ابحث في شبكة الإمام الآجري ابحث في المواقع السلفية

شكر شكر:  0
النتائج 1 إلى 2 من 2
  1. #1

    افتراضي مطوية / فصل الصيف - من كتاب لطائف المعارف لابن رجب رحمه الله تعالى


    الاســـم:	فصل الصيف.jpg
المشاهدات: 118
الحجـــم:	269.6 كيلوبايت

    *****
    مطـوية / فصـل الصـيـف
    ( من كتاب لطائف المعارف )
    لابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى
    -----------------
    الاســـم:	تحميل المطوية-الاجري.png
المشاهدات: 124
الحجـــم:	64.4 كيلوبايت

    https://www.ajurry.com/vb/attachment...0&d=1563101874

    الاســـم:	للطبعة المنزلية.png
المشاهدات: 125
الحجـــم:	15.4 كيلوبايت

    بالأبيض والاسود لطبع العادي او (فوتوكوبي)

    https://www.ajurry.com/vb/attachment...2&d=1563102245

    *****
    نص المطوية :
    المجلس الثاني في ذكر فصل الصيف

    خرجا في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف فأشد ما تجدون من الحر من سموم جهنم وأشد ما تجدون من البرد من زمهرير جهنم" لا شك أن الله تعالى خلق لعباده دارين يجزيهم فيها بأعمالهم مع البقاء في الدارين من غير موت وخلق دارا معجلة للأعمال وجعل فيها موتا وحياة وابتلى عباده فيها بما أمرهم به ونهاهم عنه وكلفهم فيها الإيمان بالغيب ومنه: الإيمان بالجزاء والدارين المخلوقتين له وأنزل بذلك الكتب وأرسل به الرسل وأقام الأدلة الواضحة على الغيب الذي أمر بالإيمان به وأقام علامات وأمارات تدل على وجود داري الجزاء فإن إحدى الدارين المخلوقتين للجزاء دار نعيم محض لا يشوبه ألم والأخرى دار عذاب محض لا يشوبه راحة.
    وهذه الدار الفانية ممزوجة بالنعيم والألم فما فيها من النعيم يذكر بنعيم الجنة وما فيها من الألم يذكر بألم النار وجعل الله تعالى في هذه الدار أشياء كثيرة تذكر بدار الغيب المؤجلة الباقية فمنها ما يذكر بالجنة من زمان ومكان أما الأماكن فخلق الله بعض البلدان كالشام وغيرها فيها من المطاعم والمشارب والملابس وغير ذلك من نعيم الدنيا ما يذكر بنعيم الجنة وأما الأزمان: فكزمن الربيع فإنه يذكر طيبه بنعيم الجنة وطيبها وكأوقات الأسحار فإن بردها يذكر ببرد الجنة وفي الحديث الذي خرجه الطبراني: "إن الجنة تفتح في كل ليلة في السحر فينظر الله إليها فيقول لها: ازدادي طيبا لأهلك فتزداد طيبا فذلك برد السحر الذي يجده الناس" (1)
    ________
    (1) - ضعيف: اخرجه الطبراني ، وانظر (جامع الأحاديث القدسية 737).


    وروى سعيد الجريري عن سعيد بن أبي الحسن أن داود عليه السلام قال: يا جبريل أي الليل أفضل؟ قال: ما أدري غير أن العرش يهتز إذا كان من السحر ألا ترى أنه يفوح ريح كل الشجر.
    ومنها ما يذكر بالنار فإن الله تعالى جعل في الدنيا أشياء كثيرة تذكر بالنار المعدة لمن عصاه وما فيها من الآلام والعقوبات من أماكن وأزمان وأجسام وغير ذلك أما الأماكن فكثير من البلدان مفرطة الحر أو البرد فبردها يذكر بزمهرير جهنم وحرها يذكر بحر جهنم وسمومها وبعض البقاع يذكر بالناركالحمام قال أبو هريرة: نعم البيت الحمام يدخله المؤمن فيزيل به الدرن ويستعيذ بالله فيه من النار كان السلف يذكرون النار بدخول الحمام فيحدث لهم ذلك عبادة دخل ابن وهب الحمام فسمع تاليا يتلو: {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ} [غافر: 47] فغشي عليه.

    وتزوج صلة بن أشيم فدخل الحمام ثم دخل على زوجته تلك الليلة فقام يصلي حتى أصبح وقال: دخلت بالأمس بيتا أذكرني النار ودخلت الليلة بيتا ذكرت به الجنة فلم يزل فكري فيهما حتى أصبحت كان بعض السلف إذا أصابه كرب الحمام يقول: يا بر يا رحيم من علينا وقنا عذاب السموم صب بعض الصالحين على رأسه ماء من الحمام فوجده شديد الحر فبكى وقال: ذكرت قوله تعالى: {يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ} [الحج: 19] .

    كل ما في الدنيا يدل على صانعه ويذكر به ويدل على صفاته فما فيها من نعيم وراحة يدل على كرم خالقه وفضله وإحسانه وجوده ولطفه وما فيها من نقمة وشدة وعذاب يدل على شدة بأسه وبطشه وقهره وانتقامه واختلاف أحوال الدنيا من حر وبرد وليل ونهار وغير ذلك يدل على انقضائها وزوالها قال الحسن: كانوا يعني الصحابة يقولون: الحمد لله الرفيق الذي لو جعل هذا الخلق خلقا دائما لا ينصرف لقال الشاك في الله: لو كان لهذا الخلق رب لحادثه وإن الله قد حادث بما ترون من الآيات أنه جاء بضوء طبق ما بين الخافقين وجعل فيها معاشا و {سِرَاجاً وَهَّاجاً}
    ثم إذا شاء ذهب بذلك الخلق وجاء بظلمة طبقت ما بين الخافقين وجعل فيها سكنا ونجوما وقمرا منيرا وإذا شاء بنى بناء جعل فيه المطر والرعد والبرق والصواعق ما شاء وإن شاء صرف ذلك الخلق وإذا شاء جاء ببرد يقرقف الناس وإذا شاء ذهب بذلك وجاء بحر يأخذ بأنفاس الناس ليعلم الناس أن لهذا الخلق ربا يحادثه بما ترون من الآيات كذلك إذا شاء ذهب بالدنيا وجاء بالآخرة.

    وقال خليفة العبدي: لو أن الله لم يعبد إلا عن رؤية ما عبده أحد ولكن المؤمنين تفكروا في مجيء هذا الليل إذا جاء فطبق كل شيء وملأ كل شيء ومحا سلطان النهار وتفكروا في مجيء هذا النهار إذا جاء فملأ كل شيء وطبق كل شيء ومحا سلطان الليل وتفكروا في {وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} وتفكروا في {وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ}

    وتفكروا في مجيء الشتاء والصيف فوالله ما زال المؤمنون يتفكرون فيما خلق لهم ربهم حتى أيقنت قلوبهم وحتى كأنما عبدوا الله عن رؤيته ما رأى العارفون شيئا من الدنيا إلا تذكروا به ما وعد الله به من جنسه في الآخرة من كل خير وعافية.
    قلوب العارفين لها عيون ... ترى ما لا يراه الناظرونا
    وأما الأزمان فشدة الحر والبرد يذكر بما في جهنم من الحر والزمهرير وقد دل هذا الحديث الصحيح على: أن ذلك من تنفس النار في ذلك الوقت قال الحسن: كل برد أهلك شيئا فهو من نفس جهنم وكل حر أهلك شيئا فهو من نفس جهنم وفي الحديث الصحيح أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم".
    وفي حديث مرفوع خرجه عثمان الدارمي وغيره: "إذا كان يوم شديد الحر فقال العبد: لا إله إلا الله ما أشد حر هذا اليوم اللهم أجرني من حر جهنم قال الله لجهنم: إن عبدا من عبادي قد استجار بي منك وقد أجرته وإذا كان يوم شديد البرد فقال العبد: لا إله إلا الله ما أشد برد هذا اليوم اللهم أجرني من زمهرير جهنم قال الله لجهنم: إن عبدا من عبادي قد استجار بي من زمهريرك وإني أشهدك أني قد أجرته قالوا وما زمهرير جهنم قال: بيت يلقى فيه الكافر فيتميز من شدة برده".(2)
    ____________
    (2) إسناده ضعيف ؛ أخرجه ابن سني في (عمل اليوم والليلة/ ص306) .


    أبواب النار مغلقة وتفتح أحيانا فتفتح أبوابها كلها عند الظهيرة ولذلك يشتد الحر حينئذ فيكون في ذلك تذكرة بنار جهنم.
    وأما الأجسام المشاهدة في الدنيا المذكرة بالنار فكثيرة منها الشمس عند اشتداد حرها وقد روي أنها خلقت من النار وتعود إليها وخرج الطبراني بإسناده أن رجلا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم نزع ثيابه ثم تمرغ في الرمضاء وهو يقول لنفسه: "ذوقي، نار جهنم أشد حرا جيفة بالليل بطال بالنهار فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله غلبتني نفسي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لقد فتحت لك أبواب السماء وباهى الله بك الملائكة" (3)
    _________
    (3) حديث مرسل وروي موصولا بإسناد فيه من لا يعرف.


    وأما البروز للشمس تعبدا بذلك فغير مشروع فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي اسرائيل لما رآه قائما في الشمس: فأمره أن يجلس ويستظل وكان نذر أن يقوم في الشمس مع الصوم فأمره أن يتم صومه فقط وإنما يشرع البروز للشمس للمحرم كما قال ابن عمر رضي الله عنهما لمحرم رآه قد استظل: اضح لمن أحرمت له أي ابرز إلى الضحاء وهو حر الشمس كان بعضهم إذا أحرم لم يستظل فقيل له لو أخذت بالرخصة فأنشد:
    ضحيت له كي أستظل بظله ... إذا الظل أضحى في القيامة قالصا
    فوا أسفا إن كان سعيك خائبا ... ووا أسفا إن كان حظك ناقصا

    ومما يؤمر بالصبر فيه على حر الشمس النفر للجهاد في الصيف كما قال تعالى عن المنافقين: {وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} [التوبة: 81]
    وكذلك في المشي إلى المساجد للجمع والجماعات وشهود الجنائز ونحوها من الطاعات والجلوس في الشمس لانتظار ذلك حيث لا يوجد ظل.
    خرج رجل من السلف إلى الجمعة فوجد الناس قد سبقوه إلى الظل فقعد في الشمس فناداه رجل من الظل أن يدخل إليه فأبى أن يتخطى الناس لذلك ثم تلا: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان: 17]
    كان بعضهم إذا رجع من الجمعة في حر الظهيرة يذكر انصراف الناس من موقف الحساب إلى الجنة أو النار فإن الساعة تقوم في يوم الجمعة ولا ينتصف ذلك النهار حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار قاله ابن مسعود وتلا قوله: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} [الفرقان:24]

    وينبغي لمن كان في حر الشمس أن يتذكر حرها في الموقف فإن الشمس تدنو من رؤوس العباد يوم القيامة ويزاد في حرها وينبغي لمن لا يصبر على حر الشمس في الدنيا أن يجتنب من الأعمال ما يستوجب صاحبه به دخول النار فإنه لا قوة لأحد عليها ولا صبر قال قتادة: وقد ذكر شراب أهل جهنم وهو ماء يسيل من صديدهم من الجلد واللحم فقال: هل لكم بهذا يدان أم لكم عليه صبر طاعة الله أهون عليكم يا قوم فأطيعوا الله ورسوله.
    نسيت لظى عند ارتكانك للهوى ... وأنت توقى حر شمس الهواجر
    كأنك لم تدفن حميما ولم تكن ... له في سياق الموت يوما بحاضر
    رأى عمر بن عبد العزيز قوما في جنازة قد هربوا من الشمس إلى الظل وتوقوا الغبار فبكى ثم أنشد:
    من كان حين تصيب الشمس جبهته ... أو الغبار يخاف الشين والشعثا
    ويألف الظل كي يبقى بشاشته ... فسوف يسكن يوما راغما جدثا
    في ظل مقفرة غبراء مظلمة ... يطيل تحت الثرى في غمها اللبثا
    تجهزي بجهاز تبلغين به ... يا نفس قبل الردى لم تخلقي عبثا

    ومما يضاعف ثوابه في شدة الحر من الطاعات: الصيام لما فيه من ظمأ الهواجر ولهذا كان معاذ بن جبل يتأسف عند موته على ما يفوته من ظمأ الهواجر وكذلك غيره من السلف وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان يصوم في الصيف ويفطر في الشتاء ووصى عمر رضي الله عنه عند موته ابنه عبد الله فقال له: عليك بخصال الإيمان وسمى أولها: الصوم في شدة الحر في الصيف قال القاسم بن محمد: كانت عائشة رضي الله عنها تصوم في الحر الشديد قيل له: ما حملها على ذلك؟ قال: كانت تبادر الموت.
    وكان مجمع التيمي يصوم في الصيف حتى يسقط كانت بعض الصالحات تتوخى أشد الأيام حرا فتصومه فيقال لها في ذلك فتقول: إن السعر إذا رخص اشتراه كل أحد تشير إلى أنها لا تؤثر إلا العمل الذي لا يقدر عليه إلا قليل من الناس لشدته عليهم وهذا من علو الهمة كان أبو موسى الأشعري في سفينة فسمع هاتفا يهتف: يا أهل المركب قفوا يقولها ثلاثا فقال أبو موسى: يا هذا كيف نقف ألا ترى ما نحن فيه كيف نستطيع وقوفا فقال الهاتف: ألا أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه؟ قال: بلى أخبرنا قال: فإن الله قضى على نفسه أنه من عطش نفسه لله في يوم حار كان حقا على الله أن يرويه يوم القيامة فكان أبو موسى يتوخى ذلك اليوم الحار الشديد الحر الذي يكاد الإنسان ينسلخ منه فيصومه قال كعب: إن الله تعالى قال لموسى: إني آليت على نفسي أنه من عطش نفسه لي أن أرويه يوم القيامة وقال غيره: مكتوب في التوراة طوبى لمن جوع نفسه ليوم الشبع الأكبر طوبى لمن عطش نفسه ليوم الري الأكبر.
    قال الحسن: تقول الحوراء لولي الله وهو متكىء معها على نهر الخمر في الجنة تعاطيه الكأس في أنعم عيشه أتدري أي يوم زوجنيك الله إنه نظر إليك في يوم صائف بعيد ما بين الطرفين وأنت في ظمأ هاجرة من جهد العطش فباهى بك الملائكة وقال انظروا إلى عبدي ترك زوجته ولذته وطعامه وشرابه من أجلي رغبة فيما عندي اشهدوا أني قد غفرت له فغفر لك يومئذ وزوجنيك لما سار عامر بن عبد قيس من البصرة إلى الشام كان معاوية يسأله أن يرفع إليه حوائجه فيأبى فلما أكثر عليه قال: حاجتي أن ترد على من حر البصرة لعل الصوم أن يشتد علي شيئا فإنه يخف علي في بلادكم.
    نزل الحجاج في بعض أسفاره بماء بين مكة والمدينة فدعا بغدائه ورأى

    أعرابيا فدعاه إلى الغداء معه فقال: دعاني من هو خير منك فأجبته قال: ومن هو؟ قال: الله تعالى دعاني إلى الصيام فصمت قال: في هذا الحر الشديد؟ قال: نعم صمت ليوم أشد منه حرا قال: فافطر وصم غدا قال: إن ضمنت لي البقاء إلى غد قال: ليس ذلك إلي قال: فكيف تسألني عاجلا بآجل لا تقدر عليه.
    خرج ابن عمر في سفر معه أصحابه فوضعوا سفرة لهم فمر بهم راع فدعوه إلى أن يأكل معهم قال: إني صائم فقال ابن عمر: في مثل هذا اليوم الشديد حره وأنت بين هذه الشعاب في آثار هذه الغنم وأنت صائم؟ فقال: أبادر أيامي هذه الخالية فعجب منه ابن عمر فقال له ابن عمر: هل لك أن تبيعنا شاة من غنمك ونطعمك من لحمها ما تفطر عليه ونعطيك ثمنها قال: إنها ليست لي إنها لمولاي قال: فما عسيت أن يقول لك مولاك إن قلت أكلها الذئب فمضى الراعي وهو رافع اصبعه إلى السماء وهو يقول: فأين الله فلم يزل ابن عمر يردد كلمته هذه فلما قدم المدينة بعث إلى سيد الراعي فاشترى منه الراعي والغنم فأعتق الراعي ووهب له الغنم.
    نزل روح بن زنباع منزلا بين مكة والمدينة في حر شديد فانقض عليه راع من جبل فقال له: يا راع هلم إلى الغداء قال: إني صائم قال: أفتصوم في هذا الحر؟ قال: أفأدع أيامي تذهب باطلا فقال روح: لقد ضننت بأيامك يا راعي إذ جاد بها روح بن زنباع كان ابن عمر يصوم تطوعا فيغشى عليه فلا يفطر وكان الإمام أحمد يصوم حتى يكاد يغمى عليه فيمسح على وجهه الماء وسئل عن من يصوم فيشتد عليه الحر قال: لا بأس أن يبل ثوبا يتبرد به ويصب عليه الماء كان النبي صلى الله عليه وسلم بالعرج يصب على رأسه الماء وهو صائم وكان أبو الدرداء يقول: صوموا يوما شديدا حره لحر يوم النشور وصلوا ركعتين في ظلمة الليل لظلمة القبور.
    وفي الصحيحين عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره في اليوم الحار الشديد الحر وإن الرجل ليضع يده على رأسه من شدة الحر وما في القوم أحد صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة وفي رواية أن ذلك كان في شهر رمضان.
    لما صبر الصائمون لله في الحر على شدة العطش والظمأ أفرد لهم بابا من أبواب الجنة وهو باب الريان من دخل شرب ومن شرب لم يظمأ بعدها أبدا فإذا دخلوا أغلق على من بعدهم فلا يدخل منه غيرهم.
    وقد تحدث أحيانا حوادث غير معتادة تذكر بالنار كالصواعق والريح الحارة المحرقة للزرع قال الله تعالى: {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ} [الرعد: 13]
    وقد روي أن الصواعق قطعة من نار تطير من في الملك الذي يزجر السحاب عند اشتداد غضبه وقال الله تعالى: {فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ} [البقرة: 266]
    والإعصار: الريح الشديدة العاصف التي فيها نار والصر: الريح الشديدة البرد وقد عذب الله تعالى قوم شعيب بالظلة وروي أنه أصابهم حر أخذ بأنفاسهم فخرجوا من البيوت إلى الصحراء فأظلتهم سحابة فوجدوا لها بردا فاجتمعوا تحتها كلهم فأمطرت عليهم نارا فأحرقوا كلهم.
    فكل هذه العقوبات بسبب المعاصي وهي من مقدمات عقوبات جهنم وأنموذجها.

    ومما يدل على الجنة والنار أيضا ما يعجله الله في الدنيا لأهل طاعته وأهل معصيته فإن الله تعالى يعجل لأوليائه وأهل طاعته من نفحات نعيم الجنة وروحها ما يجدونه ويشهدونه بقلوبهم مما لا يحيط به عبارة ولا تحصره إشارة حتى قال بعضهم: إنه لتمر بي أوقات أقول إن كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه فإنهم في عيش طيب قال أبو سليمان: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم وقال بعضهم: الرضا باب الله الأعظم وجنة الدنيا ومستراح العابدين قال الله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل: 97]

    قال الحسن: نرزقه طاعة يجد لذتها في قلبه أهل التقوى في نعيم حيث كانوا في الدنيا والبرزخ وفي الآخرة.
    العيش عيشهم والملك ملكهم ... ما الناس إلا همو بانوا أو اقتربوا

    وأما أهل المعاصي والإعراض عن الله فإن الله يعجل لهم في الدنيا من أنموذج عقوبات جهنم ما يعرف أيضا بالتجربة والذوق فلا تسأل عما هم فيه من ضيق الصدر وحرجه ونكده وعما يعجل لهم من عقوبات المعاصي في الدنيا ولو بعد حين من زمن العصيان وهذا من نفحات الجحيم المعجلة لهم ثم ينتقلون بعد هذه الدار إلى أشد من ذلك وأضيق ولذلك يضيق على أحدهم قبره حتى تختلف فيه أضلاعه ويفتح له باب إلى النار فيأتيه من سمومها قال الله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً} [طه: 124]
    وورد في الحديث المرفوع تفسيرها بعذاب القبر ثم بعد ذلك يصيرون إلى جهنم وضيقها قال الله تعالى: {وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً*لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً} [الفرقان: 13, 14] .
    ومما يدل أيضا في الدنيا على وجود النار الحمى التي تصيب بني آدم وهي نار باطنة فمنها نفحة من نفحات سموم جهنم ومنها نفحة من نفحات زمهريرها وقد روي في حديث خرجه الإمام أحمد وابن ماجه: أنها "جظ المؤمن من النار" والمدار أن الحمى تكفر ذنوب المؤمن وتنقيه منها كما ينقي الكير خبث الحديد وإذا طهر المؤمن من ذنوبه في الدنيا لم يجد حر النار إذا مر عليها يوم القيامة لأن وجدان الناس لحرها عند المرور عليها بحسب ذنوبهم فمن طهر من الذنوب ونقي منها في الدنيا جاز على الصراط كالبرق الخاطف والريح ولم يجد شيئا من حر النار ولم يحس بها فتقول النار للمؤمن: جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي وفي حديث جابر المرفوع في مسند الإمام أحمد: " إنهم يدخلونها فتكون عليهم بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم حتى أن للنار ضجيجا من بردهم".

    ومن أعظم ما يذكر بنار جهنم النار التي في الدنيا قال الله تعالى: {نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ} [الواقعة:73]
    يعني: أن نار الدنيا جعلها الله تذكرة تذكر بنار جهنم مر ابن مسعود بالحدادين وقد أخرجوا حديدا من النار فوقف ينظر إليه ويبكي وروي عنه أنه مر على الذين ينفخون الكير فسقط وكان أويس يقف على الحدادين فينظر إليهم كيف ينفخون الكير ويسمع صوت النار فيصرخ ثم يسقط وكذلك الربيع بن خيثم وكان كثير من السلف يخرجون إلى الحدادين ينظرون إلى ما يصنعون بالحديد فيبكون ويتعوذون بالله من النار ورأى عطاء السليمي امرأة قد سجرت تنورها فغشي عليه قال الحسن: كان عمر ربما توقد له النار ثم يدني يده منها ثم يقول: يا ابن الخطاب هل لك على هذا صبر كان الأخنف بن قيس يجيء إلى المصباح فيضع اصبعيه فيه ويقول حس ثم يعاتب نفسه على ذنوبه أحج بعض العباد نارا بين يديه وعاتب نفسه فلم يزل يعاتبها حتى مات نار الدنيا جزء من سبعين جزءا من نار جهنم وغسلت بالبحر مرتين حتى أشرقت وخف حرها ولولا ذلك ما انتفع بها أهل الدنيا وهي تدعو إلى الله أن لا يعيدها إليها قال بعض السلف: لو أخرج أهل النار منها إلى نار الدنيا لقالوا فيها ألفي عام يعني أنهم كانوا ينامون فيها ويرونها بردا كان عمر يقول: أكثروا ذكر النار فإن حرها شديد وإن قعرها بعيد وإن مقامعها حديد كان ابن عمر وغيره من السلف إذا شربوا ماء باردا بكوا وذكروا أمنية أهل النار وأنهم يشتهون الماء البارد وقد حيل بينهم وبين ما يشتهون ويقولون لأهل الجنة: {أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} [لأعراف: 50]فيقولون لهم: {إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ} [لأعراف: 50] والمصيبة العظمى حين تطبق النار على أهلها وييأسون من الفرج وهو الفزع الأكبر الذي يأمنه أهل الجنة: {الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى} [الانبياء: 101] .

    لو أبصرت عيناك أهل الشقا ... سيقوا إلى النار وقد أحرقوا
    شرابهم المهل في قعرها ... إذ خالفوا الرسل وما صدقوا
    تقول أخراهم لأولاهم ... في لجج المهل وقد أغرقوا
    قد كنتموا خوفتمو حرها ... لكن من النيران لم تفرقوا
    وجيء بالنيران مذمومة ... شرارها من حولها محدق
    وقيل للنيران أن أحرقي ... وقيل للخزان أن أطبقوا

    *****
    لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف
    المؤلف: زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795هـ)






    الملفات المرفقة الملفات المرفقة

  2. #2

    افتراضي رد: مطوية / فصل الصيف - من كتاب لطائف المعارف لابن رجب رحمه الله تعالى


    راجع ايضا :

    مطوية / حر الصيف و التذكير بنار جهنم
    الشيخ عبد الرزاق البدر حفظه الله


    https://www.ajurry.com/vb/showthread.php?t=49822

    *****



    مطـوية
    / مع حـر الصيف مواعـظ ووقفـات
    فضيلة الشيخ علي بن يحيى الحدادي حفظه الله
    https://www.ajurry.com/vb/showthread...468&highlight=

    *****



    مطوية
    / فصول السنة تذكر بالآخرة
    من كتاب لطائف المعارف لابن رجب الحنبلي رحمه الله
    https://www.ajurry.com/vb/showthread...949&highlight=

    *****




الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •