خطبة عن استقبال شهر رمضان المبارك: الشيخ عبد الرزاق البدر وفقه الله:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد أيها المؤمنون: اتقوا الله تعالى وراقبوه سبحانه في السر والعلانية والغيب والشهادة مراقبة من يعلم أن ربه يسمعه ويراه: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما ﴾: أيها المؤمنون عباد الله: هنيئا لأمة الإسلام أمة محمد عليه الصلاة والسلام بمقدم شهر الخيرات والبركات وتنوع العطايا والهبات شهر رمضان المبارك شهر الله جل وعلا الذي أنزل الله فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان نعم أيها المؤمنون هنيئا لنا ثم هنيئا بمقدم هذا الشهر العظيم المبارك روى الإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( هذا رمضان قد جاء تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب النار وتسلسل فيه الشياطين ): فجمع عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث المبارك بين البشارة والتهنئة والترغيب والترهيب تهيئة لنفوس أهل الإيمان أهل الطاعة والعبادة والإحسان بحسن استقبال هذا الشهر والعمل على مجاهدة النفس فيه على المسابقة في الخيرات والتنافس في الطاعات والإقبال على رب الأرض والسماوات رجاء رحمته وخوف عذابه وطلبا لعظيم نواله جل في علاه أيها المؤمنون: ولقد تعددت ميزات هذا الشهر وخصائصه العظيمة وتنوعت وجاء بذلك أحاديث كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن جماع ما ورد في الأحاديث من ذلك في ذكر خصائص هذا الشهر العظيمة ومناقبه الجليلة الجسيمة ما رواه الترمذي في سننه وغيره من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة ): أيها المؤمنون: تأملوا في هذه الخصائص ما أعظمها وتأملوا في هذه المناقب ما أجلها التي ترشدنا وتهدينا إلى مكانة هذا الشهر العظيمة ومنزلته العلية الرفيعة أيها المؤمنون: ولقد جمع في هذا الحديث خمس خصائص عظيمة لهذا الشهر المبارك:
§ الأولى عباد الله: أن الشياطين تصفد في هذا الشهر ومعنى ذلك أنها تسلل وتقيد فلا تستطيع الخلوص إلى ما كانت تخلص إليه في غير رمضان وذلك لما فيها من سلاسل وقيود ولم يقل عليه الصلاة والسلام إن الشياطين تقتل أو تموت في رمضان وإنما أخبر أنها تصفد ومن المعلوم أن المصفد قد يكون منه شيء من الأذى ولهذا ذكر العلماء أن حظ العبد في رمضان في سلامته ووقايته من كيد الشيطان بحسب حظه من الصيام فكلما كان الصيام أكمل وأتم كان ذلك أعظم وقاية له من الشيطان:
§ أيها المؤمنون عباد الله: والفضيلة الثانية والثالثة مما ورد في هذا الحديث أن أبواب الجنة تفتح فلا يغلق منها باب وأن أبواب النار تغلق فلا يفتح منها باب وهذا - عباد الله - لما يكون في هذا الشهر العظيم من إقبال من أهل الإسلام وأمة الإيمان على طاعة الله تبارك وتعالى وفعل مراضيه وهذه الطاعات وجودها وكثرتها وتعددها وتنوعها من موجبات وأسباب غلق أبواب النيران وتفتيح أبواب الجنان:
§ أيها المؤمنون: والفضيلة الرابعة أن مناديا وهو ملك من ملائكة الله يكل الله جل وعلا إليه هذه المهمة ينادي كل ليلة من ليالي رمضان: ( يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر ): ولئن كان أهل الإيمان لا يسمعون في أي من ليالي رمضان صوت هذا الملك المنادي إلا أنهم من ندائه على يقين لأن الذي أخبرنا بذلك هو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ولهذا عباد الله يتأكد في حق كل مسلم أن يستحضر كل ليلة من ليالي رمضان هذا النداء الشريف المبارك الذي فيه حث لمن أقبلت نفوسهم على الخيرات أن يغتنموا موسم الخيرات بالإقبال على العبادات والتنافس في الطاعات وإذا كان العبد نفسه منصرفة عن الخير مقبلة على الشر فليتنبه وليقصر وليحذر وليكثر من لوم نفسه وعتابها وليقل لها: يا نفس إن لم تكفي عن العصيان في هذا الموسم العظيم فمتى عساك أن تكفي !!؟:
عباد الله: ويفيد هذا الحديث أن الناس على قسمين: قسم نفوسهم تريد الخير وتتحراه وتطلبه وتبحث عنه وقسم آخر نفوسهم والعياذ بالله تريد الشر وتتحراه وتبحث عنه وتطلبه وللقسم الأول يأتي النداء: ( يا باغي الخير أقبل ): وللقسم الثاني يأتي النداء الآخر: ( يا باغي الشر أقصر ): وكل إنسان يفتش عن نفسه في رغباتها وميولاتها فإن كانت راغبة في الخير مقبلة عليه حريصة على فعله فليحمد ربه على منه وتوفيقه وليجاهد نفسه في شهر الخيرات والبركات على فعل الطاعات والإقبال عليها وإذا كانت نفسه من القسم الآخر نفسا رديئة فعليه أن يلومها وأن يعاتبها وأن يحرص على زمها بزمام الخير وأن يأطرها على الحق أطرا وأن يجاهد نفسه في هذا الموسم المبارك لأن يقصر عن الشرور ويكف نفسه عن الآثام ويجاهدها على طاعة الملك العلام:
§ أما الفضيلة الخامسة أيها المؤمنون: فإن لله تبارك وتعالى عتقاء من النار وذلك في كل ليلة من ليالي رمضان ألا ما أعظمها والله من مكرمة ! وما أجلها من هبة وعطية تتوق لها نفوس المؤمنين الصادقة وتتحراها وتتشوف إليها قلوبهم التقية نعم عباد الله إن لله جل وعلا عتقاء من النار وذلك في كل ليلة من ليالي رمضان فعليك يا عبد الله أن تتحرى هذا الخير العظيم وأن تتخذ من الأسباب والوسائل ما يكون سببا لعتقك من النار وذلك بعظيم رجائك في الله وحسن إقبالك على الله وصدقك معه في عبادته وإخلاصك له جل في علاه وحسن اتباعك لرسوله صلوات الله وسلامه عليه:
أيها المؤمنون: إننا نستقبل موسما عظيما وشهرا مباركا تنوعت خيراته وتعددت ما لله فيه من العطايا والهبات فلنغنم شهرنا من أول لحظاته ولنجاهد أنفسنا على حسن الطاعة لله جل وعلا فيه وأعظم الناس أجرا في رمضان وغيره أكثرهم لله ذكرا وأعظمهم إقبالا على الله وأعظمهم عناية بتحقيق تقوى الله جل وعلا:
اللهم يا ربنا يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم اجعل لنا أجمعين هذا الشهر المبارك مغنما واجعله إلى الخيرات مرتقى وسلما يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام: أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم:
الحمد لله حمد الشاكرين وأثني عليه ثناء الذاكرين لا أحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد أيها المؤمنون عباد الله: اتقوا الله تعالى: عباد الله: يستقبل المؤمنون في كل مكان في هذه الأيام القريبة القادمة موسم رمضان ذلكم الشهر العظيم شهر الخيرات والبركات يستقبله المسلمون - عباد الله - والأمة في بعض بلدان المسلمين يعانون من جراحات مثخنة ونزيف مؤلم وفي بعض ديارهم يعانون من فتن متلاطمة وفتن تموج وتتلاطم بالناس ولا عاصم من ذلك إلا الله جل وعلا عباد الله: وعندما يتأمل المسلم الناصح الغيور في هذا الواقع المرير المؤلم في بعض ديار الإسلام يتوجه إلى الله وهو يستقبل هذا الشهر المبارك سائلا ربه جل في علاه أن يجعل هذا الشهر المبارك شهر عز لأمة الإسلام وصلاح لأحوالها ونجاة لها من الفتن وخلوص من المحن وحقن لدماء المسلمين وأمن لروعاتهم وستر لعوراتهم وكشف لغمتهم في كل مكان ولا ملجأ إلا إلى الله سبحانه وتعالى فينبغي علينا - أيها المسلمون- فردا فردا أن نلجأ إلى الله تبارك وتعالى بصدق وإخلاص أن يكشف الغمة وأن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان وأن يعيذهم أجمعين من الفتن ما ظهر منها وما بطن:
أيها المؤمنون عباد الله: ومما ينبه عليه في هذا المقام أنه لا يجوز لمسلم أن يصوم قبل رمضان يوما أو يومين من أجل الاحتياط للصيام قال صلوات الله وسلامه عليه كما ثبت في صحيح مسلم من حيث أبي هريرة رضي الله عنه: ( لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صوما فليصمه ): وجاء في الترمذي عن عمار رضي الله عنه أنه قال: ( من صام اليوم الذي يشك فيه الناس فقد عصى أبا القاسم ): إلا من كان له صيام - كمن اعتاد صيام الاثنين مثلا - فإن له أن يصومه لأنه من عادته أن يصوم الاثنين أما أن يصوم قبل رمضان يوما أو يومين على وجه التحري والاحتياط فإن ذلك لا يجوز بل هو معصية للنبي الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه واعلموا أن أصدق الحديث كلام الله وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار وصلوا وسلموا - رعاكم الله - على محمد بن عبد الله كما أمركم الله بذلك في كتابه فقال: ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ﴾: وقال صلى الله عليه وسلم: ( من صلى عليا صلاة صلى الله عليه بها عشرا ): اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين أبى بكر الصديق وعمر الفاروق وعثمان ذي النورين وأبي الحسنين علي وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين:
اللهم أعز الإسلام والمسلمين اللهم أعز الإسلام والمسلمين اللهم أعز الإسلام والمسلمين اللهم انصر من نصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم اللهم انصر إخواننا المسلمين المستضعفين في كل مكان اللهم انصرهم في أرض الشام وفي كل مكان اللهم كن لهم ناصرا ومعينا وحافظا ومؤيدا اللهم آمن روعاتهم واستر عوراتهم واحقن دماءهم اللهم وعليك بأعداء الدين فإنهم لا يعجزونك اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك اللهم من شرورهم اللهم من أرادنا أو أراد أمننا أو أمن إخواننا المسلمين في كل مكان بسوء فأشغله في نفسه واجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميره يا ذا الجلال والإكرام اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين: اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من سديد الأقوال وصالح الأعمال اللهم وفق جميع ولاة أمر المسلمين لتحكيم شرعك يا حي يا قيوم اللهم وول عليهم خيارهم واصرف عنهم شرارهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام اللهم أعنا ولا تعن علينا وانصرنا ولا تنصر علينا وامكر لنا ولا تمكر علينا واهدنا ويسر الهدى لنا وانصرنا على من بغى علينا اللهم اجعلنا لك ذاكرين لك شاكرين إليك أواهين منيبين لك مخبتين لك مطيعين اللهم تقبل توبتنا واغسل حوبتنا وثبت حجتنا واهد قلوبنا وسدد ألسنتنا واسلل سخيمة صدورنا اللهم آت نفوسنا تقواها زكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفة والغنى اللهم يا رب العالمين بلغنا شهر رمضان وأعنا فيه على الصيام والقيام ووفقنا فيه يا ربنا لما تحبه وترضاه من سديد الأقوال وصالح الأعمال يا ذا الجلال والإكرام اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات ربنا إنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين:
