ الحُجَّةَ للخَلْقِ مِن جهةِ الجهلِ بعدمِ التبليغِ، وبقولِه تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، والتكليفُ مع عدمِ العلمِ تكليفٌ بغيرِ الوُسْعِ، ولإجماعِ الأُمَّةِ على أنّ مَن وَطِئَ امرأةً يَظُنُّها زوجتَه أو شَرِبَ خمرًا يظنه خَلًّا لا يأثمُ لعدمِ العلمِ، وكذلك العاجزُ غيرُ مُكَلَّفٍ إجماعًا). ((شرح تنقيح الفصول)) للقرافي (ص: 79).
    وقال رحمه اللهُ أيضًا: (وعندنا: الشرائعُ الواردةُ مُنْشَأَةٌ للجميعِ، فعلى رأينا لا يَثْبُتُ حكمٌ قبلَ الشرعِ، خلافًا للمعتزلة في قولهم "إنّ كلَّ ما يُثاب بعدَ الشرعِ فهو ثابتٌ قَبْلَه"، وخلافًا للأبهريّ مِن أصحابنا القائلِ بالحظرِ مطلقًا؛ وأبي الفرجِ القائلِ بالإباحةِ مطلقًا، وكذلك قال بقولهما جماعةٌ مِن المعتزلةِ فيما لا يَطَّلِعُ العقلُ على حالِه كآخرِ يومٍ مِن رمضان وأولِ يومٍ مِن شوال، لنا قولُه تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] نفى التعذيبَ قبلَ البعثةِ؛ فينتفي ملزومُه وهو الحكمُ). ((شرح تنقيح الفصول)) للقرافي (ص: 8.
    فاللهُ أعلمُ بمرادِ القَرَافِي رحمه اللهُ في ذلك الإجماعِ - المزعومِ! -.
    (14) أمّا ما نُقِلَ عن الإمامِ النوويِّ رحمه الله فهو ليس على عمومه - كما يُفْهِمُ كلامُ الشيخِ الشنقيطيِّ رحمه اللهُ! -؛ فقد قال الإمامُ النوويُّ في شرحِ مسلمٍ ما نَصُّهٌ: (قولُه: "أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ أَبِي قَالَ فِي النَّارِ فَلَمَّا قَفَّى دعاه فقال إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ" فيه أنّ مَن مات على الكفرِ فهو في النارِ، ولا تنفعُه قرابةُ المُقَرَّبِين، وفيه أنّ مَن مات في الفترةِ على ما كانت عليه العربُ مِن عبادةِ الأوثانِ فهو مِن أهلِ النارِ، وليس هذا مؤاخذةً قبلَ بلوغِ الدعوةِ! فإنّ هؤلاء كانت قد بَلَغَتْهم دعوةُ إبراهيمَ وغيرُه مِن الأنبياءِ صلواتُ اللهِ تعالى وسلامُه عليهم). يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (3/ 79).
    (15) يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/ 42).
    (16) "ابن الأَنْبَاري: محمد بن القاسم بن محمد بن بشار؛ أبو بكر الأنباري: مِن أعلمِ أهل زمانه بالأدب واللغة، ومِن أكثر الناس حفظًا للشعر والأخبار، وفاته: (328 هـ) ". يُنظر: ((الأعلام)) للزركلي (6/ 334).
    (17) يُنظر: ((التفسير البسيط)) للواحدي (9/ 44، وكذا: ((الرُّوح)) لابن القيم (ص: 163).
    (1 يُنظر: ((الاستذكار)) لابن عبد البَرِّ (3/ 107).
    (19) يُنظر: ((فتح القدير)) للشوكاني (2/ 299).
    (20) يُنظر: ((العَذْبُ النَّمِير من مجالس الشنقيطي في التفسير)) (4/ 310).
يعمل...
X