ظلم البدن


الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد:
فمن أسباب السعادة القوة في الجسم والمعافاة في البدن.
عن عبيد الله بن محصن الخطمي وكانت له صحبة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أصبح منكم آمنا في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا)).
أخرجه الترمذي في ((جامعه)) وغيره وحسنه الألباني لشواهده.
ومن اعتدى على بدنه بأي نوع من الاعتداء فقد وقع في الظلم، وقد تظافرت النصوص في الكتاب والسنة على تحريم الظلم بجميع صوره وأنواعه.
فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((الظلم ظلمات يوم القيامة)).
مُتَّفق عليه.


ومن أنواع الظلم، ظلم الإنسان بدنه، وله عدة صور، منها:
أولا: الوقوع في ذنب ترتب عليه حد أو قصاص.
قال الله تعالى: { وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } [الطلاق: 1].
فما يحصل من قصاص أو إقامة حد يحدث معه ضرر للبدن هذا من ظلم الإنسان لبدنه.


ثانيا: مدافع الأخبثين.
قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله في ((فتاوى نور على الدرب)): ((صلاة مدافع الأخبثين صحيحة عند جمهور أهل العلم ويحملون قوله صلى الله عليه وسلم (لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان) على نفي الكمال لا على نفي الصحة ولكن مع هذا يكره له أن يصلى وهو يدافع الأخبثين لأن ذلك يشغله عن الخشوع في الصلاة اللهم إلا إذا كانت المدافعة شديدة فإن القول بأن صلاته لا تصح قول وجيه جداً لأنه لا يتمكن في هذه الحال من استحضار ما يقول وما يفعل ولأن ذلك قد يسبب له ضرراً بدنياً وقد نهي عن إلحاق الضرر بالبدن فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا ضرر ولا ضرار)) وأما كونه يخشى من فوات صلاة الجماعة فإنه لا حرج عليه لو فاتته صلاة الجماعة في هذه الحال)) اهـ.

ثالثا: حلق بعض رَأس وترك البعض (القزعة).

قال العلامة ابن القيم رحمه الله في ((تحفة المودود بأحكام المولود)): ((وَيتَعَلَّق بِالْحلقِ مَسْأَلَة القزع وَهِي حلق بعض رَأس الصَّبِي وَترك بعضه وَقَالَ أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث عبيد الله بن عمر عَن عمر بن نَافِع عَن أَبِيه عَن ابْن عمر قَالَ نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن القزع والقزع أَن يحلق بعض رَأس الصَّبِي ويدع بعضه قَالَ شَيخنَا: وَهَذَا من كَمَال محبَّة الله وَرَسُوله للعدل فَإِنَّهُ أَمر بِهِ حَتَّى فِي شَأْن الانسان مَعَ نَفسه فَنَهَاهُ أَن يحلق بعض رَأسه وَيتْرك بعضه لِأَنَّهُ ظلم للرأس حَيْثُ ترك بعضه كاسيا وَبَعضه عَارِيا)) اهـ.


رابعا: الْجُلُوس بَين الشَّمْس والظل.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله في ((تحفة المودود بأحكام المولود)): ((قَالَ شَيخنَا: ... وَنَظِير هَذَا أَنه نهى عَن الْجُلُوس بَين الشَّمْس والظل فَإِنَّهُ ظلم لبَعض بدنه)) اهـ.


خامسا: المشي في نعل واحدة.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله في ((تحفة المودود بأحكام المولود)): ((قَالَ شَيخنَا: ... وَنَظِيره نهى أَن يمشي الرجل فِي نعل وَاحِدَة بل إِمَّا أَن ينعلهما أَو يحفيهما)) اهـ.


سادسا: أعضاء التبرع بها يسبب ضررا على البدن.
قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله في ((مجموع فتاواه ورسائله)): ((أما أنا فلا أرى الجواز، وذلك لأن أعضاء الإنسان عنده أمانة وقد نص فقهاء الحنابلة رحمهم الله أنه لا يجوز التبرع بعضو من الأعضاء ولو أوصى به الميت من بعد موته، وإن كان بعض الأعضاء قد يكون النجاح فيها (90) أو أكثر من ذلك لكن المفسدة في نزعها من الأول محققة حتى في الكلى، قد يقوم البدن على كلية واحدة، لكن لا شك أن قيامه على واحدة ليس كقيامه على ثنتين؛ لأن الله لم يخلق شيئاً عبثاً. ثم هذه الواحدة لو فسدت هلك الإنسان، ولو كانت الكلية المنزوعة موجودة فيه وفسدت الباقية لم يهلك.
فلهذا أنا أرى عدم الجواز بخلاف نقل الدم، لأن نقل الدم يخلفه دم آخر ولا يتضرر به المنقول منه ولا يفقد به عضو.
ثم قال:
وأنقل لكم كلام الفقهاء السابقين كما في الإقناع (وهو كتاب مشهور عند فقهاء الحنابلة) ، قالوا: لا يجوز أبداً أن ينقل عضو من شخص ولو أوصى به بعد موته، لو قال: إذا مت فأعطوا فلان كليتي أو يدي أو ما أشبه ذلك)) اهـ.


سابعا: تناول ما يضر.
قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله في ((مجموع فتاواه ورسائله)): ((وإذا نظرنا إلى التدخين وجدنا أن الدخان فيه ضرر على البدن)) اهـ.
وقالت اللجنة الدائمة في ((فتاواها)): ((الشيشة والنرجيلة والدخان من الخبائث، وهي محرمة؛ لما فيها من الأضرار على البدن والمال، قال الله تعالى في وصف نبيه محمد صلى الله عليه وسلم : {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا ضرر ولا ضرار))، فلا يجوز استعمال هذه الأمور ولا بيعها ولا ترويجها، كما لا يجوز أيضا فتح هذه المقاهي، ولا حضور هذه المقاهي والمجالس التي تعرض فيها، إلا لمن قوي على النصيحة وتغيير المنكر؛ لقول الله تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} وقوله سبحانه: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} ويدخل في عموم الآيتين حضور مجالس المعاصي والفسوق التي يستهان فيها بأوامر الله ونواهيه، فمن حضر ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء)) اهـ.
وقس على ذلك كل ما كان ضرره أعظم وأخطر، مثل الخمر والمخدرات والسم وغيرها.
والسم من أخطرها وأسرعها فتكا بالبدن، والسم كان له أثرا في وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، فقد وضع له اليهود السم في الشاة يوم خيبر.
قالت عائشة رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه الذي مات فيه: ((يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم)).
أخرجه البخاري.
قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله في ((فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام)): ((فإذا أعطي البدن ما يضاد هذه الطبيعة صار فيه ضرر على البدن)) اهـ.
بل المباح يمنع إذا كان الإكثار منه يسبب ضررا على البدن، أو كان في البدن علة يتضرر منها من تناول ولو شيئا قليلا.
عن أم المنذر بنت قيس الأنصارية رضي الله عنها، قالت: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه علي بن أبي طالب، وعلي ناقه من مرض، ولنا دوالي معلقة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأكل منها، فتناول علي ليأكل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مه يا علي، إنك ناقه)).
قالت: فصنعت للنبي صلى الله عليه وسلم سلقا وشعيرا.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: ((من هذا فأصب، فإنه أنفع لك)).
أخرجه الترمذي في ((جامعه)) وماجة في ((السنن)) وحسنه الألباني.
وكذلك كثرة الأكل.
عن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه. فإن كان فاعلا لا محالة: فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه)).
أخرجه أحمد والنسائي والترمذي وصححه الألباني.
قال العلامة عبدالعزيز بن حمد بن ناصر بن معمر رحمه الله في ((منحة القريب المجيب في الرد على عباد الصليب)): ((ولهذا قال العلماء: إن الشبع بدعة ظهرت بعد القرن الأول، وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم الخلف بعد القرون الفاضلة من أمته بأنه يظهر فيهم السمن)) اهـ.
وقال العلامة السفاريني رحمه الله في ((غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب)): ((قال علماؤنا: وليس من السنة ترك أكل الطيبات. ولا بأس بالجمع بين طعامين ومن السرف أن تأكل كلما اشتهيت.
قال الإمام ابن الجوزي في تبصرته: الشبع يوجب ترهل البدن وتكاسله وكثرة النوم وبلادة الذهن، وذلك بتكثير البخار في الرأس حتى يغطي موضع الفكر والذكر.، والبطنة تذهب الفطنة وتجلب أمراضا عسرة ومقام العدل أن لا يأكل حتى تصد الشهوة وأن يرفع يده، وهو يشتهي الطعام)) اهـ.
وقال الحسين بن الإمام القاسم بن محمد بن علي اليمني رحمه الله في ((آداب العلماء والمتعلمين)): ((السادس: من أعظم الأسباب المعينة على الاشتغال والفهم وعدم الملال، أكل القدر اليسير من الحلال. قال الشافعي رحمه الله: ما شبعت منذ ست عشرة سنة، وسبب ذلك، إن كثرة الأكل جالبة لكثرة الشرب، وكثرته جالبة للنوم، والبلادة، وقصور الذهن، وفتور الحواس، وكسل الجسم، هذا مع ما فيه من الكراهة الشرعية، والتعرض لخطر الأسقام البدنية كما قال:
فإن الداء أكثر ما تراه *** يكون من الطعام أو الشراب
ومن رام الفلاح في العلم وتحصيل البغية منه، مع كثرة الأكل والشرب والنوم، فقد رام مستحيلاً في العادة)) اهـ.
وكل ما حرم الله عز وجل فيه ضرر ولا بد.


ثامنا: إهمال النظافة وسنن الفطرة.
قال الله تعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6].
قال الرازي رحمه الله في ((مفاتيح الغيب)): ((اعلم أن هذه الآية أصل كبير معتبر في الشرع، وهو أن الأصل في المضار أن لا تكون مشروعة، ويدل عليه هذه الآية فإنه تعالى قال: {مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] ويدل عليه أيضا قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] ويدل عليه من الأحاديث قوله عليه السلام: ((لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الْإِسْلَامِ)).
ويدل عليه أيضا أن دفع الضرر مستحسن في العقول فوجب أن يكون الأمر كذلك في الشرع)) اهـ.
وقال الله تعالى: {الَّذِيْنَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُوْلَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِيْ يَجِدُوْنَهُ مَكْتُوْبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالمَعْرُوْفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِيْ كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِيْنَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِيْ أُنْزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157].
قال الرازي رحمه الله في ((مفاتيح الغيب)): ((واعلم أن هذه الآية تدل على أن الأصل في المضار أن لا تكون مشروعة، لأن كل ما كان ضررا كان إصرا وغلا، وظاهر هذا النص يقتضي عدم المشروعية، وهذا نظير لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ)) في الإسلام)) اهـ.
فلما كان ترك التنظف ربما يحصل به ضررا على البدن جاء في السنة ما يدل على استحباب التنظف في مواطن.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من بات وفي يده غمر لم يغسله فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه)).
أخرجه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجة وابن حبان وصححه الألباني.
قال ملا علي القاري رحمه الله في ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)): ((وفي يده غمر: بفتحتين أي دسم ووسخ؛ لم يغسله: أي ذلك الغمر عن يده، فالجملة صفة غمر والجملة الأولى حالية؛ وقوله: فأصابه شيء: عطف على بات، والمعنى وصله شيء من إيذاء الهوام، وقيل: أو من الجان؟ لأن الهوام وذوات السموم ربما تقصده في المنام لرائحة الطعام في يده فتؤذيه، وقيل من البرص ونحوه؟ لأن اليد حينئذ إذا وصلت إلى شيء، من بدنه بعد عرقه فربما أورث ذلك)) اهـ.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب لبنا فمضمض، وقال: ((إن له دسما)).
متفق عليه.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في ((فتح الباري)): ((فيدل على استحبابها من كل شيء دسم ويستنبط منه استحباب غسل اليدين للتنظيف)) اهـ.
واهمال سنن الفطرة فيه ضرر.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عشر من الفطرة قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص الأظفار وغسل البراجم ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء)). قال زكرياء قال مصعب ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة. زاد قتيبة قال وكيع انتقاص الماء يعني الاستنجاء.
أخرجه مسلم.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه قال: (تركُ الخلال يوهِنُ الأسنان).
أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) وصححه الألباني.


تاسعا: ترك الدواء الذي بسببه يتضرر البدن أو التداوي بمحرم.
قال الله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195].
وقال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29].
وعن وائل الحضرمي، أن طارق بن سويد الجعفي، سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر، فنهاه أو كره أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء.
فقال: ((إنه ليس بدواء، ولكنه داء)).
أخرجه مسلم.
قال العلامة ابن مفلح رحمه الله في ((الآداب الشرعية والمنح المرعية)): ((وتحرم المداواة والكحل بكل نجس وطاهر محرم أو مضر ونحوه)) اهـ.

عاشرا: المكث والسكن في مكان به روائح كريهة.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في ((فتح الباري)): ((وقد ذكر بعض أهل الطب أن الروائح تحدث في الأبدان خللا فكان هذا وجه الأمر بالمجانبة)) اهـ.

الحادي عشر: دخول المناطق التي بها وباء.

عن عبد الله بن عباس أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشام.
قال ابن عباس: فقال عمر بن الخطاب: ادع إلى المهاجرين الأولين, فدعاهم فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام فاختلفوا.
فقال بعضهم: قد خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه.
وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء.
فقال عمر: ارتفعوا عني.
ثم قال: ادع لي الأنصار فدعاهم فاستشارهم فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم.
فقال: ارتفعوا عني.
ثم قال: ادع لي من كان ههنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح, فدعوهم فلم يختلف عليه منهم رجلان.
فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء.
فنادى عمر في الناس: إني مصبح على ظهر, فأصبحوا عليه.
فقال أبو عبيدة: أفرارا من قدر الله؟
فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة, نعم. نفر من قدر الله إلى قدر الله. أرأيت لو كان لك إبل فهبطت واديا له عدوتان إحداهما مخصبة والأخرى جدبة, أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله, وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟
فجاء عبد الرحمن بن عوف وكان غائبا في بعض حاجته فقال: إن عندي من هذا علما, سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه, وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرار منه)).
قال: فحمد الله عمر ثم انصرف.
متفق عليه.
قال العلامة حافظ حكمي رحمه الله في ((معارج القبول بشرح سلم الوصول)): ((ومن هذا الباب نهيه صلى الله عليه وسلم عن القدوم على البلاد التي بها الطاعون وعن الخروج منها فرارا منه فإن في القدوم عليه تعرضا للبلاء, وإلقاء بالأيدي إلى التهلكة وتسببا للأمور التي أجرى الله تعالى العادة بمضرتها)) اهـ.


الثاني عشر: اللطم.
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية)).
متفق عليه.


الثالث عشر: الطقوس الغريبة.
ما يفعل الرافضة حزنا زعموا على مقتل الحسين رضي الله عنه، ومن مظاهر هذا الحزن لطم الخدود وضرب أنفسهم بالسلاسل وجرحها بالسيوف والخناجر، حتى أضحكوا الكفرة علينا، وبهذا الفعل لا للدين نصروا ولا للعدو كسروا، وأحسن ما يقال فيها سفه وظلم للنفس.
سئل الأمام ابن باز رحمه الله كما في ((مجموع فتاواه)) ما حكم حسينيات الرافضة وما يحصل فيها من لطم وخمش للخدود ونوح وشق للجيوب وضرب يصل أحيانا بالسلاسل مع الاستغاثة بالأموات وآل البيت الكرام؟
والجواب: هذا منكر شنيع وبدعة منكرة، يجب تركه، ولا تجوز المشاركة فيه، ولا يجوز الأكل مما يقدم فيه من الطعام؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم من أهل البيت وغيرهم لم يفعلوه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد))، متفق على صحته، وقال عليه الصلاة والسلام: ((من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)) أخرجه مسلم في صحيحه، وعلقه البخاري رحمه الله في صحيحه جازما به. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة ... إلخ


الرابع عشر: بعض الألعاب الرياضية.
هذا أمر معلوم ومشاهد بعض الألعاب الرياضية لها أثر سلبي على البدن ووهن في الجسم وتسبب أمراض وعاهات.
قالت اللجنة الدائمة في ((فتاواها)): ((الملاكمة لا تجوز لما فيها من الأخطار على الإنسان، والله تعالى يقول: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}، ويقول سبحانه: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} ففي الملاكمة ضرر عظيم، من غير مصلحة راجحة، وما كان كذلك فهو حرام، والواجب عليك ترك هذه الرياضة الضارة، والانصراف إلى ما فيه مصلحة.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم)) اهـ.


الخامس عشر: قتل النفس.
قال الله تعالى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195].
ويقول الله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً} [النساء: 29 30].
عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن شرب سما فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا)).
أخرجه البخاري ومسلم واللفظ له.
ومنه ما يسمى بالعمليات الاستشهادية كذبا وزرا وهي عمليات انتحارية.


السادس عشر: معاقبة النفس بحرمانها مما يتسبب الضرر.
قال العلامة ابن الجوزي رحمه الله في ((تلبيس إبليس)): ((وأما معاقبة أبي يَزِيد نفسه بترك الماء سنة فإنها حالة مذمومة لا يراها مستحسنة إلا الجهال ووجه ذمها أن للنفس حقا ومنع الحق مستحقه ظلم ولا يحل للإنسان أن يؤذي نفسه ولا أن يقعد فِي الشمس فِي الصيف بقدر مَا يتأذى ولا فِي الثلج فِي الشتاء والماء يحفظ الرطوبات الأصلية فِي البدن وينفذ الأغذية وقوام النفس بالأغذية فَإِذَا منعها أغذية الآدميين ومنعها الماء فقد أعان عليها وهذا من أفحش الخطأ وكذلك منعه إياها النوم قَالَ ابْن عقيل وليس للناس إقامة العقوبات ولا استيفاؤها من أنفسهم يدل عَلَيْهِ أن إقامة الإنسان الحد عَلَى نفسه لا يجزي فَإِن فعله أعاده الإمام وهذه النفوس ودائع اللَّه عز وجل حتى أن التصرف فِي الأموال لم يطلق لأربابها إلا عَلَى وجوه مخصوصة)) اهـ.

السابع عشر: فعل الفاحشة.

عن عبد الله بن عمر، قال: أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن:
لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا. ولم ينقصوا المكيال والميزان، إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم.
ولم يمنعوا زكاة أموالهم، إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا.
ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله، إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم.
وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم)).
أخرجه ماجة في ((السنن)) وحسنه الألباني.

الثامن عشر: كثرة الجماع.

قال العلامة ابن القيم رحمه الله في ((زاد المعاد في هدي خير العباد)): ((فصل أنواع الجماع الضار.
والجماع الضار نوعان: ضار شرعا، وضار طبعا. فالضار شرعا: المحرم، وهو مراتب بعضها أشد من بعض.
ثم قال:
وأما الضار طبعا، فنوعان أيضا: نوع ضار بكيفيته كما تقدم، ونوع ضار بكميته، كالإكثار منه، فإنه يسقط القوة، ويضر بالعصب، ويحدث الرعشة، والفالج، والتشنج، ويضعف البصر وسائر القوى، ويطفئ الحرارة الغريزية ويوسع المجاري ويجعلها مستعدة للفضلات المؤذية.
وأنفع أوقاته ما كان بعد انهضام الغذاء في المعدة، وفي زمان معتدل لا على جوع، فإنه يضعف الحار الغريزي، ولا على شبع، فإنه يوجب أمراضا شديدة، ولا على تعب، ولا إثر حمام، ولا استفراغ، ولا انفعال نفساني كالغم والهم والحزن وشدة الفرح.
وأجود أوقاته بعد هزيع من الليل إذا صادف انهضام الطعام، ثم يغتسل أو يتوضأ، وينام عليه، وينام عقبه، فترجع إليه قواه، وليحذر الحركة والرياضة عقبه، فإنها مضرة جدا)) اهـ.

التاسع عشر: كثرة النوم ومدافعته.

قال العلامة ابن القيم رحمه الله في ((مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين)): ((المفسد الخامس: كثرة النوم. فإنه يميت القلب، ويثقل البدن، ويضيع الوقت، ويورث كثرة الغفلة والكسل، ومنه المكروه جدا، ومنه الضار غير النافع للبدن، وأنفع النوم ما كان عند شدة الحاجة إليه، ونوم أول الليل أحمد وأنفع من آخره، ونوم وسط النهار أنفع من طرفيه، وكلما قرب النوم من الطرفين قل نفعه، وكثر ضرره.
ثم قال:
وكما أن كثرة النوم مورثة لهذه الآفات، فمدافعته وهجره مورث لآفات أخرى عظام: من سوء المزاج ويبسه، وانحراف النفس، وجفاف الرطوبات المعينة على الفهم والعمل، ويورث أمراضا متلفة لا ينتفع صاحبها بقلبه ولا بدنه معها، وما قام الوجود إلا بالعدل، فمن اعتصم به فقد أخذ بحظه من مجامع الخير، وبالله المستعان)) اهـ.


الموفية عشرين: العشق المحرم.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله في ((الداء والدواء)) (ص: 497): ((وأما إفساده للحواسّ ظاهرًا، فإنّه يُمرِض البدن ويُنهِكه، وربما أدّى إلى تلفه، كما هو معروف في أخبار من قتلهم العشق.
وقد رُفع إلى ابن عباس -وهو بعرفة- شابٌّ قد إنتحل حتى عاد عظما بلا لحم فقال: ما شأن هذا؟
قالوا: به العشق.
فجعل ابن عباس يستعيذ بالله من العشق عامّةَ يومه.
ثم قال:
العشق -كما تقدّم- هو الإفراط في المحبة بحيث يستولي المعشوق على قلب العاشق حتى لا يخلو من تخيّله وذكره والفكر فيه، بحيث لا يغيب عن خاطره وذهنه. فعند ذلك تشتغل النفس عن استخدام القوى الحيوانية والنفسانية، فتتعطل تلك القوى، فيحدث بتعطّلها من الآفات على البدن والروح ما يعِزّ دواؤه أو يتعذّر، فتتغيّر أفعاله وصفاته ومقاصده، ويختل جميع ذلك، فيعجز البشر عن صلاحه)) اهـ.


الحادي والعشرين: المعاصي والذنوب.
فكل شر سببه الذنوب والمعاصي، ومخالفة ما جاء عن الله تعالى وما صح عن الرسول عليه الصلاة والسلام.
قال الله تعالى: {وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النِّسَاء: 79].
وقال الله عز وجل: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30].
قال العلامة ابن القيم رحمه الله في ((الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه)) (ص: 4: ((ومن تدبر العالم والشرور الواقعة فيه علم أن كل شر في العالم سببه مخالفة الرسول والخروج عن طاعته، وكل خير في العالم فانه بسبب طاعة الرسول)) اهـ.
ومن أعظم أسباب ضعف الجسم ووهن البدن مخالفة ما أمر الله تعالى به والوقوع فيما نهى الله عز وجل عنه.
جاء عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (إنّ للحسنة ضياءً في الوجه، ونورًا في القلب، وسعة في الرزق، وقوةً في البدن، ومحبةً في قلوب الخلق. وإنّ للسيئة سوادًا في الوجه، وظلمةً في القلب، ووهنًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبغِضةً في قلوب الخلق).
وأخرج ابن أبي شيبة في ((المصنف)) وابن أبي الدنيا في ((التوبة)) والبيهقي في ((شعب الإيمان)) عن الحسن البصري رحمه الله قال: (إن الرجل ليعمل الحسنة فتكون نورًا في قلبه، وقوة في بدنه. وإن الرجل ليعمل السيئة فتكون ظلمة في قلبه، ووهنًا في بدنه).
وأخرج كلامه أحمد في الزهد عن مالك بن دينار رحمه الله قال: (إن لله تبارك وتعالى عقوبات في القلوب والأبدان، وضنكًا في المعيشة، وسخطًا في الرزق، ووهنَا في العبادة).
وعن إبراهيم بن أدهم رحمه الله قال: (إن للذنوب ضعفًا في القوة، وظلمةً في القلب وإن للحسنات قوة في البدن ونورًا في القلب).
أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)).
وأخرج أبو نعيم في ((حلية الأولياء )) عن الحسن بن صالح رحمه الله قال: (العمل بالحسنة قوة في البدن، ونور في القلب، وضوء في البصر، والعمل بالسيئة وهن في البدن، وظلمة في القلب، وعمى في البصر).
وأما ما جاء مرفوعا عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((وجدت الحسنة نورا في القلب وزينا في الوجه وقوة في العمل ووجدت الخطيئة سوادا في القلب وشينا في الوجه ووهنا في العمل)).
أخرجه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) وقال: ((غريب من حديث الحسن عن أنس ، لم نكتبه إلا من هذا الوجه تفرد به عمرو بن أبي قيس وأبو سفيان اسمه عبد ربه ...)).
وذكره ابن أبي حاتم في ((العلل)) وقال: ((هذا حديث منكر، وأبو سفيان مجهول)) اهـ.
وكل ما سبق يشهد له الحديث المتفق عليه عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((الحلال بين، والحرام بين، وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات: كراع يرعى حول الحمى، يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله في أرضه محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة: إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)).
وكذلك ما جاء عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن:
لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا ...)) الحديث.
أخرجه ابن ماجة في ((السنن)) والحاكم في ((المستدرك)) والبزاز في ((البحر الزخار)) والطبراني في ((الأوسط)) و ((مسند الشاميين)) والبيهقي في ((الشعب)) وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) والداني في ((السنن الواردة في الفتن)) وحسنه الألباني.
ويشهد له أيضا ما جاء عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما ظهر في قوم الربا والزنا، إلا أحلوا بأنفسهم عقاب الله عز وجل)).
أخرجه أحمد في ((المسند)) وأبو يعلى في ((المسند)) ومن طريقه وابن حبان في ((صحيحه)) وحسنه الألباني.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله في ((الداء والدواء)) (ص: 132): ((وللمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة والمضرّة بالقلب والبدن والدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله)) اهـ.
قال العلامة نجم الدين الغزي رحمه الله في ((حسن التنبه لما ورد في التشبه)):
أَطِعِ اللهَ وَإِنْ تَعْصِي فَتُبْ *** إِنَّ بِالتَّوْبَةِ يُمْحَى كُلُّ رَيْن
طاعَةُ اللهِ تُرى فِي عَمَلٍ *** نُورُ قَلْبٍ وَلِوَجْهِ العَبْدِ زَيْنْ
وَمعاصِي اللهِ وَهْنٌ وَسَوا *** دٌ لِقَلْبٍ وَهْيِ فِي الأَوْجُهِ شَيْنْ
هَكَذا نَرْوِيهِ عَنْ خَيْرِ الوَرى *** أَحْمَدَ الْمَبْعُوثِ يَدْعُو الأُمَّتَيْنْ
فَعَلَيْهِ صَلواتٌ دائِماً *** ما اهْتَدى النَّاسُ بِنُورِ الثَّيِّرَيْنْ

وقد سبق أن بينت أن ما جاء مرفوعا ضعف بل منكر.
فالذنوب من أسباب الشقاء ومن الشقاء ضعف البدن ووهن الجسم، وهذا ظلم.
فكل ما سبق ذكره لا يخرج عن الذنوب والمعاصي، وما من ذنب إلا وفيه ظلم.


وكل ما يضر البدن فيه ظلم.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا ضرر ولا ضرار))
ومن هذا الحديث قعد أهل العلم قواعد منها: نفي الضرر، ومنها: الضرر يزال.
قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله في ((التعليقات على الكافي لابن قدامة)): ((فإن تضرر كان حراماً لأن الله تعالى قال: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} وقد استدل عمرو بن العاص رضي الله عنه بهذه الآية على جواز التيمم خوفاً من أذى البرد فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه في سرية فأجنب فتيمم في ليلةٍ باردة فلما رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال (أصليت بأصحابك وأنت جنب) قال يا رسول الله ذكرت قول الله تعالى (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) فتيممت فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه أو أنيابه فأقره على استدلاله مع أنه لن يموت في الغالب من البرد لكن يتضرر به فدل هذا على أن كل ما فيه ضرر على البدن فهو حرام)) اهـ.


هذا والله أعلم، وبالله التوفيق، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كتبه
عزالدين بن سالم بن الصادق أبوزخار
طرابلس الغرب: يوم الأربعاء 28 ذي القعدة سنة 1440 هـ
الموافق لـ: 1 أغسطس سنة 2019 ف