تلخيص قصة هجرة النبي - صلى الله عليه وسلّم - من كتاب
الفصول في سيرة الرسول للحافظ ابن كثير - رحمه الله - والاستنباطات والدروس
الدعوية المستافدة منها
الفصول في سيرة الرسول للحافظ ابن كثير - رحمه الله - والاستنباطات والدروس
الدعوية المستافدة منها
بسم الله الرحمن الرحيم
تعريف بالمصنّف ومنهجه في الكتاب
تعريف بالمصنّف رحمه الله
اسمه ونسبه : هو الإمام الحافظ المؤرخ الفقيه عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القيسي القرشي الدمشقي
واشتهر بلقب ابن كثير منسوبا إلى جده
مولده : وُلد بمجدل قرية شرقي بصرى من أعمال دمشق في حوالي سنة 701ه وكان أبوه خطيبا بها ثم انتقل إلى دمشق سنة 707ه مع أخيه كمال الدين عبدالوهاب بعد موت أبيه
طلبه للعلم ومناصبه العلمية ومكانته:
حفظ القرآن وقرأ القراءات وبرع في التفسير والفقه والنحو وأقبل على حفظ المتون ومعرفة الأسانيد والعِلَل والتأريخ حتى برع في ذلك وهو شاب وأفتى ودرس وناظر
تبرز مكانة الإمام ابن كثير رحمه الله العلمية من خلال ما وليه من مدارس العلم والمساجد التي كان يدرس فيها كمدرسة الحديث الأشرفية والمدرسة الصالحية والجامع الأمويّ وغيرها من المدارس والمساجد التي كان لشيوخها منزلة عظيمة
ثناء العلماء عليه : من العلماء الذين أثنَوا عليه الإمام الذهبي والحافظ ابن حجر العسقلاني وغيرهم ممن شهد له بالعلم الواسع والحفظ والضبط فيه
ومن أبرز شيوخه ومؤلّفاته : شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام المزيّ والإمام الذهبي
وله مؤلفات عديدة مفيدة في علوم شتّى منها
اختصار علوم الحديث
البداية والنهاية
تفسير القرآن العظيم
الفصول في سيرة الرسول
وفاته : توفيّ - رحمه الله - في شهر شعبان سنة 774ه في دمشق ودُفن بمقبرة الصوفية
منهج ابن كثير في كتابه الفصول في سيرة الرسول
أولا : ذكر الخبر وتأييده بما صحّ من الأحاديث والآثار ثم مناقشة الآراء وترجيحها
ثانيا : يمتاز تأليفه بعبارة عن خلاصة كتب متعددة وعصارة أفكار عالم محدّث ومؤرّخ وفقيه ومفسّر
ثالثا : يمتاز كذلك بعرض موضوعات عديدة بإحاطة وشمول ومناقشات موضوعية خلال آراء غيره
رابعا : اعتماده على المصدر الأول القرآن الكريم وكتب الحديث بترجيح ما ورد فيها صحيحا على أخبار كتب المغازي والسير وتفرّد في هذا النهج وأصبح رائدا لمن جاء بعده وذلك مع الالتزام بالدقة والضبط في إيراد النصوص الحديثية وأقوال العلماء
خامسا : حسن تنظيم وتقسيم الكتاب وتحديد الموضوعات بما يُبعِد القارئ عن عدم الاستعاب والفهم الكامل كاقتصاره في كلّ فصل بموضوع واحد
سادسا : يتميز الكتاب كذلك بالاشتمال على فصل في الخصائص النبوية لتكتمِل معالم السيرة النبوية فيه بالاحتواء على السيرة والدلائل والشمائل والأحوال والخصائص فبذلك جمع المؤلف بين الاختصار والشمول بما يؤدّي إلى سهل التناول وأحسن القبول
مواضع الكتاب
يشمل الكتاب على جزأين متباينين : الأول في سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وغزواته والثاني في أحواله وأعلام نبوته وخصائصه وشمائله
تلخيص قصّة الهجرة
قبل ذِكرِ قصّة هجرة النبي صلى الله عليه وسلم باختصار مع أبراز مواضعها كان جديرا بأن تُسرَد الحوادث التي سبقتها وتُذكر بوادرها لأجل استعاب وفهم أسبابها وبواعثها المهمة
لم يزلِ المسلمون في العهد المكي منذ أن جهر النبي صلى الله وسلم بالدعوة يواجهون التعذيب والإيذاء المعنويّ والجسديّ من قريش فترتبت على ذلك هجرتَاهم إلى الحبشة وحصارهم ومقاطعتهم وسوء معاملتهم تجاههم
وبعد أن رفض نصرتهم وأساء إلى النبي صلى الله عليه وسلم أهلُ الطائف وذلك بعد وفاة أبي طالب وخديجة
رضي الله عنها رجع إلى مكّة صابرا ومحتسبا فما زالت قريش تُصِرّ على إيذائه وأصحابه الكرام رضي الله عنهم أجمعين
فعند ذلك أخذ الحافظ ابن كثير رحمه الله يذكر الفصول تتعلق بهجرة النبي صلى الله عليه وسلّم والبدايات التي كانت بين يدَي هذه الهجرة من إتيان الناس من المدينة وموافقتهم على مناصرة الرسول ومؤازرته مما ترتّب على ذلك فيما بعد هجرته إلى المدينة وبقائه فيما إلى أن توفي فيها صلى الله عليه وسلّم فكانت هجرته منطلق الدعوة ومأرز الإيمان ونصرة لدين الله عز وجلّ
فكان مما صنع الله لأنصاره من الأوس والخزرج أنهم كانوا يسمعون من حلفائهم من يهود المدينة أن نبيًّا مبعوث في هذا الزمن ويتوعدونهم به إذا حاربوهم ويقولون : "إنّا سنقتلكم معهم قتل عاد وإرم" وكان الأنصار يحجّون البيت كما كانت العرب تحجّه وأما اليهود فلا
فلما رأى الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الله تعالى ورأوا أمارات الصدق عليه قالوا : "هذا والله الذي تَوَعَّدكم اليهود به فلا يسبقنّكم إليه"
فمن الناس من الوفود الذين قدموا إلى مكّة والذين عرض النبي صلى الله وسلم لهم الإسلام من لم يعارضوه بالتكذيب بل استحسنوا كلامه واستجودوه كسُويد بن صامت ومنهم من أسلموا كإياس بن معاذ رضي الله عنه عندما أتى من المدينة مع فتية من قومه يطلبون من قريش التحالف معهم ضدّ الخزرج فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام فأعجبه كلامه ودعوته فقال : "يا قومُ هذا والله خير مما جئنا له" أي دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى دين الله وتوحيده والإخلاص ونبذ الشرك خير من طلب التحالف مع قريش فأسلم على إثر الرجوع إلى المدينة وممن أسلم أيضا في موسم الحج قبل الهجرة بثلاث سنوات وقبل بيعتَي العقبة الأولى والثانية ستة نفر من الأنصار ومنهم جابر بن عبد الله رضي الله عنهم فأسلموا بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام مبادرة إلى الخير ثم رجعوا إلى المدينة فدعوا إلى الإسلام ففشا الإسلام فيها حتى لم تبقَ دار إلا وقد دخلها الإسلام
فلما كان العام المقبل جاء منهم اثنا عشر رجلا : الستة الأول خلا جابر بن عبد الله وآخرون من الأوس والخزرج فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كبيعة النساء فلما انصرفوا إلى المدينة بعث معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمّ مكتوم ومصعب بن عُمير يعلّمان من أسلم منهم القرآن ويدعون إلى الله فأسلم على يديهما بَشَرٌ كثير رجالا ونساءً فكثر الإسلام بالمدينة وظهر ثم رجع مصعب بن عُمير إلى مكّة ووافى الموسم ذلك العام خَلْق كثير من الأنصار من المسلمين والمشركين وبايع رسولَ الله ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان ليلة العقبة خفيةً من قومهم ومن كفّار مكّة على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم وأزرهم فكان أول من بايعه لَيلَتَئِذٍ البراء بن معرور زعيم القوم إذ أكّد العقد وبادر إليه وحضر العباس عمّ الرسول صلى الله عليه وسلم موثّقا مؤكّدا للبيعة واختار رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم تلك الليلة اثني عشر نقيبا ومنهم عبد الله بن عمرو والد جابر وكان قد أسلم تلك الليلة فلما تمّت هذه البيعة استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يميلوا على أهل العقبة فلم يأذن لهم في ذلك بل أذن للمسلمين بعدها من أهل مكّة في الهجرة إلى المدينة فبادر الناس إلى ذلك حتى لم يبقَ بمكّة من المسلمين إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعليّ رضي الله عنهما أقاما بأمره لهما
وخلا من اعتقله المشركون كرهاً، وقد أعدّ أبو بكر رضي الله عنه جهازه وجهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم، منتظراً حتى يأذن الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم في الخروج.
فلما كانت ليلة همّ المشركون بالفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرصدوا على الباب أقواماً، إذا خرج عليهم لقتله، فلما خرج عليهم لم يرَه منهم أحد، فخلص إلى بيت أبي بكر رضي الله عنه، فخرجا من خوخة في دار أبي بكر ليلاً، وقد استأجرا عبد الله بن أُريقِط، وكان هادياً خِرِّيتاً، ماهراً بالدلالة إلى أرض المدينة، وأمّناه على ذلك مع أنه كان على دين قومه، وسلّما إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث، فلما حصلا في الغار عمى الله على قريش خبرهما، فلم يدرَوا أين ذهبا
وكان عامر بن فهيرة، يريح عليهما غنماً لأبي بكر، وكانت أسماء بنت أبي بكر تحمل لهما الزاد إلى الغار، وكان عبد الله بن أبي بكر يتسمّع ما يقال بمكّة ثم يذهب إليهما بذلك فيحترزان منه.
وجاء المشركون في طلبهما إلى ثور، وما هناك من الأماكن، حتى إنهم مرّوا على باب الغار، وعمى الله عليهم باب الغار وذلك تأويل قوله تعالى ﴿ إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيّده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم ﴾ وذلك أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه لشدة حرصه بكى حين مرّ المشركون، وقال: "يا رسول الله، لو أنّ أحدهم نظر موضع قدميه لرآنا"، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟"
ولما كان بعد الثلاث أتى ابن أُريقط بالراحلتين فركباهما، وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة وسار الديلي أمامهما على راحلته.
وجعلت قريش لمن جاء بواحد من محمّد صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه مائةً من الإبل، فلما مرّوا بحيّ مُدلج، بصر بهم سراقة بن مالك بن جُعشُم، سيّد مُدلج، فركب جواده وسار في طلبهم، فلمّا قرُب منهم سمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم،
وأبو بكر رضي الله عنه يكثر الالتفات حذراً على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهو صلى الله عليه وسلم لا يلتفت، فقال أبو بكر: يا رسول الله هذا سراقة بن مالك قد رهقنا.
فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فساخت يدا فرسه في الأرض فقال: رميت، إن الذي أصابني بدعائكما، فادعوا الله لي، ولكما على أن أردّ الناس عنكما، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلق، وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب له كتاباً أمنا، فكتب له أبو بكر في أدم، ورجع يقول للناس: قد كفيتم ما ههنا.
وقد جاء مسلماً عام حجّة الوداع ودفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب الذي كتبه له، فوفى له رسول الله صلى الله عليه وسلم بما وعده وهو لذلك أهل.
ومرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيره ذلك بخيمة أم معبد فقال عندها، ورأت من آيات نبوته في الشاة وحلبها لبناً كثيراً في سنة مجدبة ما بهر العقول.
كان قد بلغ الأنصار خروج النبي صلى الله عليه وسلم من مكّة متجها إلى المدينة وكانوا يخرجون كل يوم لانتظاره فلما كان يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول قدم عليهم حيث اشتدّ الضحاء فكان أول من بصُر به رجل من اليهود فنادى يا بني قَيلة هذا جَدّكم الذي تنتظرون فخرج الأنصار إلى لقائه وحيّوه بتحية النبوة ونزل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقباء على بني عَمر بن عوف فأقام بها أربعة عشر يوما وأسّس حينئذٍ مسجد قباء ثم ركب بأمر الله تعالى له فسارت الناقة بدور الأنصار حتى وصلت موضع مسجده اليوم فبركت على أرض دار بني النجّار فاشترى رسول الله موضع المسجد وبناه وبنى لآل رسول الله حجرا إلى جانبه وأما عليّ رضي الله عنه فأقام بمكّة ريثما أدّى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده ثم لحق برسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثم عاهد مَنْ بالمدينة من اليهود وأسلم حبرهم عبدالله بن سلام وكفر عامتهم وآخى بين المهاجرين والأنصار فاستقرّ بين أظهر الأنصار فتكفّلوا بنصره ومنعه
الفوائد والاستنباطات والدروس الدعوية المستفادة من قصة الهجرة
حسن اختيار الداعية الذي يعرِف مضامين الدعوة وأساليبها وصِنف وأحوال المدعوين
اختيار النبي صلى الله عليه وسلّم مصعب بن عمير رضي الله عنه عن علم بشخصيته من جهة وعلم بالوضع القائم في المدينة من جهة أخرى حيث كان بجانب حفظه لما نزل من القرآن يملك من اللباقة والهدوء وحسن الخلق والحكمة قدرا كبيرا فضلا عن قوة إيمانه وشدة حمّاسه للدين
كانت الصورة (في بيعة العقبة الثانية) واضحة وضوحا عميقا في أذهان المبايعين حيث كانوا يدركون بعمق بيعتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأنها مفاصلة للناس كافة وتعرّض للقتال والقتل وما ذلك إلا نتيجة للتربية التي تلقَّوها من الداعية الذي تربّى من قبل على يد رسول الله وهو مصعب بن عمير الذي كان أهل المدينة يسمّون عندما قدم عليهم المقرئ وقد أسلم على يديه كثير من الأنصار
وكذلك اختياره النقباء من بين أفضل الأنصار لتكون لهم المسؤولية على قومهم والمتابعة
الإسلام لا يدعو إلى القومية والتعصّب العُنصُريّ
لم تكن البيعة والهجرة والجهاد ليتمّ لو لا انسلاخ المؤمنين الجدد من ولائهم القبليّ والوطنيّ للولاء الشرعي وتركهم لقياداتهم العشائرية إلى القيادة الإسلامية الواحدة وذلك نتيجة التربية المتواصلة التي بذلها النبي صلى الله عليه وسلّم لأصحابه حتى تعلقت قلوبهم بربّهم الكريم وحتى خلصت نفوسهم من حظّ نفوسهم وتعلّقوا بالآخرة هم ما زالوا على وجه هذه الأرض يأمرون بالمعروف وينهَون عن المنكر ويدعون إلى الله ورسوله فأصبحت العقيدة الصحيحة همّهُم الأول الذي يبذلون في سبيله كلّ غالٍ ورخيصٍ ولو كان ذلك بترك بلدهم الذي تربَّوا في ربوعه وإن كان هذا البلد هو البلد الأمين الذي أحبّوه من كل قلوبهم ولو كان ذلك الموت فإنهم لا يبالون بذلك في سبيل الله تعالى
أهداف من المؤاخاة بين الأوس والخزرج : تخفيف آلام الغربة وتأليف قلوب الصحابة بعضهم على بعض ومواساة بعضهم بعضا ومساعدة بعضهم لبعض حتى يساعد القويّ الضعيف والغنيّ الفقير
كان الأوس والخزرج في وقت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم يعانَون فتنا كبيرة وحروبا حادة بينهم وقد مات بسسبها كثير من أشرافهم وأعيانهم فكانوا يأمَلون أن تنتهيَ هذه الحروب بدخولهم في الإسلام فلبّاهم النبي صلى الله عليه وسلم فيما رغبوا فيه بدعوته من إخلاص الأخوة لله وكفّ العداوة والعدوان وتأليف القلوب حول التوحيد وإعلاء كلمة الله عز وجلّ فأصبحوا في مثل هذه الحال مهيّئين لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم به ليكونوا منضوين جميعا تحته
فالعقيدة الإسلامية الصافية، هي وحدها القادرة على التأليف بين القلوب المتنافرة وإزالة الحقد والكراهية والبغضاء بين الناس، ويتضح ذلك جليًّا بعد هجرة نبينا صلى الله عليه وسلم إلى المدينة؛ حيث ألَّف الله تعالى بين قلوب الأوس والخزرج، فعاشوا جميعًا في أمن وسلام بعد المعارك الطاحنة التي وقعت بينهما لسنوات عديدة حصدت خلالها الكثير من الأرواح من كلا الجانبين؛ قال الله تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ﴾آل عمران103
قال ابن كثير: هذا السياق في شأن الأوس والخزرج، فإنَّه كانت بينهم حروب كثيرة في الجاهليَّة، وعداوة شديدة وضغائن، طال بسببها قتالهم والوقائع بينهم، فلمّا جاء اللَّه بالإِسلام فدخل فيه من دخل منهم، صاروا إخوانًا متحابِّين بجلال اللَّه، متواصلِين فِي ذات اللَّه، متعاونين على البرّ والتقوَى
على الداعية إلى الله أن يتحلّى بالصبر
يستفاد من حادثة مبادرة إسلام الستة النفر من الأنصار أنّ الداعي إلى الله لا ينبغيى أن ييأس أو يحبط من صدّ الناس وإعراضهم عنه فقد ظلّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عشر سنوات يعرّض نفسه على القبائل فلا يجد منهم قبولا حتى لقي بعدها أولئك النفر من الخزرج اللّذين آمنوا به وصدّقوه وترتب على إيمانهم به تحولات عظيمة وكبيرة في مسيرة الدعوة
كذلك يستفاد من حادثة سراقة بن مالك أن على الداعية الصبر والمواظبة على دخول الناس في الإسلام حيث لقيه النبي صلّى الله عليه وسلّم ودعاه إلى الإسلام وتأخّر إسلامه إلى عام الفتح وفي هذه الحادثة معجزة باهرة للنبي صلّى الله عليه وسلّم ودليل من دلائل النبوة وكذلك إسلام إياس بن معاذ إذ أعجبه كلام النبي صلّى الله عليه وسلّم ودعوته إلى الإسلام والتوحيد وتأخر إسلامه وكذلك عبد الله بن عمر والد جابر إذ جاء مشركا إلى النبي بعدما لازم دعوة الإسلام في المدينة فشرح صدره إلى الإسلام وكذلك العبّاس بن عبد المطلب وغيرهم
المبادرة والإقبال على الدعوة
مبادرة النبي صلّى الله عليه وسلّم وسعيه إليهم للدعوة وحسن الإقبال عند وفود المواسم حيث لما سمع بمقدم هؤلاء الفتية عرض عليهم الدعوة إلى دين الله وتلا عليهم من القرآن فأسلموا مبادرة إلى الخير وأصبحو مفتاح خير لأمر عظيم كان في المدينة فأيّد ومهّد وساق الله على أيديهم الدعوة فيها والاستقرار والنصرة
ومبادرة استجابتهم للإسلام دليل على كمال دعوة النبي وبركته العظيمة
وكذلك في بيعتَي العقبة الأولى والثانية دليل على فضل أولئك النفر من الأنصار الذين أسلموا وبايعوا النبي صلّى الله عليه وسلّم فيهما وما ترتّب عليهما من انتشار الإسلام في المدينة وتمهيد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليها بعد ذلك
على الداعية أن يستغلّ كل مناسبة يجتمع فيها الناس للدعوة إلى الإسلام ودليل ذلك في عرض النبي صلّى الله عليه وسلّم نفسه على القبائل أيّام المواسم
التدرّج في مراحل الدعوة حيث مهّد وعرض الإسلام عند بيعة العقبة الأولى على عدم الشرك وعدم الفواحش دون القتال وعند بيعة العقبة الثانية بايع الأنصار النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على نصرته ومؤازرته مثل ما ينصروا أنفسهم وبنيهم ونسائهم
أهمية اللين والرفق ومراعاة الآداب الفضيلة والخلق المناسبة مع الناس لا سيّما مع كبار السنّ بتقديرهم واحترامهم ودليل ذلك إتيان النبي صلى الله عليه وسلم خيمة أمّ معبد بما أوجبه عليها أن تؤمن به وتصدّقه ومن ذلك بركة النبي ومعجزاته العظيمة وحسن الخلق معها كاستئذانه لحلب الشاة وتواضعه لهم
ونظير ذلك فيما دلّ على تواضعه حديث أبي هريرة عن رَسول اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا اسْتَكْبَرَ مَنْ أَكَلَ مَعَهُ خَادِمُهُ، وَرَكِبَ الْحِمَارُ بِالْأَسْوَاقِ، واعتقل الشاة فحلبها" (صحيح الأدب المفرد)
ومن هذه القصّة ذُكرت صفات النبي صلى الله عليه وسلم الخَلقية والخُلُقية بشكل دقيق بليغ شامل ما لم يسبق وصفه بهذه التفاصيل
فأكرم الله أمّ معبد وزوجها فأسلما بعد ذلك رضي الله عنهما
أهمية بناء المساجد في الإسلام وذلك في بدء النبي صلّى الله عليه وسلّم ببناء مسجدَي قباء الذي أُسّس على التقوى والنبويّ بمجرد وصوله إلى المدينة لأهمية دورها ومكانتها العظيمة ولأنها دور العبادة ومعهد العلم وفيه يلتقي المسلمون وهو محور كل مجتمع إسلاميّ وعلامته الفارقة
وجوب حسن الظنّ بالله عزّ وجلّ والتوكّل عليه والثقة بنصره وعونه وتأييده والدليل على ذلك حادثة غار ثور إذ طلبت قريش النبي صلى الله وعليه وسلم وأبا بكر فعلى الداعية أن يحسن الظن به ويتوكل عليه في أموره كلّها وكذلك بذل أسباب الدعوة المشروعة إلى الإسلام كعرضه على القبائل وبناء مسجدَي قباء والنبويّ واختيار أعلم الصحابة لأجلها وغير ذلك من هذه الأمور
مراجع البحث
الفصول في سيرة الرسول بتحقيق سليم الهلالي هداه الله طبعة غراس
الفصول في سيرة رسول بتحقيق محمد العيد الخطراوي ومحيي الدين مستو طبعة ابن كثير
تربية النبي لأصحابه للدكتور خالد بن عبد الله بن مسلّم القرشي طبعة مكتبة دار المنهج
تعليقات الشيخ عبدالرزاق بن عبدالمحسن البدر على كتاب الفصول في سيرة الرسول
الإصابة في تمييز الصحابة للحافظ ابن حجر العسقلاني
تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير
حصول المأمول بشرح مختصر الفصول في سيرة الرسول للدكتور هاني أحمد فقيه
لطالب الستوى الرابع من كلية الدعوة وأصول الدين : شفريو جان بتيست
مادة تريخ الدعوة - السنة 1446 ه
