"" بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد ""

فهذه دراسة حديثية فقهية لأثر علي رضي الله عنه " لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع "للعلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله .


917 - " لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع ".
قال الألباني رحمه الله :لا أصل له مرفوعاً.فيما علمت.
إلا قول أبي يوسف في " كتاب الآثار " له رقم (296) : " وزعم أبو حنيفة أنه بلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال.... " فذكره مرفوعا، وهذا وهم، وإليه أشار أبو يوسف بقوله: " وزعم أبو حنيفة " مع أنه إمام، على أنه معضل، وقد أشار إلى ما ذكرنا الحافظ الزيلعي في " نصب الراية " بقوله (2 / 159) : " غريب مرفوعا، وإنما وجدناه موقوفا على علي ". وأوهم الحافظ ابن حجر أنه مرفوع، فقال في " التلخيص " (132) " حديث علي:
لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر، ضعفه أحمد ". وقال النووي في " المجموع " (4 / 48 : " ضعيف جدا ". كذا قالا، ولم يذكرا من خرجه، ولا إسناده لينظر فيه، وما أظنه إلا وهما منهما، ومما يؤيد ذلك أن الإمام أحمد إنما ضعف الموقوف على علي، وأما المرفوع فما ذكره، ولا أعتقد أنه سمع به! .
قال إسحاق بن منصور المروزي في " مسائله عن الإمام أحمد " (ص 219) : " ذكرت له قول علي: " لا جمعة
ولا تشريق إلا في مصر جامع "؟ قال: الأعمش لم يسمعه من سعد ".
قلت: سعد هذا هو ابن عبيدة، وقد أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " (1 / 204 / 1) : " أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي قال: فذكره. ورواه علي بن الجعد الجوهري في " حديثه " (12 / 178 / 1) من طريق أبي جعفر الرازي عن الأعمش به، وأعله أحمد بالانقطاع بين الأعمش وسعد بن عبيدة. قلت: لكن لم يتفرد به الأعمش، بل تابعه طلحة وهو ابن مصرف عند ابن أبي شيبة، وزبيد اليامي عند الطحاوي في " مشكل الآثار " (2 / 54) والبيهقي أيضا في " السنن " (3 / 179) كلاهما عن سعد بن عبيدة به. وسعد بن عبيدة ثقة من رجال الستة، ومثله أبو عبد الرحمن السلمي فالسند صحيح موقوفا، وصححه ابن حزم في " المحلى " (5 / 53) وهو مقتضى كلام أبي جعفر الطحاوي، ولكنه قال: " لم يقله علي رضي الله عنه رأيا، إذ كان مثله لا يقال بالرأي، وإنما قاله بتوقيف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم!

كذا قال، وفيه نظر واضح، فإن القلب يشهد أن ذلك يقال بالرأي والاجتهاد، ولذلك ظلت المسألة من موارد النزاع، وقد صح خلافه عن عمر بن الخطاب أفيقال: إنه توقيف أيضا مع أنه هو الصواب؟! فروى ابن أبي شيبة في باب من كان يرى الجمعة في القرى وغيرها، من طريق أبي رافع عن أبي هريرة أنهم كتبوا إلى عمر يسألونه عن الجمعة، فكتب: " جمعوا حيثما كنتم ".
قلت: وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وأبو رافع هذا اسمه نفيع بن رافع الصائغ المدني، واحتج بهذا الأثر الإمام أحمد على تضعيف أثر علي وزاد: " وأول جمعة جمعت بالمدينة، جمع بهم مصعب بن عمير، فذبح لهم شاة، فكفتهم، وكانوا أربعين، وليس ثم أحكام تجري ". قال إسحاق المروزي: " قلت له: أليس ترى في قرى مرولو
جمعوا؟ قال: نعم ". ثم روى ابن أبي شيبة (1 / 204 / 2) بسند صحيح عن مالك قال: " كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في هذه المياه بين مكة والمدينة يجمعون ". وروى البخاري (2 / 316 بشرح الفتح) وأبو داود (106 وغيرهما عن ابن عباس قال: لجمعة جمعت بـ (جوثاء) ، قرية من قرى البحرين، وفي رواية: قرية من قرى عبد القيس ". وترجم له البخاري وأبو داود بـ " باب الجمعة في القرى ".
قال الحافظ: " ووجه الدلالة منه أن الظاهر أن عبد القيس لم يجمعوا إلا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم لما عرف من عادة الصحابة من عدم الاستبداد بالأمور الشرعية في زمن نزول الوحي، ولأنه لوكان ذلك لا يجوز لنزل فيه القرآن، كما استدل جابر وأبو سعيد على جواز العزل بأنهم فعلوه والقرآن ينزل، فلم ينهو اعنه ".
قلت: وفي هذه الآثار السلفية عن عمر ومالك وأحمد من الاهتمام العظيم اللائق بهذه الشعيرة الإسلامية الخالدة: صلاة الجمعة حيث أمروا بأدائها والمحافظة عليها حتى في القرى وما دونها من أماكن التجمع، وهذا - دون أثر علي - هو الذي يتفق مع عمومات النصوص الشرعية وإطلاقها، وبالغ التحذير من تركها وهي معروفة، وحسبي الآن أن أذكر بآية من القرآن: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) ، وصلاة الظهر بعدها ينافي تمامها: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) .
ولما سافرت في رمضان سنة 1396 إلى بريطانيا سرني جدا أنني رأيت المسلمين في لندن يقيمون صلاة الجمعة والعيد أيضا، وبعضهم يصلون الجمعة في بيوت اشتروها أو استأجروها وجعلوها (مصليات) يصلون فيها الصلوات الخمس والجمعات، فقلت في نفسي: لقد أحسن
هؤلاء بالمحافظة على هذه العبادة العظيمة هنا في بلاد الكفر، ولو تعصبوا لمذهبهم وجلهم من الحنفية - لعطلوها وصلوها ظهرا! فازددت يقينا بأنه لا سبيل إلى نشر الإسلام والمحافظة عليه إلا بالاستسلام لنصوص الكتاب والسنة، واتباع السلف الصالح، المستلزم الخروج عن الجمود المذهبي إلى فسيح دائرة الإسلام، الذي بنصوصه التي لا تبلى يصلح لكل زمان ومكان، وليس بالتعصب المذهبي، والله ولي التوفيق.


الكتاب //سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة
المؤلف// الشيخ المحدث العلامة محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله .