ابحث في شبكة الإمام الآجري ابحث في المواقع السلفية

شكر شكر:  0
النتائج 1 إلى 3 من 3
  1. #1

    افتراضي شبهة كفر الحكام لأنهم لا يحكمون بما أنزل الله

    النشرة الأولى :
    الجواب على هذه الشبهة بجوابين مجمل ومفصل.
    أما الجواب المجمل : أن التكفير بمسألة الحكم بغير ما أنزل الله من المسائل المختلف فيها ، فقد ذهب الإمامان ابن باز والألباني – رحمهما الله- إلى أنه كفر أصغر لا أكبر.
    فنشرت جريدة الشرق الأوسط في عددها (6156 ) بتاريخ (12/5/1416هـ ) لسماحة المفتي عبد العزيز بن باز مقالاً قال فيه :" اطلعت على الجواب المفيد القيم الذي تفضل به صاحب الفضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني –وفقه الله- المنشور في جريدة الشرق الأوسط وصحيفة المسلمون الذي أجاب به فضيلته من سأله عن تكفير من حكم بغير ما أنزل الله من غير تفصيل، فألفيتها كلمة قيمة قد أصاب فيها الحق،وسلك فيها سبيل المؤمنين، وأوضح – وفقه الله- أنه لا يجوز لأحد من الناس أن يكفر من حكم بغير ما أنزل الله بمجرد الفعل من دون أن يعلم أنه استحل ذلك بقلبه، واحتج بما جاء في ذلك عن ابن عباس –رضي الله عنهما – وغيره من سلف الأمة. ولا شك أن ما ذكره في جوابه في تفسير قوله تعالى )وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ(، )وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ(، )وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(هو الصواب، وقد أوضح –وفقه الله – أن الكفر كفران أكبر وأصغر،كما أن الظلم ظلمان، وهكذا الفسق فسقان أكبر وأصغر، فمن استحل الحكم بغير ما أنزل الله أو الزنا أو الربا أو غيرهما من المحرمات المجمع على تحريمها فقد كفر كفراً أكبر، ومن فعلها بدون استحلال كان كفره كفراً أصغر وظلمه ظلماً أصغر، وهكذا فسقه ا.هـ

    وهذا ما عليه اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة الشيخ ابن باز ، فقد أجابت في فتوى رقم (5741) على سؤال،أورد إليك نصه وجوابه :
    س: من لم يحكم بما أنزل الله هل هو مسلم أم كافر كفراً أكبر وتقبل منه أعماله ؟

    ج: قال تعالى )وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ(وقال تعالى)وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (وقال تعالى )وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (لكن إن استحل ذلك واعتقده جائزاً فهو كفر أكبر، وظلم أكبر، وفسق أكبر يخرج من الملة، أما إن فعل ذلك من أجل الرشوة أو مقصد آخر وهو يعتقد تحريم ذلك ؛ فإنه آثم يعتبر كافراً كفراً أصغر، وفاسقاً فسقاً أصغر لا يخرجه من الملّة ؛كما أوضح ذلك أهل العلم في تفسير الآيات المذكورة.[1]

    وقال سماحة شيخنا عبدالعزيز بن باز – رحمه الله -: من حكم بغير ما أنزل الله فلا يخرج عن أربعة أمور:
    1- من قال: أنا أحكم بهذا – يعني القانون الوضعي – لأنه أفضل من الشريعة الإسلامية فهو كافر كفراً أكبر.
    2- ومن قال: أنا أحكم بهذا؛ لأنه مثل الشريعة الإسلامية، فالحكم بهذا جائز وبالشريعة جائز، فهو كافر كفراً أكبر.
    3- ومن قال: أنا أحكم بهذا، والحكم بالشريعة الإسلامية أفضل، لكن الحكم بغير ما أنزل الله جائز، فهو كافر كفراً أكبر .
    4- ومن قال: أنا أحكم بهذا، وهو يعتقد أن الحكم بغير ما أنزل الله لا يجوز، ويقول: الحكم بالشريعة أفضل، ولا يجوز الحكم بغيرها، ولكنه متساهل، أو يفعل هذا لأمر صادر من حكامه فهو كافر كفراً أصغر لا يخرج من الملة، ويعتبر من أكبر الكبائر. ا.هـ[2]
    فإذا تقرر أنها مسألة اجتهادية فإن التكفير للأعيان لا يكون في المسائل المتنازع فيها بين أهل السنة أنفسهم ، وإن الخلاف مانع من تكفير المعينين.
    قال الإمام محمد بن عبدالوهاب: أركان الإسلام خمسة، أولها الشهادتان، ثم الأركان الأربعة، فالأربعة إذا أقر بها وتركها تهاوناً، فنحن وإن قاتلناه على فعلها، فلا نكفره بتركها، والعلماء: اختلفوا في كفر التارك لها كسلاً من غير جحود، ولا نكفر إلا ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو الشهادتان ا.هـ [3]
    وقال النووي في كتابه " رياض الصالحين "في تفسير ( بواحاً ) أي ظاهراً لا يحتمل تأويلاً.
    وتنازعُ أهل العلم تأويلٌ يمنع التكفير ؛ لأن للمكفر أن يأخذ قول العلماء الآخرين بما أن الخلاف سائغ بين أهل السنة وهم من أهل السنة.
    وقد نص –أيضاً- على أن التكفير لا يكون في المتنازع فيه الشيخ محمد بن صالح العثيمين في مواضع من اللقاء المفتوح. بل و قال - رحمه الله- في " شرح القواعد المثلى": وكثير من الناس- اليوم- ممن ينتسبون إلى الدين وإلى الغيرة في دين الله- عز وجل- تجدهم يكفّرون من لم يكفّره الله- عز وجل- ورسوله ، بل- مع الأسف - إن بعض الناس صاروا يناقشون في ولاة أمورهم، ويحاولون أن يطلقوا عليهم الكفر، لمجرد أنهم فعلوا شيئا يعتقد هؤلاء أنه حرام، وقد يكون من المسائل الخلافية، وقد يكون هذا الحاكم معذوراً بجهله، لأن الحاكم يجالسه صاحب الخير وصاحب الشر، ولكل حاكم بطانتان، إما بطانة خير، وإما بطانة شر، فبعض الحكام- مثلا- يأتيه بعض أهل الخير ويقولون: هذا حرام، ولا يجوز أن تفعله، ويأتيه آخرون، ويقولون: هذا حلال ولك أن تفعله! ولنضرب مثلا في البنوك، الآن نحن لا نشك بأن البنوك واقعة في الربا الذي لعن النبي- صلى الله عليه وسلم- آكله، وموكله، وشاهديه، وكاتبه، وأنه يجب إغلاقها واستبدال هذه المعاملات بالمعاملات الحلال، حتى يقوم- أولاً- ديننا ثم اقتصادنا- ثانياً-... فالتعجيل في تكفير الحكام المسلمين في مثل هذه الأمور خطأ عظيم، ولا بد أن نصبر فقد يمكن أن يكون الحاكم معذورا!
    فإذا قامت عليه الحجة وقال: نعم هذا هو الشرع، وأن هذا الربا حرام، لكن أرى أنه لا يصلح هذه الأمة في الوقت الحاضر إلا هذا الربا ! حينئذ يكون كافراً لأنه اعتقد أن دين الله في هذا الوقت غير صالح للعصر، أما أن يشبّه عليه ويقال:- هذا حلال - يعنى: الفقهاء قالوا كذا! ولأن الله قال- كذا-!! فهذا قد
    يكون معذوراً، لأن كثيراً من الحكام المسلمين الآن يجهلون الأحكام الشرعية- أو كثيراً من الأحكام الشرعية - فأنا ضربت هذا المثل حتى يتبين أن الأمر خطير،وأن التكفير يجب أن يعرف الإنسان شروطه قبل كل شيء ا.هـ
    ومثله التفسيق لا يكون فيما تنازع فيه علماء السنة، فمن رأى أن علة جريان الربا في الأصناف الأربعة هي الطعم مع الكيل أو الوزن، فليس له أن يفسق العامي المقلد لعالم معتبر يرى أن علة الربا في الأصناف الأربعة هي الادخار زيادة على الطعم مع الكيل أو الوزن إذا تبادل على وجه الزيادة فيما ليس مما يدخر .
    ومما يؤكد هذا أن الحدود تدرأ بالشبهات، فالتكفير من باب أولى يدرأ عن المعين بشبهة الخلاف، والله أعلم.

    أما الجواب المفصل:
    إن ترك الحكم بما أنزل الله على شناعته وسوئه ليس كفراً أكبر، وإنما هو أصغر كما صرح بذلك سادات الأمة من علماء السنة – كما سيأتي -، وكونه أصغر لا أكبر ليس معناه التساهل به؛ لأنه لو لم يكن من قبحه إلا وصف الشريعة له بأنه كفر لكفى، فإليك الأدلة وأقوال علماء الأمة ومنهم الإمامان عبدالعزيز ابن باز ومحمد ناصر الدين الألباني – رحمهما الله - في تقرير كونه كفراً أصغر لا أكبر.
    اتفق العلماء على أن مِنْ الحكم بغير ما أنزل الله كفراً مخرجاً من الملة كأن يكون جحوداً أو استحلالاً - على ما سيأتي تفصيله – ومنه ما ليس كفراً كأن يظلم الأبُ أحدَ ابنيه ولا يعدل بينهما فإنه بهذا يكون قد حكم بينهما بغير ما أنزل الله إذ الحكم بين الأبناء من جملة الحكم فإن كان عدلاً فهو بما أنزل الله وإن كان ظلماً فهو بغير ما أنزل الله.
    قال ابن تيمية :"وكل من حكم بين اثنين فهو قاضٍ سواءً كان صاحب حربٍ أو متولي ديوان أو منتصباً للاحتساب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى الذي يحكم بين الصبيان في الخطوط فإن الصحابة كانوا يعدُّونه من الحكام … ا. هـ[4]
    والحكم بغير ما أنزل الله حالاتٌ، لكن هناك حالةٌ كثُر الكلام فيها وهي إذا حكم الحاكم بغير ما أنزل الله هوىً وشهوةً بأن يضع قوانين من نفسه أو يتبنى قوانين وُضعت قَبله وهو مع هذه الحالة معترفٌ بالعصيان والخطيئة فهل مثلُ هذا يُعد كفراً مخرجاً من الملَّة أم لا ؟
    وقبل ذكر أدلة كل طائفة أحرِّر محل النزاع وهو يتلخص فيما يلي:
    1-أن يجحد الحاكمُ حكمَ الله سبحانه وتعالى ومعنى الجحود أنه يكذِّب وينكر أن هذا حكم الله عز وجل وهذا كفرٌ بالاتفاق قال تعالى )وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً( وقال سبحانه )فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ( وكفرُ الجحود نوعان : كفرٌ مطلقٌ عامٌّ وكفرٌ مقيَّدٌ خاص. والخاص المقيَّد :أن يجحد فرضاً من فروض الإسلام أو تحريم محرم من محرماته … ا. هـ [5]

    والفرق بين التكذيب والجحود من وجهين :
    أ/ أن كفر الجحود تكذيب اللسان مع علم القلب.
    ب / أن كفر الجحود مصحوب بالعناد.[6]

    2- أن يجوِّز الحاكم الحكم بغير ما أنزل الله سبحانه وتعالى :- وهذا هو الاستحلال وهو كفرٌ بالاتفاق، قال ابن تيمية : والإنسان متى حلَّل الحرام - المجمع عليه أو حرَّم الحلال المجمع عليه أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء وفي مثل هذا نزل قوله تعالى على أحد القولين )وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ(أي هو المستحلُّ للحكم بغير ما أنزل الله. ا.هـ [7]
    وقال: وبيان هذا أن من فعل المحارم مستحلاً لها فهو كافرٌ بالاتفاق فإنه ما آمن بالقرآن مَنْ استحلَّ محارمه ـ ا.هـ[8].
    وقال : ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافرٌ فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه عدلاً من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافرٌ … ا. هـ[9]
    ومما يدل على أن الاستحلال كفرٌ أيضاً ما يلي:
    أ- قوله تعالى )إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ( قال ابن حزم : وبحكم اللغة التي نزل بها القرآن أن الزيادة في الشيء لا تكون البتة إلا منه لا من غيره فصحَّ أن النسيء كفرٌ وهو عمل من الأعمال وهو تحليل ما حرم الله تعالى فمن أحلّ ما حرم الله تعالى وهو عالمٌ بأن الله تعالى حرمه فهو كافرٌ بذلك الفعل نفسِهِ … ا. هـ[10].
    ب- قوله تعالى )وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ(قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن : كيف حكم على أن من أطاع أولياء الشيطان في تحليل ما حرم الله أنه مشرك وأكـد ذلك بإنّ المؤكدة … ا.هـ[11].
    ج- قوله تعالى )أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ(قال ابن كثير : إنهم لا يتبعون ما شرع الله لك من الدين القويم، بل يتبعون ما شرع لهم شياطينهم من الجن والإنس من تحريم ما حرموا عليهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وتحليل الميتة والدم والقمار…إلى قوله: من التحليل والتحريم والعبادات الباطلة والأقوال الفاسدة ا. هـ[12]
    وقال ابن جرير: يقول تعالى ذكره أم لهؤلاء المشركين بالله شركاء في شركهم وضلالتهم شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله يقول ابتدعوا لهم من الدين ما لم يُبحِ الله لهم ابتداعه. ا. هـ[13] لذا درج جماعةٌ من العلماء [14]على ذكر الآية من الأدلة على تحريم البدع – التي هي تشريع أمور جديدة يزعم صاحبها أنها من الدين ليُتعبد الله بها - ومن هذا يتبين خطأ المستدلين بالآية على تكفير من شرع أحكاماً غير حكم الله ووجه خطأ استدلالهم أن الآية كفرت من جمع بين وصف التشريع والزعم أنه من الدين وهذا هو المسمى بالتبديل - كما سيأتي- أما التشريع وحده دون زعم أنه من الدين فلم تحكِ الآية كفره فتنبه.
    3-أن يسوِّي الحاكم حكم غير الله بحكم الله جل جلاله : وهذا كفرٌ مخرجٌ من الملّة كما قال تعالى )فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ(وقال )لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء ٌ(وقال )هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً (وقال )فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً(.
    4-أن يفضِّل حكم غير الله على حكم الله سبحانه وتعالى : وهذا كفرٌ مخرجٌ من الملَّة إذ هو أولى من الذي قبله فهو تكذيبٌ لكتاب الله سبحانه وتعالى قال الله تعالى )وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (.
    5- أن يحكم بغير ما أنزل الله على أنه حكم لله، وهذا كفر أكبر بالإجماع قال تعالى )أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ( فجمعوا بين التشريع وزعمه من الدين فهذا يسمى تبديلاً.
    وبعد تحرير ما أظنُّه مورد النـزاع انتقل إلى ما كثُر فيه الخلاف وهو إذا حكم الحاكم بغير ما أنزل الله هوىً وشهوةً بأن يضع قوانين من نفسه أو يتبنَّى قوانين وضعت قبله مع اعترافه بالعصيان ومخالفة أمر الرحمن سبحانه فهل مثل هذا الحاكم يصير كافراً مرتداً عن الدين ؟ سأورد المسألة على وجه المناظرة ليسهل تصورها من حيث الدليل ومن لا يكفر في هذه المسألة أصفه ( بالمفسِّق ) ومن يكفِّر أصفه ( بالمكفِّر ).

    قال المفسِّق : إن الأصل في المعاصي والذنوب عدم الكفر إلا بدليل شرعي خاص، فإن ذكرت دليلاً يدل على التكفير ولم أستطع الإجابة عليه، فليس لي إلا المصير إلى قولك ويكفيك في إثبات الكفر دليلٌ واحدٌ صحيحٌ من جهة الثبوت والدلالة ، وإن لم تصح أدلتك إما من جهة الثبوت أو من جهة الدلالة ، فإنه يلزمك الرجوع إلى الأصل وهو عدم التكفير مع اتفاقنا أنه واقعٌ في ذنبٍ خطير؛ حسب هذا الذنب خطورة تسمية الشريعة صاحبه كافراً تنازع الناس في إخراجه من الملة .
    قال المكفِّر : عندي أدلةٌ كثيرة متنوعةٌ من الكتاب والسنة والإجماع والعقل دالةٌ على أن الكفر أكبر ولكن لتكن طريقتنا في المباحثة دراسة كلِّ دليلٍ وحده ، فإن سلَّمتَ بصحة دلالة دليلٍ واحدٍ من حيث الثبوت والدلالة فليتوقف البحث لأن المقصود قد حصل . وقد ذكرتَ أن دليلاً واحداً يكفي لإثبات ما أريد .
    قال المفسِّق : هات الأدلة مستعيناً بالله .
    قال المكفِّر:الدليل الأول قوله تعالى )وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (
    وجه الدلالة: أن الله حكم على الذي لم يحكم بما أنزل الله بأنه الكافر فرتَّب وصفه بالكافر على مجرد الحكم بغير ما أنزل الله دون نظرٍ لاعتقاد فدلَّ على أن علَّة هذا الحكم كونه لم يحكم بما أنزل فحسب ولا يصحُّ لك أن تحمل وصف الكافر هنا على الكفر الأصغر لأن الحافظ الإمام ابن تيمية حكى بعد الاستقراء لنصوص الشريعة أن الكفر المعرَّف لا ينصرف إلا إلى الأكبر[15]، ثم ذكر هو وغيره أن الأصل في الكفر إذا أطلق انصرف إلى الأكبر إلا بدليل إذ الأصل في اللفظ إذا أُطلق في الكتاب والسنة انصرف إلى مسماه المطلق وحقيقته المطلقة وكماله [16].
    قال المفسِّق : لقد ذكرت في ثنايا كلامك حججاً ثلاثاً :
    1- أن الشارع علَّق الحكم بمجرد التحكيم دون النظر للاعتقاد .
    2- أن اللفظ إذا أُطلق في الشريعة انصرف إلى كماله إلا بدليل .
    3- أن ابن تيمية استقرأ لفظ الكفر في الشريعة وتبين له أنها لا تنصرف إلا إلى الأكبر دون الأصغر .
    والجواب على الحجة الأولى يكون بما يلي :
    أ‌- لا أخالفك أن الشارع علّق الحكم بوصف( الكافر ) على مجرد التحكيم بغير ما أنزل الله لكنني أقول بأن الكفر هنا أصغر لا أكبر للأدلة التالية:
    1- أن الأخذ بعموم الآية يلزم منه تكفير المسلمين في أي حادثةٍ لم يعدلوا فيها بين اثنين حتى الأب مع أبنائه بل والرجل في نفسه إذا عصى ربه ؛ لأن واقعه أنه لما عصى ربه لم يحكم بما أنزل الله في نفسه[17] ووجه هذا اللازم أن لفظة ( مَنْ ) عامةٌ تشمل كل عالم[18] ( وما ) عامة تشمل كل ما ليس بعالم ومن لم يعدل بين بنيه داخلٌ في عموم (من) ومسألته التي لم يعدل فيها داخلةٌ في عموم ( ما) .
    فالنصوص الدالة على عدم كفر مثل هذا وكل عاصٍ تكون صارفةً للآية من الأكبر إلى الأصغر لأجل هذا أجمع العلماء على عدم الأخذ بعموم هذه الآية، إذ الخوارج هم المتمسكون بعمومها في تكفير أهل المعاصي والذنوب ولم يلتفتوا إلى الصوارف من الأدلة الأخرى .
    قال ابن عبد البر : وقد ضلَّت جماعة من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة في هذا الباب فاحتجوا بآيات من كتاب الله ليست على ظاهرها مثل قوله تعالى )وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (. ا . هـ [19].
    وقال: أجمع العلماء على أن الجور في الحكم من الكبائر لمن تعمَّد ذلك عالماً به…ا.هـ[20]
    وقال محمد رشيد رضا :" أما ظاهر الآية لم يقل به أحدٌ من أئمة الفقه المشهورين . بل لم يقل به أحدٌ قط " ا . هـ[21] فلعلَّه لا يرى الخوارج أيضاً متمسكين بظاهر الآية لكونهم لا يكفِّرون بالصغائر وظاهر الآية تشمل حتى الصغائر .
    وقال الآجري: ومما يتبع الحرورية من المتشابه قول الله عز وجل )وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ( ويقرءون معها )ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ( فإذا رأوا الإمام الحاكم يحكم بغير الحق قالوا: قد كفر ، ومن كفر عدل بربه فقد أشرك، فهؤلاء الأئمة مشركون ، فيخرجون فيفعلون ما رأيت ؛ لأنهم يتأولون هذه الآية ا.هـ[22] .
    وقال الجصاص :" وقد تأولت الخوارج هذه الآية على تكفير من ترك الحكم بما أنزل الله من غير جحود . ا هـ[23]
    وقال أبو حيان :" واحتجت الخوارج بهذه الآية على أن كل من عصى الله تعالى فهو كافرٌ وقالوا هي نص في كل من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر ا.هـ[24]
    انظر – يا رعاك الله – توارد كلمات علماء الأمة في ذم الأخذ بعموم الآية وأنه مذهب الخوارج ، فكن حذراً.
    2- أنه ثبت عن ترجمان القرآن تفسير الآية بالكفر الأصغر دون الأكبر وليس لنا أن نخالفه
    قال المكفِّر : لا أسلِّم لك صحة الاستدلال بأثر ابن عباس لا من حيث السند ولا المتن .
    أما من حيث السَّند فإن ما جاء عن ابن عباس صريحاً في إرادة الكفر الأصغر لا يثبت كقوله " كفرٌ لا ينقل عن الملة " فإن هذا الأثر رواه ابن نصر[25] من طريق عبد الرزاق عن سفيان عن رجلٍ عن طاووس عن ابن عباس به ، وفي إسناده رجل مُبهمٌ فهو من أنواع المجهول ورواية المجهول ضعيفةٌ لا يُحتجُ بها وكقوله – رضي الله عنهما –" ليس بالكفر الذي تذهبون إليه " فقد رواه ابن نصر[26] من طريق ابن عيينة عن هشام بن حجير عن طاووس عن ابن عباسٍ به وهشام بن حجير قد ضعفه يحيى القطان وابن معين وغيرهما . فعلى هذا يكون الأثر ضعيفاً وكقوله – رضي الله عنهما – " كفرٌ دون كفرٍ " فقد أخرجه الحاكم من طريق ابن عيينة عن هشام بن حجير عن طاووس عن ابن عباس به وهذا الأثر ضعيفٌ لضعف هشام بن حجير .
    يتبع...



    [1]اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو : عبد الله بن غديان نائب رئيس اللجنة :عبد الرزاق عفيفي الرئيس : عبد العزيز بن عبد الله بن باز وانظر للاستزادة مجموع فتاوى ومقالات ابن باز(3/990-992 ) وما نقلته مجلة الفرقان عن الشيخ ابن باز العدد (82، 94).


    [2]قضية التكفير بين أهل السنة وفرق الضلال ص72 – 73

    [3] الدرر السنية (1/102).

    [4]مجموع الفتاوى ( 18/170 ).

    [5]أفاده ابن القيم في المدارج (1/367 ).

    [6]راجع المدارج ( 1/366 ) ونوا قض الإيمان الإعتقادية (2/60 ).

    [7]مجموع الفتاوى (3/267).

    [8]الصارم المسلول (2/971 ).

    [9]منهاج السنة ( 5/130 ).

    [10]الفِصَل (3/204 ).

    [11]الرسائل والمسائل النجدية (3/46 ). وبنحو هذا فسَّره ابن كثير في تفسيره ( 3/329 ).

    [12] التفسير ( 7/198 ).

    [13] التفسير ( 25/14 ).

    [14]كما فعله ابن تيمية في مواضع منها في أوائل كتاب الاستقامة (1/5) والاقتضاء (2/582).

    [15]انظر الاقتضاء ( 1/211 ) وشرح العمدة قسم الصلاة (82) .

    [16]انظر مجموع الفتاوى (7/668 ) والرسائل والمسائل النجدية ( 3/7) وشرح العمدة قسم الصلاة لابن تيمية ص 82 .

    [17] قال ابن حزم في الفصل ( 3/ 234): فإن الله عز وجل قال : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ، ومن لم يحكم بما أنز الله فأولئك هم الفاسقون ، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون . فليلزم المعتزلة أن يصرحوا بكفر كل عاص وظالم وفاسق لأن كل عامل بالمعصية فلم يحكم بما أنزل الله ا.هـ

    [18]درج كثير من العلماء أن يعبر بكلمة (عاقل ) بدل (عالم) لكن عالم أدق لأن (مَنْ ) أطلقت على الله ، فالله يوصف بالعلم ولا يوصف بالعقل .قال الخطابي في كتاب شأن الدعاء ص113 :وفي أسمائه العليم ومن صفته العلم ، فلا يجوز قياساً عليه أن يسمى عارفاً لما تقتضيه المعرفة من تقديم الأسباب التي بها يتوصل إلى علم الشيء وكذلك لا يوصف بالعاقل ..ا.هـ .

    [19]التمهيد (17/16) .

    [20]التمهيد (5/74-75 ) .

    [21]تفسير المنار (6/406) .

    [22] الشريعة ص27.

    [23]أحكام القرآن ( 2/534 ) .

    [24]البحر المحيط ( 3/493 ) .

    [25]تعظيم قدر الصلاة رقم ( 573 ) .

    [26]رقم ( 569 ) .

  2. #2

    افتراضي

    جزاك الله خير

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    الدولة
    العراق
    المشاركات
    388

    افتراضي

    بورك فيك يا محب

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •