بسم الله الرحمن الرحيم

المعصية والذنب تجلب الوهن والضعف للبدن
الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد:
فكل شر سببه الذنوب والمعاصي، ومخالفة ما جاء عن الله تعالى وما صح عن الرسول عليه الصلاة والسلام.
قال الله تعالى: {وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النِّسَاء: 79].
قال العلامة ابن القيم رحمه الله في ((الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه)) (ص: 4: ((ومن تدبر العالم والشرور الواقعة فيه علم أن كل شر في العالم سببه مخالفة الرسول والخروج عن طاعته، وكل خير في العالم فانه بسبب طاعة الرسول)) اهـ.
ومن أعظم أسباب ضعف الجسم ووهن البدن مخالفة ما أمر الله تعالى به والوقوع فيما نهى الله عز وجل عنه.
جاء عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (إنّ للحسنة ضياءً في الوجه، ونورًا في القلب، وسعة في الرزق، وقوةً في البدن، ومحبةً في قلوب الخلق. وإنّ للسيئة سوادًا في الوجه، وظلمةً في القلب، ووهنًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبغِضةً في قلوب الخلق).
وأخرج ابن أبي شيبة في ((المصنف)) وابن أبي الدنيا في ((التوبة)) والبيهقي في ((شعب الإيمان)) عن الحسن البصري رحمه الله قال: (إن الرجل ليعمل الحسنة فتكون نورًا في قلبه، وقوة في بدنه. وإن الرجل ليعمل السيئة فتكون ظلمة في قلبه، ووهنًا في بدنه).
وأخرج كلامه أحمد في الزهد عن مالك بن دينار رحمه الله قال: (إن لله تبارك وتعالى عقوبات في القلوب والأبدان، وضنكًا في المعيشة، وسخطًا في الرزق، ووهنَا في العبادة).
وعن إبراهيم بن أدهم رحمه الله قال: (إن للذنوب ضعفًا في القوة، وظلمةً في القلب وإن للحسنات قوة في البدن ونورًا في القلب).
أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)).
وأخرج أبو نعيم في ((حلية الأولياء )) عن الحسن بن صالح رحمه الله قال: (العمل بالحسنة قوة في البدن، ونور في القلب، وضوء في البصر، والعمل بالسيئة وهن في البدن، وظلمة في القلب، وعمى في البصر).
وأما ما جاء مرفوعا عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((وجدت الحسنة نورا في القلب وزينا في الوجه وقوة في العمل ووجدت الخطيئة سوادا في القلب وشينا في الوجه ووهنا في العمل)).
أخرجه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) وقال: ((غريب من حديث الحسن عن أنس ، لم نكتبه إلا من هذا الوجه تفرد به عمرو بن أبي قيس وأبو سفيان اسمه عبد ربه ...)).
وذكره ابن أبي حاتم في ((العلل)) وقال: ((هذا حديث منكر، وأبو سفيان مجهول)) اهـ.
وكل ما سبق يشهد له الحديث المتفق عليه عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((الحلال بين، والحرام بين، وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات: كراع يرعى حول الحمى، يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله في أرضه محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة: إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)).
وكذلك ما جاء عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن:
لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا
...)) الحديث.
أخرجه ابن ماجه في ((السنن)) والحاكم في ((المستدرك)) والبزاز في ((البحر الزخار)) والطبراني في ((الأوسط)) و ((مسند الشاميين)) والبيهقي في ((الشعب)) وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) والداني في ((السنن الواردة في الفتن)) وحسنه الألباني.
ويشهد له أيضا ما جاء عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما ظهر في قوم الربا والزنا، إلا أحلوا بأنفسهم عقاب الله عز وجل)).
أخرجه أحمد في ((المسند)) وأبو يعلى في ((المسند)) ومن طريقه وابن حبان في ((صحيحه)) وحسنه الألباني.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله في ((الداء والدواء)) (ص: 132): ((وللمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة والمضرّة بالقلب والبدن والدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله)) اهـ.
قال العلامة نجم الدين الغزي رحمه الله في ((حسن التنبه لما ورد في التشبه)):
أَطِعِ اللهَ وَإِنْ تَعْصِي فَتُبْ *** إِنَّ بِالتَّوْبَةِ يُمْحَى كُلُّ رَيْن
طاعَةُ اللهِ تُرى فِي عَمَلٍ *** نُورُ قَلْبٍ وَلِوَجْهِ العَبْدِ زَيْنْ
وَمعاصِي اللهِ وَهْنٌ وَسَوا *** دٌ لِقَلْبٍ وَهْيِ فِي الأَوْجُهِ شَيْنْ
هَكَذا نَرْوِيهِ عَنْ خَيْرِ الوَرى *** أَحْمَدَ الْمَبْعُوثِ يَدْعُو الأُمَّتَيْنْ
فَعَلَيْهِ صَلواتٌ دائِماً *** ما اهْتَدى النَّاسُ بِنُورِ الثَّيِّرَيْنْ

وقد سبق أن بينت أن ما جاء مرفوعا ضعف بل منكر.
فالذنوب من أسباب الشقاء ومن الشقاء ضعف البدن ووهن الجسم.
هذا والله أعلم، وبالله التوفيق، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كتبه
عزالدين بن سالم بن الصادق أبوزخار
طرابلس الغرب: يوم الثلاثاء 13 ذي القعدة سنة 1440 هـ
الموافق لـ: 16 يوليو سنة 2019 ف