الصيام التقني

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد:
فما أحوجنا ونحن نستقبل أياما معدودات وشهرا عظيما من أشهر الله ألا وهو شهر رمضان المبارك الذي جعله الله عز وجل خير شهور السنة فيه أفضل عشر ليال وفيه ليلة خير من ألف شهر - هي ليلة القدر -، فيه تضاعف الحسنات وكذلك تعظم السيئات، فما أحوجنا في هذا الشهر أن نحفظ أقوالنا وأعمالنا، وأن نجنب أنفسنا قول الزور وعمل الزور، ليسلم لنا الصيام والأجر والثواب.
وفي ظل برامج التواصل التي في بعضها صفحات ومجموعات لنشر الردية والفاحشة وقول الزور والعمل به، والدعوة إلى البدع والشرك، تجد من الصائمين المتابع والمعجب والمؤيد ممن رق دينه وضعف إيمانه، وحالهم كمن دخل البحر وصارع الأمواج وكابد الليل والنهار وجمع من الخيرات وما إن قرب من الوصول إلى بر الأمان أرخى لما جمعه العنان.
قال الله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا} [النحل: 92].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر)).
أخرجه أحمد وابن ماجه وغيرهما وصححه الألباني.
ففي هذا الشهر يتأكد على كل واحد منا أن يمسك عنما في هذه البرامج من فاحش القول وغيبة ونميمة وسب وشتم وأن يمسك عن كل ما حرم الله تعالى من الأقوال والأعمال التي تحرمه الثواب أو تنقص أجره.
قال الطيبي رحمه الله كما في ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)): ((فإن الصائم إذا لم يكن محتسبا أو لم يكن مجتنبا عن الفواحش من الزور والبهتان والغيبة ونحوها من المناهي فلا حاصل له إلا الجوع والعطش، وإن سقط القضاء)) اهـ.

كما يتأكد علينا هجر كل ما هو قبيح وسيء في تلك البرامج، وحفظ أقولنا وأعمالنا لنسلم ويسلم منا إخواننا.
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن المهاجر من هجر ما نهى الله عنه، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)).
أخرجه أحمد وغيره وصححه الألباني.

فمن تلطخ من تلك القاذورات وسقط في وحلها فقد أضاع ما جناه من حسنات الصيام.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((أتدرون ما المفلس؟))
قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع.
فقال: ((إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار)).
أخرجه مسلم.
قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله في ((شرح رياض الصالحين)): ((الإفلاس كل الإفلاس أن يفلس الإنسان من حسناته التي تعب عليها، وكانت أمامه يوم القيامة يشاهدها، ثم تؤخذ منه لفلان وفلان.
وفي هذا تحذير من العدوان على الخلق، وأنه يجب على الإنسان أن يؤدي ما للناس في حياته قبل مماته، حتى يكون القصاص في الدنيا مما يستطيع، أما في الآخرة فليس هناك درهم ولا دينارٌ حتي يفدي نفسه، ليس فيه إلا الحسنات، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:
((فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم ثم طرح عليه وطرح في النار)) اهـ.

كما أنه من دخل عليك في هذه البرامج وفحش قوله فذكره بالله وقل له: إني صائم إني صائم.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلم: ((الصيام جنة فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم مرتين)).
أخرجه البخاري.
قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله في ((فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام)): ((أنه لا ينبغي السب بين المسلمين، وأن من سبك فبين له أنك قادر على الرد ولكن تركته لله؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الصائم إن سابه أحد أن شاتمه فليقل: إني صائم، لا يسكت فيظن الساب أنه ضعيف عاجز عن الرد، لكن يتكلم ويبين سبب الرد حتى يجمع بين الحسنين بين إظهار القوة، والحزم والقدرة على الرد وبين ترك هذا الشيء لله عز وجل)) اهـ.
فمن زاد في غيه وعظم جرمه أغلق عليه وأستخدم مميزات تلك البرامج من حضر وإلغاء صداقة وحضر، ليسلم صيامك وتحفظ الأجر والثواب.

فكما نصوم عن الأكل والشرب وسائر المفطرات لنسقط ما أوجبه الله علينا ورغبة فيما عنده من الأجر والثواب، ذلك يجب علينا أن نصوم صوما تقنيا بأن نجنب أنفسنا القول الزور والعمل به في برامج التواصل.
عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)).
أخرجه البخاري.
قال العلّامة ابن القيّم رحمه الله في ((الوابل الصيّب)): ((والصائم هو الذي صامت جوارحه عن الآثام، ولسانه عن الكذب والفحش، وقول الزور، وبطنه عن الطعام والشراب، وفرجه عن الرَّفَث، فإن تكلم لم يتكلم بما يجرح صومه، وإن فعل لم يفعل ما يُفسِد صومه، فَيُخرِج كلامَه كله نافعًا صالحًا وكذلك أعماله، فهي بمنزلة الرائحة التي يشمّها من جالس حامل المسك كذلك، من جالس الصائم انتفع بمجالسته، وأمن فيها من الزور والكذب والفجور والظلم، هذا هو الصوم المشروع، لا مجرد الإمساك عن الطعام والشراب، ففي الحديث الصحيح: ((من لم يَدَعْ قول الزور، والعمل به والجهل، فليس لله حاجة أن يَدَع طعامه وشرابه))، وفي الحديث: ((رُبَّ صائم حظه من صيامه الجوع والعطش)). فالصوم هو صوم الجوارح عن الآثام، وصوم البطن عن الشراب والطعام، فكما أن الطعام والشراب يقطعه ويفسده، فهكذا الآثام تقطع ثوابه، وتفسد ثمرته، فتُصَيِّره بمنزلة من لم يصم)) اهـ.
وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله في ((شرح رياض الصالحين)): ((فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه لأن الله تعالى إنما أوجب الصيام لأهم شيء وهو ترك المحرمات والقيام بالواجبات)) اهـ.
هذا والله أعلم، وبالله التوفيق، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
✍️ كتبه
عزالدين بن سالم بن الصادق أبوزخار
طرابلس الغرب: يوم الجمعة 27 شعبان سنة 1440 هـ
الموافق لـ: 3 مايو سنة 2019 ف