بمناسبة الوباء الذي يمر به العالم، وبمناسبة رابع جمعة تغلق فيها المساجد إليكم هذه المحاولة الشعرية بعنوان:


(إن الهوى فيها)



  • عزَّ الوصالُ، عسى يا رب تُدنيها *

العذر عذرٌ، ولكنَّ الهوى فيها *
نفسي تمورُ هَجير الشوق يلفحها *
قد إُثقلت بركام الهم يُضنيها *
تأتي على العبد آلامٌ يكابدها *
وينْفذُالله ما في اللوح يجلوها *
فكم لطائفه قد أسعدت مهجا *
في لجة الغمِّ كان الحزن يُشقيها *
أرى حنينك هذا اليوم مرتجفا *
مستعبرا هدَّه التبريح تأويها*
وكيف لا يا فؤادي، والهوى لغة *
الوصل أحرفها، يُثري مغانيها *
واليوم ذي أحرفي في البين ساجيةٌ *
تهيمُ حائرةً، غابت معانيها *
رباه، ذي جمعة نادى مؤذنها *
صلوا ببيت لكم، فارتعتُ مشدوها *
وقلت: {فاسعوا}، فما بال الخطى وجمت *
عن الجواب؟ أليس الشوق يحدوها؟! *
اليوم لا جمعة للنفس تؤنسها *
اليوم لا خطبة للخير تهديها *
كانت تجلِّلُ ذرات الهواء هدى *
حروفها راحة للروح تُهديها *
والخمس يا رب كم كانت تجمِّعنا *
كانت نفائس عقد في تواليها *
كانت تلملم في جمع لنا شَعَثاً *
واليوم صارت سهام السهوِ ترميها *
أمست بيوتك يا منان خاويةً *
قد غاب عنها على عذرٍ محِبُّوها *
الدور من حولها بالأهل عامرةٌ *
وذي المساجدُ دَوحٌ، أين أهلوها؟! *
كم كان فيها سرور الروح، كم سكنت *
فيها مواجعنا، إن الهوى فيها *
هذي بيوتك يا رحمن موصدة *
خوفَ الوباء نأى عنها مصلوها *
مهجورة في بقاع الأرض، واكَبِدي!*
كم أغبط الطير تشدو في نواحيها *
تسبح الله، لا عدوى تُؤرِّقها *
تبيت آمنةً، والله يحميها *
والعبد ثاوٍ بعقر الدار منكسرٌ *
مناه ثكلى، جناح الذل يطويها *
هذي محاريبها لا إلْفَ يؤنسها*
سوى الهواء، فهل تالٍ يواسيها *
صمت مريرٌ رهيبٌ بات يعمرها *
هذي الصفوف سلوها، إين محيوها؟!*
لا سبحةٌ لا فروضٌ، لو ترى عجبا *
مرارةٌ مهج العمار تشكوها *
أين الوجوه التي تنساب نيرةً *
بالِبشر مقبلة كيما أُحييها *
في ظلمة الليل تأتي وهي راجيةٌ *
ذا وعده، بتمام النور يحبوها *
أين الجباه التي خرت منعمةً *
بالذُّلِّ، تسجد للرحمن تأليها؟ *
أين الجنوب التي جافت مضاجعها *
في البرد والحر؟ لا التسويف يُلهيها *
أين القلوب التي ذاقت مُرابِطةً *
حلاوة الأُنس، حب الله حادِيها *
يا ستةً في حديث الظل قد وُعِدوا *
نفوسُ سابعكم حُمَّت فعودوها *
يا ستةً في حديث الظل قد وُعِدوا *
أرواح سابعكم ثكلى فواسوها *
قالوا: الوباء، فكن بالعذر معترفا *
سينجلي، وبإذن الله آتوها *
قلت: الوباء, وباء الروح يخنقها *
جلَّالمصاب، عسى ربي يداويها *
أما أنا، فحنيني ليس يعذرني *
العذر عذرٌ، ولكن الهوى فيها *
أما أنا، فسكوني لا يطاوعني *
كانت حياتي حياةً حين آتيها *
صرت الغريبَ بأرضٍ جِدُّ أعرفها *
وغربة الروح تُعيي من يداريها *
في كل يوم لها ذكرى تعاودني *
يا لهف نفسي إذا نادى مناديها! *
قد أوصدت في ربوع الأرض أكثرها *
يا ليتني كنت نِسياً حين قالوها *
فكيف كانت حياة الغُفلِ يهجرها *
والقلب منه سليمٌ؟، كيف يسلوها؟! *
قالوا: جزِعْت، أما تكفيك حكمته؟! *
حل القضاء، كفى زورا وتمويها *
فأين منك الرضى، غالَيْتَ في شططٍ
حظوظ نفسك دعنا من تجنِّيها *
فاسمع أيا لائمي مني المقال وخذ *
إجابتي، وتفكر في معانيها *
بين الفُضَيْلِ وبين المصطفى عِبَرٌ *
إذا تأملت يجلو عنك خافيها *
لفقد سِبْطٍ مآقي المصطفى دمعت *
مستسلما لقضاء الله يُبديها *
وما بكاه على سبط له جَزَعاً *
لكنها رحمة في القلب داعيها *
أما الفُضَيْلُ فأبدى للردى فرحا *
كأن عين الرضى لا حزن يعروها *
وهكذا قصة الزهراء حين بكت *
على النبِيِّ الأب الحاني مآقيها *
إذ عاتبت أنسا، فاسمع مقالته *
"أنكرت قلبي"، فهل غاب الرضى فيها *
لا ينقضُ الحزن عذرا أو يبدده *
وليس تمحو رضى نفس مآسيها *
إن يُبْتَلَ العبد في أشياء يكرهها *
تَرَ الرضى منه سهلا وهو يسلوها *
وفي البلاء بمحبوب ترى جزعا *
إذ ينجلي من حظوظ النفس خافيها *
وليس ينجو سليما من تسخطه *
إلا الذي زاده التوحيد تأليها *
تسمو الحظوظ, حظوظ النفس تابعة *
في الشرع تربتها، بالخير يسقيها *
يا عاذلي كُفَّ، إن الله أرأف بي *
يا ربُّ طال النوى، إن الهوى فيها *
يا عاذلي لا تلمني، إنني شَرِقٌ *
العذر عذرٌ، ولكن الهوى فيها *
ما بي غلوٌّ، ولا التهييج من نَهَجي *
البَيْنُ مرٌّ، وما خالفت توجيها *
وليس كل هوىً في النفس مشتملا *
على الهوان، ألا إن الهوى فيها *
يا نعمة فُقِدَتْ في القلب موطنها *
الروح ترجو، عسى يا رب تُدْنيها *
وليس يعدلها أهل ولا ولد *
هُمٌ الأحبة، لكن الهوى فيها *
إن لم تجدني بها يا من ستسمعني *
قل ناصحٌ ضَلَّ، واعكف في نواحيها *
وإِنْ بدا العذر لي فاسبق بلا كسلٍ *
فليس شيءٌ من الدنيا يدانيها *
خير البقاع بيوت الله، آيتها *
في سورة النور، خير الناس يتلوها *
يا راحة فقدت، حادي الرجا عَجِلٌ *
يا رب فيك الرجا، إن الهوى فيها *
كم كان فيها سكون النفس، كم جمعت *
من إخوة، لرضى الرحمن جاءوها *
يبكي المصلى بها من كان يعمره *
وهو الجماد، فما لي لست أبكيها *
كم كان فيها ضياء القلب، كم ذهبت *
عنا الهموم، ألا إن الهوى فيها *
العبد ضيف على مولاه يكرمه *
في بيته بعطايا لست أحصيها *
ما قيمة العمْر، ما الدنيا وزهرتها *
من دونها، فمتى يا رب نأتيها؟ *
يا رب جَلِّ الوبا عنا، فقد سقمت *
أرواحنا، من فراق بات يكويها *